‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسعد أبو خليل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أسعد أبو خليل. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٧ تشرين الثاني ٢٠٠٩

الانتخابات والإصلاح: العـلاقة المعكوسة


الانتخابات والإصلاح: العـلاقة المعكوسة

من التحضيرات للحملة الانتخابيّة (بلال جاويش)

من التحضيرات للحملة الانتخابيّة (بلال جاويش)
إذا كان هربرت مركوز قد حكم في دراسة له في أوائل السبعينيات عن التسامح المجرّد والعملي على الديموقراطيّة الغربيّة (في «موجتها الثانية») بأنها ديموقراطية قامِعة، فيمكن النظر إلى الانتخابات في «الموجة الثالثة» بأنها اختيار غير حرّ يهدف إلى شرعنة من كان يمكن تنصيبه. أي أن مهمة تنصيب وكلاء العالم الأول أصبحت أكثر وثوقاً نتيجة اختلاق وسائل للفرض ولجعل التعيين يبدو اختياراً. أي أن الانتخابات تستطيع أن تنفّذ مشيئة الإمبراطوريّة والمصالح الاقتصاديّة الغربيّة أكثر من قدرة الطغيان التقليدي. لهذا، فإن الولايات المتحدة لم تكذب في رغبتها فرض أشكال من هيمنتها على دول في العالم عبر (ومن خلال) صناديق اقتراع جوفاء (أو مملوءة أحياناً)

أسعد أبو خليل*
يمكن النظر إلى دور العمليّة الانتخابيّة في سند الاحتلال والنفوذ الاستعماري المُتجدّد في نشر صور الاقتراع الدوري في العراق تحت الاحتلال، حتى في حمأة الصراعات الطائفيّة والمذهبيّة. كانت الولايات المتحدّة التي تقرّر موعد الانتخابات وأهليّة المرشحين (مثل مجلس الخبراء في إيران) تعمد إلى استعمال حفلات الاقتراع من أجل تسويغ احتلالها وعنفها. وموسم الانتخابات مزدهر هذه الأيام إلى درجة أن العائلة المالكة في مملكة القهر السعودية أنشأت مبنى ضخماً ومجهّزاً أحدث تجهيز مقرّاً لمجلس شورى صُوَري. أي أنها أنشأت مجلساً من دون تمثيل أو اقتراع، كما أن طغاة العالم العربي يخطبون أمام جمهرة منتقاة منهم هم، ثم يصدّقون أنهم يواجهون ممثلي الأمة.
صدر قبل سنتيْن كتاب بالإنكليزيّة لبول كوليير بعنوان «الحروب والبنادق والاقتراع: الديموقراطيّة في مناطق خطرة». الكتاب كعادته لم يحظ باهتمام ربما للانشغال بكتب المشاهير وكتب شيوخ النفط وأمرائه. الكتاب يقيّم التأثيرات السلبيّة للانتخابات في دول العالم النامي. وللعولمة جوانب متعدِّدة: منها السياسيّة ومنها الثقافيّة ومنها العسكريّة (أو الحربيّة) ومنها الديموقراطيّة، أو لنُسمِّها عولمة القهر. كانت «الحريّة» هي عنوان غزوات الإمبراطوريّة الأميركيّة أثناء الحرب الباردة، وكانت الحريّة تعني عدم (أو نقيض) الشيوعيّة فقط، لا غير. وبناءً على هذا المعيار، لم تكن الحكومة الأميركيّة لتعترض على حكومة الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أو على حكومة الحكم العسكري في اليونان أو حكم بينوشيه في تشيلي. يكفي أن تعارض الشيوعيّة لتدخل في حيّز الحريّة الذي ضم في بلادنا طغاة من مقاييس وبزّات ودشداشات مختلفة ومتنوّعة. كانت الإمبراطوريّة الأميركيّة تصرّ على الانتخابات الديموقراطيّة فقط في الدول التي كانت منضوية في المعسكر الشيوعي، وعندما سقطت الشيوعيّة لم تعد مسألة الديموقراطيّة مهمّة في تلك الدول. مثال على ذلك الحاكم بأمره في جورجيا، ميخايل ساكاشفيلي، المليء بالعظات السياسية عن سياسات أميركا (وروسيا أيضاً). والانتخابات إذا أدّت إلى انتصار أعداء أميركا أو خصومها تصبح منبوذة، مثلما تعاملت أميركا مع أكثر الانتخابات ديموقراطيّة في جزء من فلسطين (وإن كانت الفصائل الفلسطينيّة مخطئة في قبول مبدأ الانتخابات في ظلّ الاحتلال، وكأن التحرير يتلو الانتخابات لا العكس) أو ما حصل في جمهوريّة مولدوفا أخيراً حيث نزل خصوم الشيوعيّين إلى الشارع وحرقوا ودمروا ونشروا أعمال شغب ضد انتخابات اعترفت المجموعة الأوروبيّة بديموقراطيّتها. والإعلام الغربي يتعامل بإعجاب مع أعمال شغب وعنف إذا كانت ضد حكومات (ديموقراطيّة أو دكتاتورية، لا فرق) تعارض أميركا، وتعارض حتى التظاهرات السلميّة ضد حكومات تناصر الإدارة الأميركيّة، كما حصل مع التظاهرات ضد حكومة السنيورة في لبنان.
وقد لاحظت مجلّة «الإكونوميست» الرصينة (وقد تكون أفضل مجلّة سياسيّة في العالم قاطبة، وقد حصل ماركس ـــــ الذي واظب على قراءتها في لندن ـــــ على اشتراك فيها من «كولن» في ألمانيا عندما انتقل إليها مؤقتاً عام 1848 رغم خطها الرأسمالي الليبرتاري) أن أعمال عنف وقلاقل صاحبت ورافقت وتلت انتخابات في نيجيريا وزامبيا وكينيا في السنتيْن الماضيتيْن. كما أن الانتخابات في لبنان غالباً ما تتصاحب مع أعمال عنف وقلاقل رغم نزوع خالد ضاهر (الذي نسي البعض أنه دعا إلى الجهاد ضد طائفة من اللبنانيّين قبل أقلّ من سنة) وتيّار المستقبل إلى الوئام والمحبّة اللذين يتقنهما مفتي جبل لبنان أكثر من غيره ـــــ رغم تصريح له أخيراً يؤكّد فيه أن كل عملاء إسرائيل أتوا من «بيئة المقاومة»، وإن لم يقصد أن يكون معنى كلامه طائفيّاً ـــــ مذهبيّاً لأنه من دعاة الوحدة بين المذاهب والأديان. ويمكن الحديث عن هوس الانتخابات في عالم ما بعد الحرب الباردة لأن الولايات المتحدة تريد وسيلة لشرعنة تنصيب أدواتها وحلفائها حول العالم. وعولمة القهر تتأتى من قدرة الولايات المتحدة على فرض أجندة الصورة والمسلك (لا المضمون) الانتخابيين على دولة لا تتماشى مع إرادة الولايات المتحدة. وعولمة القهر هو ما رصدته الكاتبة الكندية نعومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة» حيث درست معالم العلاقات الدوليّة في الحقبة الحالية عندما تفرض الولايات المتحدة رأسماليّة متوحشة على البلدان النامية وبشتى الوسائل والحيل، حتى لو اقتضى الأمر صدمة الحروب والغزوات (والكاتبة كلاين بدأت بدراسة الظاهرة من خلال تغطيتها غزو العراق ولاحظت أن أولويّات بول بريمر كانت محض اقتصادية). و«عقيدة الصدمة» يمكن أن تلجأ إلى الدعوة للانتخابات إذا اقتضت المصلحة وأن تلجأ إلى منع الانتخابات إذا ما اقتضت المصلحة ذلك (كانت الولايات المتحدة تزمع اللجوء إلى الانتخابات في العراق عندما كانت معارضة المنفى العراقيّة تقنع الإدارة الأميركيّة بأنها قادرة على الفوز بسهولة في أية انتخابات حرّة بعد التخلّص من صدّام، وعندما تيقّنت الولايات المتحدة من بطلان الزعم بعد سقوط صدّام لجأت إلى الحيلة وحاولت التسويق لـ«مجالس معيّنة» من أجل فرض أدواتها ومنفِّذي مشيئتها من أمثال أياد علاوي وشيعة الاحتلال (الذين وفّقوا ويوفّقون بين الولاء للفقيه الإيراني والولاء للفقيه الأميركي).
رستم غزالة (أرشيف ــ هيثم الموسوي)رستم غزالة (أرشيف ــ هيثم الموسوي)

الحديث عن تقييم الديموقراطيّة هو في جانب منه حديث عن مقاييس الديموقراطيّة ومعاييرها، وخصوصاً أن منظمات ما يسمّى (زوراً أحياناً بسبب الارتباط المالي بالدولة هذه أو تلك، والذي ينفي حكماً التعريف الهيغلي لها) بـ«المجتمع المدني». فمنظمة «بيت الحريّة» في نيويورك عملت خلال الحرب الباردة على التعامل مع موضوع الحرية الاقتصاديّة الرأسمالية كصنو للحريّة بمعناها المطلق من أجل تدعيم موقع الولايات المتحدة في صراعها مع الاتحاد السوفياتي. ومعايير «بيت الحريّة» تخضع لشتى الاعتبارات الانتقائيّة والاعتباطيّة، مع أن المنظمة أدرجت إسرائيل، للمرّة الأولى، في خانة الدول ذات «الحريّة الجزئيّة» (مقابل دول «حرّة» ودول «غير حرّة»)، رغم إدراجها الكويت فوق مرتبة لبنان في حريّة الصحافة، وهذا دليل إضافي على جهل معايير المنظمة وانحيازها. لكن كتاب كوليير لا يعنى بذلك لأنه مهموم بشؤون طقوس الانتخابات، والهوس بحدوثها في البلدان النامية وكأنها الحلّ السحري: وهذا ينطوي على أغراض غير بريئة لدى دول الغرب التي تعرف كيف تستفيد من فرص الانتخابات ليس للتأثير على نتائجها عبر المال والمساعدات والقروض (ويُقحَم في هذا منظمة النقد العالمية والبنك الدولي اللذان تدخّلا في التسعينيات لإنقاذ ـــــ بإيعاز من إدارة بيل كلينتون ـــــ بوريس يلتسن من سقوط محتوم بسبب ظهوره مخموراً ومترنّحاً في حملته الانتخابيّة، بالإضافة إلى شرعنة الحلفاء والوكلاء والطغاة «المعتدلين»). والفيلسوفة حنة أرندت أدرجت الاقتراع في حد ذاته في خانة «العمل» لا في خانة «السياسة» التي تعتمد على الحوار والنقاش والمناظرة والتضاد الفكري والسياسي الدؤوب. ولو قُيض للسيدة أرندت أن تشهد خطب سعد الحريري في قريطم (الذي يستسيغ لعب الـ«إكس بوكس» كما روى لمجلّة «النيوربلك» الصهيونيّة المتطرّفة والتي ـــــ مثلها مثل عدد من المطبوعات الصهيونيّة الغربيّة ـــــ حظيت بدعوة كريمة من شركات ومؤسّسات مُمولّة من آل الحريري في لبنان لضمان تغطية مُتعاطفة في زمن الانتخابات، مع أن المطبوعات الصهيونيّة مُتعاطفة حكماً مع 14 آذار من دون دعوات سخيّة من شركات تابعة) لأدرجت تلك الخطب في خانة ثالثة مختلفة.
النائب سعد الحريري (جمال الصعيدي ــ رويترز)النائب سعد الحريري (جمال الصعيدي ــ رويترز)


والخلاصة التي توصّل إليها كوليير وغيره أن الانتخابات بحدّ ذاتها، وفي غياب لمعايير حقيقيّة للديموقراطيّة غير الاقتراع المحض، تعوق ولا تدفع قدماً بتقدّم بلد معيّن. ويقول كوليير إن الديموقراطيّة ـــــ إذا كانت محصورة بالانتخابات ـــــ مُضرّة بالعمليّة الإصلاحيّة. وأدبيّات الديموقراطيّة نمت وازدهرت في عصر ما بعد الحرب الباردة، وطلع صموئيل هنتنغتون بنظريّة «الموجة الثالثة» (في تمييز عن الموجة الأولى في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر والموجة الثانية في أوروبا بعد الحرب العالميّة الثانية) للإشارة إلى صعود الديموقراطيّة في العالم الثالث منتصف السبعينيات حسب تقويمه هو. ولم يكترث هنتنغتون مثل كوليير، بمعايير الديموقراطية وبشروط تقدم البلدان المعنيّة بها. ويعتقد كوليير أن الانتخابات هي ذات فعالية إيجابيّة فقط في البلدان التي يتوافر فيها التوازن والضوابط في الحياة السياسية وحيث يسود حكم القانون العادل. ويحلّل كوليير عوامل أخرى معوقة للديموقراطيّة مثل الانشطار الإثني والبطالة والديموغرافيّة الشبابيّة. ويكمن النظر إلى المعادلة تلك في النظر إلى تجربة بعض البلدان العربيّة.
من يختلف، مثلاً، حول كون الانتخابات في العراق (وهي صُوريّة نتيجة وجود جيش احتلال واسع النفوذ يتدخّل في الشاردة والواردة ويعمل على توظيف مشيئته بالوسائل العلنيّة والخفيّة، والديموقراطيّة الصوريّة هي التي حذّر كوليير من ضررها) قد زادت من حدّة الانشطارات الطائفيّة والمذهبيّة والإثنيّة في البلاد، كما أن الانتخابات النيابيّة في لبنان تزيد دائماً من حدّة الانشطارات الطائفيّة والمذهبيّة؟ هذا لا يعني أن غياب الانتخابات هو أفضل من وجودها، لكن اختزال الديموقراطيّة بالانتخابات هو إساءة لفهم العمليّة الديموقراطيّة ولطبيعة الإصلاح السياسي والاجتماعي المنشود في بلد ما. وعوائق الديموقراطيّة ليست نهائيّة وليست مُلزمة أو حتميّة في مصير الشعوب، وهناك نماذج معاصرة لإزالة عوائق الديموقراطيّة مثل ما حصل في تنزانيا أو في رواندا بعد المجازر البشعة عام 1994. ويتحدّث المؤلف عن جوليوس نيريري بإعجاب شديد لأنه جهد لبَوتقة هويّة جامعة. ومثال رواندا في الأعوام الأخيرة هو أيضاً مثال ساطع لأن الرئيس الراوندي رأى أن الانشطار الذي زرعه المستعمر بين «الهوتو» و«التوتسي» لا يتوافق مع عمليّة بناء الديموقراطيّة. لهذا، فإن قانون منع التطهير العرقي يحظّر العرقيّة من أساسها ويحرّم حتى الإشارة إلى الانقسام بين «التوتسي» و«الهوتو». وهناك غرامات باهظة لمن يخالف القانون الذي يسعى إلى صهر الشعب في رواندا في إطار هويّة وطنيّة جامعة من أجل فرض حكم القانون. (لكن بعض المنظمات القانونيّة الغربيّة والراونديّة اعترضت على صرامة القانون، وخصوصاً أن أكثر من ألف مخالفة تعرّضت للملاحقة وفق أحكام هذا القانون).
ماذا لو نقلنا التجربة إلى لبنان أو العراق؟ ماذا سيحلّ بداعي المذهبيّة والطائفيّة نوري المالكي الذي دعا أخيراً من تلفزيون الدعاية الأميركيّة «الحرة» إلى حكم الأغلبيّة الشيعيّة؟ ماذا سيحلّ بفريق آل الحريري في لبنان لو أن قانوناً قد سُنّ لتحريم الإشارة إلى الفرقة السنيّة والشيعيّة في لبنان؟ ماذا سيحلّ بخطاب مصباح الأحدب (الذي يزعم أنه ـــــ مثل غيره من النواب والوزراء الذين أتوا باعترافهم بإرادة الاستخبارات السوريّة في لبنان ـــــ حورب رغم إغداقه المدائح على حافظ الأسد وعلى بشار من بعده) لو أن الإشارة إلى السنّة والشيعة تُعتبر مخالفة للقانون؟ هناك أكثر من رجل دين سيضطرّ إلى إصدار فتاوى وبيانات من السجن «لو وصلت شرائعهم إلينا»، كما قال طانيوس عبده ذات مرّة. لكن من الجدّة الحديث عن جملة من الإصلاحات الجذريّة التي لا تستقيم الديموقراطيّة من دونها حتى لو جرت انتخابات دوريّة. والانتخابات تجري في أكثر من بلد عربي متسلّط مثل سوريا والأردن والمغرب. والنظام الانتخابي ـــــ أو إصلاحه ـــــ هو جزء لا يتجزأ من الإصلاح السياسي الضروري الذي يتطلّبه تحقيق انتخابات ديموقراطيّة ذات فوائد جمّة. أي أن الكلام في بيانات المعسكريْن المتنازعيْن في لبنان عن الإصلاح لا معنى له إذا لم يكن مقروناً ببرامج محدّدة لإصلاح النظام الانتخابي (يكتفي مرشحو الفريقيْن بالثناء على «نظام انتخابي عصري»، وكأن الإشارة محدّدة ومُتعارف عليها بين دارسي النظم الانتخابيّة) ولإنتاج هويّة وطنيّة جامعة (قد تكون ـــــ أو يجب أن تكون ـــــ مستحيلة في مسخ الوطن الذي أُنشئ رديفاً وظهيراً للكيان الغاصب). وإذا كانت الانتخابات في الأردن تعزّز، بإرادة هاشمية ملكيّة، الانقسامات القبليّة، فإن الانتخابات في الكويت هي أيضاً انشطاريّة وانقساميّة وضامنة لاستمرار السيادة الأميريّة. أي أن الانتخابات من دون محتوى ديموقراطي قد تكون أسوأ من غيابها: واندلاع الصراعات الأهليّة إثر الانتخابات الصوريّة أو غير الديموقراطيّة هو الدليل.
قد يُقال إن علّة الانتخابات تكمن في تحقيق الشرعيّة التمثيليّة، لكن هذا القول باطل أيضاً إذا كان النظام الانتخابي غير مُنصف وغير عادل. فالشرعيّة التمثيليّة لنوّاب مجلس النواب عام 1972 كانت أقل من الشرعيّة التمثيليّة لغير المُنتخبين في الكثير من المناطق اللبنانيّة، وفي هذا جانب أو بعد واحد (من أبعاد عدّة) للحرب الأهليّة. والإصرار على تفصيل قوانين انتخابيّة على مقاس مصالح طائفيّة أو حزبيّة أو إقطاعيّة (ما يُسمى «جيري ماندرينغ»، والكلمة استُنبطت عام 1812 في مدينة بوسطن للإشارة إلى تشطير للدوائر الانتخابيّة) يتعارض مع الديموقراطيّة السياسيّة (لكن من الضروري التمييز بين الـ«جيري ماندرينغ» الإيجابي ـــــ أي لزيادة تمثيل المحرومين تاريخيّاً ـــــ والـ«جيري ماندرينغ» السلبي ـــــ أي لحرمان فئات شعبيّة على أسس متنوّعة). وكان كميل شمعون (مثله مثل أنصار السيادة البيضاء في جنوب الولايات المتحدة عبر العقود) يجيد لعبة الـ«جيري ماندرينغ» لإبعاد أخصامه. والقانون الانتخابي الحالي أتى تعبيراً عن إرادة البطريرك الماروني الذي أراد أن يجعل الانتخابات النيابيّة فرصة لتأكيد (والتعبير عن) الانشطار الطائفي والمذهبي وفقاً لمعادلته الشهيرة عام 2005 عندما صاح: فلينتخب المسلمون النواب المسلمين ولينتخب المسيحيّون النواب المسيحيّين. (ويزيد البطريرك عظات ـــــ أين منها عظات أبو ملحم ـــــ عن تداول السلطة في النظم الديموقراطيّة يظهر فيها مفتقراً إلى المعرفة في الموضوع).
هذا الحديث يجب ألا يعني بشكل من الأشكال وصفة لإطالة أمد الأنظمة التسلّطية في العالم العربي (على اختلاف تحالفاتها الإقليميّة)، كما يفعل ليبراليّو الوهابيّة في إعلام أمراء آل سعود وآل الحريري. لكن الإصرار على (أو المطالبة بـ) الانتخابات يجب أن يترافق مع جملة من الإصلاحات التي من دونها لا يستقيم الإصلاح الديموقراطي. وهذه الإصلاحات تشمل في ما تشمل، إقصاء السلالات الحاكمة (الملكيّة والجمهوريّة والسطانيّة) عن الحكم لأنها تتمتّع بقوّة غير مستمدّة من الشرعيّة الشعبيّة، بالإضافة إلى أنها تتمتّع بقوّة السيطرة على أجهزة استخبارات الجيش. والإصلاحات يجب أن تمنع التدخّلات السياسيّة والمالية والعسكريّة التي تؤثّر على مسار العمليّة الاقتراعيّة. ما معنى، مثلاً، أن تعلن مملكة القهر السعوديّة مساعدة لحملة السنيورة الانتخابية في صيدا تحت مسميّات المساعدات الإنسانيّة للبنان؟ طبعاً، لم تلاحظ المنظمة اللبنانيّة الهزلية من أجل ديموقراطيّة الانتخابات هذا الإعلان. وهذا ليس بالأمر السهل ويضفي نوعاً من الشك والريبة على العمليّة الانتخابيّة برمّتها في العالم الثالث، لأن الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من دول الاستعمار البائد والمتجدِّد خبيرة في وسائل التأثير بالمال والرشى على الاقتراع في كل انتخابات الدول الفقيرة. ونحن نعلم من وثائق منشورة من أيام الحرب الباردة أن الولايات المتحدّة كانت تتدخل بقوة في الانتخابات الإيطاليّة، مثلاً، لمنع الحزب الشيوعي الإيطالي من الوصول إلى السلطة، وكان هنري كيسنجر يضغط بشتى الوسائل على الأحزاب الإيطاليّة لإقصاء أحد أقوى الأحزاب آنذاك متذرّعاً بضرورات القوى العظمى وحساباتها.
يمكن النظر إلى انتخابات طرابلس كمثال أو نموذج عن طبيعة الانتخابات (غير المترافقة مع مؤشرات الديموقراطيّة) في بلدان الانشطارات الاجتماعيّة. يتنافس (أو يأتلف) في طرابلس ثلاثة من أصحاب المليارات ذوي العلاقات الماليّة مع آل سعود. أي أن الناخب (والناخبة التي قلّما يتوجّه لها المرشح أو المرشحة بكلمة باستثناء استعمال كلمة «نسوان» للتعيير بين المتنافسين) يختارون فقط بين مليارات متطاحنة (أو مؤتلفة ـــــ لا فرق).
ولا تقتصر التدخّلات على الحكومات الغربيّة بل تتعدّاها لما يُسمّى «منظمات المجتمع المدني» أو «المنظمات غير الحكوميّة». وماذا تعني عبارة «غير حكوميّة»؟ هذا مثل وصف جريدة مملوكة من واحد من أمراء آل سعود بـ«المستقلّة». فالتمويل الأميركي والأوروبي لمنظمات غير حكوميّة في بلدان العالم الثالث أو الفقير (مع أن راشد فايد أفتى أخيراً بأن فريق 14 آذار لا ينتمي إلى العالم الثالث) يؤثّر على نوعيّة التغطية وعلى أولويّات عمل ما يُسمّى غالباً «منظمات غير حكوميّة» (كأن يقول مراسل مجلة الـ«نيو ربببلك» الصهيونيّة المتعصّبة إنه تلقى دعوة لزيارة لبنان من «منظمة غير حكوميّة» تابعة لآل الحريري). المنظمات تلك تستطيع أن تقرّر، مثلاً، أن ما يُسمّى «ختان الإناث» أكثر ضرراً على النساء من القصف الجوي بالطائرات والاحتلال والقمع على يد أعوان أميركا من طراز حسني مبارك وغيره من طغاة الشرق الأوسط. تستطيع أن تقرّر، مثلاً، أن سلطة محمود عباس المنتهية ولايته أكثر شرعيّة من سلطة منتخبة وغير منتهية الصلاحية للمجلس الاشتراعي، وهكذا دواليك.
التغيير (الجذري) ضرورة قصوى في بلداننا ولا يستحق نظام واحد التأييد أو البقاء. لكن اختزال عمليّة التغيير ومطالبه بالانتخابات في عنوانها العريض يؤجّل عمليّة التغيير ويسدل ستاراً من الشرعيّة على النخب الحاكمة (من دون شرعيّة انتخابيّة). يجب أن يقترن مطلب الانتخابات بمطالب أخرى متعدّدة تتضمّن المسألة الاجتماعيّة ـــــ الاقتصاديّة والمسألة الوطنيّة ضد الاحتلالات، بالإضافة إلى الإصرار على نظام انتخابي لا يصيب الشعب بالتشظّي. وإلا، فنحن محكومون بإبدال محمد الصفدي بنجيب ميقاتي، أو العكس (وهناك داعي السلفيّة الأحدب لمن يرغب). لكن نقولا فتوش وعد بمحاربة الفساد. إنها... «الديموقراطيّة».
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ٢٣ أيار ٢٠٠٩

مقاطعة إسرائيل: فليذهب جاد المالح إلى... بلادِه


مقاطعة إسرائيل: فليذهب جاد المالح إلى... بلادِه

النائب نديم الجميل أمام عدسات المصوّرين  (أرشيف ــ بلال جاويش)النائب نديم الجميل أمام عدسات المصوّرين (أرشيف ــ بلال جاويش)ليس صحيحاً أن جاد المالح مُنِعَ من المجيء لإحياء حفلاته في بيت الدين. كان يجب أن يُمنَع بالتأكيد، لكنه للأسف لم يُمنَع. كما لم تكن معارضة الدعوة من منطلق العداء لليهوديّة، حتى لو أن موقف «المنار» ضعيف هنا، لكن لماذا تصبح معاداة اليهوديّة (وهي مُستنكَرة ومُستفظَعة) أسوأ من العدوان على غزة عند هؤلاء؟

أسعد أبو خليل *
تستطيع أن تقول الكثير في نقد فريق آل سعود ـــــ آل الحريري، لكنك لا تستطيع إلا أن تلاحظ وحدة موقفه وتماسك خطابه وطاعة أدواته. أي أن هذا الإعلام لا يسمح حتى بالفرادة في التعبير في مناصرة هذا الأمير أو ذاك الشيخ النفطي. الأميرُ يأمرُ، والأقلام تطيعُ صاغرة. كان نقد النظام السوري سائداً في هذا الإعلام في الأعوام الماضية: فلبّى الجميع، إلى أن أتت أوامر مختلفة قبل أسابيع، فصمت الجميع. وفي هذا الأسبوع وما قبله، قضيّة جاد المالح هي القضيّة الشاغلة. الجوقة نفسها غنّت وضربت الدفوف أسىً على تمنّع جاد المالح عن زيارتهم وإتحافهم بنكاته. فراس زبيب الكاتب في نشرة «المستقبل» رفض حتى تصديق بيان المالح، وقال ما لم يقلْه المالح نفسه، إنه مُنِعَ من زيارة بلد الأرز والبلّوط. وحازم صاغيّة استعان بالخطاب المبتذل والمُتكرِّر عن «التوتاليتاريّة»، لكن بأسلوب ينمّ عن جهل عميق بالنتاج الأكاديمي عن الموضوع. من المفيد أن نميِّز في دعاية الجوقة بين الحقيقة والاختلاق والخداع.
أولاً، ليس صحيحاً أن المالح مُنِعَ في لبنان. كان يجب أن يُمنَع بالتأكيد، لكنه للأسف لم يُمنَع. ثانياً، لم تكن معارضة الدعوة من منطلق العداء لليهوديّة، حتى لو أن موقف «المنار» ضعيف هنا، لكن لماذا تصبح معاداة اليهوديّة (وهي مُستنكَرة ومُستفظَعة) أسوأ من العدوان على غزة عند هؤلاء؟ ثالثاً، إن قول إبراهيم العريس (الذي وَصَف قبل أشهر مبادرة الحوار بين الملك السعودي وشمعون بيريز بأنها أعظم مبادرة في «تاريخ البشريّة») بأن للمالح تاريخاً طويلاً من التنديد بقمع إسرائيل للشعب الفلسطيني هو مُختلَق في أساسه. وإذا كان في حوزة العريس براهين على ما يقول، فكان يجب أن يقدّمها في مقالته. رابعاً، ليس صحيحاً البتة ما ورد في إعلام آل سعود ـــــ آل الحريري أن البسمة والضحكة لا تستقيمان في المجتمع العربي من دون حفلات للمالح، كما أنه ليس صحيحاً أن المالح هو أظرف كوميدي في «تاريخ البشريّة». خامساً، إن غضب جوقة المالح لا يتعلق بالفن من أجل الفن، بل بالفن لأجل التطبيع مع العدوّ. لهذا، فإن فراس زبيب كان صريحاً عندما قال إن مناصرة المالح للحملة من أجل جندي إسرائيلي مُحتلّ (لنُقلِع في الإعلام العربي عن محاكاة الإعلام الصهيوني في تسمية من ترى فيهم إسرائيل ضحايا لها، وكأن ضحايانا وُلدوا من دون أسماء أو وجوه) يجب أن لا تشكّل عائقاً أمام دعوته وتكريمه في لبنان. أما أمر تأييد فريق 14 آذار الضمني للتطبيع مع إسرائيل فواضح للعيان. تراهم ينتقدون كل أداء النظام السوري باستثناء أمريْن: التزامه عدم قتال إسرائيل والمفاوضات مع إسرائيل. فالأمران محلّ إعجاب عند عليّة 14 آذار. وسامي الجميّل أكّد قبل أسبوع أنه بالتأكيد يسعى نحو سلام مع إسرائيل. وتزامن الأسف على زيارة المالح ـــــ صدفةً طبعاً ـــــ مع مقال لغبريال مراد على موقع «ناو حريري» دفاعاً عن جيش لحد.
وجد فريق آل الحريري في لبنان قضيّة وبطلاً: جعلوا من جاد المالح رمزاً للفن الراقي والأداء الرفيع. الطبقة البورجوازيّة في لبنان لم تأخذ مقاطعة إسرائيل على محمل الجد يوماً من الأيام: حتى في عز المقاطعة بعد 1948، كان أبناء الذوات وبناتهم في «الكوليج بروتستانت» والـ«آي سي» والجامعة الأميركيّة واليسوعيّة يستعينون بالواسطة ليهرّبوا في أمتعتهم إلى لبنان ما ابتاعوه من ماركات وأسماء وسلع من شركات واردة على قائمة مقاطعة إسرائيل. وكلما كان المُقاطَع متحمّساً لإسرائيل أكثر، ازداد اقتناعُهم بموهبة المُقاطَع. قل إنها مغازلة العدو على الطريقة اللبنانيّة. وإعلام 14 آذار اختار أن يناظر محطة «المنار» وحدها في الأمر: وذلك لتسهل المناظرة في ما بينهما، كما هم يتعاملون مع كل نقد لثورة (حرّاس) الأرز على أنه صادر عن عاصم قانصوه وحده. زياد مخول جعل من الحملة ضد المالح إرادة من آيات الله فقط. أراح نفسَه. ومحطة «المنار» في موقع ضعيف: ليس فقط لأنها عن حق حاضنة أحياناً لمعاداة اليهود كيهود، بل لأنها متزمّتة جداً في مسألة الفن والتعبير إلى درجة أنها تقاطع حتى أغاني جوليا بطرس. ينبغي للقيّمين في محطة «المنار» أن يطّلعوا على تاريخ الفن الإسلامي، كما قال نصري الصايغ، وأن يتيقّنوا من أن الطرب والموسيقى والرقص وحتى المجون لا تتعارض مع المقاومة (هل هذا ما عناه نيتشه عندما قال في «هكذا تكلّم زرادشت» إنه يبحث عن إله يمارس الرقص؟).
السيدة نورا جنبلاط (أرشيف ــ مروان طحطح)السيدة نورا جنبلاط (أرشيف ــ مروان طحطح)لكن فريق مثقفي 14 آذار مصابون بنفاق فاقع في مسألة اللاساميّة. آموس عوز (العنصري ضدّنا الذي يفاخر بمشاركته في قتال العرب) عرّف معاداة الساميّة بأنها الظن بأن اليهود هم أسفل أو أفضل من الغير: لهذا، فإن معاداة اليهود عند الملك الحسن الثاني في المغرب كانت من النوع الثاني. وهكذا، يصبح الفنان اليهودي عند فريق 14 آذار أكثر موهبة إذا كان يهوديّاً، على أن يكون صهيونيّاً، لأن هؤلاء شنّعوا بإيران عندما دعت حاخاماتٍ يهوداً إلى طهران لحضور مؤتمر سخيف صادر عن إرادة رئيس يعاني على الأقل من تشكيك بالمحرقة.
لكن مثقفي 14 آذار مُخادعون في محاولتهم الظهور معادين لمعاداة اليهوديّة، وهم يتصنّعون الحساسيّة هنا فقط: 1ــ للظهور بموقع المتفوِّق حيال ثقافة يعتبرونها دونيّة عند «الدهماء» و«الغوغاء»، أو للسخرية من حس العامّة الفني.
2ــ لمحاكاة الرجل الأبيض لأنهم يعتقدون (جهلاً) أن الرجل الأبيض شُفي من معاداة اليهوديّة. وتبلغ هذه المحاكاة درجة مضحكة إلى حد أنهم يتماهون مع الخطاب الغربي ضد الإسلام والتعصّب مع اليهود (لا يعلم هؤلاء أن التشكيك بالمحرقة يصيب خُمس السكّان في أميركا وفقاً لدراسة في كتاب ديبرا ليبستات عن «إنكار المحرقة»). ومحاكاة الرجل الأبيض في لبنان تفسّر اهتمام البعض بإتقان اللكنة الأجنبيّة أكثر من اهتمامهم بإتقان اللغة الأجنبيّة. 3 ــ يجهدون لتحضير جماهيرهم للاستسلام أمام إسرائيل. ونتساءل: حساسيّة ضد العنصريّة من الفريق الذي امتهن العنصريّة ضد الشيعة في لبنان، والأمر فاقع في إعلامهم، والفريق الذي امتهن السخرية العنصريّة من الشعبين السوري والفلسطيني؟ هؤلاء في موقع الوعظ عن الحساسية الليبرالية الفائقة؟ هؤلاء الذين جرّوا خادماتِهم السريلانيكيّات إلى مهرجاناتهم الطائفيّة؟ الأمر مثل المزحة التي لا تنطلي حتى على مطلقيها.
ثم ما السبب في انكفاء الفريق هذا عن انتقاد معاداة السامية في ما بينهم؟ الكنيسة الكاثوليكيّة هي الحاضنة (التاريخيّة) الطبيعيّة لمعاداة اليهود، ولكن من المستحيل أن ينتقد هؤلاء خطاب الكنيسة، مثلاً. وجريدة «الأوريان لوجور» التي تنطّحت لقيادة الحملة دفاعاً عن المالح ليست في موقع الوعظ أبداً: ماذا كان موقف الجريدة من احتلالات إسرائيل وعدوانها عبر السنوات؟ وصاحب الجريدة، ميشال إده، الذي يظن أنه خبير زمانه في شؤون اليهوديّة والصهيونيّة، والذي تقلّ معرفته في الموضوع عن... أحمد الشقيري، حاول إقناعي قبل بضع سنوات في بيروت بأن اليهود في نيويورك كانوا على علم مُسبَق بأحداث 11 أيلول، وأنه لم يمتْ أي يهودي أو يهوديّة في 11 أيلول. وعندما حاولت أن أبيّن له جهلَه، أصرّ على موقفه وقال إن اليهود في نيويورك لزموا منازلهم ذلك اليوم. هل يجرؤ هؤلاء على انتقاد لاساميّة ميشال إده؟ ولا ننسى أن مثقفي 14 آذار هم جزء من حركة تمتدّ من حزب النازيّة اللبنانيّة لتصل إلى فريق السلفيّة الوهابيّة الذي لا يزال يستعين بخطاب عن «أحفاد القردة والخنازير». فاتتهم الإشارة وفاتهم وجود خالد ضاهر في صفّهم.
الموضوع متعلّق ـــــ يقولون ـــــ بحريّة التعبير. وهم يتحدّثون ـــــ والرجل الأبيض دائماً هو نصب أعينهم ـــــ وكأن هناك حريّة رأي وتعبير مطلقة في الغرب. لكن حريّة الرأي المطلقة ليست موجودة، ولا حتى نظريّاً. وجون لوك (أبو الليبراليّة النظريّة) أفرد قسماً في نهاية كتابه «عن التسامح» ليؤكّد أن تسامحه لا ينطبق على الجميع، وذكر في من ذكر «الأتراك» (وهي الإشارة الأوروبيّة إلى الإسلام آنذاك). وإهانة اليهود والتشكيك بالمحرقة جريمة في كندا وفرنسا وعدد من الديموقراطيّات الغربيّة التي لا تزال تحرّم بعض الإيديولوجيّات التي تراها مُنفّرة أو مُحرَّمة كما تفعل ألمانيا. وإسرائيل التي يتمثّل الليبراليّون العرب بها لا تزال تلتزم مقاطعة شبه تامّة للنتاج الموسيقي لفاغنر. وهل يوافق فريق مُناصري المالح على أن الأخير ليس في مرتبة موسيقى فاغنر؟ ورفيق الحريري الذي يؤلّهون خاض معارك قاسية ضد الإعلام ـــــ أو ضد مَن بقي من الإعلام غير المُمَوَّل منه ـــــ عندما رأى إهانة لشخصه أو لشخص واحد من ملوك شخبوط، أو للرئيس السوري (كما حصل معي أنا عندما مُنعَ كتاب صادر في الغرب لأنه تضمّن دراسة لي عن السياسة الخارجيّة السورية التي اعتبرتها حكومة الحريري في منتصف التسعينيات «مُهينة» للرئيس السوري).
كل دولة وكل مجتمع يستنبط معايير خاصة به للاستثناء من حريّة التعبير (والقائمة طويلة جداً هنا في أميركا بناءً على معايير الحرب ضد الإرهاب كما كانت بناءً على معايير الحرب ضد الشيوعيّة من قبل).
الوزير الأسبق ميشال إدّه (أرشيف)الوزير الأسبق ميشال إدّه (أرشيف)يحاول زياد مخول أن يتصنّع معركة جريئة ضد آيات الله، لكنهم في صف 14 آذار يحاربون آيات الله ليس بفولتير أو فرح أنطون أو روبسبيير، بل بالبطريركيّة وبدار الإفتاء وبمحمد علي الجوزو وبالرهبانيّات المارونيّة. هؤلاء يحاربون فكر الخميني بفكر... ابن باز. هؤلاء يناصرون المفاهيم القروسطيّة (مثل «الحرم الكبير» الذي لوّحت به الكنيسة هذا العام في أكبر خرق لحريّة التعبير في لبنان). والكنيسة تحارب حريّة التعبير في كل الأشكال: ضد «كود دافنشي» وضد بعض الفرق المسيحيّة و«عبَدَة الشيطان» وشهود يهوه إذا ما شكّلوا خطراً على الكنيسة. هؤلاء، لو عاد أسعد الشدياق، لبالوا عليه مرّة أخرى. الذين صمتوا عن قرار الكنيسة في عام 2009 بالتهديد بـ«الحرم الكبير» وبمحاكم التفتيش، لا يحقّ لهم الوعظ في حريّة التعبير. لكن كل هذا، بالإضافة إلى فرمان طارق متري للرقابة العليا على الصحافة، لم يثرْ حفيظتهم: لا بل كان مثقفو 14 آذار وصحافيوها من أنصاره، وطالبوا بالمزيد من تقييد الحريّات «لعيون الشيخ سعد».
كان يمكن أن يتعامل المرء مع نورا جنبلاط على أنها خارج الطاقم السياسي، وأفراد عائلات رجال السياسة في لبنان يجب أن يبقوا ويبقين في منأى عن السجال، إلا إذا اختاروا أن ينزلوا إلى حلبة السياسة. فنورا جنبلاط اختارت ألا تتراجع عن موقفها بدعوة صهيوني، غير مُعتذِر، جاد المالح، إلى مهرجانات تديرها هي من أجل الترفيه عن بورجوازيّة لبنان. ومن اللافت أن نورا جنبلاط عقدت مؤتمرها الصحافي محاطة بعليّة النازيّة اللبنانيّة، مثل نديم الجميل وإيلي ماروني. كان المشهد لافتاً. أن تُحاط بنديم الجميل وإيلي ماروني بالذات: الأول التقى من دون اعتذار مع حفيدة إسحق رابين في حفل عام وعلني في لندن، والثاني صاحب الاقتراح الشهير باقتحام مواقع حزب الله لنزع سلاحه لحساب... شرعيّة حزب النازيّة اللبنانيّة. لكن أمين الجميّل رفض ـــــ حسبما قال ـــــ أن يزايد عليه أحد في ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة: الذي نصّبته دبابات إسرائيل والذي أشرف على عقد اتفاق استسلام بين لبنان وإسرائيل، والذي وعد حكّام إسرائيل ـــــ كما تذكر المراجع العبريّة ـــــ بأن يذهب أبعد من أخيه... يرفض أن يُزايَد عليه في القضيّة الفلسطينيّة، مع أن الكلّ في لبنان يستطيع أن يزايد على الجميّل، ربما باستثناء أنطوان لحد أو زياد الحمصي. لنورا جنبلاط أسبابها التي دفعتها إلى أن تحيط نفسها بالاثنيْن، إضافة إلى تمام سلام وطارق متري. (حتى زياد بارود أقحم نفسه إلى جانب المالح مع أنه كان يجب أن يهتم بأمر المال السعودي في الانتخابات وأمر تصريح بطريرك أنطاكية المُخالف للقانون الانتخابي).
أولاً، ما علاقة تمّام سلام بالثقافة، ومَن أئتمنه على شؤونها؟ وهل سمعنا بدور لوزير الثقافة هذا قبل مسألة جاد المالح؟ أي أن الوزير سلام اعتبر أن قضيّة المالح هي أهم قضيّة تمرّ عليه في الوزارة. وماذا قال سلام؟ قال إنه سمع بالإنترنت وإن ليس كل ما يُنشر على الإنترنت صحيحاً. هذه الدرر الثقافيّة لسلام نوّرت المؤتمر الصحافي. وطبعاً، برز طارق متري المتحمّس الأكبر في الأمر. تساءل طارق متري ساخراً ـــــ مع أنه كان في فرمانه لفرض رقابة حريريّة عليا على الإعلام قد اقترح منع السخرية والتهكم ـــــ إذا كان إلغاء حفل جاد المالح سيساعد في «تعزيز مواجهة لبنان للعدوانيّة الإسرائيليّة». فات الوزير أن يلاحظ أن لبنان الرسمي لا يواجه عدوانيّة إسرائيل ولم يواجهْها في تاريخه قط. صبية وفتية وفتيات تطوّعوا في تاريخ لبنان المعاصر لمواجهة عدوانيّة إسرائيل، فيما تقاعست الدولة: من أيام بشارة الخوري ومجيد إرسلان إلى أيام فؤاد السنيورة والياس المرّ. لكن، يمكن الإجابة عن سؤال طارق متري بالإيجاب. إن إلغاء حفل جاد المالح أجدى بكثير، مثلاً، من ذلك الخطاب الفاشل والباهت الذي ألقاه طارق متري في مجلس الأمن في حمأة العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. أي أن طارق متري هو آخر من يحق له النصح في موضوع مواجهة عدوانيّة إسرائيل. كان لمتري الفرصة للإسهام في مواجهة إسرائيل عندما كان في موقع المسؤوليّة أثناء عدوان إسرائيل على لبنان، وسقط. لكن متري لا يُؤخذ على محمل الجد: فإسم الرجل تحوّل إلى حالة. ولاحظنا أن متري أصدر بياناً خاصاً بالموضوع: تحمّس طارق متري لمجيء جاد المالح إلى لبنان أكثر من حماسته ضد عدوان إسرائيل على لبنان.
لكن السجال مع هؤلاء في فريق آل الحريري شيء، والحوار مع الرفيق بيار أبي صعب شيء آخر، لأن الأخير مدافع عنيد عن مقاومة إسرائيل. الرفيق بيار يختلف معنا في الموقف ويطالب بالسماح للمالح بالمجيء إلى لبنان. يفسر بيار ذلك بسبب أخطاء وردت في بعض المواقع الإلكترونيّة عن المالح. وهناك حديث عن صور مركّبة، وعن مزاعم غير صحيحة. لكن كل هذا لا يهم. المهم ما هو ثابت وأكيد: أن المدعو المالح أيّد جنود إسرائيل وناصر الكيان الغاصب. يكفي هذا. الباقي تفاصيل. هناك من يحاول (مثل طارق متري) أن يتلاعب بمعايير مقاطعة إسرائيل عبر القول إن المقاطعة يجب أن تتوجّه ضد جنود الاحتلال وحدهم. ولا نستبعد أن يفتي متري بعد قليل بأن المقاطعة يجب أن تستهدف فقط هؤلاء الجنود من جيش العدو الذين صوّبوا وأصابوا فينا مقتلاً. أما الباقون، فيرحّب بهم متري ويتطوّع إيلي ماروني للرقص أمامهم بالشمعدان في مطار بيروت الدولي. أي أن المقاطعة التي بدأت بمقاطعة كل من يقدّم العون اللفظي أو المعنوي أو المادّي للدولة الغاصبة باتت تكتفي فقط بمقاطعة البعض ـــــ لا الكلّ ـــــ في جيش العدو. (وهناك من المواطنين والمواطنات في دول غير إسرائيل ممن خدم في جيش الاحتلال، مثل رئيس أركان البيت الأبيض، رام عمانوئيل).
يقترح الرفيق بيار عن حسن نيّة أن نستخدم حضور المالح إلى لبنان لمناظرته أو إقناعه. الأمر أكبر من ذلك بكثير. يمكن مناظرة المالح على أرض محايدة كخصم يحمل أفكاراً معادية، ولكن ليس لإقناعِه، بل لإقناع جمهور من الطرف الثالث. المالح حزم أمره إلى جانب جيش العدو. والخلاف مع العدو ليس سوء تفاهم أو خلافاً عابراً يمكن أن يُحلّ على فنجان قهوة (أو شاي، على طريقة أحمد فتفت).
إنه خلاف أراده العدو بالحديد والنار: وهذا ما عناه أمل دنقل: «نَقتل أو نُقتل. هذا الخيار الصعب». ولم تتسربل حركات تحرّر وطني في تاريخها بنزعات لإقناع مهذّب للعدو ـــــ المحتلّ. التهذيب مع العدو ليس من شيم ثوار التحرّر، وإلا لكانت الجزائر كما أرادها المُستعمر الفرنسي، فرنسيّة مثل باريس، أو لكان مثقفو باريس قضوا وقتاً أطول في التسكّع في المقاهي خلال الحرب. المقاطعة التامّة هي أضعف الإيمان (بمقاومة العدو) في هذه الحالات، حتى لو تناقضت مع حسابات كل الأنظمة العربيّة (من سوريا وقطر إلى مصر والسعوديّة) الغارقة في وحول التطبيع طمعاً برضى أميركي.
أما القول إن المالح ينتمي إلى بيئة متعاطفة مع إسرائيل لإعفائه من المسؤوليّة الأدبيّة والأخلاقيّة، فهذا الكلام ينطبق فقط على الرضيع والأخرق، فالكل ينشأ ويترعرع في بيئات محمّلة بالتعصّب والعنصريّة والعداء للمرأة، لكن المرء يصل إلى سن يتحمّل فيها مسؤوليّة ما يحمل (أو تحمل) من أفكار وقيم. وهناك في أميركا وكندا من اليهود ممن ينتقدون إسرائيل أكثر بكثير من بعض العرب ـــــ هنا وهناك. الراشد مسؤول عن أعماله وكلامه، لا البيئة التي ينتمي إليها، وإلا فإن الأعذار التخفيفيّة واجبة على كل مناصري إسرائيل ومناصراتها في الغرب.
الأمر خطير: هناك من يريد أن يُروّج للتطبيع مع إسرائيل تحت مسمّيات مختلفة: السلام أو الفن الرفيع أو حب الحياة أو الحوار بين الأديان أو الانفتاح أو ترشيح عربي لمنصب مدير الأونيسكو. وهناك في لبنان من تاق حتى قبل إنشاء دولة الكيان الغاصب، لسلام مع إسرائيل. لبنان مسخ وطن يستقبل فيه رئيس الجمهوريّة، ميشال سليمان ـــــ مع نبذ الألقاب ـــــ وغيره من الساسة سفير «فرسان مالطة»، وما أدراك ما «فرسان مالطة». لبنان كان ثاني دولة عربيّة توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل. لم ننسَ.

ملاحظة: نشر موقع «العربية» مقالي عن إيران، لكنه حذف منه كل النقد للأنظمة العربيّة وللإعلام السعودي. طبعاً، ليس مستغرباً ألا تلتزم وسائل إعلام آل سعود المعايير المهنيّة والحِرَفيّة (مثلما سرق موقع «ناو حريري» خبراً من مدوّنتي من دون ذكر المصدر) لكنني أحببت إطلاع القارئ والقارئة في العالم العربي على الأمر.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ١١ تموز ٢٠٠٩

الاثنين، ٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

الأمم المتحدة: مسرح العبثيّة الدولي

الأمم المتحدة: مسرح العبثيّة الدولي

الرئيس ميشال سليمان يلقي كلمته أمام الجمعية العموميّة للأمم المتّحدة (دايفيد كارب ــ أ ب)الرئيس ميشال سليمان يلقي كلمته أمام الجمعية العموميّة للأمم المتّحدة (دايفيد كارب ــ أ ب)
يتقاطر الرؤساء والملوك من كلّ حدب وصوب كلّ عام. يتزاحمون لالتقاط الصور مع إمبراطور الكون الأميركي. الكلّ يريد أن يظهر مبتسماً إلى جانب بوش أو أوباما. بعض الزعماء لا يتجشّم عناء السفر ويُرسل الابن أو الشقيق نيابةً. لكن طقس افتتاح الجمعيّة العمومية لم يتغيّر حتى بعد انتهاء الحرب الباردة، التي أضفت نمطاً ديموقراطيّاً نسبيّاً على مداولات الجمعيّة العمومية وحتى على مجلس الأمن رغم بنيته غير الديموقراطيّة

أسعد أبو خليل *
يصرّ رئيس جمهوريّة لبنان الممتازة، على حضور الجمعية العمومية للأمم المتحدة كل سنة. هي جزء من محاولة اقتناص وهج فقده في جمهوريّة الطائف. يحاول أن يبدو رئيساً عن جدّ في محفل دولي لعلّ الصور في نيويورك تزيد من هيبة المنصب. لكن في عهد عصر النفقات وهي ذريعة السنيورة لإفقار الفقير ولمنع الإعمار عن الجنوب اللبناني، يتساءل المرء عن سبب ذهاب وفد لبناني عرمرمي (ضمّ الوزير نسيب لحّود، أي ليس هناك ما يمنع تسفير الراسبين في الانتخابات) إلى نيويورك. كم بدا لبنان صغيراً وهامشيّاً، على حقيقته. كان على كل الشعب اللبناني متابعة البرنامج الرسمي لرئيس الجمهوريّة ليتيقّن أن هذا البلد لم يكن يوماً إلا هامشيّاً ودونيّاً لا يحتّل موقعاً إلا تبعاً لأوامر تأتيه من هذا البلد العربي أو من ذاك البلد الغربي. وطارق متري الذي يجود في الخطب الحريريّة هذه الأيام، يتحدّث من دون تردّد عن دور ريادي للبنان. أي ريادة؟ لكن طارق متري اليوم بات كالمكتوب الذي يُقرأ من عنوان مقالات نصير الأسعد.
الرئيس الأميركي باراك أوباما (أ ب)الرئيس الأميركي باراك أوباما (أ ب)والإعلام اللبناني يعطي صورة مضلّلة عن تحركّات زعماء لبنان وزياراتهم حول العالم. ولكن يجب أن يذكر التاريخ أن سعد الحريري زار رئيس قبرص أثناء عدوان تموز طالباً مساعدته في طلب وقف للنار على ما ذكرت نشرة «المستقبل» على صفحتها الأولى آنذاك. هكذا تكون الدبلوماسيّة الفعّالة. وأذكر في عام 1982 ــــ 83 في بيروت قبل مجيئي إلى أميركا، أن صحافة لبنان كانت تتحدّث عن زيارات أمين الجميّل إلى الأمم المتحدة (عندما ألقى خطابه الشهير «أعطونا السلام وخذوا حروباً أهليّة ودماءً في الشوارع وقتلاً بالفؤوس في حرب الجبل وسرقات من خزينة الدولة واستسلاماً أمام إسرائيل») والبيت الأبيض. كان إعلام الدولة وجريدة «النهار» (المُروِّجة لاتفاق 17 أيار آنذاك لن ننسى) يتحدّثان عن اهتمام أميركي رسمي وإعلامي وشعبي بزيارات الجميّل إلى أميركا. وعندما جئت إلى أميركا اكتشفت أن الجميّل وزعماء لبنان يأتون ويروحون دون أن يدري بهم أحد باستثناء موظّفين في وزارة الخارجيّة وروّاد المطاعم اللبنانيّة في واشنطن. يأتي زعماء لبنان إلى الولايات المتحدّة من دون إشارة ولو عابرة في الصحف الأميركيّة، ويستحق لبنان هذا التجاهل بسب صغر حجمه ودوره. لكن مسخ الوطن نشأ على الادعاء الفارغ والأكاذيب. هذا عهدنا به منذ الولادة. ماذا تقول عن وطن يمارس الكذب على تلاميذ المدارس حول حكاية الاستقلال، فيما كانت أحزاب ومقامات دينيّة «رفيعة» ومجيدة تعارض الاستقلال وتطالب باستعمار فرنسي دائم على لبنان. ماذا تقول عن وطن يكلّف فيه الجيش وقوى الأمن الداخلي عناصرهم وببلاغ رسمي التصويت على الإنترنت لمغارة جعيتا؟ (أدعو اللبنانيّين واللبنانيّات للتصويت لأي مَعْلم آخر حتى لا يُصاب العقل اللبناني بخبل إضافي).
وقد التقى ميشال سليمان برؤساء ألبانيا والبوسنة والهرسك وقبرص والنمسا وغينيا، بالإضافة إلى لقاء عابر مع ساركوزي. وقد أنعم عليه الرئيس الإيراني بلقاء أيضاً. لكن صحافة لبنان ذكرت أن سليمان التقى أوباما «على هامش» العشاء الذي أقامه الرئيس الأميركي لرؤساء الدول. هل يدري شعب لبنان ماذا يعني اللقاء «على الهامش»؟ إنه يعني أن سليمان وقف بالصف مثل غيره من رؤساء الوفود وألقى التحيّة على أوباما وذكر له اسم لبنان، قبل أن يأتي مسؤول التشريفات ويقول ما يوازي «اللي بعدو»، كما كانت «أم كامل» تصيح في مسلسل «حمام الهنا» في أواخر الستينيات. أصبح السلام في صحافة لبنان «لقاءً على الهامش» وبحثاً معمّقاً في القضيّة اللبنانيّة.

إصرار نجاد على التشكيك بالمحرقة يساعد إسرائيل في حملتها على إيران

أما أحمدي نجاد، فيستمرّ في تزويد إسرائيل حججاً دعائيّة مجانيّة. أحمدي نجاد يجعلك تحنّ إلى خطب أحمد الشقيري في أيار 1967. لماذا يصرّ نجاد على إقحام المحرقة بالقضيّة الفلسطينيّة؟ هل يظن أن إقحامها يدخل في الرصيد الدعائي الفلسطيني؟ ألا يعلم ... ولكن من المُستبعد أنه يعلم لأن خطابه ينمّ عن تحجّر فكري وانغلاق ثقافي لا مثيل له إلا في أروقة مقرّ هيئة كبار العلماء في السعوديّة. في كل كلام له عن المحرقة يعطي نجاد لإسرائيل فرصة ذهبيّة ليس فقط لاستغلال الاستفظاع الغربي (المُحقّ) للمحرقة ولكنه يعطي أيضاً لإسرائيل فرصة إضافيّة لعزو المقاومة العربيّة لإسرائيل إلى أسباب نازيّة. بات نجاد تحقيقاً لأمنية إسرائيليّة. وأبواق الدعاية الصهيونيّة نفضت في الأشهر الماضية الكرّاسات الصهيونيّة عن العلاقة بين الحاج أمين الحسيني والحكم النازي (وتتناسى الصهيونيّة كما تناسى الحاج أمين الذي تلقّى من هتلر سيّارة مصفّحة شاهدتها بأم عيني في مرأب سيّارات في بيروت، أن النازيّة انطوت على نظرة عنصريّة بغيضة للعرب، مع أن هتلر رفع مرتبة العرب في تراتبيّة الكراهية النازيّة العنصرية بعد لقائه مع الحسيني لأنه كان فاتح اللون على غير ما كان هتلر ينتظر). كان خطاب نجاد في نيويورك مناسبة لإعطاء زخم دعائي لبنيامين نتنياهو كي يفتح ملف المحرقة بالصور والوثائق ويكسب عطفاً مجانياً... على عدوان إسرائيل وحروبها، هديّة من نجاد.
هل يشكّك أحمدي نجاد أيضاً بالمحرقة ضد غير اليهود؟ وماذا يرى في نظريّة داروين؟ هل يشاطر ابن باز نظرته إلى القمر وشكل الأرض؟ ولا يعلم نجاد أن إصراره على التشكيك بالمحرقة أو نفيها من أساسها يساعد إسرائيل في حملتها لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي، ويجعلها توازي بين السلاح الإيراني والسلاح النازي في الحرب العالميّة الثانيّة.
لهذا، فإن واجب مناصري القضيّة الفلسطينيّة أن ينتقدوا ليس فقط من هو في معسكر العدو والخصم، بل أيضاً من يعتبر نفسه أو دولته في منطق الدفاع عن الحق الفلسطيني، مثل أحمدي نجاد هذا. من واجب أنصار القضيّة الفلسطينيّة أن يتوجهوا إلى أحمدي نجاد بالتقريع والنقد. إذا كان هو غير قادر على التحدث عن قضيّة فلسطين من دون التشكيك بالمحرقة، حتى لو بأسلوب يظنه هو ذكيّاً، فعلى أنصار القضيّة مطالبته بتركها لأنصارها ولمن يستطيع أن يدافع عنها من دون إسداء خدمات للصهيونيّة.
أما الزعيم (لأن لا صفة رسميّة له، كونه يعيش في حكم الجماهيريّة حيث يمارس الشعب حكم نفسه بنفسه وقلع أظافره بنفسه وكهربة أعضائه التناسليّة بنفسه والضرب المبرّح لنفسه بنفسه ومراقبة بعضه بعضاً) الليبي فقد كان الحدث الهزلي بامتياز (مسموح للإعلام السعودي السخرية من القذافي، وخصوصاً أن أبواق الأمراء تمنع اليوم من السخرية من الرئيس السوري. كله بأمر أميري، ويُحسن المعلّقون اللبنانيّون تلقّي الأوامر وتلبيتها بسرعة). وقد برز في تغطية خطابه في نيويورك أمر مميّز في هذه البلاد: درجة الجهل بالسياسة الخارجيّة في أميركا وصلت إلى حد أن الإعلام والرأي العام سخرا من القذافي وقرّعاه وندّدا بحكمه دون أن يعلما أو يلاحظا أن العقيد أصبح واحداً من حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط: أي إن العقيد دخل في نطاق «محور الاعتدال»، وهو خيّر أميركيّاً، فيما يظن الشعب الأميركي أن أميركا لا تزال تعادي القذافي. وكلام العقيد باطل حتى عندما يكون مُحقّاً في نقده للأمم المتحدة أو للولايات المتحدة، مع أنه خاف ذكر اسم الولايات المتحدة عندما تعرّض إلى ماضيها بالنقد.
كما أنه كال من المديح لأوباما ما لم يكله أي رئيس آخر. وما قيمة كلام القذّافي في الحريّة والاستقلال وهو الذي باع ليبيا مقابل اعتراف أميركي بسلالته، وقد أصبح سيف الإسلام والمعتصم سفيرين سريّين لأجهزة الإدارة الأميركيّة؟ لكن كلام القذافي، من الناحية الطبيّة العياديّة، يذكّر بالهذيان حتى لو حمل في بعضه صواباً، مع أن الشيخ محمد علي الجوزو أشاد بكلمة القذافي ووصفها بـ«المرافعة القيّمة»، وهو لم يفعل ذلك استفزازاً لشيعة لبنان لأن المفتي الجوزو أبعد ما يكون عن إثارة الفتنة المذهبيّة والطائفيّة، ولم يكن دوره في خليّة حمد إلا تكريساً لذلك. والحكومة الأميركيّة تعمد دوماً إلى وصف خصومها العرب والمسلمين بـ«الجنون». وهذا الوصف كان جزءاً من الإرث الاستعماري الأوروبي. والجنون هنا يحتاج إلى دراسة مثلما درس ميشيل فوكو «ولادة العيادة»، أي إن الوصيف «الطبي» هو جزء من منظومة السيطرة الاستعماريّة والسلطويّة.
الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد (أرشيف ــ رويترز)الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد (أرشيف ــ رويترز)كثيرون من الذين عارضوا الاستعمار وُصفوا بـ«الجنون»: من أحمد عرابي إلى جمال عبد الناصر إلى قادة المقاومة الفلسطينيّة. أما الولايات المتحدة فإنها تستعمل الوصف ضد خصومها وأعدائها، من نورييغا إلى القذافي والخميني وعرفات، إلخ. أي إن الجنون هو في معارضة الولايات المتحدة والعقلانيّة هي في الانصياع لإرادتها. وعليه، فإن أنور السادات تحوّل من معتوه يسخر منه حكّام أميركا في السرّ (راجع مذكرات بريجنسكي) إلى عاقل العقلاء عندما ارتمى في أحضان زعماء إسرائيل. وعليه، ملوك وأمراء مشكوك بصحتهم الجسديّة والعقليّة باتوا ذروة العقلانيّة والنباهة مكافأة لهم على طاعتهم للراعي الأميركي كما يسمّيه صائب عريقات. والتشكيك بسلامة العقيد العقليّة كان جزءاً من السياسية الخارجيّة الأميركيّة في الشرق الأوسط، وقد وصفه رونالد ريغان بـ«الكلب المسعور»، كما أن جورج شولتز تمنّى إصابته بمرض «الإيدز». لكن العقيد بات عقلانيّاً ومُحترماً في السياسة الأميركيّة. أي إنه شُفي من الجنون في اللحظة التي أذعن فيها.
الخطاب الأبرز كان طبعاً لمعبود الجماهير العربيّة والإسلاميّة: أوباما. ولولا خشيتي من جرح مشاعر هؤلاء لأخبرتهم كيف أن المرشّح أوباما فعل المستحيل لإقناع الجمهور الأميركي بأن لا علاقة له ولا صلة بالإسلام والمسلمين، ولا تعاطف البتة، كما أنه أخفى عنهم خبر رحلته إلى باكستان والهند عندما كان في الجامعة خشية إثارة قلق وهواجس لم تزل قائمة. لم يستعمل اسمه الثاني (حسين) في حملته الانتخابيّة، فيما يظنّ الإعلام العربي أن أوباما سليل أشراف قريش ويفخر بنسبه. لكن الترحيب العربي والإسلامي (السطحي) بأوباما مفهوم: كان يسود تعطشٌ في أوساط العامّة لأي رجل يأتي بعد بوش، حتى لو كان تشيني. لكن التعويل على بشرة أوباما (والرجل من أقل الرؤساء حديثاً عن عنصريّة البيض) أو على اسمه، هو بمثابة الضرب في الرمل. للرجل طموح سياسي وليس في تاريخه ما ينبئ بتعاطف مع قضايا العرب والمسلمين (وهي غير قضايا الشيوخ والأمراء الشخبوطيين). وهناك من يبدي خيبة خجولة بابتعاد أوباما عن خطاب القاهرة، وهنا الطامة.
خدع أوباما الشعوب العربية والإسلامية لأن هذه كانت في حاجة إلى إقناع أنفسها بأن عهد بوش ولّى إلى غير رجعة: نظرتهم إلى صنع السياسة الخارجيّة محكومة بتجاهل أخذ المُقرّرات والمؤثِّرات المتعدّدة في حسبان التحليل السياسي للسياسة الخارجيّة التي يلعب فيها اللوبي دوراً مهماً ولكن ليس حصريّاً. ينسى المتيّمون بأوباما في العالم العربي أن كل كلام أوباما المُعسّل عن الإسلام وعن إنشاء دولة فلسطينيّة جاء من قبل في خطب لجورج بوش، وبالحرف. الحكم لا يمكن أن يقوم على الكلام المعسول، بل على الأفعال. هل أوقف أوباما الحروب الأميركيّة؟ على العكس. يبدو أنه يُوسّع نطاق الحرب في أفغانستان فيما لا يزال عدد القوات الأميركيّة في العراق يقارب الثلاثمئة ألف (الجنود بالإضافة إلى ما يسمّى «المُتعاقدين» يجب ترجمة كتاب جيريمي سكيهيل عن «بلاك ووتر»). هل أقفل غوانتنامو؟ لا، وقد اعترف وزير الدفاع الأميركي بأن السجن سيبقى في الخدمة إلى ما بعد السنة المقبلة. هل تحيّة «السلام عليكم» من أوباما أو ابتساماته تمثّل انعطافة في السياسة الخارجيّة؟ على العكس، يمكن القول إن عقيدة أوباما أشدّ خطراً من عقيدة بوش لأن كلامه المعسول وابتساماته تُنسي البعض أن قنابله لا تزال تنهمر، وأن التعصّب الأميركي لإسرائيل وحروبها لم ينقص درجة واحدة.

أوباما أشدّ خطراً من بوش لأنَّ كلامه المعسول يُنسي البعض أن قنابله لا تزال تنهمر

يمكن تأريخ موت الأمم المتحدة عام 1991 عندما رضخت الجمعية العمومية للأمم المتحدة لمشيئة الإمبراطوريّة المُنتشية آنذاك. قرّرت أميركا بإصرار من الكونغرس (وبمبادرة من السناتور باتريك مونيهان الذي عمل سفيراً لبلاده في الأمم المتحدة عندما أصدرت قرار «الصهيونيّة هي العنصريّة» في عام 1975 وبموافقة 72 دولة) على مراجعة قرار ذم الصهيونيّة. وكان للولايات المتحدة ما أرادت. وقرار الرجوع عن القرار حاز 111 صوتاً. رسمت أميركا حدود المسموح به في حقبة السيادة الأميركيّة شبه المطلقة بعد انتهاء الحرب الباردة. أفرغت الجمعيّة العمومية من أي قوة، وتحوّل ليس فقط القرار بل المنبر إلى مجلس الأمن الذي عبّر عن ميزان قوى مختلف تماماً. كانت الجمعيّة العمومية، وبدرجة أقل مجلس الأمن، تعبيراً عن تطلعات شعوب العالم النامي أثناء الحرب الباردة، وكانت كتلة عدم الانحياز ــــ وهي غير كتلة «كسّارات فتوش بالقلب» أو كتلة ميشال المرّ ذات العضو الواحد ــــ يُحسب لها حساب.
أصبحت الأمم المتحدة باعتراف جورج بوش الأب في كتابه «عالم متغيّر» مجرّد وسيلة لخدمة أهداف الإمبراطوريّة الأميركيّة، تستخدمها حيناً وتتجاهلها كليّاً حيناً آخر. وبالنظر إلى الاستهتار بالأمم المتحدة في الحرب على العراق، نرى أن الأمم المتحدة عادت (بحماسة من الأخضر الإبراهيمي وغسان سلامة) إلى العراق بعدما أمعنت فيه إفقاراً وحصاراً وتجويعاً من خلال «النفط مقابل الغذاء» الظالم لتخدم الاحتلال وتساعده في نشر سلطانه. لكن تفجير مقرّ الأمم المتحدة في بغداد غيّر الحسابات، مع أن الأمم المتحدة في أفغانستان، وبإشراف خادم الإدارات الأميركيّة المطيع، الأخضر الإبراهيمي، لا تزال تحاول ما تستطيع لتوطيد دعائم الاحتلال الأميركي. وهي التي غطّت غزو أفغانستان الثأري.
قد يكون الحل العودة إلى عصبة الأمم التي لم تكن تضم في صفوف أعضائها الولايات المتحدة، لكن الأمم المتحدة تحتاج إلى دعم الولايات المتحدة المالي التي تصرّ على السيطرة الكليّة على مقدّرات المنظمة الدوليّة. أذكر عندما كنت أزور عام 1993 بول هير (نائب سابق لمساعد وزير الخارجيّة لشؤون الشرق الأدنى، وابن الدبلوماسي ريمون هير الذي عمل سفيراً في بيروت في الخمسينيات ثم خدم في مصر إبّان الحقبة الناصريّة وأحبّ عبد الناصر) في مكتبه بمؤسّسة الشرق الأوسط في واشنطن حيث كنت باحثاً مقيماً، دقّ جرس الهاتف. تحدّث لبضع دقائق، ثم نظر إليّ مستغرباً. قال: أتدري أنني عُيِّنت للتوّ في منصب ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة في أنغولا، والذي هاتفني هو مسؤول في وزارة الخارجيّة الأميركيّة؟ قلت: يعني صدر تعيينك كممثل للأمين العام من دون علم الأمين العام؟ قال ضاحكاً: لا، سيتلقّى الخبر بعد قليل. الولايات المتحدّة هي التي تقرِّر السياسات والتعيينات وسبل الإنفاق والتدقيق المالي (وكأن الموازنة الأميركيّة العسكريّة لا تعاني إهداراً بالمليارات). بطرس غالي تحدّث بصراحة في الجزء الأول من مذكراته عن تجربته مع سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، مادلين أولبرايت، عندما صارحها مبكِّراً بأنه قد يضطرّ في منصبه الجديد لإصدار نقد غير عنيف لسياسات أميركا. توقّفت عن التحدّث إليه وبدأت مشاكله التي لم تنته، مع أنه كان من الساداتيّين المطيعين (ينسى بطرس غالي أن البعض لا يزال يتذكّر كتاباته الاشتراكيّة في الحقبة الناصريّة).
وهذه هي معضلة الأمم المتحدة اليوم: كيف تستطيع أن تخلق أو أن تطوّر منظمة دوليّة لتعكس العلاقات الديموقراطيّة بين الدول على أساس الاحترام المتبادل والإنسانيّة، فيما العلاقات الدوليّة قائمة على لغة القوّة («الفائقة» كما وصفها الوزير الفرنسي السابق، هوبير فيدرين في كتابه «فرنسا في عصر العولمة»). وحتى من ينصحون بين علماء السياسة، مثل جوزيف ناي، باللجوء إلى «القوة الليّنة» فإنهم لا يطالبون بنبذ القوة في سياسة أميركا الخارجيّة في المطلق. لكن عصر السيطرة الأحاديّة لا بدّ أن ينعكس على عمل الأمم المتحدة. أي إن التغيير في العلاقات الدوليّة لا بدّ أن ينعكس على الأمم المتحدة، وخصوصاً إذا قلّ تفرّد الولايات المتحدة بالقرارات الدوليّة. وفي انتظار ذلك، من الضروري رفض الشرعيّة الدوليّة متى تضاربت مصالحها مع مصالحنا: لأن «الشرعيّة الدولية» (أي الكساء الذي لا يستر المشيئة الأميركيّة ويروِّج لها على أنها إجماع دولي) تعبير عن مصالح تهدف إلى خدمة إسرائيل والسيطرة على العرب، سياسيّاً واقتصاديّاً. أي إن الشرعيّة الدوليّة لا تختلف اليوم عن شرعيّة عصبة الأمم التي فرضت وعد بلفور (وأدخلته في فذلكة مشروع العصبة) وباعتنا ما سمّته «الانتداب» ــــ اسم غير مهذب للاستعمار، وهو على أنواع ــــ والإصرار على المصالح الوطنيّة حتى لو تعارضت مع ما يُسمّى ظرفيّاً «الشرعيّة الدوليّة» (وهذا التعبير الدعائي لا يُستعمل في لغات المُستعمر الذي يستعيض عنها بعبارة «المُجتمع الدولي») هو الدرس البليغ الذي لجأت إليه دولة العدوّ، وبنجاح كبير. أصرّت إسرائيل لعقود على تجاهل القرارات الدوليّة حتى تيسّر لها التمتّع بعهد السيطرة الأميركيّة الكليّة. أي أمامنا عقود من التجاهل والرفض والإصرار والعزم، إلى أن تتغيّر بنية العلاقات الدوليّة، وعندها يمكن أن نطالب من جديد بتصويت للمرّة الثالثة على التوالي على قرار «الصهيونيّة هي عنصريّة» هذا إذا كانت إسرائيل باقية إلى حينه. عندما صدّر قرار «الصهيونيّة هي العنصريّة» للمرّة الأولى، قام المندوب الإسرائيلي، حاييم هرتزوغ، بتمزيقه أمام الجمع الدولي. فلنبدأ بالتمزيق، بدءاً بـ242 وصولاً إلى 1701.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

الأحد، ٦ أيلول ٢٠٠٩

تشكيل الحكومة؟ مفارقات في الــسياسة اللبنانيّة

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

تشكيل الحكومة؟ مفارقات في الــسياسة اللبنانيّة

السيّد محمد حسين فضل اللّه (أرشيف ــ بلال جاويش)السيّد محمد حسين فضل اللّه (أرشيف ــ بلال جاويش)ليس سهلاً أن ترصد السياسة اللبنانيّة بالاعتماد على الصحافة اللبنانيّة. فما سمّاه توماس هوبس «الخطاب الهامشي» (أي الخطاب الذي لا يعني شيئاً) يسود. وقد بدأت الليالي الرمضانيّة في قريطم. وسعد يتحدّث من دون «المُقرئ الآلي». وإعلام لبنان (الممسوكة رقبته من آل الحريري وآل سعود) يشذِّب كلام الحريري في اليوم التالي، ويفصّحه، كما كانت جريدة «النهار» تشذّب كلام بيار الجميّل وتزيل منه ما يثير الفتن الطائفيّة

أسعد أبو خليل *
مارسيل غانم (الذي ناجى تمثالاً لرفيق الحريري من شمع أو من كبّة ـــــ لم أستطع التيقّن) اعترف بأنه تحاشى دعوة وئام وهاب (الذي لا يفوِّت فرصة إلا يبدي إعجابه بسامي الجميّل) على امتداد الأعوام الماضية كي لا «يستفزّ» جمهور برنامجه. لا يدرك مارسيل مدى انحيازه السياسي (حتى لا نقول الطائفي) مع تأكيده لنفسه أنه غير منحاز. وهل يظن أن الاستفزاز هو من جهة واحدة فقط؟ أم يظن أن معايير فريقه السياسي هي معيار كل لبنان؟ لم يعرف غانم أنه بذلك يؤكد أن برنامجه ينقل فقط «كلام بعض الناس»؟ وعندما استضاف عملاء جيش لحد وصوّر قضيّتهم بـ«الإنسانيّة» (يتحمّل عملاء جيش لحد مسؤوليّة معاناة عائلاتهم، وهذه هي العقوبة العادلة الأخفّ لعملاء العدو الإسرائيلي، وخصوصاً أن البطريرك العروبي ـــــ ليوم واحد فقط ـــــ أرسل مبعوثاً ليصلّي على نفس القاتل عقل الهاشم) لم يلاحظ أنه يستفزّ جزءاً كبيراً من الشعب اللبناني. ويقول مارسيل الحريص على السيادة إنه لا يريد أن يدير برنامجاً من دمشق، مع أنه لم يجد غضاضة في إدارة برامج من واشنطن ومن باريس وحتى من يخت الأمير الوليد بن طلال. أم أن مارسيل يلتزم معايير السيادة الانتقائيّة المعمول بها في الديمان وبكركي؟
السيادة الانتقائيّة هي في رفض التدخّل المصري في شؤون لبنان ـــــ كما صاح الثنائي شمعون ومالك عام 1958 ـــــ وفي تنظيم وفد نسائي لبناني لتقديم الحلوى للجيش الأميركي المُحتلّ في بيروت (راجع «النهار»، 6 أيلول 1958)، أو هي في رفض صفير لزيارة سوريا وفي الهبوط بطوّافة عسكريّة أميركيّة أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في تموز 2006. السيادة الانتقائيّة هي في السماح لمبعوث الاتحاد الأوروبي بالإدلاء بدلوه في موضوع الحكومة وفي نقل جريدة «النهار» تصريحاً لمسؤول أميركي يعترض فيه على تدخّل سياسيّين لبنانيّين موالين لسوريا في... موضوع لبنان. يحقّ للتدخّل الأميركي ما لا يحقّ لغيره، مثلما يصرّ الاحتلال الأميركي في العراق على إطلاق صفة «المقاتلين الأجانب» على عرب، ممّا يعني أن جنود الاحتلال الأميركي هم من أهل البيت ـــــ وبتزكية من آل الحكيم في العراق.
والطريف أن إعلام آل سعود وآل الحريري يحاول أن يظهره مظهر الإعلام المستقل. كان ذلك مثلما أكد جهاد الخازن أن جريدة «الحياة» مستقلة ولا تخضع إلا... لتوجيه خالد بن سلطان وإدارته. أو أن يسخر عقاب صقر من تمويل جريدة «الأخبار» وكأن إعلام الحريري مستقلّ التمويل. قد يكون عقاب صقر صدّق تلك الكذبة على موقع «ناو حريري» (حيث يعمل) الذي عرّف عن نفسه بالآتي: «يستقي موقع ناو ليبانون تمويله الكامل من القطاع الخاص والهبات الفرديّة». تصلح العبارة مادّة للتندّر والهزل على البرامج الكوميديّة. كان على عقاب صقر أن يضيف أن لائحة «كسّارات فتوش بالقلب» تلقّت تمويلها من المحسنين والمحسنات، وأن تلفزيون «المستقبل» يعتمد على كرم الأجاويد في تمويله، وأن صور رفيق الحريري وتماثيله التي تملأ العاصمة هي هديّة من الشعب الأميركي. لماذا تشعر في لبنان أنهم يكذبون ويعلمون أننا نعلم أنهم يكذبون. لماذا؟

الموقف الأبرز صدر عن فارس بويز حين اعتبر أن توزير الصهر منافٍ للديموقراطيّة

لكن هذا إعلام يندّد بشدّة بـ«اعتداء آثم» على دواليب سيّارة لمراسلة جريدة الأمير سلمان في بيروت ويصمت عن التهديدات الإسرائيليّة المتواصلة ضد لبنان. وجميل السيّد (الذي يظنّ أن الظلم الذي لحق به لا ظلم قبله ولا بعده، وأن الظلم لم يقع في عهده، والذي لم يعلم بعد أنه فقد كل سلطاته) يخاطب سعد الحريري وكأن الأخير قد غُرِّر به. صحيح أن الحريري الصغير (سمّاه محمد عبد الحميد بيضون ذو السجلّ الناصع في الوزارة والنيابة «الصخرة الصلبة»، وبيضون هو زعيم الشيعة الأوحد وفق أحكام بيار الضاهر) قليل المواهب والكفاءة لكن الخطة السعوديّة المرسومة (والمُتفق عليها مع إسرائيل وأميركا) باتت واضحة. الإصرار على مقاومة مقاومة إسرائيل هو المطلب الإسرائيلي، وإن ارتدى لباساً طائفيّاً في لبنان (والطريف أن البعض يزعم أنه ضد سلاح المقاومة لأنه استُعمل في 7 أيار، وكأن البطريرك الماروني وسمير جعجع وأمين الجميل وأحمد فتفت وسعد الحريري وأنطوان لحد كانوا مع مقاومة إسرائيل قبل 7 أيار).
انشغل الوسط السياسي بقضيّة ما يُسمّى توزير الصهر. وأصدر الحزب التقدمي الاشتراكي بياناً عنيف اللهجة استنكر فيه توزير الأقارب وكاد أن يذكّر بأن البيت الجنبلاطي ابتعد دوماً عن التوريث السياسي، وقد يرسل وليد جنبلاط ابنه تيمور لتذكير الأطراف السياسيين بابتعاد الحزب التقدمي الاشتراكي عن تنصيب الأقارب. وصهر غسان تويني استنكر بدوره توزير الصهر، ويمكن نايلة تويني (صاحبة نظريّة محاربة إسرائيل بـ«الرخاء» والسياحة والازدهار) أن تندّد هي أيضاً بتوزير الأقارب. كما أن ابن تلك اللبنانيّة التي كانت تعدّ الأطعمة لأرييل شارون انضمّ إلى جوقة عمّه وابن عمّه لاستنكار توزير الأقارب. أما موقف سعد الحريري (الذي وصل إلى الزعامة بعرق الجبين لا بالوراثة) فكان حاسماً. فلقد أرسل ابن عمّته (مستشاره السياسي) ليؤكّد لمن يسأل أن التوزير يجب أن يكون على أساس الكفاءة فقط، والكفاءة تتجسّد في عمّته وفي ابن عمّته الآخر الذي أوكل إليه تنظيم تيّاره الطائفي ـــــ المُستقبلي. وتيّار المستقبل يصرّ على توزير سمير الجسر أو صهره محمّد كبّارة. ولكنْ هناك صهر وصهر، سند الظهر، على قول المثل. وميشال المرّ رفض توزير الصهر هو الآخر، لكنه أصرّ على توزير الابن. أما كارلوس إدّه، فقد سخر من توزير الصهر وأضاف أنه يقود حزبه (الذي يمكن جمع كل أعضائه في غرفة صغيرة أو «عليّة» وإن كان أكثر عدداً بعضو أو عضويْن من حركة اليسار الحريري الديموقراطي) بسبب نضاله في البرازيل وليس بسب حمله لدم العائلة. لكن الموقف الأبرز صدر عن فارس بويز: فهو يعتبر أن توزير الصهر منافٍ للديموقراطيّة (يذكرُ بويز في روايته عن مرحلة عزّه أن حافظ الأسد وليس إلياس الهراوي هو الذي أصرّ على توزيره، فيكون توزيره عندئذ ليس توزير الأقارب).
وجنبلاط وجد متسعاً من الوقت في شهر الصيام عن الكلام المُباح لتعزية عائلة كنيدي بوفاة السناتور تيد: وهناك مطبوعة صهيونيّة أجرت دراسة وجدت فيها أن كنيدي هذا حاز معدّل 100% في نسبة الموافقة على مواقف منظمة «إيباك» (اللوبي الصهيوني). وكنيدي هذا أخذ معه تراباً من قبر جون كنيدي وبوب كنيدي لينثره على قبر إسحق رابين. لعل جنبلاط خلط بين جورج حبش وتيد كنيدي، وخصوصاً أن جنبلاط يذكر فلسطين هذه الأيّام قبل الأكل وبعده، مقرونةً باسم خادم الحرميْن.
لكن متى يعرف سكان مسخ الوطن حجم مسخ ـــــ وطنهم؟ هل من يتصوّر أن عائلة كنيدي ستعلم أن زعيم 80% من 5% من سكان البلد الصغير بعث بتعزية إليهم؟ لماذا لا يوفّرون ورق البرقيّات الطائرة إذا كانوا حقاً من أنصار البيئة ـــــ ولا يحمي البيئة في لبنان إلا كسّارات فتوش وشال ثورة الأرز المعقود على عنق أكرم شهيّب. لكن برقيّة وليد جنبلاط لخادم الحرميْن ـــــ كما يسمّي نفسه ـــــ في مناسبة الاعتداء على الأمير محمد بن نايف كانت أظرف، إذ قال فيها (من دون أن ينسى ولو للحظة اليسار والعروبة وفلسطين): «إن التسامح الكبير الذي عبّر عنه سموّ الأمير نايف إنما يعكس الروحيّة الإنسانيّة العالية التي طالما تعمّق بها جميع قيادات المملكة العربيّة السعوديّة عبر تاريخها، والتي تعبّر عنها بصورة دائمة من خلال دورها الإيجابي إلى جانب القضايا العربيّة والإسلاميّة». نسي جنبلاط أن يذكر أن منظمة العفو الدوليّة أصدرت لتوّها تقريراً قاسياً ينتقد الخروق الفظيعة لحقوق الإنسان على يد وزارة الأمير نايف وابنه باسم «محاربة الإرهاب». ويحتلّ جنبلاط هذه الأيام موقعاً طريفاً في الحلبة السياسيّة: فهو لم يغادر يوماً موقعه المحفوظ في فريق الأمير مقرن لكنه خدع المعارضة (يستطيع الرضيع أن يخدع المعارضة في لبنان) ببعض الكلام ضد حلفائه المسيحيّين في 14 آذار. واختارت كل الصحافة في لبنان تجاهل مقابلة مع مجلّة «سليت» الأميركيّة مع إليوت أبرامز سخر فيها من مزاعم تحوّل جنبلاط وقال إن جنبلاط ليس مقتنعاً بما يقوله أخيراً بدليل أنه لم يتوقّف عن إرسال صناديق نبيذ كفريّا هدايا لهذا الصهيوني المتطرّف.
وكانت متابعة مواقف جنبلاط الطارئة طريفة في إعلام آل سعود وإعلام آل الحريري: والذين هلّلوا لتكويعة جنبلاط عام 2005 هم أنفسهم اليوم الذين اكتشفوا فجأة أن جنبلاط متقلِّب وطائفي وغير مبدئي. لم يلاحظوا ذلك من قبل. لكن كتّاب آل سعود وآل الحريري يهجون في أمر ويمدحون في أمر (ألم نلاحظ كيف توقّف هجاء حازم صاغيّة وغيره لسوريا مباشرة بعد شبه الصلحة السوريّة ـــــ السعوديّة)؟ هؤلاء يسيرون على خطى سمير عطا الله وفؤاد مطر في الصحافة. ومحمد علي الجوزو توقف ولو لفترة عن التحريض المذهبي على الشيعة ليصدر كلاماً عنيفاً ضد جنبلاط والدروز، ولكن وحدها جريدة «المستقبل» السلفي نشرت التصريح، أما الباقي فتستّرَ كالعادة.
والبرقيّات بالبرقيّات تذكر، وكان هناك برقيّة مزعجة جداً وثقيلة على الأعصاب والمبادئ من حسن نصر الله إلى آل الحكيم. فقد وجد حسن نصر الله أنه من الضروري أن يحيّي «جهاد ونضال (عبد العزيز الحكيم)... من أجل إنقاذ الشعب العراقي المظلوم وإعزازه ورفع شأنه». هذه البرقيّة تستحق تحليلاً عميقاً عن حقيقة هذا الثناء من حزب الله بحق أبشع نموذج لأدوات الاحتلال الأميركي. لكلّ احتلال أجنبي دحلانُه، وعبد العزيز الحكيم هو دحلان الاحتلال الأميركي للعراق ـــــ أو واحد من الدحلانيّين الكثر هناك. وسجلّ ميليشيا بدر حافل بترهيب الشعب الفلسطيني في العراق وطرده إلى خيم حدوديّة مقفرة. كما أنه كان سبّاقاً في طلب تقسيم العراق كانتونات طائفيّة وعرقيّة، بالإضافة إلى العداء لحقوق المرأة الذي عبّر عنه الحكيم أثناء مناقشة قانون الأحوال الشخصيّة والدستور. ويتناقل الشعب العراقي أخبار الإثراء المفاجئ والهائل لعائلة الحكيم ولكن قد يكون مصدر الثروة «القطاع الخاص والهبات الفرديّة» على طريقة موقع «ناو حريري». وهل يمكن تفسير تأييد حزب يتصدّر مقاومة إسرائيل لأداة من أدوات الاحتلال في العراق بغير نظريّة التعاضد الطائفي المذهبي؟ هل هناك تفسير آخر فاتنا؟ كيف يمكن أن يتحدّث حسن نصر الله عن «نضال» عبد العزيز الحكيم هذا الذي أتى مع دبّابات الغزو وتصدّر السلطة بأمر من بريمر؟
يبني حزب الله من طائفيّته (المقصودة أو غير المقصودة ـــــ لا فرق) سجناً له «فيؤتسرُ» (بالإذن من قصيدة «المواكب» لجبران). كيف يوفّق حزب الله بين معارضة (أصبحت خجولة) للاحتلال الأميركي في العراق، وبين هذا التعظيم لواحدة من أدوات الاحتلال التي نفّذت وبحماسة شديدة مخطّط التفتيت الطائفي والاستيلاء على ثروة الشعب العراقي بحماية الاحتلال؟ وموقف الحزب من الاحتلال الأميركي للعراق كان ملتبساً منذ البداية، ولم تزدْه الأيّام إلا التباساً. هذا الموقف، في ظل حماسة سعودية للنفخ في نار الفتنة المذهبيّة وفي ظل سياسة إسرائيليّة ـــــ عربيّة ـــــ أميركيّة لعزو مقاومة احتلال إسرائيل إلى موقف مذهبي، يعزّز دون قصد منه تقويض موقف المقاومة العام في منطقتنا. إن تفجّع المثقفين الموالين لقريطم، مثل سعود المولى، على الحكيم مفهوم تماماً، بعكس برقيّة حسن نصر الله إذا قيست بمنظار مقاومة الاحتلال.
والحكومة اللبنانيّة سلّمت ببساطة متسلّلاً إسرائيليّاً في وقت تنشط فيه عمليّات التجسّس الإسرائيليّة. قرّر «خبراء» من الحكومة أن المتسلّل مختلّ عقليّاً، وكأن لا مجال لتصنّع الاختلال. والصحف الإسرائيليّة زعمت أنه تسلّل عبر الحدود، مع أن جيش العدوّ (الذي يشتاق أمين الجميل إلى التفاوض معه ـــــ «ما أحلى الرجوع إليه») يرصد حتى حركة الرعاة والماعز على الحدود. لم ينتظر الجيش اللبناني إلا أياماً معدودة ليقرّر أن المتسلّل بريء. من قال إن الغباء ليس صفة ملاصقة للحكومة اللبنانيّة؟ لكن في المقابل لم يعترض أحد في المعارضة على هذا التسليم المتسرّع للمتسلّل البريء.
والسجال بين محمد حسين فضل الله والبطريرك صفير كان مسلّياً. أنا، على عكس اللبنانيّين واللبنانيّات، أشجّع رجال الدين على الخصام وعلى السجال وحتى على ممارسة رياضة الملاكمة، لأن القانون اللبناني يمنع العامّة من التعرّض إلى ما يُسمّى «المقامات الدينيّة الرفيعة». حبّذا لو ننقل رجال الدين في لبنان إلى جزيرة أرواد ليتخاصموا ويتقاتلوا بعيداً عنّا. ويجب أن نخرق هذا القانون وأن نعوّد رجال الدين (قيادة معابد الدين ممنوعة على النساء من كل الطوائف، مع أن بعض الرهبانيّات المارونيّة سمحت للراهبات أثناء الحرب بإعداد لفائف طعام لمقاتلي القوّات اللبنانيّة كما روى أسوأ لبناني على الإطلاق ـــــ النازي اللبناني الصغير، بشير الجميل ـــــ في آخر خطاب له) على النقد والسخرية والتعرّض والتقليد، إلخ، ومن كلّ الطوائف. لينزل رجال الدين في لبنان من عليائهم وليتواضعوا قليلاً، وخصوصاً أن عدداً منهم يبيع الفتاوى والمواقف (الإسلاميّة والمسيحيّة) بالدولار. مملكة هؤلاء من هذا العالم: من مصارف لبنانيّة وأجنبيّة. لو كان الأمر بيدي لكلّفت نضال الأحمديّة، التي تبرع في إثارة الخلاف بين الفنانّين والفنانات، مهمة إثارة الخلاف بين رجال الدين، على أمل الاستعانة بتجارب الثورة الفرنسيّة والمكسيكيّة ضد الإكليروس. لكن ورع سعد الحريري يعوّض عن كل فقيه وعلاّمة، وخاصة عندما يجاور حسن السبع في الصلاة.
على أن هالة مزعجة تحيط بالبطريرك الماروني. لا ندري لماذا. وحسناً فعل فضل الله عندما سخر من شعار «مجد لبنان أُعطي له». أولاً، لنتفق أن لا مجد للبنان، لا ماضياً ولا حاضراً ولا مستقبلاً. لم يُعرف لبنان حول العالم ولم ينتشر اسمه إلا بسب وحشيّة حربه الأهليّة. قد يكسب لبنان مجداً ما من صحن الكبّة العملاق في إهدن، أما غير ذلك فهراء. ثانياً، إن القول بأن مجد لبنان «أُعطي له» يفضح أصل القول. من الذي أعطى؟ المستعمر الفرنسي طبعاً. المستعمر لا يعطي أمجاداً لوكلائه وحلفائه، بل يحمّلهم خزياً وعاراً أبديّاً. وهذا «المجد» الفرنسي أُعطي لبكركي بسبب الولاء للمستعمر وللرجل الأبيض. وفرنسا كانت جد ممتنة للولاء المهذّب الذي صدر عن الكنيسة نحو فرنسا مثلما جاء في تلك الرسالة التي حملها المطران نقولا مراد إلى الحكومة الفرنسيّة عام 1844 والتي استهلّها بالقول لملك فرنسا: «نحن عبيد جلالتكم» (فيليب وفريد الخازن، المحرّرات السياسيّة والمفاوضات الدوليّة عن سوريا ولبنان، ج 1، ص. 128). ولقب المجد قليل على من يعرض أن يُستعبَد. وعندما انتقد أمين الريحاني المستعمِر الفرنسي في زيارة مصالحة نادرة له إلى بكركي، نهره البطريرك عريضة قائلاً: «ثم إني فهمت مما ورد في خطابكم من إشارة إلى الأجنبي أنكم تقصدون الفرنسيّين، بيد أن الفرنسيّين كانوا ولا يزالون أصحابنا وقد خدموا لبنان خدمات جليلة ونفعونا نفعاَ جزيلاً...». («المعرض»، كانون الثاني 1932).
طبعاً، يعتبر بعض اللبنانيّين الكلام عن «المجد» البطريركي نتاجاً لزمن أسبغ فيه المُستعمر علامات تمييز على الأديان والمذاهب في لبنان، وجعل من تلك التراتبيّة أساساً للنظام السياسي وتوزيع المغانم، على طريقة جنوب أفريقيا وإسرائيل. أما كلام فضل الله (وهو من الناحية الليبرالية والحريّات الفرديّة أكثر تقدّماً من معظم رجال الدين في لبنان) عن العدد فهو اعتداد من باب التفاخر الطائفي، وإن كانت المناصفة لا تستقيم مع الزعم الديموقراطي للنظام اللبناني. لا يمكن نظاماً طائفياً أن يتزاوج مع الطائفيّة: إما الطائفيّة وإما الديموقراطيّة. وفي انتظار ذلك يجب العمل على فصل رجال الدين عن أجهزة الدولة وجعل تمويل الإكليروس خاصاً. غير أن مواجهة الطائفيّة لا تكون بطائفيّة مضادة، والزهو النخبوي ـــــ الطائفي لا يُواجه بزهو نخبوي ـــــ طائفي مضاد. والمجد ليس صفة ملازمة لأي من الفئات، إلا إذا آمن فرد ما بالعقيدة النازيّة أو الصهيونيّة أو الكتائبيّة. لكن رد فضل الله حمل تحدّياً عدديّاً لا يتوافق والتعامل الضروري مع «المشكلة المسيحيّة» كما سمّاها الرفيق فواز طرابلسي في إشارة إلى قلق من تنامي الأصوليّات وتناقص العدد.
بدلاً من النقد والشكوى لنذكر بعض الإيجابيّات. فنواف سلام ألقى خطاباً جيداً ردّ فيه على خطاب كريه للسفير الإسرائيلي في الأمم المتحدة (ليتعلّم من الخطاب طارق متري). وإهدن نجحت في دخول «سجل غينيس» (لماذا يظن اللبنانيّون أن الدخول إلى سجلّ «غينيس» هو شرف ما بعده شرف؟ لا يكترث أحد هنا لهذا السجلّ إلا الأطفال. أهذا جزء من الهوس اللبناني بالأكبر والأفضل والأجمل والأصغر والأهضم والأشهر والأغنى والأعظم؟ وهل هذا إلا دليل آخر على ضحالة الثقافة في لبنان؟) ومحمد شطح يبحث عن الكنز المرصود ولا يحظى هذا الأمر بالسخرية المناسبة إلا في هذه الجريدة. لو حصل الأمر في بلد آخر لتعرّض الوزير لفحص طبّي. لكن الوزير باسيل (الذي يحتاج إلى دروس خصوصيّة في تاريخ القضيّة الفلسطينيّة) والوزير (غير الظريف) إيلي ماروني اتفقا حول ضرورة تفعيل التصويت على الإنترنت لتحظى مغارة جعيتا بشرف الفوز بتصويت الإنترنت. إلى الإنترنت أيّها الشعب (غير) العظيم.
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com [1])


عدد السبت ٥ أيلول ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/155307

السبت، ٢٩ آب ٢٠٠٩

الأسد وجنبلاط: محضر اللقاء المُنتَظر

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

الأسد وجنبلاط: محضر اللقاء المُنتَظر

جنبلاط مرحّباً بوفد حزب اللّه في كليمنصو الأسبوع الفائت (بلال جاويش)جنبلاط مرحّباً بوفد حزب اللّه في كليمنصو الأسبوع الفائت (بلال جاويش)هذا نصّ تسرّب عن لقاء لم ينعقد بعد بين الرئيس السوري بشار الأسد والنائب وليد جنبلاط. ولم يرد في المحضر. هذا ما جرى في اللقاء المذكور من ابتسامات وتحيّات وقهقهات وقفشات. كذلك فإن النص لم يذكر ما تخلّل اللقاء من تقديم للمرطّبات المنعشة والمتّة والبرازق اللذيذة

أسعد أبو خليل *
الأسد: أهلاً بهالطلة أهلا. أهلا بالعين الكحلا. شو. كيف كانت الرحلة من المختارة؟
جنبلاط: لم تكن مزعجة قَطّ. كنت أستمع في السيارة إلى أغاني علي الديك. موهبة، بالفعل. لا نظيرَ له. يجب تعريف العالم إليه. يجب أن نقول: أعطونا علي الديك وخذوا ما يدهش العالم.

الأسد: هل أضعت الطريق إلى دمشق؟
جنبلاط: معقول؟ أنا؟ أنا علّمت الطريق على امتداد عقود. أنا حافظ للطريق عن ظهر قلب عندما كان إلياس عطا الله يرافقني في زياراتي شبه الأسبوعيّة. ولأثبت لتيمور معرفتي بالطريق إلى دمشق، قدتُ السيّارة وأنا مغمض العينيْن. إيه والله. قد أكون ارتطمت بسيّارة أو سيّارتيْن أو ثلاث سيّارات على الأكثر. سمعت تكسير زجاج وطحن حديد وعويل نساء، لكن «كلّه بيهون». ولم أعانِ من غشاوة على الإطلاق. الطائف. كلّه من أجل الطائف. الطائف والعروبة. أنا أنشد دائماً: «بلاد العرب أوطاني. من جدّة إلى واشنطوني».

الأسد: تبدو حزيناً، لماذا؟
جنبلاط: ولو. أنا في حداد. لم أفق بعد من صدمة فقدان حسني البورزان. حسني البورزان هو فقيد الأمة وملك الظُّرف. تصوّر أن هناك في لبنان من دعا كوميدياً صهيونياً اسمه جاد المالح لواحدة من ليالي مهرجانات الصيف. صهيوني كوميدي. شو هالآخرة. لماذا ندعو كوميدياً صهيونياً إلى لبنان، وأبو صيّاح حيٌّ يُرزق.

الأسد: كيف لقيت سوريا بعد الغياب؟
جنبلاط: شو بدك بهالحكي. أنا دائماً أقول إنني أفضّل أن أكون زبّالاً في طرطوس على أن أكون زعيماً في لبنان.

الأسد: ولَوْ. هالقد؟
جنبلاط: وأكثر. أنا مستعدّ ان اكون كبابجي في حلب على أن اكون رئيساً في أميركا.

الأسد: مش عم بتزيدها؟
جنبلاط: أبداً. أنا أفضّل أن أكون عامل بناء في القامشلي على أن أكون قائد المنطقة الوسطى في القوات المسلحة الأميركيّة.

الأسد: لا، أنت تخّنتها.
جنبلاط: من، أنا؟ على العكس. أنا أتحفّظ في الحديث. أنا أفضّل أن أكون طرّاشاً في دير الزور على أن أُتوَّج ملكاً على العالم.
الأسد: لا يا وليد بك. كثير هيك.
جنبلاط: لا كثير، ولا شيء. أنا أفضّل أن أكون بائع كعك في حمص، على أن أكون رئيساً لجمهوريّة لبنان.

الأسد: يكفي. يكفي. وصلت الفكرة.
جنبلاط: لا أبداً. أنا أفضّل أن أكون نجّاراً في الزبداني، على أن أكون خادم الحرميْن.

الأسد: وكيف نظرتك للمحافظين الجدد؟
جنبلاط: هم أصل البلاء وشأفة الشرور والإرهاب. ألم تقرأ كتاب غازي العريضي عن الإرهاب الأميركي (ولا أدري إذا كان مروان حمادة، صديق العزيز «جيف»، قد قرأ هذا الكتاب)؟ هؤلاء هم الفريق الصهيوني الذي يسعى إلى تدمير العالم العربي وتفتيته. هؤلاء الذين كنت أحذِّر منهم دائماً، قبل أن أعود وأتحالف معهم لأربع سنوات طوال. هؤلاء دمّروا العراق (وإن كنت أثناء فترة الغشاوة قد اتهمت نظامك في سوريا بتدمير العراق، وإن كنت قبل ذلك في حقبة غشاوة مختلفة في 2003 و2004 قد اتهمت أميركا بتدمير العراق).

الأسد: لكنك لا تزال تلتقي بهم ـــــ هؤلاء المحافظين الجدد ـــــ وعلى تواصل معهم، وبعضهم يأتي إلى المختارة، مثل دانييل شابيرو الذي جاءك من إدارة أوباما زائراً أخيراً، وجلتَ به في أرجاء قصر المختارة إمعاناً في التكريم واستقبلته مثل استقبال الأقرباء، مع أنه موظف غير كبير في مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. وشابيرو هذا من عتاة الصهاينة المتعصّبين، وهو كان في فريق موظفي الكونغرس الذين عملوا بالنيابة عن اللوبي الصهيوني لمنع محطة «المنار» في أميركا وتصنيفها «منظمةً إرهابيّة» وفق القانون الأميركي.

«تيار الحريري أراد أن يقول لي إن العودة إلى اليسار لا تعني شيئاً لأن لا وجود لليسار»

جنبلاط: هذا صحيح، لكن اجتماعي معه كان للحديث عن العروبة وفلسطين واليسار العالمي. قد أحظى بكسب المحافظين الجدد في أميركا وجرّهم إلى صف اليسار العالمي. هذه عمليّة معقّدة وتتطلّب الكثير من التأنّي. والحقيقة أنا وجدت أن إليوت أبرامز يهتم بفلسطين ويكنّ إعجاباً شديداً بفرد من شعب فلسطين (من عائلة الدحلان، على ما أظن، وآخر من آل الرجّوب). أي إن إليوت أبرامز يكره شعب فلسطين إلا فلسطينياً واحداً أو اثنيْن، وهذا مهمّ للقضيّة الفلسطينيّة. هذا مكسب يجب عدم التفريط به أبداً. أما هنري كيسنجر، فقد وجدته عروبيّاً إلى درجة أنه ألحّ عليّ ألا ننسى لواء الإسكندرون، وهو لا يشير إليه إلا والدموع تطفر من عينيه ويقول عنه: إنه اللواء السليب، يا أخا العروبة. وألحّ عليّ في لقائي معه لإرجاعه إلى الوطن الأم. هذا هو هنري كيسنجر الحقيقي. أما ستيفين هدلي، فالعكروت (أو الملعون حسب ما يسمح الرقيب) يساري متطرِّف، وهو من أشدّ المعجبين بجورج حبش. وبالمناسبة، أراك تلتقي بهؤلاء المحافظين الجدد أيضاً. وأنا أكيد أن اجتماعاتك بهم هي مثل اجتماعاتي بهم: للحديث عن الوحدة العربيّة وعن فلسطين وعن شعارات البعث الجذّابة.

الأسد: هذا صحيح. وبالمناسبة، إدارة أوباما متعاطفة مع البعث (في شقّه السوري، لا العراقي). ألا تجد المفارقة أنك تبتعد عن واشنطن فيما نقترب منها نحن؟
جنبلاط: لكنك تقترب من واشنطن من أجل الاقتراب من فلسطين. فقط من أجل فلسطين. لا أكثر ولا أقل.

الأسد: لكن أنت قلت إنك كنت تكذب في السنوات الثلاثين التي كنت متحالفاً فيها معنا.
جنبلاط: أنا كنت أكذب عندما قلت هذا الكلام.

الأسد: أي إنك كنت تكذب عندما كذبت؟
جنبلاط: لا، أنا كذبت في ادعاء الكذب، أي كذبت صدقي.

الأسد: يعني أنت لست كاذباً؟
جنبلاط: لا، أنا كاذب، لكن بالمقلوب. أو كاذب لكن لمصلحة العروبة وفلسطين واليسار والشام. سائليني يا شام.

الأسد: وما قصة الغشاوة اللعينة التي شكوت منها؟ هل انقشعت الرؤية؟
جنبلاط: لا. أنا لم أعانِ من الغشاوة أثناء عقود تحالفي مع النظام في سوريا. أنا كنت أعاني من الغشاوة عندما تحالفت مع إدارة بوش.

الأسد: لكنك كنت تقول العكس؟
جنبلاط: قلت العكس لأنني كنت أعاني من الغشاوة اللعينة. وأنت طبيب عيون: أنجدني، يا طبيب العيون.

الأسد: شو تعريفك للعروبة؟
جنبلاط: العروبة هي عروبة. وهي الملك عبد الله والأمير مقرن والسفير الخوجة... والبعث السوري.

الأسد: شو رأيك بالأمير مقرن؟
جنبلاط: أنا أحب الأمير مقرن حباً جمّاً.

الأسد: وفلسطين؟
جنبلاط: فلسطين هي محمد دحلان وأبو مازن وعلاء الدين ترّو. ثم، فلسطين هي فلسطين.

الأسد: وما تعريفك للمقاومة؟
جنبلاط: المقاومة هي في مهرجان الجنادريّة، وهي في رفع العلم الفرنسي في قلب المختارة إحضاراً لروح التحالف بين الاستعمار الفرنسي وهذا البيت العريق في حقبة الانتداب. كل ما عدا ذلك هباء.

الأسد: لكنك قدت حملة على المقاومة في لبنان؟
جنبلاط: كنت أمزح. المزح والهزل جزء من ثقافتنا في الجبل. وكتب الجاحظ محفوظة عندنا. وتذكر أنني قلت إنني أمزح عندما دعوت دنيس روس من واشنطن وفي مقرّ الذراع الفكري للوبي الصهيوني إلى إرسال سيارات مفخّخة إلى دمشق.

الأسد: ما أجمل روح النكتة عندك. يا للهضامة. يعني على قول المصريّين: انت «كنت بتهَزَّر».
جنبلاط: «بَهَزَّر. أيوه».

الأسد: وماذا عن اليسار؟
جنبلاط: اليسار هو في التحالف المالي المرتبط بآل الحريري، وبيان تيار المستقبل في الردّ عليّ ذكّرني بأنّ رفيق الحريري كان نصيراً للعمّال والفلاّحين بالإضافة الى البروليتاريا الرثّة. لكن محمد الضيقة الكاتب في موقع «ناو حريري» استشهد بـ«مصدر» سمّاه «يساري» ليقول إنه لا وجود لليسار أبداً، رداً على كلامي. أي إن اليساري هذا نفى وجود اليسار، والله أعلم. وهذه المقابلة هي مثل مقابلة صوفي ينفي وجود الصوفيّة، لكن لموقع «ناو حريري» ألاعيب لا يفقهها إلا الراسخون في العلم. لكن تيار الحريري أراد أن يقول لي إن العودة إلى اليسار لا تعني شيئاً لأن لا وجود لليسار. لكن اليسار هو في عدنان القصّار وفي نعمة طعمة. ولنعمة طعمة تنظيرات في اليسار تتناغم مع تنظيرات سمير أمين في النمو العالمي غير المتوازن.

الأسد: البعث فوق اليسار وفوق اليمين. لكن كيف تكون يسارياً ومتحالفاً مع النظام السعودي، وهو من عتاة اليمين؟
جنبلاط: لا. هذا غير صحيح. أنا متحالف مع يسار آل سعود، مثل الملك عبد الله. أما بندر وسلمان فهما من يمين آل سعود. لا، أنا حريص على صدقيّتي في هذه الأمور. مع اليسار على طول الخط. وحتى في تحالفي مع الإدارة الأميركيّة: أنا كنت متحالفاً مع يسار عتاة اليمين، إيه والله. يعني وولفويتز وأبرامز وتشيني: هؤلاء هم يسار اليمين المتطرّف.

الأسد: ولماذا اعتذرت من وولفويتز ومن «كوندي» رايس، التي وصفتها في حديثك مع البطريرك بـ«المُحبَّة» للبنان؟
جنبلاط: لا مشكلة هنا. وأنا اعتذرت في ما بعد من حسن نصر الله ومنك. اعتذارات متقابِلة ومتعارِضة، وبالجملة. وأنا أنوي عمّا قريب أن اعتذر عن اعتذاري من وولفويتز ومن رايس. وسأعتذر منكم أيضاً.

الأسد: يعني تكويعتك هذه المرّة جديّة؟
جنبلاط: أنا تكويعاتي دائماً جديّة.

الأسد: لكن إليوت أبرامز لم يأخذ في حديث مع مجلة «سليت» الأميركيّة تكويعَتك الأخيرة على محمل الجدّ، وقال ما معناه أن انتقادك للمحافظين الجدد ليس جديّاً لأنك لا تزال ترسل له صناديق من خمر كفريّا بالرغم من أنك تنتقد المحافظين الجدد بشدّة، وترى أن تحالفك السابق معهم كان «وصمة» سوداء وتحمّلهم مسؤوليّة تفتيت العراق وأفغانستان وتدميرهما؟ أبرامز شكّك في أن تكونَ أنتَ مقتنعاً بما تقوله هذه الأيام.
جنبلاط: هو قال ذلك؟ هو قال إنني لا أزال أرسل له صناديق من نبيذ كفريّا؟

الأسد: بالحرف.
جنبلاط: هذا صحيح. أنا لا أزال أرسل هدايا لفريق المحافظين الجدد، لكنني أفعل ذلك من أجل اليسار والعروبة وفلسطين.

الأسد: كيف؟
جنبلاط: العروبة واليسار وفلسطين.

الأسد: وصناديق نبيذ كفريّا لإليوت أبرامز؟
جنبلاط: صحيح.

الأسد: لكن لم أفهم؟
جنبلاط: كان القدّيس اغسطنيوس عندما يُسأل عن الحكمة الربّانيّة في موت الأطفال يقول: لا تسألوني. هناك ما يعصى على الشرح أو على الفهم. ولا ننسى كيف حلّ الفقهاء مسألة خلق القرآن. طالب الفقهاء المؤمنين بقبول الحل التوفيقي «بلا كيف». وهذا ينطبق على مسألة استمرار إرسالي للهدايا للمحافظين الجدد في الوقت الذي أباشر فيه في انتقادهم.

الأسد: بلا كيف؟
جنبلاط: بلا كيف.

الأسد: بعدك تحذّر من الخطر الفارسي؟
جنبلاط: أنا؟ لا أنا أستنكر الكلام المذهبي والعنصري عن الفرس. لكن أنت تدري أن هذا الشعب اللبناني كريه في عنصريّته.
بالمناسبة، كيف الدكتور رستم غزالة؟ والله إله وحشة. هل لا يزال يحب الكباب والخشخاش؟ موائد الدكتور رستم كانت دائماً عامرة. الحق يُقال في مناسبات كهذه.

الأسد: أبو عبده لا يغادر المنزل: قابع فيه ليلاً ونهاراً. ولولا «الدليفري»، لمات جوعاً. بيروت وعنجر إلها وحشة كبيرة عنده. هناك من يقول إنه يذهب إلى الحدود مع لبنان ويبكي يوميّاً (كما كان الهاشميّون ينظرون نحو الحجاز ويبكون بعد طردهم من قبل آل سعود). هو يجمع الجيران ويتحدث لساعات عن أيام مجده في لبنان، وكيف أن الكل كانوا بدهم رضاه. وهو حزين على عدم وصول فارس سعيد إلى الندوة النيابيّة. هو يقول: أنا كنت أضمن له النيابة في أيامي، أما اليوم، وبعد رحيلي، فسعيد يكتفي بتلاوة الفرمانات بالنيابة عن الأمانة العامة لـ14 آذار. ويقول غزالة إنه سيضمن عودة فارس سعيد إلى النيابة، فيما لو عاد إلى لبنان. عزيز على قلبه جداً.
جنبلاط: أيذكرني أبو عبده؟

الأسد: يذكرك دائماً بالخير ويقول إنك مُفضِل عليه.
جنبلاط: أنا أفكر في دعوته إلى المختارة من أجل العروبة وفلسطين واليسار.

الأسد: ماذا عن تأييدك لربيع دمشق وميشيل كيلو؟
جنبلاط: لا، هناك سوء فهم. أنا ضد الربيع ومع حظر الربيع من أساسه وكل إشارة إلى الربيع. على العكس: أنا أطالب السلطات السوريّة بمنع أغنية فريد الأطرش «أدي الربيع». أما عن ميشيل كيلو: فأقترح الدولاب. عليكم بالدولاب. والاستخبارات السوريّة تتفنّن هنا. وابتكرت أسلوب الضرب في دولاب. فلماذا لا يوضع كل من يطالب بالربيع في داخل دولاب ويُضرب ضرباً مبرّحاً إلى أن يُقرّ بما يُقرّ به. وهناك قول شهير، هو أن الاستخبارات البعثيّة تستطيع أن تجبر الإنسان على الاعتراف بأنه دجاجة تصيح. والفلقة كما نذكر من حسن أداء «أبو كلبشة» فعّالة للغاية. مش قليلة الفلقة أبداً.

الأسد: من تتهم في اغتيال الحريري؟ أنت اتهمت النظام في سوريا من قبل وطالبتَ باغتيالي.
جنبلاط: لا، أنت لا تدرك الثقافة السياسيّة والشعبيّة عندنا. المزاح، كما أسلفنا. ثم صحيح أنا اتهمت النظام في سوريا، لكنني اليوم لم أعُد أتّهم النظام. ولا تنسَ أنني اتّهمت سوريا باغتيالات أخرى فيما كنت أتهم من قبل أمين الجميّل واليميني فريد حمادة (راجع مقابلتي مع جريدة النهار في 8 آذار ، 1989) وكنت أشيد بتعاون الاستخبارات السوريّة. وأنا أغيّر اتهامي: سمِّها الديالكتيك في الاتهام. أي الاتهام وعكس الاتهام، وهكذا دواليك. وبالمناسبة، أحبّ أن أذكّرك بأول مقابلة صحافيّة أعطيتها بعد اغتيال والدي في 1977 وجاء فيها بالحرف: «هل هناك موقف آخر لم تكن فيه على تفاهم مع والدك؟ قال: نعم... الصدام مع سوريا. لم يكن من رأيي ولا من حساباتي. بل كنت أرى أن للدور السوري أهميّة ولا يمكن تجاهلها في موازين الحسابات. ومن هذا المنطلق كانت زيارتي لسوريا، وحواري مع الأشقاء السوريّين. وكما ترى لم تكن هذه الزيارة مفتعلة، بل جاءت بنت ساعتها» (الحوادث، 7 تشرين الأول، 1977).

الأسد: يطربني كلامك يا وليد. ومشهد جلوسك هنا يذكّرني بمشهد والدك وهو جالس مع والدي.
جنبلاط: التاريخ يعيد نفسه؟

الأسد: في مكان ما. في مكان ما... بعدك على اتصال بعبد الحليم خدّام؟
جنبلاط: الاسم مألوف، لكن لا أذكره تماماً. هل هو مطرب أم عازف عود؟

الأسد: أنا أتحدث عن صديقك أبو جمال. ألا تذكره؟ كنتم تسعون معه إلى إسقاط النظام، وكان خدام يعلن كل شهر في نشرة المستقبل عن توقّع إسقاط النظام في غضون أسبوع أو أسبوعيْن على أكثر تقدير.
جنبلاط: خدّام. خدّام. خدّام. لا أذكر أبداً. لكن العمر إله حق. أنا احتفلت لتوّي بعيد ميلادي الستين. لحظة. تذكّرت. هل كان خدّام هذا إحدى الشخصيّات في برنامج «صح النوم»؟ أنا أذكر أبو رياح لكن قد أكون نسيت أبو جمال هذا. عذراً.

الأسد: أنت ضد مبادرة سلام توماس فريدمان، بينما نحن نؤيّدها ونطالب بها.
جنبلاط: يعني الممانعة لا تتناقض مع مبادرة السلام؟

الأسد: الممانعة هي لمنع المقاومة من سوريا، وتأييدها في الخارج بعيداً عنا، ولمنع عرقلة مبادرة السلام العربيّة.
جنبلاط: هذا دليل على عدم الاختلاف بيننا.

ملاحظة: اعترض قارئ في رسالة منشورة في «الأخبار» هذا الأسبوع على إشارتي إلى مشاركة الجنرال عون في مجزرة (لا معركة) تل الزعتر. واعترض القارئ المذكور على غياب القرائن في هذا الشأن. لكن عون في مقابلات وتصريحات شتّى أشار إلى أدواره في مساندة قوات بشير الجميّل في مفاصل مختلفة من الحرب، كذلك إن الفارّ من العدالة «أبو أرز» ذكر في مقابلة منشورة على موقع «الكلمة أون لاين» أن عون كان قائداً لغرفة عمليّات القوى الانعزاليّة من دير مار شعيا في أثناء الحرب على تل الزعتر. فاقتضى التوضيح. وبالمناسبة، يمكن أي قارئ أن يراسلني عبر البريد الإلكتروني لطلب المراجع والمصادر لما يرد في مقالاتي من معلومات أو أحداث.

* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com


عدد الاثنين ١٧ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/152101

مهزلة فتح: العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

مهزلة فتح: العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتوجّه إلى اللجنة المركزية في حركة فتح (أرشيف ــ أ ب)الرئيس الفلسطيني محمود عباس يتوجّه إلى اللجنة المركزية في حركة فتح (أرشيف ــ أ ب)هل هناك مكان للمهازل في خضم النكبات؟ هل تجوز السخرية في زمن الخيبة المفروضة رغم تحقيق اختراقات نوعيّة وكمّية في المقاومة العربيّة ضدّ إسرائيل؟ هذا الحديث هو من وحي مؤتمر حركة فتح في بيت لحم بحراسة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ومن سمح بإدخالهم من ميليشيا «ديتون». وقد اختارت زمرة عباس ــ دحلان أن تجعل من الاحتفال، الذي صاحبه الكثير من التهريج الذي أضرّ بأصحابِه من دون أن يدروا، مناسبة لتتويج من تَوّجَهُ الاحتلال أصلاً بالاتفاق مع أميركا والأنظمة العربيّة الموالية

أسعد أبو خليل*
هل كان إعلان الدعم المالي السعودي لحكومة سلام فيّاض (الخليفة المُنتقى لمحمود عباس رغم حصوله على حوالى 1% من أصوات شعب فلسطين في آخر انتخابات اشتراعيّة) بريئاً من الهوى، مثلما كان هناك في لبنان قبيل الانتخابات إعلان سعودي مفاجئ لحلّ مشكلة مكبّ النفايات في صيدا لدعم ترشيح السنيورة، وإن كان وزير الداخليّة اللبناني لم يلاحظ ذلك، مثلما لم يلاحظ مخالفة البطريرك العروبي ـــــ ليوم واحد فقط ـــــ لقانون الانتخابات نفسه؟
محمود عباس هو اليوم مُنصّب بأيدي الاحتلال والأنظمة العربيّة، لأن ولايته انتهت في شهر كانون الثاني الماضي، مع أن بان كي مون وتيري رود لارسن ـــــ والأخير هو المفوّض الخاص بالمصلحة الصهيونيّة في مجلس الأمن ـــــ أصرّا على أن الأمم المتحدة لا تقبل أن يجدّد أي رئيس ولايته أو أن يبقى يوماً واحداً بعد انتهاء ولايته، إلا إذا كان ملكاً متسلّطاً أو ديكتاتوراً يعترف بإسقاطه لطائرة مدنيّة أو سلطاناً مطلق الصلاحيّة، أو رئيساً منتهي الولاية لسلطة منتدبة قبل الاحتلال. لكنّ الاستعمار يغفر دون العصيان والرفض والنشاز ما يشاء.
الحديث عن مهزلة مهرجان فتح يفتح جروحاً عميقة عن تاريخ حركة فتح ومنه. وتاريخ حركة فتح ينضبُ في المذكّرات التي صدرت حديثاً لإلياس شوفاني. وإلياس شوفاني (واحد من المؤسِّسين الروّاد للدراسة الأكاديميّة الجادة للصهيونيّة وإسرائيل، فيما كان شوقي عبد الناصر وعجاج نويهض يكتفيان بنشر «بروتوكالات حكماء صهيون» المُزوّرة لفهم إسرائيل) يمثّل نمطاً من العضويّة اندثر في حركة فتح. كان عام 1982 والطريقة التي أمرّ بها عرفات سرّاً قرار الانسحاب من بيروت هما آخر قشّة عند فريق المبدئيّين في الحركة، التي بدأت كـ«العمود الفقري للثورة الفلسطينيّة» وتحوّلت العمود الفقري للاحتلال الإسرائيلي. بعضهم تقاعد من النضال وإلى الأبد، والبعض الآخر توفي في ظروف غامضة (مثل ماجد أبو شرار أو حنا ميخائيل الذي ذهب في زورق في عرض البحر ولم يعدْ)، والبعض الآخر انضم إلى حركة فتح ـــــ الانتفاضة. قصة إلياس شوفاني هي قصة الخيبة والكآبة في حركة فتح: قصة ذلك التنظيم شبه السرّي في داخل الحركة. الحركة التي وعدت بثورة حتى النصر، لكنها لم تقم بثورة أو حتى بكاريكاتور ثورة، وحوّلت الهزيمة ـــــ على طريقة الأنظمة العربيّة ـــــ إلى نصر مبين. عاش شوفاني في كنف الاحتلال الإسرائيلي البغيض الذي حوّل صاحب الأرض إلى ضيف يحتاج إلى أذونات للتجوال والرحيل والتنقّل في أرجاء وطنه (أو وطنها). ملكيّة الأرض تحوّلت في عمليّة سرقة عامّة وشاملة إلى «ملكيّة غير قابلة للتصرّف» للشعب اليهودي برمّته: أي إن اليهودي في بروكلين يملك في أرض لم يزرْها أكثر من صاحب الأرض ومالك مفاتيح البيوت القابع في مخيّمات اللاجئين. درس شوفاني في الجامعة العبريّة. وفي روايته الكثير عن الاستشراق الإسرائيلي وسماته. هاجر إلى الولايات المتحدة ونشط في حركة فتح

قصّة الياس شوفاني هي قصّة الخيبة والكآبة في حركة فتح

في المهجر. وبعدما نال تثبيتاً وترقية في جامعة ماريلاند في قسم التاريخ، ترك كل شيء وراءه وهاجر للانضمام إلى حركة ظن أنها واعدة. هذا نموذج من الالتزام المبدئي الذي لا وجود له اليوم في صفوف حركة باتت تتّسم بالانتفاع والارتزاق والاكتساب. لم يطل الأمر بشوفاني لاكتشاف الحقيقة. الخيبات تراكمت وازدادت، ومحاولات التغيير من الداخل عجزت باكراً.
وعاد شوفاني إلى بيروت ليكتشف حقيقة حركة فتح. لاحظ قبل أن يعود إلى بيروت أن الحركة قامت بحملة قِطْريّة شوفينيّة توخّت فصل العمل الفلسطيني ـــــ حتى في المهاجر ـــــ عن العمل النقابي والقطاعي العربي، مع أن عدداً ليس بسيطاً من المراجع الفتحاويّة لم تكن فلسطينيّة الجنسيّة. هذا ما عناه ياسر عرفات برفع شعار «استقلاليّة القرار الفلسطينيّ»: فهو لم يحقّق الاستقلاليّة، وفوق ذلك قطع صلات الوصل مع حملات التطوّع العربيّة الجيّاشة ـــــ في ذلك الحين. عزلت فتح الثورة الفلسطينيّة عن جماهير التطوّع العربي. وكانت الحركة بعيدة عن الاستقلاليّة، لا فقط بسب ارتباط عرفات المبكّر بدول الخليج، بل بسبب الانفلاش والتسيّب التنظيمي الذي وسم الحركة منذ نشوئها. ويضحك المرء عندما يراجع كتيّبات حركة فتح الأولى وهي تتحدّث عن السريّة: «حركتنا حركة سريّة، وهي سريّة لأن هنالك ظروفاً تملي عليها ذلك». (حركة فتح، القواعد العشر الأساسيّة في التنظيم، ص. 23).
سرعان ما اكتشف المتطوّع شوفاني شخصيّة محمود عباس، وذلك عندما كان الأخير يشغل مسؤوليّة «التعبئة والتنظيم» في الحركة، وهو الذي أصرّ على فصل التطوّع الفلسطيني عن العمل العربي المشترك. كذلك فإن شوفاني، الخبير الرصين والجاد في الشأن الصهيوني، قد سخر من محاولة عباس الظهور (بعدما حصل على شهادة دكتوراه من جامعة باتريس لومومبا وتضمّنت أطروحته تشكيكاً في المحرقة لكنّ إسرائيل وليبراليّي أمراء آل سعود في الإعلام العربي يغفرون اللاساميّة إذا صدرت عن الصهاينة العرب مثل السادات وأبو مازن) مظهر الخبير بموضوع إسرائيل. وكان يروّج في صفوف الحركة لخبريّة خطته لإضعاف إسرائيل من خلال حثّ اليهود المغاربة على العودة إلى المغرب. هذه كانت خطة عباس السريّة لتقويض إسرائيل وتحرير فلسطين. وعندما انضمّ شوفاني إلى المجلس الوطني الفلسطيني، أعطاه عباس درساً عن سائر أعضاء المجلس الوطني الفلسطيني، قائلاً له عنهم: «هؤلاء بقر». (إلياس شوفاني، مرثية الصفاء، ص 194). لكنّ مأساة شوفاني تفاقمت عندما اكتشف بعد انضمامه المتسرّع إلى حركة فتح ـــــ الانتفاضة أنها تكرار لتجربة فتح بكل مساوئها وقباحتها وفسادها. تقاعد شوفاني من النضال، مثلما تقاعد هؤلاء المبدئيون الذين انضموا إلى ما ظنّوه ثورة فاكتشفوا حالة من الفساد تتناقض مع أوّليات الثورة والتحرّر الوطني.
لكنّ بوادر الفساد والضعف والضرر في حركة فتح برزت باكراً جداً، وكان يمكن التنبّه إليها. وصمها ياسر عرفات بوصمته الضارّة منذ البدايات. لم تعوّل الحركة على الصدق، واعتمد عرفات في بروزه وصعوده احتكار المصادر الماليّة. عرف كيف يجيّر النشاط الثوري ويحوّله إلى حركة بيروقراطيّة تشبه الجيوش العربيّة في حرب 1948 أكثر مما تشبه حركات ثوريّة مقاتلة. السيطرة على كل مفاصل الحركة كانت الأولويّة. وكان عرفات منذ البداية موارباً ومرائياً ومهيناً للشعب العربي والفلسطيني من خلال: 1ـــــ التحدث بلغتيْن: واحدة بالعربيّة موجهة إلى الشعب العربي، وواحدة بالأجنبيّة موجهة إلى أميركا وإسرائيل. 2ـــــ الإصرار على المبالغة والكذب في البيانات العسكريّة وفي الحديث التنظيمي. تعود إلى عام 1968، مثلاً، فتجد أن حركة فتح زعمت في شهر واحد (تشرين الثاني 1968) أنها قتلت أو جرحت 650 جندياً إسرائيلياً، ودمّرت 59 آلية وسيارة عسكريّة، و22 دبّابة، و26 منشأة حيويّة، ومخفراً ومركزاً ومهجعاً للجنود، و20 مدفعاً من مختلف الأنواع، و5 مواقع للمراقبة، وأبادت 13 كميناً للعدو، محمد دحلان (أرشيف ــ أ ف ب)محمد دحلان (أرشيف ــ أ ف ب)ونسفت قطاراً ودمّرت سكة حديديّة في أربعة مواقع، ونسفت مستودعاً للذخيرة وغنمت رشاشيْن من طراز ناتو وكميات من الذخيرة والقنابل اليدويّة، بينما بلغت خسائر فتح في كل هذه المعارك البطوليّة 7 شهداء (راجع كتاب فتح السنوي لعام 1968، ص 160 ـــــ 161). وبعمليّة حسابيّة بسيطة لا تحتاج إلا إلى معرفة جدول الضرب، يكون الجيش الإسرائيلي قد زال تماماً من الوجود بحلول عام 1980 نتيجة هذا التدمير الهائل على يد الحركة ذات الخيال الخصب. لكن هذه هي حركة فتح وهذا هو أسلوب عرفات في القيادة وفي الادّعاء وفي البهلوانيّة السياسيّة والعسكريّة (كما هو معروف، عرفات كان يصرّ على اعتبار نفسه جنرالاً).
وهناك ما يلفت في التشابه بين شخصيّة عرفات ومساره وشخصيّة أنور السادات ومساره. ليس صدفة أنّ مسار السادات نحو السلام المنفرد مع إسرائيل عبر استجداء رعاية واشنطن تطابَقَ نهجاً وهدفاً مع مسار عرفات نحو السلام المنفرد مع إسرائيل عبر استجداء رعاية واشنطن. تستطيع أن تستقي الصفات المشتركة بين الاثنيْن: القدرة على التحايل على منافسين سياسيّين أكثر ذكاءً وحنكة منهما، ثم الاستيلاء على السلطة المتفرّدة. الاعتماد على دعم سعودي ـــــ خليجي في (ولـِ) مواجهة خصوم سياسيّين. الاعتماد على الحركات المسرحيّة والاستعراضيّة للفت نظر الجمهور وللتأثير (غير الغبي أحياناً) على الرأي العام. معرفة زمن جبريل رجّوب (أرشيف ــ أ ب)جبريل رجّوب (أرشيف ــ أ ب)اقتناص الفرص ووسائل هذا الاقتناص. العنجهيّة مع رفاق الدرب والخنوع مع الغرب والصهاينة. اصطناع التأثّر والتبرّج السياسي أمام الكاميرا. اعتماد الولاء المطلق معياراً للوظيفة وللترقية. الإيمان العميق بأن كل أوراق الحل هي في يد أميركا، وأن ما على العرب إلا الزحف نحو العاصمة الأميركيّة. التسليم بالشروط الإسرائيليّة رغبة في إسعاد الراعي الأميركي. استغلال الاستعراض العسكري بديلاً من العمل العسكري ـــــ المقاوم الجاد لتحرير فلسطين وباقي الأراضي العربيّة المحتلّة. ويلاحظ شوفاني، كما نلاحظ معه، أن عرفات كان في المقصورة الخاصة عندما ألقى السادات تلك الخطبة التي أعلم فيها الأمة بنيّته زيارة القدس المُحتلّة. وليس صدفة أن علاقة حركة فتح بالنظام المصري تطوّرت بعد وفاة عبد الناصر وصعود السادات.
أحاط عقد مؤتمر حركة فتح جملة من الظروف والشروط والتدخّلات التي لم تبدأ ولم تنته بذلك الإعلان المُفاجئ لفاروق القدّومي. والقدّومي واحد من سياسيّي الحركة «العتاق» الذين أتقنوا سياسة «اللعم»، أي الموافقة على الشيء وعكسه. القدومي كان يُعدّ في حقبة عرفات الثالث في التعداد الهرمي بعد عرفات وأبو جهاد، وإن كان دوماً ميّالاً إلى الجناح المناهض للتسوية. لكنّ عرفات عرف كيف يُسكتُه في المحطات الفاصلة: كان يقتّر معه عندما يغضب منه، ويجزل العطاء عندما يكون راضياً. هكذا تعامل عرفات مع الآباء المؤسّسين للحركة: أنشأ لكل «أبو» دكّاناً خاصّاً به، وكان بعضها فعّالاً (مثل الجهاز الاستخباري لأبو أياد. ويستطيع نائب بيروت الجديد، نهاد المشنوق، أن يحدّثنا عنه بشيء من التفصيل) وبعضها الآخر ديكوراً يضفي على الحركة طابعاً مزدوجاً من المسرحيّة والفساد (مثل دكاكين أبو حسن سلامة وأبو الزعيم والحاج إسماعيل ـــــ المسؤول الثاني بعد عرفات عن الانسحاب المُذلّ من دون خطة قتال عام 1982 في مواجهة الغزو الإسرائيلي). لكن أبو اللطف سكت طيلة سنوات عن مفاسد أبو مازن وعن خطة قتل عرفات، وأحرجه خصومه في فتح عندما استشهدوا بما قاله هو في الإشادة بمحمود عبّاس. وصدقية أبو اللطف تعرّضت للاهتزاز في الرد على أوسلو، مع أنه كان واحداً من القادة التاريخيّين لحركة فتح الذين لم يتلوّثوا في جو بيروت قبل 1982. كان واضحاً أن أبا اللطف كان معارضاً لأوسلو، لكنه لم يستطع أو لم يرد أن يجاهر بموقف معارض لعرفات لأنه كان بحاجة إلى تمويل «الدائرة السياسيّة» التي توسّعت وتضخّمت من دون حساب. كان أبو اللطف ينتقد أوسلو يوماً ويصمت يوماً آخر، ثم يصدر موقفاً ملتبساً في يوم ثالث. لكنّ القدومي صمت فيما كانت حركة فتح تتحوّل بالتدريج، وقبل وفاة عرفات، إلى عصابات ميليشيا موالية للاحتلال على غرار جيش لحد في جنوب لبنان. وكان أجدى بأبي اللطف أن يصدر موقفه هذا بناءً على تطوّرات سياسيّة لا على مواقف شخصيّة أو تمويليّة.
ولم يكن نص القدّومي المُسرّب إلى الإعلام (عن اجتماع التخطيط لاغتيال عرفات) ذا صدقيّة تُذكر. من المستحيل أن يكون هناك تدوين رسمي لاجتماع استخباري يُتداول فيه خطة التخلّص من عرفات. ولو كان عرفات حصل على نص الاجتماع ـــــ كما يريدنا القدومي أن نصدّق ـــــ لما كان قد مات على الأرجح. يتّخذ العدو الإسرائيلي قرارات من هذا النوع من دون توريط حلفائه ممن يريدهم أن يخلفوا عرفات. وليس هذا من باب الشك في نظريّة اغتيال عرفات، وهي مرجّحة. ونذكر أن سهى عرفات كانت قد صرّحت بعد وفاة عرفات مباشرةً بكلام غاضب عن ملابسات موته وعن مؤامرة حاكها «المحيطون به»، في إشارة إلى زمرة محمد دحلان (وهو أسوأ فلسطيني، مثل ما كان بشير الجميّل أسوأ لبناني على الإطلاق). لكنّ سهى عرفات سكتت فجأة عن الكلام المباح بعد اجتماع وجيز ومفاوضات ذات طابع غير سياسي مع... فريق المحيطين بعرفات. حتى ناصر القدوة: هو الآخر تمتم بكلام غير مفهوم قبل أن يلتزم الصمت. وصمتت حركة فتح هي الأخرى قبل أن تعبّر، للمرّة الأولى أثناء المؤتمر بصفة رسميّة، عن شكّها في طريقة موت عرفات، لا بل إن حركة فتح أصدرت بياناً اتهمت فيه إسرائيل ـــــ التي تخوض معها الحركة مفاوضات علنيّة ورسميّة، والتي تتسم العلاقة بينها وبين فتح بودّ يفوق الودّ المفقود بين حركتيْ فتح وحماس ـــــ باغتيال عرفات. ولا من يسأل الحركة عن صمتها لسنوات عن هذا الاغتيال وعن الدلائل أو القرائن التي دفعتها لاتهام إسرائيل. أسئلة من دون أجوبة.
أما عمليّة التصويت وما أحاط بها من إخراج فكانت تصلح أن تُعرَض على واحدة من خشبات مسارح شارع الهرم. أولاً، ارتأى الرئيس المنتهي الصلاحيّة، أبو مازن، أن يحلّ لجنة الانتخابات الفتحاويّة وأن يعيّن لجنة دحلانيّة بديلة. ثانياً، صرّح أبو العلاء (ذو السجل غير الناصع من أيامه في «صامد» إلى اتهامات بتقديم الأسمنت لبناء المستوطنات ـــــ الثكنات) أن أبا مازن ارتأى أن يزيد عدد صناديق الاقتراع بعدما كان الاتفاق أن تكون واحدة. ثالثاً، استغرقت عمليّة عدّ الأصوات لأعضاء اللجنة المركزيّة وأعضاء المجلس الثوري أكثر من عدّ الأصوات في الانتخابات

إذا اعتمدنا إحصاءات فتح نجد أن الجيش الإسرائيلي زال تماماً من الوجود

الرئاسيّة والاشتراعيّة الأميركيّة. رابعاً، تجري عادة عمليّة عدّ الأصوات بصورة شفافة وتخضع لمراقبة متنافسين وجهات محايدة، أما في انتخابات فتح فقد اختفت الصناديق مجرّد أن انتهى المقترعون من الإدلاء بأصواتهم. ولا نعلم من أخذ الصناديق وفي أي غرفة وُضعت وما حدث لها. لكن تسرّب أن محمود عباس (وهو فريق، لأن له أتباعاً ومرشحين، وهو جزء من الفريق الدحلاني الذي أحكم سيطرته على الحركة) زار مركز عدّ الأصوات وحيّا المكلّفين (نشكّ في أن بينهم نساءً، لأن الحركة منذ نشأتها فاقعة في حكم «الأبوات» الذكوري) بعدّ الأصوات. خامساً، أسهمت إسرائيل في ترجيح كفة الدحلانيّين عبر منع معارضي التسوية والفساد (مثل منير المقدح) من الدخول إلى الأراضي المحتلّة. سادساً، حصل أمر مضحك عندما سقط مرشح لعضوية اللجنة المركزية ونشرت الصحف أسماء الفائزين والساقطين، لكنه عاد (أبو الطيّب) وفاز بقدرة قادر بعد عدّ للأصوات جاء فيه خاسراً. هنا يكتسي العدّ الفتحاوي بعداً يستحق الإدراج في التراث الإرويلي. وأبو الطيّب جزء لا يتجزّأ من الفريق الدحلاني، وقد وجد أبو مازن صعوبة على ما يبدو في إقناع أبو الطيّب بقبول الخسارة.
وظاهرة أبو الطيّب هذا تستحق الدراسة. فهو، لمن لا يذكر، أبو الطيّب نفسه الذي ترأس فرقة الـ17 أثناء المجد الفتحاوي في مسرح لبنان، وكانت الفرقة معروفة بكلّ ما لا علاقة له بمقاومة إسرائيل أو بالكفاح المسلّح. كانت الفرقة بمثابة الحرس الرئاسي لعرفات، وإن أدّت «مهمات خاصة» لم تكن مرتبطة بأمن عرفات الشخصي. وأبو الطيّب هذا ـــــ مثله مثل عرفات ـــــ يظن أن الصوت الجهوري يمكن أن يعوّض عن غياب المواهب والكفاءة. وفيما أثبت أبو الطيّب ولاءه الأعمى لعرفات ـــــ وهل يطلب عرفات إلا ولاءً أعمى؟ ـــــ لم ينمّ عمله عن أي تميّز أو خبرة في الثورة التي لم تتوقّف حركة فتح عن لمّ الأموال باسمها. وعرفات أصرّ عند بناء سلطة أوسلو كذراع تنفيذية لسلطة الاحتلال الإسرائيلي، على استيراد أسوأ نماذج حركة فتح من الوحول اللبنانيّة. ولذلك: فإن الحاج إسماعيل أصبح نافذاً في سلطة أوسلو، كما أصبح أبو الطيّب هذا متنفّذاً في الجهاز الرئاسي ـــــ وليس في هذا الجهاز من الرئاسة إلا الاسم، لكنّ هوس عرفات بالبروتوكول الرئاسي حتى لو كان فارغاً أمر معروف كما يرد في الكتب الصادرة عنه. وأبو الطيّب يتولّى رئاسة «لجان التحقيق» الفتحاويّة التي لا «تطلع بنتيجة»: مثل التحقيق في سقوط غزة في أيدي حماس، والتحقيق في فضيحة تهريب روحي فتوح (دحلاني نافذ وإن لم يفز بعضويّة اللجنة المركزيّة) لآلاف من أجهزة الخلوي في صندوق سيّارته.
وانتهت المهزلة واستطال وقت عدّ الأصوات لعضويّة المجلس الثوري. المجلس الثوري؟ ماذا بقي من وعد الثورة في حركة فتح؟ محمد دحلان وجبريل الرجّوب يمثّلان الثورة؟ لكن نحو 61 من أعضاء المجلس الثوري محسوبون اليوم على فريق دحلان. وحركة فتح ومنظمة التحرير لا تجتمعان منذ أوسلو إلا بأمر أميركي من أجل ترويض الحركة لجعلها أكثر طواعيّة في يد المُحتلّ الإسرائيلي. وحركة فتح، التي كانت تتعرّض للملاحقة والتنكيل من إسرائيل ومن أميركا، باتت اليوم تتلقّى التسليح والتمويل من أنظمة عربيّة برضى إسرائيلي ـــــ أميركي، أو بأوامر أميركيّة. والمال في يد محمود عباس هو سلاحه الوحيد يستخدمه من أجل إعادة تركيب الحركة وفق أهواء «ديتون». والمطلوب اليوم هو الاستسلام الكامل، كما صرّح بذلك حازم صاغيّة في جريدة الأمير خالد بن سلطان. لكن مَن مِن شعب فلسطين يسير وفق أهواء خالد بن سلطان أو كتّابه؟ غير أن الأمانة العامة لـ14 آذار هنّأت حركة فتح على «إنجازها الديموقراطي». بقي أن يرسل أنطوان لحد تهنئته هو الآخر.
* أستاذ العلوم السياسية
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com [1])


عدد السبت ٢٢ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/153006

الحكّام العرب: الجيــل الثاني

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

الحكّام العرب: الجيــل الثاني

الرئيس الأميركي يتكلّم والرئيس المصري يستمع (أرشيف ــ رويترز)الرئيس الأميركي يتكلّم والرئيس المصري يستمع (أرشيف ــ رويترز)يحتفل سكان العالم بإقصاء حكامهم وطغاتهم، وخصوصاً في العقود الماضية. مشهد إعدام تشاوشسكو (صديق أنور السادات الحميم والشيوعي المفضّل لدى الغرب) وزوجته لا يزال ماثلاً للعيان وراسخاً في الذاكرة. لكن حكام العرب يحتفلون بالتربّع على العروش الملكيّة والجمهوريّة المتلبّسة بالشعارات المختلفة

أسعد أبو خليل*
يزداد ثقل الحكام العرب على صدور شعوبهم، ويتربّع على عروش الطغيان ليس فقط الطغاة، بل الأولاد وأولاد العم والخال. وفي عصر البزنس، تصبح العائلة شركة مساهمة حصريّة لا مكان فيها إلا لروابط الدم والعشيرة إذا والت. وقد ينقلب الابن على الأب والأخ على الأخ والأب على الابن من أجل السلطة. إنها قصة الحكم في العالم العربي المنكوب.
وعند الحديث عن الجيل الثاني من الحكام العرب، يخال المرء أن هناك حنيناً إلى الجيل الأول، وليس هذا هو المبتغى إطلاقاً. لكن هناك فوارق تذكر بين الجيل الأول والجيل الثاني من الحكام العرب. طبعاً، لم يأتِ الجيل الأول من فراغ أو من تكريس إرادة شعبيّة عارمة لا تُقاوم. الاستعمار الغربي والحرب العربيّة الباردة هما اللذان كانا مسؤولين عن صعود الجيل الأول. والجيل الأول كان منقسماً في الخمسينيات عندما اندلعت الحرب بين معسكر جمال عبد الناصر ومعسكر حلف بغداد (المُعلن والمُستَتِر). لكن الجيل الأول كان محكوماً بحياة اجتماعيّة ـــــ اقتصاديّة مختلفة عن حياة الأبناء. عاش بعض أبناء الجيل الأول في الفقر: لم يكن ثراء آل سعود فاحشاً في الثلاثينيات والأربعينيات عندما كان الملك عبد العزيز المؤسّس يعرض بيع فلسطين مقابل جنيهات استرلينيّة، وكانت ثروة أبو ظبي محفوظة في مخدع الشيخ شخبوط بن سلطان، على ما يُروى. وكان الأمراء منهم والشيوخ يعيشون حياة البداوة في بعض جوانبها ومنهم من اقتات على التمور، وكانت العامة تختلط إلى حدّ لم يعد مألوفاً مع حكّامها. أما الجيل الأول من الحكام الجمهوريّين، فكان معظمهم من خلفيّات طبقيّة متوسّطة إلى فقيرة: لم تكن عائلة عبد الناصر معدومة ولكنها لم تكن ميسورة، كما أن زعماء البعث جاؤوا، كما قال حنا بطاطو، من خلفيّات متوسّطة ريفيّة. وقادة العسكر الذين أتوا إلى السلطة بدبّاباتهم لا ببرامجهم كانوا من خلفيّات فقيرة نسبيّاً (مثل القذافي). وهذا الفقر النسبي جعلهم أكثر معرفة بحياة الطبقات الشعبيّة، وقد يكون أثّر على سياسات الإصلاح الزراعي والتأميمات في الأنظمة الاشتراكيّة ـــــ على علاّتها.

شعار «حب الحياة» ستار شفّاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة

وهناك العامل العاطفي عند الجيل الأول. كان هؤلاء من المرتبطين والمرتهنين للغرب (مثل الملوك والسلاطين والشيوخ) لكنهم عاصروا النكبة ورأوا بأم العين مشاهد التهجير الفلسطيني وسمعوا عن الهزيمة العربيّة الشنيعة (وإن كانوا مسؤولين عنها) والتي كستهم بالعار والخزي أمام شعوبهم وأمام المرآة. الشيخ زايد، مثلاً: كان صنيعة للاستعمار ونفّذ الأوامر وأطاع، لكنه كان عاطفيّاً يتأثّر لمشاهد أو روايات معاناة شعب فلسطين. الشيخ زايد طلب أن يلتقي يوماً في أوائل السبعينيات بليلى خالد، وأعطى تبرّعاً يوماً للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (وقد انشقّ فريق عن الجبهة وأصدر كرّاس «الفضيحة» بسبب قبول الجبهة التي كانت تدعو لقلب الأنظمة الرجعيّة اللقاء مع زايد هذا). وليس هذا الحديث عن الرابط العاطفي من أجل الذهاب بعيداً في تحليل العوامل النفسيّة في صنع القرار السياسي عند هؤلاء الحكام. فالعاطفة شيء والقرار السياسي شيء آخر: كان زايد يعطي تبرّعاً للجبهة الشعبيّة بيد ويساهم بمليارات في حملات مناهضة الشيوعيّة حول العالم لدعم موقف أميركا في الحرب الباردة. وكان الموقف العاطفي الخالي من الموقف السياسي المبدئي مثل رونالد ريغان الذي كان يتأثّر لحكاية واحدة عن فقير معدم، ولا يتردّد في التوقيع على قرارات سياسة عامّة تؤدّي إلى إفقار الملايين من السكّان دون أن يرفّ له جفن. لكن الحديث عن العامل العاطفي هو للمقارنة مع الجيل الثاني فقط.
ويبرز الفارق بين الجيلين الأول والثاني في المقارنة بين رفيق الحريري (على علاّته وهي لا تُحصى) والحريري الصغير. الأول نشأ على القوميّة العربيّة وعلى شعارات الاشتراكيّة، والآخر نشأ على الـ«بلاي ستيشن» (والـ«إكس بوكس» في ما بعد). الأول كان منحازاً لعبد الناصر في الحرب العربيّة الباردة والآخر ينحاز إلى الأمير عزّوز في أي خلاف. طبعاً، فإن الأول والثاني في المُحصِّلة هما جزء من المشروع الأميركي نفسه ويلعبان الدور المرسوم بحذافيره، لكن الفارق هو في الأسلوب وفي نمط التعبير وفي القدرة على فهم عاطفة الناس، من أجل تغييرها خدمةً لخادم الحرميْن. قد يكون الجيل الثاني أفضل لنا لأنه أقلّ قدرة على خداع الناس بشعاراته من الجيل الأول. كان الملك فيصل يعدُ العرب بالصلاة في القدس وكان البعض يعتقد أنه يريد تحرير القدس، فيما كان يقصدُ الصلاة خانعاً في الجامع الأقصى على طريقة أنور السادات. والحريري الأب كان يماشي بوش في حروبه وغزواته فيما كان يبيع الناس شعارات عروبيّة وبعثيّة (هل يظن فريق «الأمير مقرن أولاً» أنه محا من الذاكرة ومن السجلاّت خطب الحريري في مديح النظام السوري وغازي كنعان ورستم غزالة وفي رفض فتح سفارات بين البلديْن؟). على من تزوِّر المزامير، يا هاني؟
العامل الآخر أن رادعاً قويّاً تحكّم في قدرة الحكّام الأوائل أو رغبتهم في المضي بالمشروع الغربي المُناصر لإسرائيل. فقد كان هؤلاء يعيشون في عصر كان فيه الرأي العام (يجب الإقلاع عن عبارة «الشارع العربي» الدارجة في الاستعمال الغربي وذلك إمعاناً في نسبة غرائز متوحّشة إلى العرب، وكأن الرأي العام الغربي لا يعبّر عن نفسه في الشوارع ويكتفي بالتصريح في الصالونات، كما أن مصطلح الجماهير فيه من الإطلاق القامِع ما جعل منه مُحبَّذاً في الأدبيّات البعثيّة والأنظمة الشيوعيّة) صارماً في الإيمان بثوابت في التعاطي مع القضيّة الفلسطينيّة. أنا أذكر حين كنت في السابعة كيف خرجت الناس في بيروت بأثواب النوم عشيّة استقالة عبد الناصر عام 1967 مُطالبةً بتحرير فلسطين، فيما يؤيّد بعض هؤلاء الناس اليوم وأبناؤهم نزع أي سلاح يهدِّد إسرائيل حفاظاً على حبّ الحياة وحب إسرائيل (وشعار حبّ الحياة هو ستار شفاف لممارسة الحب مع الصهيونيّة). كان الحكام الأوائل أقلّ قدرة على الحركة من أبنائهم، لأنهم كانوا يخشون غضبة الناس والانقلابات، وهذان العاملان لا يضغطان اليوم على مسلك الحكومات. الناس باتت مشغولة بـ300 محطة فضائيّة تنضح مسلسلات، ومشغولة أيضاً بالفتنة السنيّة ـــــ الشيعيّة وبملاحقة التحقيقات في مقتل الفنانة سوزان تميم.
وكان الغرب المهموم بشروط الحرب الباردة ومتطلباتها لا يطالب الأنظمة المرتبطة به بالكثير، وذلك حفاظاً على صحّتها وسلامتها وأمنها. وكان الجيل الأول قبل السبعينيات ذا قدرات ماليّة متواضعة نسبيّاً. المؤامرات كانت مكلفة ولم تكن في حجم المؤامرات في ما بعد حيث تستسهل السعوديّة، مثلاً، إنفاق المليارات في لبنان للتأثير على نتائج الانتخابات النيابيّة ولتأجيج الفتنة خدمةً لإسرائيل ومصالحها. كانت المؤامرات في حجم الملايين لا أكثر.
جمال مبارك نموذج من الجيل الثاني. والجيل الثاني يتصنّع الخفر في الحديث عن الخلافة. يريد الإعلام الرسمي في مصر (الذي بات يضم بعض الإعلام الخاص مثل «المصري اليوم» التي بدأت مستقلّة وتحوّلت إلى جهاز دعائي لـ«سي جمال») أن يقنعنا بأن صعود جمال مبارك لا علاقة له بصلته العائليّة بل يعود لمواهبه الفذّة. وجمال مبارك أتى من عالم البزنس ويبدأ التحوّل نحو الخلافة في تولّي شؤون حكوميّة قبل فراغ سدّة الرئاسة.
النائب سعد الحريري (أرشيف)النائب سعد الحريري (أرشيف)تحدّث الملك عبد الله الأردني (حامل العدد الهائل من النياشين والميداليّات العسكريّة على صدره وقد يكون كسبها بعرق بزّته العسكريّة في صولاته وجولاته في معارك ضد العدو الإسرائيلي) عن جيل أولاد الحكام العرب في مقابلة مع الـ«نيويورك تايمز» (لا يتحدّث هذا الملك اليوم عن تلك الصداقة الحميمة التي جمعته بعديّ صدّام حسين). قال إنهم يفهمون بعضهم بعضاً لأنهم يتحدّثون اللغة نفسها ويرتادون الفنادق والمطاعم نفسها في الغرب. كم كان كلامه صائباً ويصلح لتحليل طبقي عن حكام العرب. وحياة الأثرياء (عرباً وغرباً) مشتركة لأن كل الأثرياء يرتادون الأماكن المفضّلة للأثرياء، ويتزلّجون في غستاد أو في أسبن، الخ. لكن الأبناء يختلفون عن الآباء.
تربّى أبناء الحكام في عزلة طبقيّة صارمة. هؤلاء لا يعرفون عن طبقة الفقراء شيئاً لأنهم لا يحتكّون بهم. وخدمُ هؤلاء وجارياتهم من طبقة لا صلة لها بالفقراء. كما أن العامل العاطفي منعدم عندهم.
شبّ هؤلاء في زمن كان فيه النزاع بين المعسكر الناصري والمعكسر الرجعي على أشدّه. لهذا تجد عندهم نزعة للسخرية الفاقعة من كل شعارات تلك المرحلة: من تحرير فلسطين إلى قتال إسرائيل إلى مواجهة الإمبرياليّة إلى الوحدة العربيّة. هؤلاء من نتاج التربية جمال مبارك (أرشيف)جمال مبارك (أرشيف)البيتيّة الخاضعة للمستشارين المستوردين والمعاهد والجامعات الغربيّة. سألتُ واحدة من اللواتي درّسن ابن حاكم عربي في بريطانيا. وجَدَتْه بارداً في كل القضايا الساخنة. درس هؤلاء على أيدي صهاينة وإسرائيليّين في الغرب ونما لديهم حسّ تقليد الرجل الأبيض والسير على خطاه. كان يحيط بالآباء مثلاً في أنظمة الخليج مستشارون من بلاد الشام، فيما يحيط بالأبناء مستشارون من الغرب ومن معاهد ومصارف مرتبطة بالمصالح الإسرائيليّة. كان الآباء قد تلقّوا دروساً دينيّة ولغويّة على أيدي شيوخ ومدرّسين يعنون بقضايا الشعب العربي.
وتقليد الرجل الأبيض (الأميركي خصوصاً) يشغل بال الجيل الثاني. هؤلاء لا يتقنون اللغة العربيّة، على عكس بعض الآباء: كان الملك الحسن الثاني والملك حسين وأنور السادات يتقنون العربيّة، وكان الشيخ زايد يكتب الشعر. أما أبناء الحكام فهم يتكلّمون العربيّة بصعوبة ويزهون بلكنتهم في التحدّث بالإنكليزيّة (تلقّى الملك عبد الله الأردني دروساً في العربيّة الفصحى بعد تولّيه العرش، كما تلقّى سعد الحريري دروساً في الفصحى وفي اللهجة البيروتيّة بعد وراثته زعامة «أهل السنّة» في لبنان). طبعاً، هناك من الآباء (مثل الملك عبد الله السعودي أو الملك سعود) مَن كان أمّيّاً. الأمير بندر كان لشدّة محاكاته الرجل الأبيض في أميركا يواظب على حضور المباريات الرياضيّة الأميركيّة ويتصنّع الحماسة لهذا الفريق أو ذاك، بناءً على أهواء الرئيس المقيم في البيت الأبيض. ويتمتّع الأبناء بثروات هائلة تسمح لهم بالإعداد لتولّيهم الحكم عبر التنسيق المُبكّر مع الإمبراطوريّة الأميركية من أجل تبييض الصفحة وإظهار الولاء المبكّر. تسمع عن مؤسّسة القذافي مثلاً: وهي تنعم بالمليارات وتقوم بأعمال سريّة وعلنيّة، وما من قدرة على محاسبة التصرّف بأموال الشعب الليبي الذي لا تظهر عليه مظاهر النعمة النفطيّة. وفضيحة الرشى التي التصقت ببندر بن سلطان لُفلِفت على عجل بأمر من الحكومة، لكنها أدّت إلى نشر أرقام شبه خياليّة عن مبالغ بمئات الملايين من الدولارات. لهذا، فإن لكل أمير من آل سعود اليوم حكومة خاصّة به وجهازاً استخباراتياً خاصاً به وسياسة خارجيّة خاصّة به. ويتنافسون فقط في المدى الذي يريدون به إسعاد «الراعي الأميركي». الأمير بندر حظي برعاية أميركيّة (استمرّت حتى تفجيرات 11 أيلول) لأنه أشرف (بأمر من فهد) على وضع الثروات السعوديّة في خدمة الأعمال القذرة للحكومة الأميركيّة في عهد ريغان. ولكل أمير وابن رئيس مؤسّسة أو جيش (كما في حالة أحمد علي عبد الله صالح في اليمن أو الملك الأردني قبل الجلوس على العرش أو الملك السعودي قبل الجلوس على العرش أو باسل الأسد قبل وفاته) وضع مشابه.
وحريّة الحركة أمام أبناء الحكام في الحكم وفي خارجه أكبر من هامش الحركة عند الآباء. لا يكترث الأبناء للرأي العام لأنهم لا يحملونه على محمل الجدّ: ولّى الزمن الذي كان فيه الناس في العالم العربي يخرجون إلى الشارع طوعاً وعفوياً من أجل فلسطين وضد التسوية السلمية مع إسرائيل. يخرج أحياناً الناس ربما لاستقبال ريتشارد نيكسون في شوارع القاهرة في عهد السادات أو لاستقبال شيراك في الجزائر أو لاستنكار الرسوم الكرتونيّة في الدنمارك. أما في لبنان، فتخرج الناس لاصطناع التفجّع على رفيق الحريري طمعاً بحصّة طائفيّة أكبر، أو للهتاف بحياة زعيم الطائفة الأوحد. إن هذا التجاهل (المُحق بسبب عقود من الاستكانة والخنوع والانطواء القطري المحلّي بالإضافة إلى العزلة السياسيّة التي لا مجال لتحليلها في عجالة هنا) يعطي القادة الجدد مجالاً أوسع للتحرّك، وخصوصاً في التودّد لإسرائيل.
كانت الناس تثور لمجرّد سماع أخبار عن لقاءات سريّة بين عرب وصهاينة، وكان مشروع روجرز يحرّك تظاهرات ضخمة حتى بعد قبول عبد الناصر به. أمّا اليوم، فحالة من البرود السياسي، أو قُل إنه اليأس المطلق والإحباط المزروع، تتيح الإسراع في التطبيع مع إسرائيل. يسارع الملك السعودي للقاء شمعون بيريز تحت باب «حوار الأديان»، فيما تدعو حكومة قطر وزيرة خارجيّة العدو الإسرائيلي لتلقي عظاتها عن الديموقراطيّة، وبات رؤساء العرب وملوكهم يعتبرون عدم إلقاء التحيّة على إسرائيليّين في الغرب تصرفاً غير لائق. يتحرّك أبناء الحكّام بحريّة مطلقة. لا يأخذون في الحسبان رد فعل الناس. يقومون بتحرّكاتهم على أساس النوم المستمرّ للعامّة مهما شطّت الأنظمة في تحالفها مع المصالح الإسرائيليّة.
وهناك أمر آخر: كانت الحكومات العربيّة في الماضي تتنافس في معسكريْن: الرجعي، وذلك الذي يدّعي التقدميّة. وكانت الصراعات محتدمة داخل كلّ من المعسكريْن: الصراع السعودي ــ العماني أو السعودي ــ الإماراتي، بالإضافة إلى الحروب بين البعث وعبد الناصر. أما اليوم، فقد انضوت كل الأنظمة العربيّة وبدرجات متفاوتة، بما فيها تلك الأنظمة التي تدّعي الممانعة بهدف تحسين شروط الانصياع، في المعسكر الموالي للغرب. هذا العالم جعل من التنافس تنافساً في درجة الولاء للإرادة الأميركيّة. هذا يفسّر، مثلاً، نشاط أولاد زايد في الإمارات للقيام بدور حيوي في دعم الحكومة الدحلانيّة وفي القيام بدور استخباراتي مهم لمصلحة الإمبراطوريّة الأميركيّة. وليس التطبيع مع إسرائيل ـــــ في المغرب وفي الخليج ـــــ إلا لأجل التقرّب من واشنطن. فالأنظمة العربيّة المُنصاعة للمشيئة الأميركيّة اليوم تتسارع لدعم ميليشيا عصابات محمد دحلان لأنها تعلم أن الأمر عزيز على قلب الإدارة الأميركيّة وإسرائيل. فالتنافس هذا يزيد من حجم التعاون والتواطؤ مع المشروع الإسرائيلي في المنطقة، وخصوصاً أن تهيئة الابن النجيب ـــــ في نظر والديه ـــــ تتطلّب موافقة أميركيّة. الحاكم العربي اليوم يصطحب ابنه إلى أميركا ليعرّف الناظر الأميركي على خليفته.

تهيئة الأبناء للخلافة سبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربية وإسرائيل

يمكن النظر إلى عمليّة تهيئة الأبناء للخلافة كسبب مباشر للتقارب بين الأنظمة العربيّة وإسرائيل. فحسني مبارك كان يعلن انتقادات لفظيّة ضد عدوان إسرائيل، لكن شيئاً ما حصل في السلوك المصري وفي حجم التعاون مع العدوان الإسرائيلي ضد شعب فلسطين في الأعوام الأخيرة. قل إنها من ضرورات التحضير للخلافة. والنظام القطري سارع إلى التقرّب من إسرائيل لإرضاء واشنطن. والنظام البحريني يحاول أن يحظى بمكانة جديدة في قائمة وكلاء المشروع الأميركي ـــــ الإسرائيلي عبر التميّز في صفاقة الدعوة إلى المصالحة مع إسرائيل مقابل لا شيء. ويسعى أحياناً الأولاد غير الحكام للشروع في خدمة المشروع الأميركي من أجل تحسين وضعهم في معركة الخلافة داخل العائلة (وهذا ينطبق على الأمير بندر والأمير سلمان الذي يكاد أن يفقد صبره في انتظار المُلك، ولعلّ ذلك يفسّر رقصه الحميم مع بوش في آخر زيارة للأخير إلى السعوديّة).
ومن اللافت أن عدداً من الجيل الثاني من الحكّام يأتي من خلفيّة عسكريّة أو استخباراتيّة. فحاكم دبي ورئيس الإمارات والملكان السعودي والأردني يأتون من خلفيّات عسكريّة أو دفاعيّة. وبشار الأسد، وهو طبيب عيون، احتاج للمرور في تدريب الجيش السوري من أجل التهيئة للخلافة، ومعتصم القذافي (مسؤول الاستخبارات الليبيّة) هو المرجّح لخلافة والده وفق مجلة «إكونومست». وكليّة ساند هرست العسكريّة البريطانيّة خرّجت عدداً من الحكام العرب (مثل سلطان عمان والملك حسين) ومن أبنائهم، لكن ما لا يعرفه العرب هو أن حكام العرب وأبناءهم لا يخضعون لدراسة تقليديّة وفق البرنامج المعمول به في الكليّة. فالحكومة البريطانيّة تعدّ لهم برنامجاً خاصّاً تُختصر فيه المدّة الزمنيّة للدراسة وتتقلّص المتطلّبات الدراسيّة. المهم هو إبراز شهادات ـــــ حقيقيّة أو مزوّرة أو نصف حقيقيّة (أولاد الحكّام يُقبلون في الجامعات النخبويّة الخاصّة في الغرب طمعاً بتبرّعات لا بناء على علامات، وليس تبرّع سعد الحريري بمبلغ 20 مليون دولار لجامعة جورجتاون إلا مثالاً، فيما تئنّ الجامعة اللبنانيّة تحت وطأة موازنة السنيورة).
بين الجيلين الأول والثاني، ضاعت فلسطين وتنتشر الصهيونيّة بين ربوعنا ويزداد اعتناقها بين العرب. الجيل الأول مسؤول عن زرع إسرائيل بيننا، أما الجيل الثاني فيعمل على توطيد الزرع ونشر النفوذ الصهيوني. والجيل الثاني لم ينجح في كسب التأييد الشعبي لشعاراته وبرامجه المصنّعة في الخارج على مقاس المصالح الأميركيّة والإسرائيليّة، لكنه نجح في النفاذ عبر بث الخيبة والإحباط والانهزاميّة. الجيل الأول كان يتآمر في الخفاء، أما الجيل الثاني فيتقاطر إلى لقاء المحبوبة رايس أو من ينتدبه بوش أو أوباما من أجل إثبات حسن السلوك وشدّة الطاعة. قد يتسنّى للعالم العربي انتظار ما يخبئ له الجيل الثالث، وقد يتفتّح العالم العربي ويزدهر لو كان مصير الجيل الثالث مثل مصير غودو ـــــ وإن كانت محطة القطار مقفرة.



ملاحظة: حصل خطأ في مقالة العدد الماضي [1]، فقد وقع خلط بين الطيب عبد الرحيم (المُكنى بـ«أبو العبد») ومحمود الناطور (المُكنى بـ«أبو الطيّب»)، والأخير هو الذي قاد قوّات 17. وقد ترشّح الاثنان لعضويّة اللجنة المركزيّة في حركة فتح ورسب الاثنان، لكن أبو مازن وزمرته تدخّلا لفرض فوز الأوّل، فاقتضى التوضيح. يتحمّل الكاتب مسؤوليّة الخطأ بالطبع ويعتذر من القراء ومن «الأخبار»، ويردّد مع أبو نواس: «قل لمن يدّعي في العلم فلسفةً، حفِظتَ شيئاً وغابت عنك أشياءُ».
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com [2])
عدد السبت ٢٩ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/154071
Links:
[1] http://www.al-akhbar.com/ar/node/153006
[2] http://www.angryarab.blogspot.com