‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنسي الحاج. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أنسي الحاج. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٧ تشرين الثاني ٢٠٠٩

خطــــــأ قاهـــــر

خطــــــأ قاهـــــر

أنسي الحاج
الأضاحي
تحكي الأساطير كيف أن أغلى القرابين تَرْخص أمام المرجوّات الكبرى. وفي الأساطير أيضاً أن أسوأ ما قد يحصل، أضاحٍ تُسْفَح لقاء لا شيء. أو يكون ما بعدها أشدّ بؤساً وظلماً ممّا كان قبلها. ولعلّ الكفر بالأوثان قد انبثق من الشعور بهذا الهباء.
كثيرون منّا، إن لم نكن جميعنا، سُفحوا قرابين ذات يوم أو هُم سَفَحوا أنفسهم، والأوفر حظّاً بينهم أولئك الذين كُتبت لهم حياة ثانية بعد المحرقة. وأمّا الذين يُرْمون ويظلّون مرميّين فلا يستطيع شيء ولا أحد أن يخفّف عنهم وطأة القهر. القربان الصغير السنّ قهرُهُ أنّه قُطف باكراً عن غصنه، والقربان الكبير السنّ قهرُهُ أن ماضيه لم يشفع له فضاع كلّ شيءٍ بين الأشداق. تبقى الضحيّة التي لا تُسلّم بهذا ولا بذاك من مبرّرات التضحية بها، تلك التي تتوهّم أن التقادُم يمنحها حقوقاً مقدّسة، وأن نهر العطاء الذي ساهمت به لا يمكن أن يأتي على دورها فيه تقصيرُ شيخوخة أو عجزُ مَرَض، فالإنسان ليس ليمونة تُعْصَر وتُرمى، والمكافأة على بذله حياته لا يحدّها راتب شهري ولا «تعويض» لا يعوّض في الواقع إلاّ ما يعوّضه المسكّن على المريض أو النزهة في باحة السجن على السجين. لشدّ ما تُصْعَق هذه الفئة من الطوباويين حين يأتيها خبرها بقرار، فترى حياتَها أمام عينيها كومةَ أوهام، وكم كان الواحد مخدوعاً بأمان الأيام، مطمئنّاً إلى غدٍ يملك مصيره سواه كما يمتلك مصير سواه هذا، سواه، إلى آخر سلسلةِ الملاّكين ضمن الطاحون الكوني العملاق، الطاحون الدهري الحديث المستحدث على الدوام، الطاحون الذي يلتهم الأعمار وهو يُقْنعها بأنه يُغذّيها، ويقذف إلى العدم بمَن يَستهلك قَذْفَ «القانون» و«المصلحة العامّة»، ويوهم مَن يستبقيهم في خدمته بأنهم مميّزون، ثابتون على الزمان، سادةٌ على المصائر.
لا فائدةَ من القول إن العلّة في النظام. ولا فائدةَ من كلّ الثورات على النظام. إنه الواقع الذي تتغلّب فيه شريعة رأس المال، كان مذ كان، وما زال مستمرّاً مع مزيدٍ من التكيُّف والتطوّر.
وإذا لم يُسفح دمكَ على مذبح تصفية الأعمار سُفح أمام مقتضيات «النجاح»، أشدّ أنواع السباق توحُّشاً.
وأفظع ما في الأمر أنّنا لا ننتبه إلى الأضاحي إلّا بعد فوات الأوان... كأنها الحياة تريدنا أن نتّعظ ضدّ ما تُعلّمنا إيّاه الأخلاقيّات، وتُكرهنا إكراهاً على الذَأْبَنة، وإن لم نستطع، فعلى المرارة، وإن لم نستطع، فعلى الاستسلام.
ولماذا نتظاهر بالدهشة؟ كلّنا ذات يومٍ كنّا ضحايا وكلّنا كنّا جلّادين ودسنا على ضحايا. مع الاعتذار للذئاب، التي لم يعطها اللّه عقلاً تسمو به ويقال إنه لم يضع فيها النفحة التي وضعها من روحه في الإنسان، ومع هذا أبطلتْ مفعولَ المثلِ الذي اخترعهُ البشر «إن لم تكن ذئباً أكلَتْكَ الذئاب». وصوابه «إن لم تكن ذئباً أكلكَ البشر». وصواب الصواب «حتّى لو كنت ذئباً أكلكَ البشر»، بمَن فيهم المبشّرون بالقيم والفضائل. وهذا منذ القِدَم. ومع الصقل والتصفيح جيلاً بعد جيل. والرجاء عدم إرسال أكاليل.

أمّ زكريّا
واقعةٌ حصلتْ رواها لي صاحبها:
زكريّا عاملُ مطبعةٍ يقود سيّارته وإلى جانبه أمّه. يتحادثان في شؤون يوميّة. فجأةً تشعر الأمّ بألمٍ هائل في صدرها، ألم الذبحة.
تُمْسك قلبها ويَصْفرُّ وجهها، فيسألها زكريّا ما بها، فتجيبه: «لا شيءَ، وجعٌ ويمرّ».
ويشتدّ الألم. وكأنها شعرتْ بدنوّ أَجَلها، تقول لابنها بلهجةٍ تريد التطمين: «باللّه يا بنيّ أدرْ وجهكَ عنّي لحظةً فقط حتّى تمرّ الأزمة... لا أريدكَ أن تتضايق».
ومطيعاً إيّاها كعادته أدار وجهه صوبَ الطريق أمامه. ولمّا عاد ونظر إليها بعد دقيقة رآها انزوت في ركنها وقد لفظتْ أنفاسها.
لم تشأ أن يراها تموت.
آخر دَفْقَةٍ من حبّها كانت إراحته من مشهد أشفقت عليه منه، وربما أشفقت أيضاً على نفسها. أخذت حصّتها من الموت بخَفَر مَن اعتاد حصرَ المهامِّ الثقيلةِ بنفسه. أرادت للحياة العاديّة أن تستمر مع ابنها بلا تشويه، كأن مشهد نَزْعها الأخير هو الضريبة غير المحتملة، لا موتها. بعد الموت ستعود الحياة، أمّا مشهد «الانتقال» فصدمةٌ أبديّة.
كان بالزاك يقول إن قلبَ الأمّ هاوية وفي أعماق هذه الهاوية يكمن الغفران. عندما أخبرني زكريّا حكايةَ أمّه رأيتُ فيها أكبر من الغفران.
رأيتُ الفداء.
أنا أمّكَ أحميكَ من مَوتي.
من منظري وأنا أموت حتى لا يسكنكَ خوف موتك.
أنا أمّكَ حملت بك وأحمل عنك حتّى الرمق الأخير.
برَمَقي الأخير.
وما بعده.
لحظة، كلّها لحظة، تغمركَ بعدها الحياةُ وتُنسيك...
■ ■ ■
ليست كل الأمّهات أمّهات. وبعض اللّاأمّهات أمّهات لأشياءٍ أخرى، كالعشق والمغامرة، ولكائناتٍ أخرى، كالشعر والموسيقى. أمّهات من نوعٍ آخر، نوعٍ منعتق غير خاضعٍ للتصنيف الأخلاقي. وسيظلّ ثمّة في الواجهة فئتان من النساء: الأمّ والفراشة. الأمّ مقدّسة، والفراشة مقدّسة. وإلاّ، فلننزع القداسة عن الاثنتين، بل عن الجميع.
وأحياناً تتمازجُ الأمّ والفراشة، فتأخذ الواحدة من صفات الأخرى.
حين أقول الآن «أمّ زكريّا» في هذه الواقعة، أقصد إلى صورة الفداء. وكلّ امرأةٍ تفعل ما فعلته والدةُ زكريّا تلك اللحظة، هي أمّ. كلّ رجلٍ يفعل ما فعلته والدةُ زكريّا تلك اللحظة، هو أمّ. إذا أردتُ أن أتخيَّلَ صورةً مُثلى لأمومةِ الكون لما وجدتُ أروعَ من صورةِ أمّ زكريّا تلك اللحظة.
أخذتْ أمّ زكريّا إجازة منه ثواني لتموت دون أن يَشعر. قالت له: «لا أريدكَ أن تنظر إليّ الآن. انظرْ إليّ بعد قليل».
لم يعد أمامها ما تعطيه إيّاه إلّا هذا الإعفاء، فكُّ ارتباطِ مَرْكَبهِ السائر بمركبها الغارق.
سَكَنَتْني هذه الصورة وسوف تظلّ تسكنني. عاملُ مطبعةٍ فقيرٍ وأمّه الفقيرة. حديثٌ عاديّ في سيّارة درويشة. وموتٌ لم يُمهّد له شيء، موتٌ وديع وداعةً مُطْلَقَة.
خطأ قاهر ومعه اعتذاره.
وزكريّا يسألني ثاني يوم: «قَولك، لماذا طلبتْ منّي أن أديرَ وجهي!؟».



عابـــــرات

توارتْ وراءَ الجمعِ ليلى فخانها
فمٌ كابتسامِ الصُبْحِ يأبى تواريا
أحمد شوقي
■ ■ ■
ما كانت الحياة البشريّة تلك الخيبة للبعض لو لم نشعر دوماً بالقدرة على القيام بأعمالٍ تفوق قوانا.
أندريه بروتون
(الخطى الضائعة ـــــ 1924)
■ ■ ■
في القصيدة، يعقد الوجود ورغبة الوجود هدنة سحابة لحظة، كما يحصل بين الثمرة والشفتين.
أوكتافيو باث
(القوس والقيثارة ـــــ 1965)
■ ■ ■
الشاعر هو مَن يُلْهِم أكثر بكثير ممّا هو مَن يُلْهَم. للقصائد، باستمرار، هوامش واسعة بيضاء، هوامش كبيرة من الصمت حيث الذاكرة المضطرمة تستنفد نفسها لتعيد خلق هذيانٍ لا ماضيَ له.
بول إيلوار
(البداهة الشعرية ـــــ 1936)
■ ■ ■
العين أجمل قاعةٍ للمواعيد.
مالكولم دو شازال
(حس تشكيلي ـــــ 1947)
■ ■ ■
مات رَجُلٌ تحت عجلاتِ طفولتي.
جويس منصور
(مربّع أبيض ـــــ 1965)
■ ■ ■
الأحلام يتفرّج بعضها على بعض وهي تبلغ النشوة.
رونيه شار
(المطرقة البلا صاحب ـــــ 1934)
■ ■ ■
عزيزتي المخيّلة، أكثر ما أحبّه فيكِ هو أنّكِ لا تَغْفرين.
أندريه بروتون
(بيان السورياليّة ـــــ 1924)


عدد السبت ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

مـــاركسـيّــــــــات

مـــاركسـيّــــــــات

أنسي الحاج
يتساءل المؤرخ أندريه بورغيير: ماذا يبقى من الإسهام الماركسي في الفكر التاريخي الراهن منذ انهيار جدار برلين وتساقط الأنظمة الشيوعيّة؟ ويجيب بأن هذا الإسهام باقٍ على حاله لم يصبه تلف ولا يزال برسم الاكتشاف، معلّقاً على قول سارتر أنه قرأ ماركس ولم يفهم شيئاً، بأن الوسط الثقافي الفرنسي لم يُحِط بفكر ماركس الإحاطة الكافية وبقي مريدوه مقتصرين على «دائرة ضيّقة من المناضلين الذين يطالعونه ويستخدمونه على نحو رَعَوي». ويعطي بورغيير مثلاً على حيوية الماركسيّة واستمرار معاصَرَتها هذه العبارة لكلود ليفي ستروس: «نادراً ما أعكف على معالجة قضية سوسيولوجية أو إتنولوجيّة دون أن أقوم قبل ذلك بإنعاشٍ لفكري عبر مطالعة بضع صفحات من (كتابَي ماركس) «لوي بونابرت» و«نقد الاقتصاد السياسي». قصدي من ذلك ليس معرفة ما إذا كان ماركس قد أصاب في توقّع هذا أو ذاك من تطورات التاريخ. لقد علَّم ماركس، مقتدياً في ذلك بروسّو، أن علم الاجتماع لا يقوم على خلفيّة الأحداث، تماماً كما أن الفيزياء لا تقوم على معطيات الشعور. إذا انتقلنا إلى مستوى آخر من الواقع، يبدو لي أن الماركسيّة تنهج نهج علم الجيولوجيا والتحليل النفسي: ثلاثتها تُظْهر أن الإدراك يكمن في اختزال نموذج من الواقع تحت شكل نموذج آخر، وأن الواقع الحقيقي لا يتبدّى أبداً في الواقع الأسطع، وأن طبيعةَ الحقيقي يبدأ ظهورها أول ما يبدأ في الحرص الذي تبديه على التواري».
■ ■ ■
من المفارقات العربية أن رشيد رضا رأى تطابقاً بين القيم الماركسيّة والمبادئ الاجتماعية والاقتصادية للدولة الإسلامية الأولى.
■ ■ ■
بعد ثورة 1917 البولشفيّة عقد مسلمو الإمبراطورية الروسية الآمال على حلف مع الشيوعيين يعيد إليهم استقلالهم، وتجاوبوا مع نداء لينين بالانضمام إلى حركته، واعداً إيّاهم باحترام ثقافاتهم ومؤسساتهم. غير أن إنشاء جمهوريات الاتحاد السوفياتي ابتداءً من 1923 بدّد الآمال. وفي المقابل، وكمثال وحيد من نوعه، كان أتاتورك زعيم تركيا الفتاة يتحالف مع الشيوعيين على أنقاض الإمبراطورية العثمانية ثم ينقضّ عليهم ليبني دولته العلمانيّة بنهج شبه أوروبي غربي. لكن تركيا الأنتي شيوعية أعطت بضعة أعلام شيوعيين في الأدب خصوصاً، طليعتهم الشاعر ناظم حكمت.
في البلدان العربيّة عانى الشيوعيون على الدوام من التناقض بين أمميّتهم وبين استهواء الحركات القوميّة لهم أو اضطرارهم إلى مسايرتها تحت شعار مشترك هو مناهضة الإمبريالية. وعلى الجملة، في الصراع بين الغرب والشرق، كان الشيوعيون العرب يسدّدون الفواتير، تارةً باضطهادهم علناً وطوراً بقصقصة أجنحتهم عبر تذويبهم في الديكور المحلّي. وفي التنازع العربي ـــــ الإسرائيلي برزت أكثر فأكثر تناقضات الأحزاب الشيوعية والتناقض القومي ـــــ الأممي والإسلامي ـــــ الماركسي، وبينما كانت النزعات العربية الراديكاليّة في السلطة وفي المعارضة تنادي باقتلاع إسرائيل من الجذور، كانت الأحزاب الشيوعية تركّز على مهاجمة الصهيونيّة كحركة عنصريّة متفرّعة من الاستعمار الغربي. وعلى صعيد آخر، انعكس فشل الأنظمة العربية «الاشتراكيّة» على الشيوعيّة العربية عموماً، أولاً لمصلحة القوميّات وفي ما بعد لمصلحة صعود النجم الإسلامي.
■ ■ ■
نقطة قد تستوجب البحث: الأخلاق في الماركسيّة. جوهريّة؟ غير محبَّذة لأنها غير واقعيّة؟ لأنّها معوّقة في ما يتعلق بممارسة العنف، مثلاً؟ هناك مَن صنّف ماركس في خط نيتشه على صعيد الانعتاق من الأخلاق التقليديّة، بالإضافة إلى انحياز ماركس الطبيعي لسلاح السياسة كأداة كبرى لتحقيق غايات الحرب الطبقية. وحين تقول سياسة لا تعبأ كثيراً بالمناقبيّات عادة. إلاّ أن هذا التصنيف لم يصمد عند الماركسيين الجدّيين، وهم إذ يقرّون بأن الماركسيّة تخلو من أدبيات المناقبيّة التقليدية التي تحفل بها العقائد التبشيرية عادة، يلفتون إلى قيم ثابتة عند صاحب «رأس المال» أبرزها: البُعد الكونيّ، احترام الشخص كغاية في ذاته، والدعوة إلى تحقيق استقلاله الذاتي في جميع الحقول.
هذه القيم أضفتْ على كتابات ماركس روحاً حماسيّاً ميّزها من البحث العلمي الصرف الجاف. عندما ننسى أن الماركسيّة نظام يتوخّى تحرير الإنسان قد نغرق في تفاصيلها العقلانيّة. وهذا ما حصل مراراً، وهو في أساس خلافات والتباسات كثيرة. حتّى لو لم يعيّن المرء قيمه الأخلاقيّة بأسمائها، يكفي أن تكون غايته التحرير أو الحريّة، وتحقيق «سيادة الحريّة محل سيادة الضرورة»، حتّى نتيقّن من أن قيمه ـــــ لا بل «قيوده» ـــــ الأخلاقيّة جزء طبيعي من مشروعه.
■ ■ ■
خلافاً للشائع، لم يُعر ماركس الموضوع الديني أهمية كبيرة. فقد كان مقتنعاً بأن تحسين الظروف الاقتصادية سوف يستتبع تلقائياً تلاشي «الأوهام الدينية». اكتفى، تقريباً، باعتبار الدين «بنية فوقية» غايتها صرف انتباه الشعوب عن القضية الأساسية، أي استغلال الإنسان للإنسان واستعباده. نقّاد كثيرون عابوا على ماركس هذا التبسيط، فالغيبيّة ليست مجرد نتيجة للبؤس المعيشي، ولا يمكن، عن طريق توفير الحقوق الاجتماعية، إلغاء الحاجة إلى تلَمُّس «الغائب». لقد هجس ماركس بالعنصر الاقتصادي كما هجس فرويد بالعنصر الجنسي، وفي كل هجس طغيان، وإن تكن حقائق الحياة وما انكشف وينكشف من أسرار الكائن البشري قد أعطت الحقّ لنظريات فرويد أكثر ممّا أعطته، على صعيد العلاقة بالدين، لكارل ماركس. لعلّ تحرّر الإنسان، روحاً وجسداً، سيظلّ منوطاً باسترجاعه أملاكه النفسيّة أكثر منها حقوقه الماديّة، وتيقّنه من أنه كان ويبقى هو الخارج والداخل، المصوِّر والمصوَّر، الجائع والمُطْعِم، راسم الحدود ومتجاوزها. ممكن للإنسان إن يُسْقط الآلهة حيث يريد، فلا شرط على الخيال ـــــ ولا قيود على الرغبة والحاجة، ولكن شتّان بين إسقاطٍ كهذا تحت وطأة الجهل والاتّباع، وشعور نابع من تَصالُح مع الذات والكون.
■ ■ ■
في كتابهما «الأيديولوجيا الألمانية» (1846) يقول كارل ماركس وفريديريك إنغلز: «أفكار الطبقة المسيطرة هي، في كل زمن، الأفكار المسيطرة». رقصة التوازن اللبنانيّة تقوم على مزيج أفكار «الطبقات» المسيطرة. أو بالأحرى الطوائف المتفاعلة بعضها مع بعض أو ضد بعض سياسيّاً واجتماعيّاً. ترتفع كفّة في الميزان أحياناً على كفّة، ولكن ضمن قوانين الجاذبيّة، وإذا أطاحتها نشبت حروب أهليّة أو تدفّقت موجاتُ هجرة. لبنان ليس أكثر من نقطة غير مرئيّة على خريطة الأرض ويتوقّف على ديموقراطيته الطائفيّة أن تكون هذه النقطة قاتمة أو متوهّجة. أكثر من أيّ وقت مضى ترتدي الديموقراطية في لبنان معنى التعايش، بل معنى التحاضن.
■ ■ ■
حاول شعراء، بينهم أندريه بروتون والعديد من السورياليين، وخاصةً في ثلاثينات القرن العشرين، التوفيق بل التوحيد بين الشعر والعلم، بين الخيالي والسياسي، بين «تغيير العالم» بحسب قول ماركس و«تغيير الحياة» بحسب كلمة رمبو.
رأى الشعراء أن غاية الطموحَين واحدة، وهي تحرير الإنسان، غير أن الوسائل اختلفت حدّ التضارب الجارح. فمقتضيات العمل السياسي تستوجب انضباطاً معيّناً وأعمالاً فعّالة في الواقع المباشر، فيما يريد الشاعر الحريّة، بل التحرير التام من كل ضغط. كثيرون من التغييريّين اعتنقوا الثورة عن طريق التأمّل في حقائق التاريخ والاقتصاد ومكابدة العمل السياسي، على عكس معظم الشعراء إن لم نقل جميعهم. فهؤلاء ينطلقون من الإحساس والحلم والتأثّر، وإذا استهوتهم نظريّة فبمقدار كونها ترجمة لإحساسهم وحلمهم وتأثّرهم، ترجمة لا تلزمهم تأدية فروض عمليّة أو واجبات حزبيّة، فكل ما ينتمي إلى نظام، أيّاً يكن النظام، مرفوض، خصوصاً الأنظمة الشموليّة، وبالأخصّ منها تلك التي لا تعير كبير شأن للجانب النفساني والخيال الطَلْق والفكر الحرّ.
وأكثرُ مَن عبّر عن هذا التمزّق بين ثوريّتي الماركسيّة والسورياليّة هو بروتون نفسه، حين قال ما معناه إنه، مثلما رفض فكرة تعالي الله أو مجاوزته، يرفض فكرة تعالي المادة أو مجاوزتها. ففكر الإنسان متفوّق على المادة وعلى التاريخ، وحرّيته مطلقة لا يُملى عليها من خارج، فلا شيءَ سابق على الوجدان ولا شيءَ يقدر على استعباده، ويستحيل اختزال الفرد وأفكاره بالتاريخ والمجتمع.
هذه المشكلة عاناها غير الشعراء أيضاً وغير السورياليين. سارتر نفسه عاش ما يشبهها، وإن يكن خلافه مع الشيوعيين قد حصل لأسباب أخرى وظلّ يؤرجحه بين مدّ وجزر حتى الرمق الأخير. ولعلّنا نستطيع، ببعض التبسيط والمجازفة، اختصار هذه المشكلة الثقافيّة بالتعارض الأساسي بين العالم الداخلي للكاتب أو الفنّان وحاجة هذا العالم إلى النبض على هواه بصدق وصيرورة مفتوحة على مجاهلها ـــــ وعقيدة خارجيّة جاهزة، مغلقة، لا تعبأ بشيءٍ يخالف أو يتجاوز حدود المادة والمعطى التاريخي وتنظر إلى ما يجادلها في هذا نظرة سخرية أو عداء.
وأبعد من السورياليّة والشيوعيّة يطرح الفيلسوف فردينان آلكييه هذا السؤال: «لماذا الفكر السياسي المسمّى يساريّاً يندرج مع الفكر الثقافي الأشدّ رجعيّة والأكثر تخلّفاً؟ ولماذا التمرّد، الذي من خلاله ينتفض الإنسان على الضغوط التي ترهقه، يبدو متعارضاً مع الثورة؟».
■ ■ ■
في مقدمة كتابه «نقد الاقتصاد السياسي» يتنبّأ ماركس بقرب «زوال عهد ما قبل التاريخ للمجتمع البشري»، مطلقاً على الماضي كلّه حكماً مُبْرماً. بصرف النظر عن صحّة التنبّؤ أو عدمها، يستوقفنا هذا الأمل الوحشي. كثيرٌ من النتاج الماركسي المتراكم منذ ماركس لم يعد قابلاً للقراءة، لكنّ ما يُبقي هذه الشعلة حيّة ليس الحرف بل الحلم. ما يبقيها حيّة وما يشكّل خطرها الأكبر: فحول هذه اليوتوبيا وتحت ستارها هُدِم ما هُدم وقُتل مَن قُتل وارتُكبت ضد مجتمعات بأسرها فظاعات ومجازر. شأن كل حقّ يقع بين أيدي غير أصحابه. الخيانة مضمونة، سواء عبر انتهاك أمانة الأصل أو بالإفراط في الأمانة حتى التحجّر. مفارقة فاجعة لم يعرف لها التاريخ نهاية. العدل يُنتج ظلماً والحلم كابوساً والمساواة دبابة تُسوّي المعترضين بالأرض.
العودة إلى ماركس مرغوبة دوماً للقراءة. هو وإنغلز. هل يُحتمل أن يصبحا من جديد أساساً لثورات سياسيّة تنشئ أنظمة توتاليتاريّة جديدة تبدأ بالقول إنها ستتجنّب الأخطاء التي وقعت فيها الأنظمة الشيوعيّة السابقة؟ وماذا ستعني بالأخطاء: مبالغة الدكتاتوريّة أم «تقصير» الدكتاتورية؟ وأيّ حظ لمثل هذا الاحتمال بالتحقّق والنجاح بين معسكرَي الرأسماليّة والأصوليّات الدينيّة؟ وقبل ذلك وبعده: هل حُكم على الإنسان بأن لا يَرتجي غير ما سيندم على حصوله؟
■ ■ ■
نلتفت إلى مصادر أخرى. إلى طاقات الفنّانين ومخيّلات الشعراء. الجمال. هؤلاء هم آباؤه وأبناؤه. الاستمتاع بالجمال حقّ كوني شامل وسلوك فردي خاص في وقت واحد، والحريّة هنا مكفولة بلا نصوص. ما من سلطة إلاّ الإعجاب والحبّ. ما من دم يسيل بل هو انفراج السعادة. وراء جباه الخلاّقين، شعراء وفنّانين، تجلس مصادر الزمان، ومن هذه الجباه تخرج، على شكل لحظات من الرعشة والسحر، تلك الأبديّة التي أُسقطت عن الإنسان يوم حُكم عليه بالموت، وتُعاد إليه جمالاً أدبيّاً وموسيقيّاً وتشكيليّاً، جمالاً يضاهي، لو عشنا فيه، ألف حياةٍ خالدة في الجنّة.


عدد السبت ١١ تموز ٢٠٠٩

الأحد، ٦ أيلول ٢٠٠٩

انتقـــــام الضحيّـــــة

logo

انتقـــــام الضحيّـــــة

أنسي الحاج
الماغوط بين الدمعة والقهقهة
قال محمد الماغوط عن نفسه في هزله ما خجل ويخجل كل منّا بقوله سواء في هزله أو جدّه. وقال في محيطه وفي الأشياء ما لا نعرف أن نقول بمثل ابتكاره وصدقه. من شعره إلى هزئه تأرجَحَ بين الدمعة والقهقهة، تارةً تأخذ الرغبة واللوعة مداهما بألوان الشروق والغروب وجوع الحياة إلى نفسها، وطوراً يخلع الخوف عن نفسه كمّامته فتمتلئ السطور بصُورِ الثأر والقتل، ثأراً من القمع وقتلاً للكوابيس بتحويلها أقزاماً مضحكة.
«محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي» كتاب جديد جمع نصوصه الأستاذ جان دايه من مقالات وقصائد للماغوط نُشرت في الصحف ابتداءً من منتصف خمسينات القرن الماضي، بالإضافة إلى رواية «غرام في سنّ الفيل». يعود بنا الباحث إلى البواكير الجبرانيّة والعقائديّة للماغوط، ملقياً الضوء على كثير من الغوامض والمجاهل في مسيرته، مبرهناً، إن كان من حاجة إلى برهان، على الحاجة الأكيدة إلى درس حياة الأدباء العرب على ضوء آثارهم وآثارهم على ضوء أدبهم وتتبُّع خطاهم وتطوراتهم تتبّعاً يساعد في فهمهم وتقييمهم دون الاكتفاء بالأحكام السريعة النهائية.
ما إن نضجت كتابة الماغوط حتى أصبحت تعويذة للانعتاق، شعراً وهزلاً، تُحيّي قارئها تحيّة البلسم أو العاصفة. كتابةٌ شقراء بعينين زرقاوين في محيطٍ من العسر وغابةٍ من البوم. يقال إن السخرية هي أسلوب اليأس في إظهار تهذيبه. تعريفٌ ينطبق إلى حدّ بعيد على الماغوط، ولو مازج اليأسَ لديه (وهو هنا يأسٌ راسب في القاع لا يتحرّش بك كيفما تحرّكتَ) ذلك الروح المعنوي الذي يبثّه الإيمان العقائدي في صاحبه. وقد نجدنا أقرب إلى الصواب مع الماغوط إذا تبنّينا تعريفاً آخر للسخرية مفاده أنها الشكل الأوحد المسموح به للجريمة العاطفيّة. وأحياناً، لشدّة ما ينكّل الماغوط بأهدافه، تخرج من قراءته مُفْرَغاً كأنك صرت في حاجة بعد هذا التحرير إلى جرعةٍ من القمع.
تعرف العامة نموذجاً من فكاهة الماغوط عبر ما كتبه للممثّل دريد لحّام، وقَلَّ مَن عرف سخريته الصحافيّة، ولعلّها الأمضى. يصعب الربط بين هزء الماغوط وسخريات غيره، فلا هو من سلالة إسكندر الرياشي ولا من فخذ الشدياق، وقد تجمعه قربى سياسيّة بسعيد تقي الدين، غير أنها لا تبلغ مناطق أقرب. تبسيطاً، المزاج الانفعالي يُنتج سخرية ساخطة والمزاج البارد سخرية لاذعة، غير أن النبع الأكثر غزارة للسخرية هو الشعور كلّما تَرهَّفَ ازدادت السخرية حدّةً. فكيف بها إذا اجتمع لها الشعور المرهف والخيال المتدفّق. إحساس الماغوط، وهو الشاعر الخلاّق كيفما رمى، إحساس يَبري الهواء من فرط غريزته. إحساسٌ يعادي خصمين بالتحديد: السماجة والسلطة. والسماجة قد تتلبَّسُ الغباء أحياناً لا الغلظة وحدها، أمّا السلطة فبديهي أن وجودها لا يقتصر على الدول والحكومات.
رغم كتاباته للمسرح ليس هزء الماغوط في المقال والقصّة من النوع الذي «ينتظر» ضحكة الجمهور، فهو أبعد ما يكون عن النكتة أو الظرف. إنه صادر عن انفلاق. هَزْلُ طفلٍ مقهور ينتقم بتنفيس بالون النفاق وتعليق الشارات المضحكة على ظهور الجبابرة وتمريغ الشعارات المتورّمة بتراب التسخيف. ليس الماغوط من النوع الذي يَضْحك وهو يُضحِك، إنه الشاعر حين يسخر. سخريته هي الوجه الآخر لحزنه، لقمره، والقمر هذا، العارم بالعواصف، ليس انعكاساً لشمس، بل هو الشمس المتسلّلة من وراء الجبال، كفارسٍ ينقضّ على الأشرار في لحظةِ الأملِ الأخيرة.
كتب مرّة: «إنّي أكره الأغنياء». وأضاف إليها فوراً: «والفقراء أيضاً». صراخُ وجعٍ يتمرّد على أنينه ويرفض أيّة قولبة. الماغوط سيّدُ مَن بَقَر بطنَ شعاراتِ جيله الكاذبة والمتسلّطة. مَن يقرأ هذا الكتاب يعرف أيّة ألفاظٍ كانت تحكم «الجماهير»، وتستفزّ شاعراً حرّاً كالماغوط للفتك بها.
سخرية الماغوط أكبر ضحكة من قلب الضحيّة.

اختناقات بنّاءة
على مَن يكتب اختناقاته أن يرجو لها وهو يكتبها مساعدة مَن قد يقرأها، في الانعتاق، كما ساعدت كاتبها. أن يتجنّب تحوّل تحرّره هو إلى تكبيل للآخرين.
ليس فقط أن تسيطر على القوى التي تُفلّتها، بل أن يكون في أساس هذه القوى عناصر من القوّة لمَن يتلقّاها. الهدم في هذه الحالة بناء.

حوار سيوران وميشو
روى أحدهم عن حوارٍ قيل إنه جرى بين سيوران وهنري ميشو. قال الأول:
ـــ الإنسانُ سيزول.
فأجابه الثاني:
ـــ على كلّ حال، كان شخصيّة مهمّة.

الانقطاع
أوّل خصائصِ العبقريّة الكرم، وبعض العباقرة قُدّر لهم أن يعطوا أكبر العطاء في أقصر وقت، فأودى بهم سخاؤهم الفائض إلى نهاياتٍ فاجعة: الانقطاع فجأة كرمبو، الموت كموزار، الموت كبودلير، الموت كعاصي الرحباني. ولعلّ الأشدّ قسوة بينها هو الانقطاع، لأن صاحبه لا يعرف كيف يحمل بعده جثّة الشاب الذي كانه.

خدعةُ القاعدة
«القاعدة هي أكبر خدعةٍ انطلت على العالم اليوم... القاعدة ما هي إلاّ غطاءٌ لحربٍ بالوكالة في منطقتنا، فلا يوجد في الشرق الأوسط سوى لاعب واحد وهو الدولة تليها القبيلة والطائفة. ما عدا ذلك من عصبيات ليس من طبيعة المنطقة ولا من تاريخها».
بهذا يستهلّ الأستاذ مأمون فندي مقالته في «الشرق الأوسط» يوم الاثنين الفائت، متوسّعاً في شرح وجهة نظره، قائلاً، ونشاركه الرأي، إن الإرهاب صنيعة دولٍ وأجهزةِ استخبارات لا صنيعة حركات ومراهقين، «ولو كانت القاعدة مجرد منظمة جهادية تحارب الدول المعادية لمصالح المسلمين لقامت بعملية ضد العدو المعلن لكلّ الحركات الجهاديّة، وهو إسرائيل».
ويضيف: «هناك تفسيرات مختلفة لعدم قيام القاعدة بمهاجمة إسرائيل. فإمّا لأن القاعدة تعرف أن لدى إسرائيل من الأجهزة ما يكشف العنوان الرئيسي للكفيل، أو أن هناك تفسيرات أخرى تتعلّق باستخدام إسرائيل لذلك الغطاء الوهمي المعروف بـ«القاعدة» في عالمٍ تسوده الحروب بالوكالة وتُقيَّدُ فيه القضايا ضد مجهول».
يثير هذا المقال موضوعاً في غايةِ الأهميّة. وقد مضى الكاتب في طريقه دون تردّد وليته مضى إلى النهاية، بل إلى البداية. لا شكّ أن القاعدة واجهة. وكثيرٌ غيرها واجهات. وبأسماء أشدّ بعثاً على الضحك. ولكن واجهة لمَن؟ فقط لإيران وقبلها ليبيا كما أشارت أصابع اتهام اليمن في حرب الحوثيين؟ أهذان هما البعبع العظيم والدهاء الاستراتيجي الأعظم؟
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي سقط السلاح التخويفي الأمثل وباتت السياسة الأميركيّة في حاجة داهمة إلى بديل. واختراقُ مبنى التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 أيلول 2001 هو تاريخ إعلان الحرب العالمية الثالثة. وأحياناً ـــــ وعذراً لما سيبدو من علامات البارانويا، وربما يكون كذلك، ولا ضير ـــــ قد يبدأ المحارِب الحرب بإعلانها على نفسه، أو بتسهيل إعلانها، تحت أسماء «أعداء».
وقد نسينا العزيزة إسرائيل، وهي المستفيدة الإقليمية الأولى من نفخ الشبح الإسلاموي وتوسيع رقعة انتشاره. ولا لزومَ لذكر الأسباب.
حين نتّهم السياسة الأميركيّة وإسرائيل لا نبرّئ أنظمة المنطقة، بل نختصر الرؤية والتعبير.

نسيانٌ بإرادةٍ خارجيّة
كلّما أقنعتُ نفسي بأنّي لا أذكر شيئاً من طفولتي تراءى لي مقطع منها، فجأةً، بوضوح. يحصل هذا كلّ بضع سنوات. كم يحتاج المرء لتعود إليه ذكرى طفولته كاملة؟ بعضهم طفولته جاهزة دائماً بين يديه. آخرون مثلي يحتاجون إلى عصور. ليس المقصود النسيان الإرادي. هذا موضوع آخر. المقصود ستارٌ كثيفٌ أصمّ يَعْزل عزلاً تامّاً. ثم ارتفاعه لحظة، كرؤيا، بين سنة وسنة، أو من جيل إلى جيل. هذا العمى نسيانٌ بإرادةٍ خارجة عن إرادةِ المعنيّ. كأنّ قوّة غامضة تتحكّم في الستار، رحمةً أو تحذيراً.



عابـــــرات

مفتاحُ الامتلاكِ هو في يد المملوك أكثر من المالك. الضحيّة تحسّ بوضعها أكثر ممّا يحسّ الجلّاد بوضعه. الموت هو الميت لا الموت. الموت تجريدي، الميّت تجسيده.
بين الرجل والمرأة، في الوصال، أنتِ الأساس. لأنّكِ في نظره مملوكة ولأنه في نظر نفسه الغازي، بينما هو، بقدر ما تشتدّ قبضة ملكه، يزداد استسلاماً لكِ، وبقدر انتصاره تربحين.
■ ■ ■
هناك حقائق أو جمالات مخفيّة في نقيضها. فلسفاتٌ بأسرها حِكْمتُها في عكسها.
■ ■ ■
الجمالُ قَلْبٌ مؤجَّل.
■ ■ ■
قد يكون التمزّق الداخلي علامةَ سقوط، لكنّه أحياناً سقوطٌ من الأعلى إلى الأعمق.


عدد السبت ٥ أيلول ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/155202

السبت، ٢٩ آب ٢٠٠٩

موسـيـقـيّــــــــات

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

موسـيـقـيّــــــــات

أنسي الحاج
الموسيقى لا تَبْني بل تُلاشي. تجعلك قشعريرة، تُبنّج هذا الذي ما كان واعياً إلاّ ليخاف، ليتوجّع.
استسلمْ.
يجب أن لا يتوقّف النزف.
■ ■ ■
أَضمن المؤلّفين الموسيقيّين هو الأصمّ، لا اقتداء بمثل بيتهوفن بل لأن الصَّمَم يقلّل من استمتاع المؤلّف بألحانه، مما يزيد من استمتاع المستمع.
■ ■ ■
كذلك، المؤلّف (أو المغنّي) المسيطر على انفعالاته، فيبدو جامداً كالصخر وهو يُزعزعك، بارداً كالثلج وهو يضرم فيكَ النار.
الخَلْق (والأداء) يُشبه، من خارج، البرودَ الجنسي.
■ ■ ■
«صوتُها أعمى»، قال لي صديقي عن إحدى المبتدئات.
عَرَاني فَزَع من هذا الوصف.
وشَعَرْتُهُ يُحذّر من تهديد!
■ ■ ■
في كلّ مؤلّف لاعبٌ تارةً يلهو عن شيطانه وطوراً يلهو معه وأحياناً يصارعه. العرب من أوائل الذين أدركوا ذلك فعيّنوا لكل شاعر شيطاناً. لكنّها أضحت كالمداعبة، فيما هي قضيّة خطيرة تقع عند المفترقات. مقدارُ اللعب في المؤلّف هو الفرق بينه وبين سواه. المقدار، والوجهة. وهل يلعب، أم يَجْتنب؟ وهل يعي أنه يلعب، وكم، أم لا؟ وأين تتوقّف حدود إرادته؟ وهل يتراجع إذا خاف ما يَرى، أم يمضي؟ وإذا مضى، فما العمل بعد سقوط شهابه وعودة الظلام؟
■ ■ ■
المؤلّف ليس أُحجية للجمهور وحده بل لنفسه أيضاً. الجمهور قد يَعرف ما يجهل في المؤلّف، بينما المؤلّف قد لا يَعرف ما الذي يجهله في نفسه.
■ ■ ■
تَجْمع الموسيقى التجريد إلى العناصر الأربعة، خصوصاً الماء والهواء. وفوقها، الحواس الخمس عشرة. (العشر الإضافية هي بعض ما تُولّده نشوةُ الموسيقى من مضاعفاتٍ لا تعود هي نفسها مسؤولة عنها).
■ ■ ■
المُنْعش أيضاً في الموسيقى أنّكَ حين تكتشفها تطمئنّ إلى أنّكَ لم تكن وحدك بلا جدوى.
■ ■ ■
نلاحظ عند بعض الموسيقيّين، مؤلّفين وعازفين، تبايناً بين «موسيقاهم» وشخصيّاتهم، هو في الغالب ترجيحٌ لكفّةِ الموسيقى لا لكفّةِ شخصيّاتهم. ملحّنٌ فَظّ أو مُدَّعٍ أو خَشِن يضع أرقَّ الألحانِ سالكاً في شِعابٍ ورهافات لا تومئ إليها شخصيّته. وما عُرفَ ويُعرف عن تفاصيل طباع العديد من المؤلّفين الموسيقيين ـــــ ممّا عُلم من كتب وبالتعايش القريب ـــــ يتعارض وقمم السطوع والشفافية والخشوع والاتحاد والصوفيّة والانسحاق والملائكيّة والشيطانيّة والدهاء والسحر التي تنطوي عليها مؤلفاتهم.
هل كانوا يعرفون هذا التباين؟ هل هم واحدٌ مع مواهبهم وعبقريّاتهم، أم هي تُقيم فيهم على حدة، كالمستأجر؟
أم أنَّ لغةَ الموسيقى من الجَمال بحيث لا يستطيع الموسيقي الموهوب، مهما كان نوعُ بَشَريّته، أن يطمسها؟
■ ■ ■
ليس بين الفنون ما يُشْبه الدِين مثل الموسيقى. حتّى ولا الشعر بمعناه الأدبي. لم يتقدّم الشعر كبديلٍ من الدِين. لا هوميروس ولا داود ولا سليمان. المتنبّي لَقَبُه يرسمُ حدودَ طموحه. الرومنتيكيّة بأسرها دارت حول المسيحيّة تستلهم، سلباً أو إيجاباً. يستطيع الأدب أن يتكوّن خارج إطار الإيمان الديني لكنّه لم يستطع أن يُنتج تراثاً «دينيّاً» موازياً للدين أو بِطانةً له أو بديلاً.
الفلسفة استطاعت. قبل المسيحيّة مع الإغريق وبعدها، (كارل ماركس). لكنّها كانت «أدياناً» بلا ارتعاشاتِ الغيبِ وتجلّياتِ الغامضِ وإشراقات الروح التي تُوجدها الموسيقى.
أقيمت بدائل من الأديان أنتي دينيّة، والموسيقى بديل أكثر من دينيّ. لكنّها دينٌ بلا عقاب، ولا حدود، ولا عدوّ، و«تعَصُّبُها» يَزيدُ الحريّة.
■ ■ ■
أحد أسباب إعجاب الأدباء غير المتنكّد بالموسيقيّين هو استحالة التنافس في وسيلة التعبير. الأديب، هنا مرتاحٌ من الغيرة ومن احتقار الشبيه.
■ ■ ■
الخَلْق أجمل من الخلاّق، وفي الموسيقى هو أجمل بما لا يُقاس. في الشعر ليس دوماً كذلك. بعض الأدباء أجمل من كُتُبهم.
حضور الموسيقى الأخّاذة أجملُ دوماً من غيابها.
مع السينما ظهر كمالُ الموسيقى وتفوّقها حتّى لمَن لا يريدها. لنتصوّر فيلماً بلا موسيقى يسمّونها «تصويريّة» وهي في الواقع روح الفيلم لا غلافه. لنتصوّر القدّاس بلا ألحان والكنيسة بلا أرغن أو بيانو أو جوقة. لنتصوّر خَيالنا السارح سارحاً بلا خلفيّته الموسيقية السليقيّة، تلك الأنغام المنبعثة من نخاع النخاع، كبخار الأرض قبل التكوين، السابقة للنطق، الموجودة قبل النطفة في الأحشاء.
ربّما لا يجوز للموسيقيّ أن يكون توأماً لموسيقاه حتّى لا يجمّده تأثُّره بها. والمسافة بين بَشَريّته وأُلوهَتها هي المسافة بين الوسيط والهدف.
■ ■ ■
تملأ الموسيقى فراغَ المعنى في أفلام السينما. تُجمّل، تلقي بوشاحها على الضعيف والفحل فلا تنتبه لهما، بل تُعْجَب بهما. هذا القَدْر من «النجاح» هو خداعٌ لا يستغني عنه مخدوعُه.
■ ■ ■
طبيعةُ لغةِ الموسيقى فيها ما يُعين الموسيقار على ترجمة نَفْسه بأروعِ ممّا يفعله سائرُ المعبّرين. إنه يحتاج إلى القليل على صعيد الشعور والفكْر ليقول الكثير. بخلاف الشاعر والروائي والفيلسوف.
لغةُ الموسيقى لها من خصوصيّتها ما يمكّنها من «قول» أيّ شيء سطحيّ أو تقليديّ وإيصاله إلينا سحراً خالصاً نتعشَّقُه ونردّده ويلتصق بنا رغم رَفْضنا لـ«معناه»!
■ ■ ■
حذارِ سحرَ غنائهم أيّها القويّ!
من بصيرة نفّاذة تُسلّط على الهدف بلا ارتجاف... سيجعلكَ سحرهم خرقة مبلولة!
حذارِ الأجمل من آلامك، أيّها القويّ!
■ ■ ■
الكلام ضدّ الديكتاتوريّة يبدو بلا معنى حين نراقب قائدَ أوركسترا وكيف يتعامل مع فريقه. أو مؤّلف الموسيقى وكيف يتعامل مع معاونيه. أو المخرج وكيف يتعامل مع الممثلين والتقنيين. أو الكاتب وكيف يتعامل مع الفراغ الذي يحيط به نفسه.
الداعون إلى إلغاء الديكتاتوريّة سيتوصّلون إلى إلغائها حيث هي سائرة بشكل طبيعي إلى الزوال، ولكن سيظلّ مشهدُ كونداكتور يتحكّم في أوركستراه كتحكّم الله في ملائكته، مثالاً للديكتاتوريّة. كذلك المخرج مع ممثّليه. والكاتب فوق ورقته. والنحّات والمصوّر والملحّن وأستاذ الرقص... لأنّ السلطة الأصليّة هي الخَلْق، وكلّما تساوت المجتمعات في الديموقراطيّة وتهاوت رموز الطغيان السياسي والعسكري والأيديولوجي والديني والاقتصادي والتكنولوجي، عادت إلى التحرّك الحاجةُ الإنسانيّة إلى سطوةِ الخَلْق تًعوّض الإنسان عبر الدهشة والغوص والاستشراف ومخزون اللغة من عنفٍ ورقّةٍ وفتنةٍ ومصالحةٍ وتجديدٍ واكتشاف، تعوّضه عمّا سلبته إيّاه سلطات ماديّة انتحلت عبر التاريخ صفة القيادة عوضَ أن تَتسمّى باسمها الحقيقي وهو الاغتصاب، وفي ألطف أشكاله: التزوير.
القيادة لم تكن يوماً إلاّ للفكر والفن والشعر، ولأنَّ معظمَ أربابها منخطفون إلى أصواتهم الداخليّة لم يبالوا بفخفخات الأرض، في حين تكالب عليها المَظْهَريّون وموهوبو تحويل الذهب إلى تراب. ومع ذلك، رغم سلالات الملوك والأباطرة والجنرالات والغزاة ومئات ملايين الضحايا، ورغم تحالف سلطة السياسة مع سلطة الدين وسلطة المال، لم تستطع هذه السلطات أن تحرّك في الناس غير النوازع السلبيّة، ولم يدخل منها إلى نفوسهم غير الإرهاب والفساد.
إذا اضمحلّت الديكتاتوريّات السياسية ستبقى الديكتاتوريّات الفنّية والأدبيّة. لأنَّ هذه يحتّمها جوهران: طبيعةُ الخَلْق، على درجاته كافّة، وطبيعةُ تنظيمه وإيصاله إلى هدفه. لا بل ثمّة جوهر ثالث أيضاً لا بدّ من تسميته، وهو حاجة الجمهور إلى قيادة ديكتاتوريّة للخلق. فقيادةُ الخَلْق مجبرة، تحت طائلة انهيار كل شيء، على رعاية عملها رعاية شموليّة كلّية بالغة الجدّية، لا هوادةَ فيها.
ستظلّ ديكتاتوريّة الخلاّق مقبولة في عالمٍ بلا ديكتاتوريّات، مقبولة ومطلوبة، لأنّها تشهد بأنّ الزَيَف تراجَع لحساب الأصالة، وبأنّ الجمال، الذي كسفه إلى حين صَخَبُ التسلّط وجنونُ عظمةِ عشّاق التوسّع ومصّاصي الدماء، لم يتوقّف عن نَجْدة العالم، وقد عرفَ دائماً أن السرّ المقدّس هو في رؤوس مَن يملكون روحَ الكلمةِ وروح النغم وروح الرؤيا وروح الأمل، هؤلاء الملوك عن حقّ، وقد تَوَّجهم لا جيش ولا عصبيّات، بل وفاء الزمان.


عدد السبت ١ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/149708

موسـيـقـيّــــــــات [2]

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

موسـيـقـيّــــــــات [2]

أنسي الحاج
تُخاطبُ أمّ كلثوم المستمع على طريقة الزعيم، وتخاطبه فيروز بصوتِ صبيّةٍ خائفة، ومع هذا تحمل الطمأنينة. الأولى تهزّ الجسد وتمخر به عباب استمتاعه، والثانية تمسّ الجسد كالشعاع فيركع على روحه. صوت الأولى ينقضّ بسطوة الجبّار، وصوت الثانية يُرْعِش إرعاشَ قمرٍ يَسْطع فوق بحيرة. الأولى فرعون والثانية حُلُم.
■ ■ ■
بعد أن تتوقّف أغنية فيروز يعمل صدى الصوت في دوائر الصمت عمل الذكرى التي تبدأ اكتشافاتها.
■ ■ ■
جمهورها، من فرط الحنين، مهاجرٌ يريد دوماً العودة إلى وطن.
■ ■ ■
نجحت فيروز في إيصال شعر سعيد عقل أكثر ممّا فعل الشارح والناقد وسعيد عقل. نجح صوتها «بدون انحياز».
■ ■ ■
إذا انغرّ البسيطُ ظهرت بساطته. إذا انغرّ المركّب ظهرت بساطةُ المفتونين به.
■ ■ ■
يمكن تَخيُّل الله، أمام غناءٍ ساحر، وهو يتمنّى لو لم تكن الكائنات جميعها محكومةً بالموت.
■ ■ ■
يحلو للأسرار أن تجلس في النور. وهي تحتاج إلى الهواء أكثر ممّا تحتاج إليه الأشجار. وتحتاج إلى الظهور لتقول له إنه سيعجز عن تعريتها.
■ ■ ■
تحافظ الموسيقى على صمت سرّها رغم ضجيج الآلات. ويحافظ الصوت الأخّاذ على صمت سرّه مهما حُمّل من ألفاظ. هنالك أسرار لا يستطيع أصحابها أنفسهم أن يفضحوها إذا رغبوا. إنها هنا حدود طاقتنا على «الهدم».
■ ■ ■
نموذجٌ لسوء الفهم: لا يُحكى عن صوت فيروز إلّا مصحوباً بوصف «ملائكي». روَت فيروز أنها كثيراً ما رأت أولاداً، يزورونها مع أهلهم أو تزور هي أهلهم أو في أيّة مناسبة أخرى، يجهشون بالبكاء ويلوذون بأحضان أمهاتهم ما إن تُطلّ عليهم فيروز! تروي ذلك مقتنعة بأن سبب بكائهم هو خوفهم منها (ومن هالتها) لا انفعالهم وخجلهم أو غيرهما من أنواع الإعجاب.
مَن يعرف فيروز يعرف شخصيّتها الكاسرة لا الآسرة فحسب. ضعفها حقيقي وقوّتها أيضاً. واللواتي من المغنّيات يَحْسبن أنهنّ يتشبّهن بها عندما «يُنحّفن» أصواتهنّ، دليلٌ آخر على سوء الفهم. في صوت فيروز العادي خشونة تُوهِم أحياناً المستمع إليها عبر الهاتف أنه يتحدّث إلى رجل. ولها عن ذلك قصصٌ لا تُصدّق. النعومة في غنائها هي رهافة روحها، طبعاً، ولكنّها أيضاً إرادة الفنّانة.
■ ■ ■
في يومٍ من عام 2000 قالت فيروز لمحدّثها: «أمس كنتُ أسمع أغنياتٍ لي عن فلسطين. كُتبَ مرّة عن التحريض في صوتي. سأقول لك ما اكتشفته أمس: تحريضي حَنون. كيف تفسّر هذا التناقض: تحريض وحنون؟».
لو فكّت فيروز ألغاز ذلك منذ البداية هل كانت ستظلّ فيروز؟ لو اكتشفت فيروز فيروز منذ البداية لاستيقظت حسناء الغابة النائمة وحَلَّ قَدَرٌ محلّ قَدَر. ولكنْ هل تُسْتبدل الأقدار؟
■ ■ ■
العافيةُ وحدها، أمرٌ محفوفٌ بالإرهاق. الضعف وحده، سقيمٌ مُفْقِر.
كلاهما معاً شمس يؤدّيها القمر.
■ ■ ■
مغنٍ يلتمعُ صوته التماعاتٍ أخّاذة لا بفضل اتّحاده مع الكلمات التي يُنشد، إنما، على العكس، بفعل المسافة التي بينهما.
غُرْبةٌ تُمكّن المقتدر من أن يضاعف ظلّه، فيحضر بسطوة «موضوعيّة» أطغى من الانفعال.
هذا ما يحصل في ما غنّته فيروز. وهو ما يحصل في الأوبرا، حيث قد تبلغ «المسافة» حدود التعارض.
■ ■ ■
عصفورٌ سجين يُحلّق في سجنه وهو أهنأ من الطليق، لأن جناحيه طفولة باقية، ورهافته تستبق التجارب وتَشفُّ على نِصالها.
ذلك هو شخصٌ أحْبَبْتُ. وكلمة أَحببت. وصوتٌ أَحببت.
■ ■ ■
الأغنية القصيرة تراود الذاكرة كإطلالة خاطفة لوجهٍ معشوق.
■ ■ ■
يختزن الفولكلور من حقائق الشعوب وأحلامها ما لا تستطيع العلوم الاجتماعية والإنسانية الحدس به.
■ ■ ■
حين تشتدّ النبرة الميلودرامية في كلام الأغنية، يجلّسها صوت فيروز بصوتٍ يتعالى على الانفعال الخارجي. وحين يكثر «الإنشاء» في الأغنية، يأتي عمق الصوت ويضفي عليه ببلاغته المتقشّفة معاني لم تكن لتبدو بهذه المعاني.
■ ■ ■
أَبقى اللحظات الموسيقيّة هي تلك المفعمة بأكثر الأشياء هروباً، وأمتعُها أنجحها في استثارة ضباب الأعماق.
■ ■ ■
الفولكلور الغنائي كما أعاد صياغته الأخوان رحباني وطبَعَتْهُ بصوتها فيروز إلى الأبد أقلقَ في البداية الأوساط الأكاديمية بسبب تجديده وإضافاته.
وسرعان ما اتضح التوازن الخطير الذي أقامه المثلّث بين الذاكرة والجديد، وكيف أنقذوا صيغتهم من تحنّط الأولى وإقتلاع الثانية، محققين المعادلة المثلى في التأليف الغنائي، وهي الصوت الطالع والصدى العائد. وهو ما فشل آخرون في تحقيقه.
حضرنا معاً حفلة لاتجاه فني مختلف، يحاول الوفاء للأصول مع محاكاة الأساليب الأوبرالية عزفاً وغناء. (كان ذلك في الثلث الأول من ستينات القرن العشرين) فوجدنا فولكلوراً لبنانياً (أبو الزلف، عتابا وميجانا، مواويل...) يقدّم في سياق التفرنج الأوركسترالي فتكون النتيجة كائناً هجيناً تحوّلت معه روح البراري والأعالي إلى جوقات تلامذة متصنّعين يؤدّون نشازاً يتوهّم صانعوه أنهم «يرتقون» به إلى مستوى الفن «الراقي».
■ ■ ■
... حيث تضيع المعالم بين تأثّر الشعراء بأغاني الأخوين رحباني وتأثّر الأخوين رحباني بالشعراء. الفرق أن تأثُّرَ الأوّلَين واضحٌ حيث هو، وتأثّر الرحبانيين هو إمّا من نوعِ المحاكاة الأفضل من الأصل (غنائياً) وإمّا من نوع التأثّر غير المباشر. وهذا التأثّر المداوَر أو المحوَّل موجودٌ لديهما في الموسيقى على نحو أكبر.
■ ■ ■
العرب ظهروا في الغناء أكثر ممّا ظهروا في الموسيقى الصافية ربما لأن الإسلام طوى ما قَبْله من أساطير وخرافات ولم تنتقل ميثولوجيا «الجاهلية» إلى العصور اللاحقة انتقال الميثولوجيا الإغريقية ـــــ الرومانيّة والجرمانيّة والسلافيّة وغيرها إلى أوروبا بعد المسيحية. تبدو العلاقة ثابتة بين الموسيقى الصافية والجذور الميثولوجية ومصادر الإلهام الدينية. الظاهرة الصوتيّة ليست مصاحبة فقط لغنائيّة اللغة العربيّة ولفظيّتها الرنّانة بل كذلك لحلول الأغنية في الذائقة العربيّة محل الموسيقى الصافية. لذلك يَطْرب العربي للغناء بما يفوق حدود أيّة سلطة أخرى عليه، وللأغنية العقل باطنيّة اللحن خصوصاً، الفولكلوريّة الطابع بوجه أخصّ، وحتّى لو كانت فولكلوريّة غير مباشرة كما في الكثير من ألحان الرحبانيين وفيلمون وهبة وفريد الأطرش. وفي مصر، ورغم جهود عبد الوهاب وبراعته، لم تستطع تجديداته وتلقيحاته الغربيّة أن تغلب ولا أن تحجب سحر الألحان الشعبية.
■ ■ ■
أضاف أجداد مغمورون إلى التراث الشعبي كلٌّ على قَدْره. الفولكلور مجموعات من المؤلّفين المجهولين، ثم يأتي فنّان موهوب ويضيف إلى الموروث ولكنْ هذه المرّة إضافة «معلومة» غير مرشّحة للغَمْر. على الأقلّ في زمن مرئيّ قريب. عندئذٍ يُنْسَب الفولكلور الجماعي إلى شخص، مع أن إسهام الشخص محدود جداً، وعلى الأرجح شكليّ، كتغيير لفظة أو زيادة نوطة. لكنّ هذا التغيير يصبح جوهريّاً وساطعاً في الموروث إذا كان الفنّان المضيف خلّاقاً ومن طينة ينابيع الموروث لا فروعه، فتغدو الإضافة امتداداً طبيعيّاً ويصبح الدخيل هو والأصيل واحداً.
■ ■ ■
التحديث في الموسيقى محفوف بأخطار التيهِ إذا نأى عن جذور اللاوعي. هذه الأخطار هي نفسها في التصوير والنحت، ولكن على درجة أقلّ، لأنّهما أقلّ غوصاً من النغم والصوت في رحم الرأس، فرديّاً وجماعياً. أما الأدب فهو الأكثر قبولاً للتلاعب والعَبَث بسبب مشاعيّة الكلام، فيغدو في حاجة ماسّة إلى التغيير والنَفْض حتّى يظلّ قادراً على ملاقاة الأحلام واستنباطها، وحتّى تتجدّد اللغة وتحتفظ (أو تسترجع) قدرتها على التأثير.
■ ■ ■
الحَدَث هو تحوّل الجديد إلى أسطورة. لا يعود امتداداً فقط لحديث اللاوعي بل يضيف إليه. لا يَهْمي منه بل ينهمر عليه. وحتّى عندئذٍ لا يكون هجيناً ولو بدا كذلك، بل تكون له بغمر الأعماق السحيق، وشائجُ من النوع الذي لا يُستطاع اقتلاعه.
■ ■ ■
ابتكار أسطورة هو أبلغ من البناء على أسطورة. يظهر ذلك في الأدب خاصّة، عندما ابتعدت الرومنتيكيّة عن الرموز الإغريقية ـــــ الرومانيّة واستلهمت حاضرها ورؤاها الحديثة ولو على خلفيّة قصصٍ أو شخصيات من الماضي.
أمّا في الموسيقى فقد ظهر الاستقاء من الأساطير أقوى ما يكون في مؤلفات فاغنر، ولعلّه أبرز مَن نجح في تحقيق وحدة الكلمة والنغم، بل وحدة الجوّ والكلام والموسيقى، مستعيناً على ذلك بتكرار اللازمة، أو النغم الهاجس، وقد برع فيه قبله بيتهوفن في شكلٍ أكثر عفويّة وأسرع التصاقاً بالذاكرة.
لكنّنا هنا أيضاً ما زلنا في الأسطورة المستعادة أو المستعارة لا المبتكرة. الحكايات «الجديدة» نجدها في أمثال «كارمن» أو «لا ترافياتا» وقبلهما في «دون جوان» موزار.
■ ■ ■
... ما يعيدنا، بنظامه، إلى استراحة التحلّل، لا ما يحتاج منّا إلى الدعم لينتظم... الاختلاط بالموجة العملاقة، التي تستعيد المكان بابتلاعه، لا ادّخار الذات بعيداً.
الإغراء جيّد لأنه يأخذ إلى الانحلال ذاك. الادّخار يَحْفظ لأيّ غرض؟ الإنفاق تسييل لدم الشرايين. الإنفاق الشديد رقصة صوفيّة. ما يُنْفقني يجنّحني ـــــ دفعاتٍ دفعات قبل التحليق الأخير... ولا تحليق أخير، بل كلّ مرّة هو التحليق الأخير.


عدد السبت ٢٢ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/152959

«الإنســـان هـــو مـــا يُخفـــي»

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

«الإنســـان هـــو مـــا يُخفـــي»

أنسي الحاج

■ «تجربة توفيق صايغ الشعريّة»

يقول أندريه مالرو: «في الموضوع الأساسي، الإنسان هو ما يُخفي». اقتفى الأديب العراقي سامي مهدي آثار توفيق صايغ (عن دار رياض الريّس) كلمة كلمة وحرفاً حرفاً في تحقيقٍ أشدّ صرامةً من فحص المختبرات وأكثر تحرّياً وتشريحاً من التحقيق البوليسي. أصاب في تشخيص افتعالات الشاعر وأخطائه التعبيريّة، وأصاب في لوم أصدقاء صايغ (ولا سيما جبرا إبراهيم جبرا وسلمى الخضراء الجيوسي) لعدم تنبيههم إيّاه إلى بشاعة تلك الافتعالات، وربّما أصاب في ترجيح تأثّر صايغ بالشعراء الأنكلوسكسونيين الذين سمّاهم مهدي وقارن بين بعض أبياتهم وبعض أبيات صايغ في جهد يستحق التقدير. لكن القارئ ينتهي من مطالعة الكتاب على ظمأ: ما دام صايغ كان يستطيع، باعتراف مهدي، أن يستغني عن افتعالاته بدليل أنه في بعض قصائده (كـ«موعظة على الجبل») يبلغ مدىً ممتازاً من الشفافية والبساطة، فلماذا تُراه أوقع نفسه في جبّ التصنّع والوعورة؟ لماذا يُنفّر قارئه عمداً؟ لماذا يشوّه تعبيره وهو قادر على تكريره؟ باختصار: ما الذي يختبئ خلف هذا التنكّر؟ أليس هو، والحالة هذه، أشبه شيء بالانتحار؟ وهل يكفي تبريراً أو تفسيراً القول بأنّه مجرّد ممارسة مازوشيّة؟ وافتراضاً هي هكذا، لماذا؟ إن اختزالاً موحياً كقول سعيد عقل في مقدمته لـ«ثلاثون قصيدة» إن توفيق صايغ «لم يسلسل حياته. لقد اقتحمها اقتحاماً. ومن هنا انه آثرها عنيفة لا جميلة». ـــــ مثل هذا الوصف السبّاق ألا يستوقف ويدعو إلى التمحيص؟ أليس العنف، وهو لا شك محرّك من محرّكات الحذلقة والإيلام عند صايغ، أليس العنف والتعنيف والاستهزاء والعبث والصدم وتكسير التناغم وتهشيم السلاسة وتجنُّب الحلاوة وتحاشي الطلاوة وتعمُّد وحشيّ الكلام أحياناً ومتاهات التركيب، أليست كلّ هذه وغيرها أقنعة على وجه مأساة؟ الأرجح أن ما يبدو ضعفاً وفشلاً، هنا، هو اختيار حرّ، والأرجح كذلك أن وراء هذا الاختيار أكثر من مجرد نزوة مزاجيّة أو رغبة مجانيّة في الإزعاج. نحن لا نملك الجواب في هذا الشأن ولا نملك حتّى فكرة عامة نقترحها، ولا نريد إلاّ أن نسجّل ما تمليه علينا معرفتنا بالشاعر ومعايشتنا لبعض تجربته.
يجلو كتاب سامي مهدي العديد من مكامن اللغز في شخصية توفيق صايغ وأدبه، لكنه يقف عند ظاهرة الافتعال ويوغل في تفاصيل تعداد أمثلتها وكأنها هي جواب نفسها، ولم يذهب بعيداً وراء الستار.
وهذه خسارة. فكاتب بقدرة سامي مهدي وثقافته وجَلَده كان يمكن، لو أعطى الجانب النفسي الأعمق اهتماماً أكبر، أن يتوصّل إلى نتائج بليغة. إن شخصيّةً بفرادةِ توفيق صايغ وتعقيداته تستحق النظر أبعد وتستحق أن نصبر على أشواكها وأخطائها لنتلمّس عبرها ما يتجاوزها إلى مرحلتها التاريخية وإلى محيطها قريبه وبعيده وإلى دوافع هذه اللغة المعذَّبة والمعذِّبة التي شهد بها صاحبها شهادة أشبه بصلب الذات.
إن ما يبدو ذاتيّاً صرفاً قد يكون كذلك لدى كثيرين، لكنّه لدى البعض دلالة على زمنٍ وعلى أزمة جماعيّة. حتى الجرح المحض ذاتي لا يظلّ ذاتيّاً محضاً في نتاج كاتب ممزَّق كتوفيق صايغ. ليس صحيحاً ولا مفيداً الاقتصار في النقد على حدود الأثر الأدبي دون الأخذ بحقائق شخصيّة الكاتب وتجاربه. النقد نوعٌ من الاكتشاف الشامل والاكتشاف الشامل يحتاج إلى جوسٍ شامل من أجل معرفة شاملة تمضي أبعد من الاجتهاد «الموضوعي» البارد والمحاسبة التقنية. والاجتهاد الموضوعي الحقّ يأخذ بحسبانه جميع المعطيات ويلحُّ بنحو خاص على اختراق الظواهر المباشرة. ولا ريب أن شاعراً ودارساً كسامي مهدي يدرك أن النقد، عندما ينجز مهمة كهذه، يرقى إلى مستوى الإبداع وقد يفوق الأثر الذي يتناوله.

■ «مقدمة للشعر العربي»

أُطالعُ في الطبعة الجديدة من كتاب «مقدمة للشعر العربي» (دار الساقي) فتستوقفني مرة أخرى قدرة أدونيس على جلاء خصائص الشعراء. على التقاط جوهرهم والإفاضة في اكتناهه معاً. إنه بين المحدثين أول مَن أجاد التعريف بالأقدمين، ممسكاً بجسر التوازن بين فهمهم في ظروفهم التاريخيّة وتقويمهم عبر رؤية حديثة. «أدرك أبو نواس، شأن أسلافه، أن الزمن تيّار يجرف ويمحو. لكنه قرن هذا الإدراك بمعرفة ثانية هي أن الزمن كذلك يمنح الأشياء حضورها وقوّتها، ويرينا عمق حياتنا الماضية وأفق حياتنا الآتية وكثافة حياتنا الحاضرة. الزمن يأخذنا، لكنّه يأتي بنا ويستبقينا في العالم ويتركنا، لأجلٍ قريب أو بعيد، وجهاً لوجه مع الطريق وأبعادها. دور الشاعر إذاً هو أن يشارك بطاقته كلها في تكامل الإنسان خلال الزمن ـــــ بين شهوة الحياة وغبار العالم. فللشاعر ميزة مزدوجة: عالق بالتاريخ ملتصق به حتى الانصهار، منفصل عنه، بعيد حتّى الغربة. إنه لا يؤخذ بالحياة إلاّ فيما هو يبحث عن حياة ثانية وراءها».
وعن الغموض عند أبي تمّام: «إنه صادر عن صفاء ذهنه وشفافيته وعن بُعده التأمّلي، لا عن تشوّشه الروحي أو ضعف تعبيره (...) يصحّ وصفه بما قاله كوكتو عن مالارميه: «غامضٌ كالماس». كل شاعر كبير هو، بالضرورة، غامض غموضاً ماسيّاً».
وعن المتنبّي: «المتنبّي وحدة غاضبة لا يرضيها شيء. لكن وحدته ليست هرباً من العالم، ليست وحدة اللجوء إلى الراحة والهدوء وليست مملكة مغلقة. إنها وحدة المجابهة ـــــ مجابهة العالم، واللعب به وتجاوزه. وحدة الألم الكبير: فمَن لا يملك غير آفاق لا يصل إليها، تمتلئ أعماقه بالمهاوي».
وقريباً منّا، عن جبران: «إن الوضع الذي عاناه جبران وعاشه يشبه وضع إنسان ينزل بطيئاً واثقاً في محيط العالم، لا تزعزعه موجة ولا يردّه عائق، لا يتردّد، ولا يحتار، ولا يلتفت. يستمر في هبوطه سائلاً، مأخوذاً بأغوار المحيط وأبعاده. وهو دائماً وَضْع مَن يسكن في أوائل الصباح، في ما قبل الظهيرة، وفي ما قبل الشيخوخة».
لأدونيس، إلى عديد مواهبه، موهبة الكشف، وهو في طليعة مَن يُستشهد بهم لتأكيد القول الشائع بأن الشعراء هم أفضل النقّاد، بل وأفضل الدارسين والمعلمين. من مصادر قوّة أدونيس أنه في غوصه على التفاصيل لا تضعف طاقته على الإحاطة الإجمالية. ينصهر في بوتقته التحليل والاستخلاص انصهاراً متناغماً، وأكثر ما يصيب عندما يلتقط بالحدس والانطباع ويعبّر بالحدس والانطباع، مثل قوله عن لغة إلياس أبو شبكة: «بين كلماته وبين الأشياء حوله نوع من المطابقة. كأن كلماته أشياء مادية، وكأن لها طعم الأشياء المادية». حرت طويلاً وأنا أفتّش عن صورة لما أشعر به لدى قراءة أبو شبكة، خصوصاً نثره، (وأنا ممّن يعتقدون بتفرّد نثره واحتلاله مكاناً خاصاً ومغبوناً إن لم أقل مجهولاً تماماً). بهذه العبارة، «طعم الأشياء الماديّة»، وضعني قلم أدونيس في صميم ضالّتي. هذا التسديد هو أحد تحدّيات الكتابة، بل أحد تحدّيات التعبير عامةً. والشاعرية من جوهريّاتها القبض على هذا السراب.
يكشف الإقبال على مؤلفات أدونيس التنظيريّة حاجة الأجيال الجديدة إلى الاهتداء في حقل لا يزال مجهولاً هو حقل الشعر، ولا أقول الشعر الحديث وحده، بل الشعر عموماً. كما يشكّل حافزاً لسائر الباحثين والنقّاد على إيلاء هذه الناحية ما تستحقّها من اهتمام.
تقع على دور النشر في هذا المجال مسؤولية خاصة لا نظنّ أنها تضطلع بها، اللّهمّ إلاّ في باب المنشورات المدرسيّة، وهو نشاط محض تجاري بالنسبة إليها، وقَلَّ أن يكون في المستوى العلمي المطلوب. يهيم بعض الدور غراماً بنشر المجموعات الشعرية نشراً عشوائياً يسيء إساءة بالغة إلى الشعر وإلى النشر، وفي المقابل تمتنع دور أخرى عن نشر الشعر إلاّ ما كان منه «مضموناً» لجهة الرواج. السلوكان كلاهما خاطئ. المطلوب سياسة نشريّة تعتمد التوازن بين حاجة السوق والمسؤولية المعنوية في معزل عن الحساب التجاري. وأحياناً يلتقي العاملان. لقد تراكمت المجموعات الشعرية أكداساً فوق أكداس بلا ناقد ولا مرشد، ومقالات الصحف معظمها سطحي أو إعلاني، وقبل الأكداس الجديدة ثمّة عقود من الإنتاج الشعري العربي لم تحظَ بمَن يقيّمها وربما بمَن يقرأها مجرّد قراءة أولى. والأجيال السابقة كانت تقرأ لكنها لم تكن تعلّق أو تدرس كتابة ما تقرأ إلاّ نادراً جداً. وكانت لها مقاييسها بينما المقاييس اليوم مختلفة وعلى الأغلب أكثر أهميّة وشمولاً وتعميقاً. على امتداد العالم العربي من المغرب إلى المشرق يمكن القول إن الجغرافيا الأدبيّة غابة عذراء لا تتردّد فوقها إلاّ شعارات محدودة مكرّرة ومعادة، تكسوها البقع المظلمة والمستنقعات. وهذا يعني أن العقل الأدبي العربي فقير حدّ الموت. الدراسة عقل. البحث عقل. النقد عقل. عقل في معناه الأكبر، عقل الفضول والاكتشاف والتعريف والإقرار والتقويم، عقل المواكبة والمعالجة والتنوير والتصويب والمحاسبة. عقل التشدّد الصارم حيث يقتضي المقام وعقل الحماسة والانحناء حيث أيضاً يقتضي. إن سلطة النقد، وقد حضرت في بعض اللحظات المشرقة الخلاّبة، غائبة اليوم تماماً. وما يعوّض عنها هو، مرة أخرى، انعطاف شعراء كأدونيس وبول شاوول وعبّاس بيضون وشوقي بزيع وعبده وازن وعبد العزيز المقالح ومحمد بنّيس وغيرهم، بين وقت وآخر، للتنويه بهذا الأثر أو ذاك، أو لتخصيص دراسة بشاعر أو حقبة في مناسبة استثنائية. وهو تعويض غالباً ما ينوب عن أي نقد مهما علا شأنه، لكنّه لا ينوب عنه في المبدأ، لا في الحاجة السيّارة المتداولة ولا في المفهوم الحضاري المطلق. ومن المفارقات المؤلمة كون العصور الأدبيّة العربية القديمة، وعلى الأخص العصر العبّاسي، قد عرفت ازدهاراً في النقد والتراجم والتأريخ الأدبي لم تعرف مثله عصورنا الحديثة.


عدد السبت ٢٩ آب ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/154047

الأربعاء، ٢٩ تموز ٢٠٠٩

دينيّــــات

دينيّــــات

أنسي الحاج
بين الشدياق وعفلق
لا شبه يُذكَر بين ظروف اعتناق فارس الشدياق الإسلام وما قيل عن اعتناق ميشال عفلق له. الأول معروفة الظروف الشخصية لنقمته على الإكليروس بعد ما حصل لشقيقه أسعد على يد البطريرك حبيش، والآخر أسلم ـــــ إذا ثبت أنه أسلم ـــــ إيماناً منه، على الأرجح، بأن البرهان الأكبر على الاتحاد بالعروبة هو الخلاص ممّا قد يرمي الريبة لدى الأكثرية في صاحب «البعث». وهل من ريبة أوضح من تلك التي عبّر عنها زعيم الجماهيرية الليبية يوم نُسِب إليه القول: أميشال وقائد مسيرة البعث العربي؟
خارج دوائر الحسابات السياسيّة، وما قيل أيضاً (دون إثبات) عن الصلة بين بادرة عفلق والنظام العراقي آنذاك، يُحرّك إسلام عفلق الافتراضي مشكلة وجدانيّة في نفس المسيحي العربي حين يضعه في مواجهة سؤال: هل تكون مجاراة الأكثريّة المسلمة في إسلامها هي الصورة الفضلى لممارسة المسيحيّة اليوم في العالم العربي؟ وإذا كانت هذه «التضحية» هي حقّاً واجب المسيحي العربي على أساس إمكان اعتبارها تجسيداً لدعوة المسيح إلى الانفتاح والمحبّة، فأين يصبح حقّ الإنسان بالمحافظة على تميّزه، أي حريّته، وماذا يكون من أمر الأقليّات؟ بل أيُّ فضلٍ أخلاقيّ يعود للأكثريّات عندما تنتهي بابتلاع الأقليّات عَبْر عزلها أو إشعارها بالعزلة ولو من غير قهر بل بمجرد «النظرة الثانية»؟
لا شكّ في تسامح المسلمين. ولا شكّ في حَرَج الأقليّات. ولا شكّ في أن التسامح غير كافٍ وفي أن الحَرَج تربة خصبة للمتاعب.
لم يتوقّف أحد الوقت الكافي عند مسألة عفلق. إنها قضيّة تستحقّ برمزيّتها أن تشغل كلّ عربي، فما فيها من معاناة يختصر عصوراً، وبلاغة الصمت الذي أحاطها برهان آخر على خطورتها.

السابق واللاحق
الدين اللاحق تنتابه حيال الدين السابق شهوة إلغائه، خصوصاً إذا كان متفرّعاً منه، ولو تظاهر بوفاءٍ له. الدين السابق يشعر، حيال الأديان اللاحقة المتفرعة منه قليلاً أو كثيراً، بأنه الأصيل المسروق. وعندما تكون الأديان اللاحقة أكثريّة عدديّة والدين السابق أقليّة، وأقليّة متعصّبة وعنصريّة، ينتابها حيال أديان الأكثريّة وأكثريّات تلك الأديان شعور الاستعلاء، تغذّيه ذكريات الاضطهاد.
فلنتخيّل تسلسل التاريخ بين اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام.

تمييز
أُعطي إله التوحيد، بالإضافة إلى خصائصه المفردة، جميع الصفات الحسنة التي كانت لآلهة الوثنيّة بما فيها بعض صفات الآلهات، كالجمال. لذلك كان من واجب الإنسان أن يبتكر له اسماً يَجْمع بين الذَّكَر والأنثى، بدل أن يرسّخ بتذكيره الله ـــــ كما حصل في كلّ اللغات ـــــ التمييز ضد المرأة. فهذا التمييز ليس محض دينيّ ولا محض لغويّ، بل نراه منعكساً على دور المرأة في كل جوانب الحياة والحضارة، إذ اعتُبرت تابعة أو هامشيّة، وأقلّ شأناً في نظر الرجل من السود في نظر البيض. فما ميّز الأبيض من الأسود هو اللون، في حين أن ما ميّز الرجل من المرأة هو الجنس. والمساواة في اللون حصلت ولكن لم تحصل مساواة الجنس لأن ما يباعد هنا (وهو نفسه ما يُقرّب) ينتمي إلى طبيعة أقوى من السياسة والاجتماع والنظريّات.
يبقى الخلاف على الخَلْق: لماذا يعتقد الرجل أنَّ فعل الخَلْق بكل معاني الكلمة امتياز ذَكَريّ؟ ولو صحّ اعتقاده انطلاقاً من مبدأ الخصب، فهل خَصْبه يَخْلق النسل دون الحاجة إلى التلاقي بتربة المرأة؟ وهل من المستحيل توقّع وقت تستغني فيه المرأة عن «تلقيح» الرجل لا بفضل بنوك الاستيداع فحسب بل ربما ـــــ مَن يدري؟ ـــــ بعد اكتشاف إمكان إخصاب المرأة نفسها بنفسها؟

الله في الغياب
قيل إن الله لا يمكن أن يكون حاضراً في الخليقة إلاّ في شكل الغياب (سيمون فايل 1947). الغياب لا ذَكَر ولا أُنثى، إنما يتلوّن حَسَب ظروفه وحسب اللغة التي تقوله.
أغلب الظنّ أن الله كائن قبل الأجناس، فوق الأجناس، ما ـــــ بين ـــــ الأجناس، وما وراء الأجناس. ليس محازباً لجنس ضد جنس ولا يحقّ لجنس أن يدّعيه ويحتكر أبوّته أو بنوّته. وتشنيعة بودلير أنه لم يَفهم كيف يُسمح للنساء بالدخول إلى الكنائس، إذ أيّة محادثة يمكنهن إقامتها مع الله؟ هذه التشنيعة تقع في سياق آخر، خارج هذا الموضوع. وهو أساساً يعتبر المرأة نوعاً من آلهة، ولكنّه هو مؤمن ـــــ مشكّك ـــــ كافر غيور على غرار إله التوراة لا يريد شريكاً له في مخاطبة الله كما أن الله لا يريد شريكاً له في الانعباد. ومهما يكن رأي شعراء وفلاسفة سلبيّاً في عقل المرأة وقدراتها الميتافيزيكيّة، فهذا يعزّز رأينا: التمييز ضد المرأة وقمعها واضطهادها عبر القرون ـــــ هذه المسيرة التي تتوّجت بخلع جميع عروش الآلهات بعد التوحيد ـــــ هو الذي أسهم في تكبيل قدرات المرأة، ممّا أتاح للأدباء والمفكّرين السخرية منها وتصنيفها آلة للإنجاب أو خادمة أو شيئاً للزينة أو بنتَ هوى. السبب هو الذي خَلَقَ النتيجة وليس العكس.
... ثم، مَن يعرف إلى أيّ مناجاة يرتاح الله: مناجاة المرأة أم الرجل أم الولد؟ مناجاة الفهيم أم الجاهل؟ مناجاة العظيم أم الوضيع؟ وهل ينظر الله إلى التمييز الجنسي وعلى أساسه يُرتّب اهتماماته؟ يبدو هذا من إرث التوراة، بل من قبل، منذ صادر الرجل العالم ووجّهه ورتبه على قياسه. وعلى قياسه رتّب إلهاً وسماءً وأرضاً.

نيتشه أيضاً
استطاع نيتشه أن يكتب في أواخر القرن التاسع عشر: «أعظم إنجاز ندين به للبشريّة التي سَبَقتْنا هو أننا لم نعد مكرهين على العيش في خوف مقيم من الوحوش الضارية، والبرابرة، والأشباح، ومن أحلامنا نفسها». مَن ذا يستطيع الزعم اليوم أنّه يعيش، على أيّ صعيد كان، في منجاة من واحد أو أكثر من هذه الأشباح؟
تفاؤل المفكّر والرائي يشبه علاقة الطفل بدميته، يرى ما يُسْكِر ويَسْكَرُ بما يرى. وقد يُسْكِر.
ما عليه. ولكن أين نحن اليوم، وعلى مدى الحِقَب التي تتالت منذ أواخر التاسع عشر من هذا اليقين المظفّر؟ كيف استطاع نيتشه أن يطمئن إلى اندحار تلك الظلمات وانعتاق الإنسان من أَسْرها، أو فلنقلْ، على الأقلّ، من مطاردتها إيّاه؟ ألعلّ عدم الشعور بها كافٍ للخلاص منها؟ ولكن نيتشه ذاته لم يلفحه نسيم هذه اللامبالاة. فكيف؟ أبقياس التطورات السياسيّة والاجتماعيّة من ثورات ومؤلفات ومنجزات علميّة؟ إنّ في ما حصل من مجازر وحروب في العقود الماضية وإلى اليوم دليلاً على نقيض ما رآه نيتشه في تلك النبوءة. والوحوش والبرابرة والآلهة والأحلام الضارية لا تزال تتعاقب علينا وتعمل نهشاً. ولم يتغلّب عليها إلاّ مَن خُلِقَ وفيه غريزة اللامبالاة بها، ناهيك بنخبة اهتدت إلى هذه الدرع المضادة للشعور بعد مسيرة في مآسي الشعور، وعقب صدمة أو رؤيا، فتغيّرت حياتها لأنها أصبحت تستطيع التمييز بين قَدَرين.
أين في هذا كلّه أفضال البشريّات؟ وأين الفرق الجوهري بين سابق ولاحق؟
إذا أنا قتلتُ مسيحيَ، فهل قتلتُ ضميري؟ وإذا لم أقتل ضميري ـــــ أو «ضميرهم» مزروعاً فيّ ـــــ فممَّ أتحرّر؟
وإذا قتلتُ ضميري فأين أَمثالي؟
ما أيسر العثور بضحايا ولكنَّ اكتشاف الشركاء في الحريّة أو التحرّر هو أشبه بالسراب.
وأنّى لي الاستغناء فلا يكون فوقيَ آلهة؟
والآلة محلّ الدماغ فلا يكون لي أحلام؟
وكيف لا أخاف ـــــ وحشاً أو فراشة ـــــ وليس هنالك ما لا يُخيفني غيرُ فكرةِ ما قبل ولادتي؟
لو وَضَع نيتشه خاطرته على صيغةِ أُمنية لحال دون هذا التشاؤم القاهر، بذلك التفاؤل البريء.

لعلّ نيتشه قَصَد نفسه. صحيح أنّه لم يحظَ بسعادة اللامبالاة ولكنّه غنّى وتغنّى بحريّةٍ للإنسان تُعتقه من جميع التقاليد ولا تعود ترْهنه إلاّ بإرادة ذاته. وقد رأى تلك الحريّة في مواضع عديدة من التاريخ ومن الأعمال. وربّما بل لا بدّ أن يكون قد تلمّسها أو تمنّاها بالأحرى في نفسه، وحلم بأن يغدو نحوها قبل أن يبتلعه بحر الجنون. ولعلّ في هذا تَوازُنَ تلك، كما كان السجن «عقابَ» الماركي دوساد، وعلى حريّته أيضاً.

ومَنْ هناك لم «يُعاقَب»؟
لنراجع التاريخ والأساطير والوقائع.
أهو خرافة هذا الوحش، وأضغاث تَطيُّر، كما يقال؟ أيكون جهادنا هو ضد خرافات وأضغاث تطيّر ولا نَقْدِر عليها؟
نَقْدر على المادة بأسرها، ولا نَقْدر على أشباح!؟

«الزمن فكرة»
«ـــ صرتَ الآن تعتقد بوجود الحياة الأبديّة في ما بعد؟
ـــ لا، ليس بوجود الحياة الأبديّة، بل بالحياة الأبديّة ههنا. ثمّة لحظات... إنّك تصل إلى لحظات، وفجأةً يتوقّف الزمن لكي يَثْبُت إلى الأبد.
ـــــ وأنت تأمل في بلوغ مثل هذه اللحظة؟
ـــ نعم.
ـــ أشكّ أن يتحقّق ذلك على عهدنا (...) في سفر الرؤيا، يُقسم الملاك إن الزمن سيضمحلّ.
ـــ أعرف. الأمر في الرؤيا حقيقيّ جداً، واضح ومحدّد. عندما يبلغ سموّ الإنسان حدود السعادة، سينعدم الزمن لأنّه يغدو بلا فائدة. إنّها لفكرة صائبة جدّاً.
ـــ وأين عندئذٍ سيخبّئون الزمن؟
ـــ لن يُخبّئوه ولا في مكان. الزمن ليس شيئاً بل فكرة. وسوف ينطفئ في العقل».
(«الممسوسون» ـــــ دوستيوفسكي)


عدد السبت ٢٥ تموز ٢٠٠٩

السبت، ١٨ تموز ٢٠٠٩

ليــت العــرب ظاهــرة صوتيّــة


ليــت العــرب ظاهــرة صوتيّــة

أنسي الحاج

ليت العرب ظاهرة صوتيّة

الموسيقى: ما يسكّن الضجيج ـــــ بما فيه ضجيج «هذه» الموسيقى المزعومة ـــــ ويوقظ فجر الأشياء. ما يَغْسل حيث لا يصل مَطْهر. الوعي الآخر. موسيقى تستنهض الماء في الصحراء وتمدّ الأعناق خارج الأسر، فوق العناصر.
الصوت المغنّي: أجمل من الوجه الجميل. جمال يلغي شعورك بالحَذَر أمامه. يمحو كلّ سبب للقرف.
نشهد اليوم فتنة ضدّ هذا المفهوم للموسيقى والصوت. مؤسسات ضخمة تعمل لتسييد المواء والغباء ودكّ أسس الذوق. عندما نقول موسيقى وغناء، قطعاً لا نقصد الهبوط المسوَّق، بل الاستثناءات التي فرضت وتفرض نفسها رغم انتشار الضحالة. (الشيء نفسه ينطبق على الشعر والرواية والرسم والمسرح إلخ...).
حتّى لا نظلم الحاضر يجب التذكير بأن لكل مرحلة إسفافها، لكن الخطر في إسفاف الحاضر كونه اجتياحيّاً مجهّزاً بأسلحة فتّاكة، من الخطة إلى المال، فضلاً عن الجهل كأساس «عقائدي» لدى بعض الوكلاء العرب خاصة، وفي أحسن الافتراضات ظنّاً.

كان عبد الله القصيمي يقول إن العرب ظاهرة صوتيّة. ليتهم كانوا كذلك. ليتهم كانوا للصوت بمعناه الأصفى، المناقض للحسّ الغوغائي. الألمان ظاهرة صوتيّة أدنى ما فيها الانخطاف بهتلر ولكن وتيرتها العظمى والطاغية هي الانخطاف بباخ وموزار وبيتهوفن. الصوت هو صدى ما في داخلك من صوت، في صميم داخلك، تحت غطاء الضباب الكثيف. هو ما نحبّه كلّ الوقت وما يقدر أن يُطْلع كل شيء آخر منّا. هو أنفاسنا رُدّت إلينا. هو خَلْق الحنين الساعي في حلمه. إنه الجزء اللطيف المُحبّ من لغة الآلهة المخيفة، إنه اللغة الفوق بشريّة الأكثر إنسانية من الإنسان، واللغة الملائكيّة الأشد قرباً إلينا من أي ملائكة، إنه اللغة الإلهيّة التي عندما تُخاطب البشر لا تحمل لهم غير العافية والسموّ والقوّة والحبّ وأذكى عطور الحقول.

الأذن والعين

ثمّة مَن يجد رضىً خاصّاً في العطاء، بل في أن يؤخذ منه. عندما ننقل الموضوع إلى صعيد التأليف الفني والأدبي لا يعود هناك أرقى ولا أقوى ممّن يُعطيك، ولا يأخذ منك غير إعجابك. تغمرنا هذه النعمة في الموسيقى والغناء ونستمتع بهما أكثر ممّا نستمتع لدى مطالعتنا أدباً مُنعماً عليه، لأن لغة الصوت والموسيقى أكثر إعجازاً ولأن الأذن أكثر عمقاً من العين، وبالأخص لأننا نغرق في الغربة الساحرة أعمق ممّا نذهب مع الألفة الساحرة. سطوة الغربة تُقلّص مساحة التساوي وتفرض الاستسلام.
هذا الكلام من كاتب كان يقابله دوماً اعتراضٌ من الملحّنين وإصرار على تعظيم شأن الكلمة ووضعها في المقام الأول. دوّامة تجامُل، أو هو وَهْم الجاهلين بعضهم بعضاً. علاقة ملتبسة وخصبة أكثر ما نصادفها بين موسيقي وكاتب. وكم من موسيقي كَتَب أو تَطَلّع إلى الكتابة وكم من كاتب كتب على خلفيّة خيال غنائي أو سمفوني وانطوى على حنين مُحْبَط إلى الاشتغال بالموسيقى.
... ويُعتدى على الأذن مثلما يعتدى على العين. ولم يكن بدّ في الماضي ولن يكون بد في المستقبل من سطوة إرهابٍ معنوي مستحَقّ يفرض المعايير والقيم ضدّ الفوضى.

تحت وطأة لحظة

الزعل، فجأةً، مع شخص عزيز، يرمي بكَ وحيداً وسط أقيانوس تكتنفه الظلمات وتعلوه قبّة أعظم هولاً منه.
في هنيهة يتمزّق غلاف الأمان. الصدر يغدو مَرْمَدة والصوت يختنق. الجبين الذي كان يغلي بالمشاريع يخلو فجأةً إلا من الهَلَع. «ما أضعفني!» تقول، وتودّ لو تصرخ «النجدة!». النجدة ممَّ؟ ممّن؟ ربّما من إحساسك بزوال قانون الجاذبيّة الذي كان يربط وجودك إلى الشخص العزيز ويؤمّن توازنك. فقد أمسيت الآن، تحت وطأة الزعل، متروكاً بلا كفيل، بلا فضول، لا رفيق لك غير كبرياء تأبى الالتفات إليك ما لم تطعمها قلبك.
لحظة زعل مع شخص عزيز حكْم بالانفصال إلى العزلة المهزومة، تستيقظ فيها الذنوب كالأفاعي، وعِقَد النقص كالدبابير، إلى الأمام الرماد وتحت القدمين الفراغ وفوق الرأس جيوش من النجوم تبدو لك، في أنانيتك النازفة، ذروة الغباء، تُنافسها جحافل الموج الهاجمة إلى الأبد على طواحين الرمال.

الاحتجاج على الظلم

رَفْعُ الحنان إلى مستوى الألوهة. التضامن البشري عن طريق الشعور لا عن طريق الروابط الدينيّة والعرقية. الإلحاد ليس شرطاً للتحرّر والانفتاح بل الشرط هو الإحساس. الإلحاد، بالعكس، قد يكون تغطية للتحجّر واللامبالاة. التعصّب كذلك. كلاهما غياب إلهيّ وكلاهما جفاف روحي.
الاحتجاج على الظلم (في الطبيعة أو المجتمع) غالباً ما يتحوّل إلى ظلم من نوع آخر، ذروته استباحة الحياة، أو القتل باسم الثورة، باسم المَثَل الأعلى، باسم الثأر من انعدام المعنى.
انظرْ إلى النتائج: أكثر ما يُخفّف القهر ليس الصراخ والغضب بل الرقّة.

ضميره نظره

لا ينظر إليك وهو يؤذيك. هكذا يتخلّص من ضميره، فضميره ذاكرته وذاكرته نظره ونظره مفصول عن باقيه.

إعادة تكوين

من علامات انقلاب الأشياء أن الصحافة الأدبيّة اعتمدت أسلوب الصحافة السياسيّة (بما فيها من طمس الأساسي تحت الهامشي) عوضَ أن تتأثّر الصحافة السياسيّة بالأدب وتتلقّح بقيمه. هبوطٌ يشمل اللغة، إذ تدهورت لغة الثقافة نحو الكليشيهات والاستثارات الرخيصة، ولم يعد يلمع إلا ما تُحفّزه المصالح والنرجسيّات.
الأخطر، وهذه وقَبْلها ظاهرة عالميّة، تراجُع الصحافة الأدبيّة عن النقد. بات التهرّب من الصرامة براعة. ليس دائماً بضغط العلاقات بل أحياناً خشية الخطأ. منذ الظلم الذي أُلحق ببودلير ورمبو ثم إعادة الاعتبار المدوّية لهما أصيب عالم النقد الفرنسي، وبعده العالمي، بعقدة الخطأ، وأصبحت القسوة استثنائية والشدّة غائبة لحساب التحليل الذي لا يستوجب موقفاً ناصعاً، أو تضييع الموضوع بخلط أوراق صبياني. ولم تلبث الصحافة الثقافية بدورها أن خضعت بالكامل لمقاييس الاستهلاك التجاري، وحلَّ الترويج محلّ التقييم.
إن ما يجب إعادة تكوينه الآن ليس الشعر ولا الرواية ولا الموسيقى ولا التصوير ولا الحبّ ولا الرغبة، بل النقد.

الخبر اليقين

أنتَ مَن يحمل النور إلى عينيكَ لا النور ولا عيناك. أنتَ مَن يكسو ويُعرّي لا الثياب. وهذا الهواء في يديك، واليد في هوائك، والسماء حول العنق. وأمّا التعب فليس تعبك.
اعطِ ثقتك للسراب.



من نيتشه

«سوء فهم بخصوص الحنان. هناك حنانٌ خادميّ يُذعن وينحطّ، يَرْفع إلى الصعيد المثالي ويخطئ. وهناك حنانٌ إلهي يَحْتقر ويُحبّ، يُغيّر ويسمو بمَن يُحبّ».
(نيتشه)
□ □ □
«ما إن تصير وسائل القوّة غير كافية حتّى تبدأ في الظهور أساليب التخويف والإرهاب. بهذا المعنى، يمكن القول إن أي نوعٍ من أنواع العقاب النموذجي هو دليل ضعف في تلك الفضيلة المُشعّة التي ينبغي صدورها عن الأقوياء. إنه دليلٌ على كونهم قد أخذوا يشكّون في قوّتهم».
(نيتشه)
□ □ □
«أودّ لو أطرد من دولتي المثالية الأشخاص «المثقفين، كما طرد أفلاطون الشعراء. ذلك هو إرهابي أنا».
(نيتشه)
□ □ □
«ضد نزعة «الثقافة العامة»: فلنبحث بالأحرى عن الثقافة الحقيقيّة، النادرة والعميقة. لنقلّص حجم الثقافة ونكثّفها، كردّة فعل على الصحافة...».
(نيتشه)
□ □ □
«يا صديقي، «الخطيئة الأصليّة» هي بالتأكيد البرهان على فضيلتك الأصليّة».
(نيتشه)


عدد السبت ١٨ تموز ٢٠٠٩

الثلاثاء، ٣٠ حزيران ٢٠٠٩

ذلك كان المكسب


ذلـــــك كـــــان المكســـــب

أنسي الحاج-الاخبار

نَمْل حول بئر

يواجه الخلاّق فكرةَ العدمِ بفكرة المطلق. (الخلاّق أو الهدّام، قلّة فَرْق من هذه الزاوية). العدم ليس الموت وحده، بل كل ذبول أو وهم يتبخّر. والمطلق ليس دوماً تجريديّاً، بل غالباً ما يتلبّس بمظاهر الجمال البشري أو الفنّي والشعري.
المصاب بسراب المطلق لا يعرف السلام. وقد ترفّه عنه تسلية، لكنّه لا يلبث أن يعود إلى صحرائه وسرابها.
وطالِبُ المطلق لا يشبع، إذا انتصب العائق في وجهه زاده اضطراماً، ولا يتورّع عن بذل أمانه وعافيته في سبيل غايته، متجرّداً من حيائه، وقد انطبق عليه قول يشوع بن سيراخ «في فم الوقح يحلو الاستعطاء، وفي جوفه نارٌ مشتعلة». والمطلق كالحبيب، لا بدّ من إغرائه، والإغراء لا يتوقّف، ومشغوفُ المطلق يأتي في أعلى هَرَم المدمنين.
في الأدب الهندي الفارسي العربي حكاية شهريار، وقد غلبت عليها شهرة شهرزاد، مع أن البطل المأسوي فيها هو شهريار، دون جوان الشرق. الرواية تقول إنه كان يؤتى له كل يوم بامرأةٍ يقتلها بعد قضاء حاجته منها ويعاود سيرته مع الوصال والقتل حتى كادت البلاد تقفر من الصبايا، فتطوّعت شهرزاد لشفاء غليل الملك بسحر الحكاية: جاذبيّة الفنّ وإيحاءاته عوضَ محدوديّة الجسد وصدماته. في الخيال لا تنتهي المرأة ولا الرغبة، والمسافة بين المدّ والجَزْر مردومة بالنوم والنوم مردوم بالأحلام.
قلنا إن الخلاّق يواجه العدم بالمطلق، والصحيح أن الخلاّق يبلور هذه المواجهة بآثار عينيّة أو سمعيّة أو ذهنيّة، غير أن هذه المواجهة لا تقتصر عليه. فبالإضافة إلى العاشق الشهرياري أو الدونجواني هناك المؤمن والمتصوّف، والمعتنق قضيّة سياسيّة مثاليّة، وسائر هواة التفرُّسِ في الهاوية. فضلاً عن الانتحاريّين. لقد جعل الإنسان رفضه لفكرة الزوال أساساً لتشييد حياة رديفة شكّل مجموع مبانيها ما يُعرف بـ«الحضارة»، وبات معها أيّ مستسلم لفكرة الزوال يبدو بطلاً. وذروة المفارقة هنا هي خلّاق الجمال القانع بزواليّته، كأن تقول متصوّفٌ ملحد أو ساحرٌ غير مؤمن بالسحر. ذروة المفارقة، وبرهان على كون الطاقات الإبداعيّة لدى الخلاّق لا تعبأ بمواقفه الواعية...
على أنه من الممكن تَلَمُّس ملامح المطلق حتّى في حياة البسطاء والعاديّين. تكفي مراقبة قناعتهم الظاهريّة. كيف يمكن أن تكون هذه الوداعة مجرّد نهر يتابع سيره بلا شعور؟ مَن يصدّق هذه الكذبة؟ وعلى افتراض ذلك، ألا تكون مثل هذه القناعة المخيفة نوعاً من أنواع الأبديّة المسبقة؟
من بعيد يبدو البشر نملاً ينغل حول بئر، حول الفجوة التي لا مفرّ منها، ولا مُطْلَق ولا ما يَحزنون، بل مجرّد انجراف مع وقت يُعار لنا. وما نصنعه منه وبه لا يُحسب لنا أو علينا إلاّ بعد فوات الأوان.

ذلك كان المكسب

سئلتُ كيف قفزت فوق موضوع الانتخابات. الواقع أني منذ عقد الستينات وأنا أدعو إلى الورقة البيضاء. (أعادتني إليها أخيراً رواية خوسيه ساراميغو «الوعي» وقد أهداني إيّاها صديق كبير). ولم أجد في نفسي الشجاعة لتكرار الدعوة، فاستدرت صوب شؤون أخرى.
لا شك أن البلاد تجتاز أزمات، والانتخابات فرصة يمكن اغتنامها للمساعدة. لكنّي أفضّل التخلّي عن هذه الأدوار للأجيال الشابة المتحمّسة، فجيلي، أو أنا وليس جيلي، سئمت محاولات بثّ الآمال الوطنيّة. لستُ ممّن يدعون الشباب إلى اليأس ـــــ مع أنهم لو فعلوا لكان في ذلك كسرٌ لرتابة الفصول ـــــ لكنّه العمر. بالكاد لا أزال أتوسَّم خيراً في المعجزات، وصرتُ أنظر بضيق نَفَس إلى قضايا مررنا بمثلها وتباطحنا وإيّاها قبل أن نكتشف أن شيئاً واحداً حقّقناه عليها وليس هو الانتصار ولا التغيير، بل تسجيل مساحة جديدة للحريّة في نهاية الصراع.
هذا كان مكسب معاركنا المتأرجحة بين السذاجة واليمين واليسار والأنارشيّة. حتى أسخف حروبنا ما كنا نخرج منها إلاّ بقطعة حريّة.
لم نخترع هذه الخصلة بل هي جزء من تراث شعبنا. مساحةُ وداعة حين تُترك لعاداتها، ومساحةُ شغب حين تُمسّ عاداتها، ومساحةُ عصيان تراجيدي عندما يُمسّ قدس أقداسها وهو الحريّة. تستطيع أن تتفاوض مع شعبٍ اكتسبَ حريّته بأبحاثه الفلسفيّة والسوسيولوجيّة والاقتصادية أو نتيجة حرب عالمية. تستطيع أن تتجادل وإيّاه في بديل مؤقت، كالفاشيّة أو النازيّة أو الشيوعيّة الستالينية، أو أن يقنعه نابوليون بالتنازل عن نمط عيشه لقاء حلم الإمبراطورية. لكنك لا تستطيع أن تقدّم إي إغراءٍ كافٍ للتنازل عن الحريّة إلى شعبٍ تشكّل الحريّة جزءاً أساسياً من جيناته وقانوناً يومياً لعادات معيشته ومتنفّساً وحيداً يفرّج عبره عن مأساة كونه مغامراً كونيّاً في وطنٍ أصغر من قفص وجميع المحيطين به يحاولون «إقناعه» بإعلان الطاعة.

زئبق

أُنْتَقَدُ على ما لم أقُل أو أُمْتَدح على ما لم أقصد إليه. ليس القارئ هو دائماً المسؤول عن ذلك بل أيضاً تعثّري في إيصال فكرتي. مثلاً: كلمة قلتها حول سوء حظ أدباء العرب مع الآلة الإعلامية الغربيّة. كان المقصود أننا مُهْمَلون لأنّنا نكتب بلغة لا تنتمي إلى الهيئة الحاكمة، لا لأننا لا نقدّم نتاجاً كغيرنا قد يستحقّ الاهتمام. فُهمَتِ الكلمة دعوة ضدّ العربيّة وإشادة بالحرف اللاتيني. وقبل أيام، في حديثي عن أسطورة اليهودي التائه، فُهم أنّي أتبنّى الخرافة القائلة إن المسيح تلفّظ بما يُزعَم أنه قاله للإسكافي والخادم، بينما المقال هو لرفض هذا الادّعاء المناقض تماماً لدعوة الناصري ولقضيته.
خصبٌ هو موضوع سوء التفاهم، وابتداءً من أصغر تفاصيله كالتي نحن في صددها، إلى أكبرها.
مرّة جمعتنا مقابلة تلفزيونية أنا والفنان الكبير ريمون جبارة فأخذ يتحدث عن «سوء التفاهم الخلاّق». كان ذلك قبل رواج عبارة «الفوضى الخلاّقة» بسنين. كان يتحدث عن إيجابية في خلل التواصل أو تبلبله بين الكاتب والقارئ. عن برج بابل ما قد يفضي إلى لغة أفضل ممّا كان سائداً قبل البلبلة.
التفاهم رضى، سوء التفاهم قلق. الرضى ارتواء، القلق زئبق.
الزئبق رسول الآلهة.

حريّة العلاقة بالغيب

تُحتمَل فكرة الدين في حالة واحدة هي أن يكون، بفضل بذور باطنيّة فيه، سبيلاً إلى النفاذ نحو فضاء اللادين، نحو حريّة الاختيار المطلقة لنوع العلاقة بالغيب.
كما كان مفترضاً في الشيوعيّة أن يكون تطبيقها في الدولة سبيلاً إلى زوال الدولة.

إلى السيّد اسبر نصر الله ــ أوتاوا

عذراً أيّها القارئ، مشكلتك معي هي مشكلتي معك. من جهتي حللتها بكوني لا أكتب لك، من جهتك، الحلّ هو أن لا تقرأني. لعلّ هذه هي إحدى حريّاتنا القليلة.



عابـــرات

لم تقع عيناي على أوراق الشجر المتساقطة إلاّ سمعتها تنادي بشيء قريب من: «ارفعني!».
■ ■ ■
أنتَ أقلّ من إبداعكَ إلى أن تتباهى به فتمسي أقلّ من الأقلّ.
■ ■ ■
ندعو بحرارة إلى الصدق والتخلّص من التمثيل. هل توقّفنا لحظةً وفكّرنا أنَّ ما لا يداخله التمثيل بتاتاً هو كارثة؟
■ ■ ■
ما يحصل يموت فوراً والعين لا تحبّ إلاّ البعيد.
■ ■ ■
ما الذي يسكن أيضاً في النور؟ الأشباح. وفي صميم النور.
■ ■ ■
من زمان تولّى قيادة الدفّة رجلٌ قليلُ الألمعيّة، فقال لي أحد الأصحاب: بعد الآن، واجبُ الجميع وطنيّاً أن يكونوا أكثر «مديوكريّة» منه.
■ ■ ■
غيرُ صحيحٍ أن الحياةَ تحبّ مَن يلعنها، إنما هي تُواصل تعذيبه حتّى ينتقل من لعنها إلى تمجيدها. حينئذٍ ترتاح، ثم تبدأ بالضجر منه ومن وداعته.
■ ■ ■
قد تجتهد لتتخيّل الآخر، أما نفسك فإنك تغرق في تخيّلها من اللحظة الأولى حتى الأخيرة.


عدد السبت ٢٧ حزيران ٢٠٠٩


الأحد، ٢١ حزيران ٢٠٠٩

تداعيـــات حـــول عاصـــي الرّحبانـــي


تداعيـــات حـــول عاصـــي الرّحبانـــي

أنسي الحاج
غداً تحلّ الذكرى السنوية لغياب عاصي الرحباني. سنحاول في هذه الكلمات إضافة بعض التداعيات.
كان عاصي الرحباني سيّالاً في التأليف، كما كان متمهّلاً في التعبير الشفهي. وحين يجلس إلى مكتبه ليكتب أو إلى آلته ليلحّن كان الوقت عنده يتوقّف. ولم يكن يحتاج إلى أكثر من شرارة لتتدفّق قريحته: لفظة، ذكرى، طيفُ فكرة، الباقي نهرٌ لا ينتظر غير إشارة ليطيح سدّاً كأنه مستعار.
منذ استهلّ مسيرته في ريعان الصبا، بدا كأنه يختزن خبرة ومعرفة كبيرتين، هو الشرطي البلدي في انطلياس، الشرطي الأكثر رقّة من وتر الكمان، والقوي الجبّار الذي يُشعِركَ بأنه قادر على المستحيل. إنه لسرٌّ هذا الإعجاز. سرّ أيضاً تلك الإحاطة الموسوعيّة بالكاراكتيرات، والجمع بين الإسهاب في الجدل الشفهي والشرح التفصيلي، والإيجاز والتكثيف في الكتابة. سرّ أيضاً وأيضاً تمكّنه من الاستحواذ على متابعة المستمع عندما تغنّي فيروز حكاية، مهما تكن طويلة وأيّاً يكن موضوعها.
قلائل يستوقفهم الوجه البشري كما كان يستوقف عاصي الرحباني. وسرعان ما كانت فراسته تطلع بنتيجةٍ تراوح بين الحكم والتكهُّن. كان مأخوذاً بمعرفة المخبّأ في الصدور، ولم يصرفه استغراقه في أفكاره الشاردة وراء لحن أو نغم أو فكرة عن استيعاب ما يدور حواليه.
وكانت له ثلاث بهجات: بهجة الفطرة وبهجة الفضول وبهجة الشاعريّة. ولعلّها واحدة. ولم تتعارض طفولته مع بطريركيّته ولا شفافيته مع سلطانه. وبقَدْر تواضعه كان تقديره لنفسه ولدور الفنّان، فلم يساوم على كِبَر هذا الدور، وحافظ عليه متقدّماً على العروش والأمجاد.

وما الحاجةُ إلى سلطات والفنّ أعظمُ سلطة؟ لا الفن كنتيجة جهد فحسب بل كسياقِ عَمَل. وهكذا كان إدمانُ الشغل عند عاصي الرحباني أشبه ما يكون بإدمان السلطة ـــــ إدمان مُنْهك لسلطة هي الوحيدة التي تعطي «الشعب» ذهباً محلّ التراب ونعمةً محلّ الخداع والترهيب. سلطة مثلّثة الأقانيم. ولم يقلّ إدمان صاحبة الصوت لحرفة الإسعاد هذه شغفاً وتشدّداً عن شغفِ عاصي ومنصور وتشدّدهما. الترهُّب وتسليط كل الذات على العمل. وسرعان ما جاءت النتيجة سلطة آسرة للقلوب بلغت حجم مملكة. لم يكن لأحدٍ من الثلاثة هواية غير العمل ولا عمل غير هذه الهواية.

أشبع عاصي الرحباني جوعه إلى الواقع بابتكار الأحلام والأوهام حتّى جعل منها تراثاً وتربية. ونبش من الماضي الريفي ما يلائم مسيرته التحديثيّة، منقذاً الفولكلور من الفوضى والانحلال وربّما من الانقراض. لقد حوَّل الأحلام والأوهام والحكايات إلى واقعٍ، بل إلى حقيقة أشدّ حضوراً وحيويّة من الواقع وأكثر حقّاً من الحقيقة، حتى باتت المرارةُ الكبرى لدى فريقٍ من النخبة (وربّما من العامّة أيضاً) متأتّية من انهيار ذلك الحلم وكأنه انهيار الواقع. وفي ردّ فعلٍ ينطوي على تقدير هائلٍ وإنْ غير مباشر لقمّة هذا البنيان، انبرى النقد يعاتب الإرث الرحباني الفيروزي كيف أنه «عيّشنا في وهم»، وذلك بدلاً من نقد الذات وتعرية لعبة الأمم التي ضحّت بلبنان.
ومن جملة النقد للفن الرحباني تركيزه على الجذور. لم يكن هذا التركيز بدافعٍ عنصري ولا حتّى سياسي بالمعنى المتداول، بل كان حمايةً للهُويّة من الابتلاع، وبالهويّة يجب أن نفهم الجوهر الكياني لا الحدود الجغرافيّة. إنه الطفل الذي يذود عن طفولته. الريفي الذي يحرص على تقاليده الكريمة من الانجراف في تلوّث المدينة.
لا يمكن الخَلْق بلا معالم. ولا معالم بلا هويّة. كان الرحبانيان يردّدان أنهما يكتبان للإنسان وعن الإنسان في المطلق، وهذا صحيح ولكنْ بغير المعنى التجريدي: إنسانهما ابن بيئتهما انطلاقاً وابن الإنسانية بعد ذلك. إن امتداد جذورهما في هذه البيئة وبَشَرها مكّنهما من أن يبسطا جناحيهما خارج الحدود.

بين عاصي ومنصور قاسمُ حدسٍ مشترك: الأول بغريزتَي الفرح والقوّة، والآخر بغريزة الليل. ويأتي صوت فيروز على الدوام جسراً للقمر والشمس معاً وقرباناً مضيفاً إشراقاته وظلاله وخالعاً على الكلام رداء السحر.

تسلّل عاصي الرحباني، تلك القوة الهادئة والساطعة من قوى الطبيعة، إلى نفوس أشخاصه المسرحيين تارةً بفهمهم كأنّه هم وطوراً بفرض رؤيته لهم فرضاً عليهم شاؤوا أم أبوا، من الشحّاذ إلى الملك، ومن بنت الشعب إلى الأمير فخر الدين. تلك كانت شخصيته: متبحّرٌ في التشخيص حدَّ عالِم المختبر، وحاسم في الاستنتاج حَسْم الغزاة. إنه الواقعي والرؤيوي، وقلّما خانه انطباعه. ملحّنُ الإرادة وملحّن الإلهام، شاعرُ الذاكرة وشاعر ما سيصبح في الذاكرة. لقد حوّل كيميائي التناغم هذا، البداهة إلى أركان والهواجس والرواسب إلى حلاوة وطلاوة. ومن شدّة التركيز والبلورة بات يحسب، وأكثر فأكثر كلّما دنا من النهاية، أنه «ابن الوعي»، كما كان يحلو له القول بشيءٍ من التوتر، وإنّ نظريّات اللاوعي في الكتابة والفنّ هراء، فلا شيءَ يُذْكَر خارج الوعي، غير منتبهٍ أنّ نتاجه هو بالضبط ثمارُ لاوعيه وقد جلاها وعيه.
وكان ـــــ والشيء بالشيء يُذْكَر ـــــ يشارع، مثلاً، في فرويد وضدّ نظريّة إرجاع قسم كبير من المشكلات النفسيّة والعصبيّة إلى الكبت الجنسي. وبعد قليل، وفي غمرة العفويّة، تستشفّ من آرائه ما لا يتعارض كثيراً وتلك النظريّة.
ولعلّ أساس التعارض هنا - ولسنا في مقارنة - هو الفرق عموماً بين العالم والفنّان، فالأول، ولا سيما فرويد، يريد تنوير الإنسان على فَهْمٍ أعمق لنفسه، والفنّان يحاول أن يخلق عالماً رديفاً يُعيّش فيه الإنسان بسلام مع نفسه. واحدٌ يتوخّى المعرفة للمعرفة وآخرُ يسعى إلى مراحم.

نعود إلى صدام الحلم والواقع.
نعود إلى الذين انجرحوا لأن الواقع بَصَّرَهم بغير ما ناموا على إيقاعه.
ومن الاستخفاف تجاوز هذه الحرقة كأنّها عارضٌ سطحي، فهي مسألة كبرى مطروحة على العقل وأكثر ما يتحدّانا في الخَلْق الشعري والفنّي جديّةً وخطورة:
هل كان الفنّ الرحباني الفيروزي خادعاً أم مخدوعاً؟ وهل كان عاصي الرحباني ساذجاً أم شيطاناً؟
الجواب هو أن عاصي الرحباني قوّة من الطبيعة بلغت من إيمانها بنفسها حدّ اجتراح المعجزات كما بلغت من سذاجتها حدّ تصديق أحلامها. ولا خادعَ ولا مخدوع بل مُسْعِدٌ وسعيد. ولا شيطانَ غير الوحي، وتلك الملاحات التي لم يعرف سرّها غير صاحبها.
وحين يعتب الناس على فنّانيهم فإنما يعتبون على آلهتهم.
والعاتبون قد يجدون عزاءهم في أن للعمارات الرحبانيّة الفيروزيّة تتمّات لم تتم. إمّا أنها لم تحصل وإمّا أن ظروف الحرب ذهبتْ بها. وقبل ذلك ظروف مرض عاصي، وكأنها كانت رمزاً آخر من رموز معاناة لبنان. لقد انْلَجَمَ الحلم وانجرح جناحه قبل أن يصفعه الواقع. والواقع دائماً صفّاع، وهذه طبيعةُ الصراعِ بين أرض الإنسان وفضائه. والحلم لا يهزمه تسفيهُ اليقظة بل إن هذا التسفيه يضاعف الشغف به ويؤكد صدقه، فضلاً عن الحاجة إليه.
إن الخَلْق حلم، والأمل والجمال والتّوق حلم، والحياة بلا حلم مستنقع، وما إن ينتبه المرء إلى كونه حالماً في رقاد أو راقداً في حلم حتى يموت، كما يقول الحديث. والخَلْق الفنّي، وعلى الأخصّ منه ما يريد نشر الأمل والفرح، هو أعلى درجات الحلم، حيث تبلغ طاقة الحياة ذروة تخطّي ذاتها.
إرادة جبّارة جعلت ناسَ الورق يحلّون في المخيّلة الشعبية محلَّ ناسِ اللحم والدم، فصار الواحد يظنّ نفسه أو يتمنّى أن يكون ظلاًّ لناسِ الورقِ هؤلاء. إرادةٌ جبّارة نفختْ روحها القرويّة في العالم العربي كلّه زارعةً فيه، على أجنحةِ صوتِ فيروز الاستثنائي، شكلاً جديداً من أشكال الشغف.

لم يرحم عاصي الرحباني نفسه ولم ترحمه الحياة. وكان يردّد دوماً: لا بدَّ من رحمةٍ أخيرة.
رحمة، أجملُها ما أبدعه وتركه للناس كنزاً لا يَنْضُب.


عدد السبت ٢٠ حزيران ٢٠٠٩


السبت، ١٣ حزيران ٢٠٠٩

علـــــى الحافّـــــة

علـــــى الحافّـــــة

أنسي الحاج
المجهول الذي ينتظرنا، هل يعرف أنه ينتظرنا؟
إن لم يكن يعرف، فهو مجرّد صدفة أشدّ عجزاً منّا.
وإن كان يعرف (على نحو المعرفة الإلهيّة، مثلاً) فما أعظم ملَلَه! إذ، فيمَ يحلم وكل الزمان منقشعٌ له وحاصلٌ في معرفته؟
لا بدّ أن يكون للمجهول مجهول. من الصعب أن يكون هناك «كائن» يعرف كلّ شيء وليس بعده أو وراءه أو خارجه أو فوقه أو دونه مناطق مُغلقة عليه وتستهويه أو تروّعه.
يُصوَّرُ الله أنّه العارفُ العليم بالغيب والأقدار والذي لا قَبْله ولا بعده. الجبّار الأعلى والعلاّمةُ الأكبر. ألا يُمسي بهذا، اليائس الأكبر وسجين الوحدة المُطْلَقَة؟ شهيدُ وَعْيه، ولا مفاجأة؟ نفهم عند ذاك أن يَقْبل بأن يُسلّيه الشيطانُ بحكايةِ امتحان أيّوب، وتظهر الخلائق لديه دُمىً، ابتُدعت لتموت لا لأن الموت شرطٌ للحياة بل لأن الموت التذاذٌ للخالق، وأمّا الحياة فسلوى تُمهّد للموت كما هي المداعبة تمهيد لما بَعْدها.
■ ■ ■
لكن هذه الصورة تنهار إذا حَذَفْنا عاملَ الزمن. يصبحُ العلاّمةُ الأكبر مقيماً في اللامحدود واللانهائي، وخارج ما نعرفه. الضجر قد لا يصيبه والمعرفة لا تَحدّه. وقد لا يكون حدود ذاته. هو الله ومع هذا «وراءه» ما يستهويه، ما يَشدّه. هو الله، وحاجاته ليست ممّا نعرفه عن الحاجة. هو الله ولكنّه لا يتسلّى كما نتخيّل التسلية. هو الله ولكنّه ليس «إلهنا» إلاّ قليلاً...
■ ■ ■
كيف استطاع نوح، بعدما اختبَر وحده وعائلته النجاة من الطوفان، أن لا يَشْعر بالذَنْب؟
■ ■ ■
... وتُشارِعُ، وفي حرصكَ على الحقّ، تتردّد وتحار، وتَقْلق أن لا تتحامل. وأنت الذي يُصْلَب لا تعرف لمَ، تخاف على شعور تاركك، تخاف عليه من كلمة جارحة.
ويحملك الشعور بجميل ذاتك على الظن أنّكَ خيرُ الكائنات، وإلاّ لما كنتَ مؤرّقاً بهاجس الحقّ وأنت بين أنياب الشدّة.
■ ■ ■
لو تغلّبَ قايين على قهْرِه من تفضيل الله هديّة أخيه، لحوَّلَ غَيْرته إلى اعتمال داخلي، ولعلّه كان سيتعالى في نظر الله، وربما سيلجئه إلى مراجعة الذات كما حصل مع أيّوب.
كان ينقص روّاد الخطيئة والمُحمَّلين مسؤوليّة تأسيس موتنا (آدم وحوّاء، قايين...) مهارةً في التمثيل تلجم عفويّتهم ولا تفضحهم أمام الخالق. حتّى القَتَلة بينهم، كسيّدنا قايين، لم يتسع شرّهم للخبث، فأوقع بهم انفعالهم.
■ ■ ■
أن تكون مَلاكاً، تبرئة لكَ. أن تكون شيطاناً هو أيضاً تبرئة لك.
■ ■ ■
في لحظاتِ العبور من الحياة إلى الموت يتصاعد قاع الذاكرة إلى أديمها وتتلألأ الصور الأشدّ بساطة ممّا كان يُظنّ.

يمكن إجراء بحثٍ مقارِن بين سفْر أيّوب وكتاب «جوستين» لدوساد، (مع التناسي المؤقت للقسم الأخير من السفْر حيث يعود الله ويكافئ الفضيلة).
دوساد متأخّر في اكتشاف بؤس الفضيلة، في تعرية تواطؤ القوى على «الملعوبات»، لكنّه متقدّم في تزكية الرذيلة وإغداق البراهين على «خيراتها».
إنّه الفتنة التي بقي أيّوب تحت أسوارها ولم يقتحمها. فعذابُ أيّوب لم يزدوج بالشهوة. وحرماناته لم تكتمل بحرمان الحريّة، فطفقَ يُمعن في البِرّ ولم يعدمه الألم الشعور بأنّ ثمّة أمراً غامضاً قد يبرّر تلك المظالم رغم أنه يعرف أنّه لا يستحقّها.
عوضَ هذا التواضع الساحق، انفجر دوساد بكبرياء مجنونة، وتبشيره بالرذيلة والجريمة هو، فوق ما هو، انتقامُ المنكوبِ الذي لم يسمع جواباً من السماء. وسمع في المقابل من الأرض أجوبة قاهرة.
■ ■ ■
فكرة التهتُّك الكونيّ كما عَرَضَها دوساد في كتابه «قصّة جولييت» يريدها منفصلة عن فكرة الله لاغيةً لها وبرهاناً على التغائها. فالحريّة هي نقيض الإيمان.
رجالُ الإيمان يقول بعضهم إنه يتماشى والحريّة، ولكنّه لم يذهب إلى حدّ زواج فكرتَي الله والتهتُّك الكونيّ. دوساد مِتْراس والإيمانيّون متراس.
حتّى تيلار دوشاردان لم تجمح به فلسفته التطوريّة إلى مبلغ كهذا. لعلّنا نرى شيئاً من هذا التزاوج في نحوٍ بدائي عند شخص كراسبوتين، وفي تصرّفاته لا في كلامه، حيث بقي مُراعياً وربّما واقعاً في سذاجة ذاته، لا مُرائياً.
لماذا يُراد لفكرة الحريّة (الحريّة الأكثرُ، الأشدّ ابتعاداً) عَبْر التهتُّك الكونيّ أن تكون عدوّةً لفكرة الله؟ لأنّ الله أُريدت له صُوَر الفضيلة المتقشّفة، القمعيّة، غير الملتبسة. حتّى جاء المسيح قائلاً إن الله حبّ.
من المستحيلات التقليديّة الجَمْع بين الليل والنهار. لكنّ الحلّ هو في اجتماعهما.
والحائلُ بينهما خطٌّ وهميّ يبدأ باجتيازه الأطفال ثم يتوقفون.
■ ■ ■
بين دُعاةِ الويل والثبور وعظائم الأمور وشخصيّة «متناقضة» وملتبسة مثل راسبوتين، العطف يجتذبه راسبوتين. جَمَع شَبَق الإيمان إلى شَبَق الغريزة الجنسيّة. كان وحشاً فيهما وذا اجتراحات. والأهمّ الأبلغ، فَرَحَهُ. لم يكن بومةً إلاّ أيّاماً عندما تنبّأ بانهيار روسيا القيصريّة إذا قَتَلَهُ النبلاء. وهو ما تمّ. والحقيقة لم يكن بومةً بل كان بين سَكْرة وسَكْرة يقرأ الطالع منبّهاً وقد زاده استبصاراً الخوف على مصيره الشخصي.
أنبياء التوراة، وإلى حدّ ما يوحنّا المعمدان، روّادُ رعب تسمعهم فتقول لمَ الحياة. وأضحك ما يُضحك في ما يتعلق بنا نحن سكّان أرض فينيقيا وجوارها، أننا نطرَبُ لتقريعات شعراء التوراة وأنبيائها ومعظمها تجريح بـ«أجدادنا» وبآلهتهم التي ما كانت، في بداية الأمر كما في نهايته وبعدهما، سوى آلهة لجميع الروّاد من كلّ صنف، وقد ضاق بها ذرعاً إله إسرائيل المتملّك الغيور وكهنتُهُ الدمويّون العنصريّون.
هنالك بعضُ الرغبةِ الشرّيرة في كلّ ارتماء وكلّ تجديد، لعلّها تشبه ما كان يعتمل في النفس أثناء عبور حوّاء وآدم من الباب الشرقي في الجنّة إلى أسفل الصخرة، في السهل المنخفض، حيث قادهما الملاك المرافق إلى هناك بدايةً للمنفى، واختفى.
■ ■ ■
أسطورةُ اليهوديّ التائه (كلّما انقضت مئة سنة أضيفت إلى سنّه الأصليّة ـــــ الثلاثين ـــــ وظلّ حيّاً ومحروماً راحةَ الضميرِ وطمأنينة الغفران وراحة الموت) ستبقى ناشزة ما بقيت ملصقة بيسوع الناصري.
فثمّة روايتان: أنّ المسيح أراد، أثناء حمله الصليب إلى الجلجلة، أن يستريح عند عتبة بابِ إسكافٍ، فرفضه هذا، فقال له يسوع: «إني سأرتاح، وأمّا أنتَ فتظلّ تائهاً حتى مجيئي».
وأخرى عن خادم بيلاطس البنطي، وأن المسيح في أثناء اقتياد اليهود له، توقّف لحظة عند بوابةِ قصر بيلاطس حيث كان الخادم يحرس، فأقبل هذا إليه ولطمه على وجهه قائلاً باحتقار: «امشِ يا يسوع، أسرع. لماذا تتوقّف؟». فنظر إليه يسوع ـــــ على ما تضيف الرواية ـــــ بقسوةٍ وأجابه: «إنّي ذاهب، ولكن أنتَ سيكون عليك الانتظار حتّى عودتي».
الروايتان تُركّزان على حقد المسيح. كيف يكون هو المسيح ويَحْقد؟ وعلى إسكافٍ هنا وخادمٍ هناك؟
في الأناجيل غضباتٌ عديدة للمسيح أشهرها ما حصل في الهيكل مع التجّار، ولكنّها مجلوّة تارة بالمثاليّة وطوراً بالمحبّة. المحبّة التي قال بها الناصريّ هي قدسُ أقداسه.
ولئن كان من يهوديّ تائه فهو، على صورة الهولندي الهائم فوق محيطاته، ذلك الإنسان الخالد في حلمه بالمطلق، والذي لا يُعتقه ـــــ حسب فاغنر في أوبرا «المركب الطَيف» ـــــ إلاّ حبٌّ يفتديه. وقد لا يعتقه الحبّ ولا التوبة ولا الموت ولا العودة ـــــ لا عودة مسيحٍ ولا عودة الروح ذاتها وإن تكرّرتْ ـــــ لأنّ الحياةَ عِقابُ نَفْسها.
أو ثواب نفسها.
أو حياد نفسها.
ولكنْ ما لنا ولهذه الاجتهادات. ثمّة خَلَل في لبّ القصّة، وهو الحكْم على ذلك الشخص بأن يظلّ... حيّاً!
حكْم؟ وهل أجمل من تنفيذ حكْمٍ كهذا؟ وأين العذاب في أن يظلّ المرءُ حيّاً، وأن يظلّ، فوق هذا، ساعياً إلى الحبّ؟
بصَرْف النظر عمّن أصدر الحكْم، محسودٌ هو المحكوم.. يهوديّاً كان أم هولنديّاً. لقد استعاد في لحظة، ما فَقَده الإنسان منذ آدم.
■ ■ ■
تقول إنك ذاهبٌ إلى العدم، لكنّك تظلّ تعلّل النفسَ بأن أحداً هناك لم ينخدع بيأسك، وأنّه يُعدّ لكَ مفاجأة سارّة.


عدد السبت ١٣ حزيران ٢٠٠٩


الأحد، ٢٤ أيار ٢٠٠٩

يهوديّـــــات

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

يهوديّـــــات

أنسي الحاج
في مقابل إرهاب أن تكون معادياً للساميّة، هناك إرهاب أن تَتّهم باللاساميّة كلّ خصم لك. وأسوأ ما يمكن أن يحصل هو الانفجار الدموي ضد اليهود. معروفٌ ماذا يجب أن يفعل المسيحيون والمسلمون لتفادي الانزلاق إلى هذه الجريمة، لكن السؤال، السؤال الدائم منذ التوراة هو: هل يتمكّن اليهود من التغلّب على نزعة الانتحار التي كانت على الدوام تقودهم إلى تجاوز الحدود، أم أن سحر الانتحار أشدّ تأثيراً على هذا الشعب المتيَّم بالذنْب، من نداء الحياة؟
■ ■ ■
المثالي يكون بالاعتراض «سلميّاً»، في إطار العقل، وإلاّ كان اضطهاد اليهودي جواب المهزوم «الحقيقي» على الهازم «الحقيقي».
■ ■ ■
تخبرنا التوراة أن يعقوب أَحبَّ زوجته راحيل حبّاً جارفاً حتى قيل إنه أحبّها أكثر من اللّه. وفضَّل ابنه يوسف على جميع إخوته فحسده هؤلاء وتآمروا عليه.
هذا الحبّ الشديد للخليقة (وقد عالجه توماس مان في رواية) يتكرّر في التوراة، حيث لا يتمكّن الله دائماً من أن يحجب وجه الإنسان عن الإنسان. إنها بَشَريّة الصوفيّة اليهوديّة، بشريّة توغل (كما عند إبراهيم وإسحق ويعقوب) في المثالب والارتكابات حتى تبلغ دَرَكاً بالغَ الانحطاط في بعض المواقف، لكنَّ صدقها يضفي عليها مهابة، إذ هي تقول في بساطتها الملحميّة الملموسة لمسَ اليد: أنا بشر، هذه حقيقتي، ولن أُرائي أو أُنافق للّه، وإذا اقتضى الأمر سأقاتله، ولن يتخلّى عني ولو حاججته، وسأخطئ وأفسق وأخون، ولن يسحب عني الربّ يده، فهو الذي يعرفني، وهو الذي أعرفه، وعهدنا معاً عهد مَن يكون الأقوى بالآخر...
في حكاية المعركة بين يعقوب وملاك الربّ، حيث كانت الغلبة ليعقوب فكافأه الربّ، رموز لا يرتوي منها الخيال.
■ ■ ■
قوّة سينيكيّة ـــــ دينيّة ميّزت اليهودي عن سائر الإبراهيميين وغير الإبراهيميين. حيويّة التحدّي وعصبيّة التميُّز. وهما لا تنسيانه ضعفه ومذلاّته. إنه الموحّد وإنه كذلك عابد المال. الصبور الجبّار على المنافي وشتّى صنوف الجَلْد، بما فيها الجَلْد الذاتي، والجَشِع الملتوي الغليظ الرقبة. الملهَم والتائه. الغنيّ والفقير. المسيطر والصعلوك. التقيّ المتزمّت والخليعُ المستهتر. كاره الآخرين والمكروه بين الآخرين. المنبوذ الهدّام والهادم نفسه، انتحاراً أو تشوّهاً، من فرطِ اتهام الذات. الذات المعتبرة نفسها قطب الرحى، والذات القاتلة نفسها سباقاً إلى احتكار كأس الضحيّة.
ماديّة في العلاقة بالله، في تملُّكه، وخيانته وتسييسه، ماديّة هي نقيض الروحانيّة المسيحيّة والتجريد الإسلامي، لكنها، رغم فظاظتها، تنطوي على صورة للّه أكثر جدليّة من صورة الله عند الآخرين. ينسحق النبي اليهودي أمام ربّه انسحاقاً ليس بعد مازوشيّته مازوشيّة، ولا يمنعه ذلك من مناقشة ربّه ومعارضته وإشعاره بالذنب. فالله الذي كان يمتحن ولاء الآباء بطلب أبنائهم قرابين تلاشى مع يعقوب ليحلّ محلّه إلهٌ يصارع الإنسان وينغلب أمامه ثم يباركه. وإذا حككنا أكثر تحت القشرة قد نجد في ربّ كهذا ملامحَ مَن يحتقر الضعف ويستهويه خصم ينازله. إلهُ الغضب، لكن الإنسان الذي أمامه هو أيضاً إنسان الغضب. ما من شفقة عقائديّة هنا وإنما شفقة موسميّة، أخلاقيّة، أو عشائريّة كما تَصرّف يوسف الحسْن في مصر حيال إخوته. ما من ضعف طوباوي إنما ضعف منمّط. والنجاح مباركة إلهيّة. أمّا الانتقام فسُنّة، والشرّ ليس إلاّ مسألة نسبيّة، بل قل عرقيّة.
مناخات «معاصرة». قيمٌ استعادتها هوليوود وعمّمتها. قيمٌ يراد لها، عبر السينما بالأخصّ لأنها الأوسع تأثيراً، أن تسود فوق القيم المسيحيّة والإسلاميّة، فضلاً عن الآسيويّة.
عندما يقال «الحضارة اليهوديّة ـــــ المسيحيّة» يُرتكب مزجٌ ليس في صالح ولا واحدة من الديانتين. مزجٌ أقدمَ عليه فلاسفةٌ ومفكّرون ثاروا على «الضعف» في المسيحيّة واعتبروه هو نفسه موجوداً في التراث اليهودي.
في التراث اليهودي ضعف، لكنه ليس دعوة تبشيريّة ولا غاية في ذاته. المسيحيّة مجّدت الضعف تخلّصاً من «القوّة» اليهوديّة والوثنية. الإله المسيحي والإسلامي الرحمن الرحيم فتحَ مع البشر صفحة جديدة أوصدت الباب على الإله اليهودي العنصري العديم الرحمة. في هذا، اليهوديّة دينٌ أكثر معاصَرَة. معاصرة لأوروبا القوميّات ولأميركا الجبروت. كما كانت معاصرة للشيوعيّة البولشفيّة المنتصرة بالدم على روسيا القيصريّة ومسيحيّتها المحتدمة.
■ ■ ■
المشبوه في الكتابة سواء الدينيّة أو الانتي دينيّة هو النيّة التي نستشعرها لدى صاحبها في حماية ديانته. النزيه في انتقاد الأديان أو رَفْضها هو الموقف الشامل في انتقاده ورفضه: حين تصادف يهوديّاً يهاجم اليهوديّة بالقوّة (والصدق) والحجّة والمتابعة التي يهاجم بها المسيحيّة والإسلام، حينئذٍ تكون قد وجدتَ الحرّ المتجرّد وليس المغرض المستتر.
وطبعاً الأمر نفسه حين تصادف مسيحياً كذا وكذا ومسلماً إلخ.
المزعج في الموقف الملتبس (وهو منتشرٌ في العالم العربي كما هو شائع بين يهود العالم بمَن فيهم علمانيّوهم وملحدوهم) هو دعوة التحرّر التي يُراد بها تحرير «الخصم» من تعصّبه، فقط «الخصم». وأمّا تعصّب الذي يحرّرك فهو المزداد تحصّناً وراء «التحرير».
العلمانيّ الشموليّ مريح لأنّه يحرّر من التعصّب كلياً، واللامتعصّب يُعْديك رحابة: تتبادلان إنكار الذات لتعودا إلى استرجاعها بعد أن يكون كلٌّ منكما قد تنازل أمام الآخر عن خبثِ أناه، وهي أنا مركّبة على كلّ حال.
وكم قليلٌ بيننا البارّ المعطاء هذا. وفي هذا الموضوع (كما في سواه)، الأهمّ ممّن يقرأنا هو الواحد منّا، نحن الكَتَبَة، ونحن نكتب، بل ونحن نفكّر في خلواتنا ونُحسّ قبل أن نكتب: أين، في أيّ أُفق، بأيّة خلفيّة، من أجل ماذا يكون تفكيرنا وكلماتنا. نحن، نحن الكَتَبَة، أوّل مَن يعرف وأكثر مَن يعرف متى نكون صادقين.

■ الرمل الذي يخون الخطى

تعليقاً على مقال الشفقة («الحبّ الكامل»)، أرسلتْ يمنى فرح كلمة أُحبّ أن أوردها هنا:
«الشفقةُ ضربٌ من الرقّة، لكنْ قد يرقّ الإنسان لمَن لا يشفق عليه، وقديماً كانوا يئدونَ البنتَ فيرقّون لها، لأن ذاك طبعٌ إنسانيّ، لكنهم لم يكونوا يشفقون عليها، إذ لو أشفقوا لما وأدوها. وأنا أدعوكَ إلى تجاوزِ هذا المستوى اللغوي إلى مستوى يفلسف الشفقة بجعلها «صرف الهمّة إلى إزالة المكروه عن الناس»، وعندها تصبح حقّاً إنسانيّاً لا مجرّدَ تعاطف اختياري، فحينما نسمع دويّ انفجار يجب أن نشعر بالشفقة لا بالخوف أو الرهبة، مثلاً، باعتبار الشفقة واجباً إنسانياً. وهكذا تتآلف قلوب المجتمع الواحد كما تتآلف قلوب النوع الإنساني في كل العالم. وهكذا يتحقّق الحبّ الكامل حقّاً».

لا حاجةَ إلى تعليقٍ على التعليق، فهو حفرٌ وتنزيل. بعض القرّاء أفضل من مقروئيهم، مثل يمنى فرح. وأنا ممتنّ لهذا التصويب، ولعلّ من أسباب افتقاري إليه انفصالاً بيني وبين أرض الواقع. وهذا ما عبّرت عنه يمنى في تعليق على مقالي الأخير «لا تُغنّوا العودة» عندما كتبت تقول: «أصبحتُ كثيرةَ الحَذَر من كتابةٍ تكون لها أحياناً صفة الرمل الذي يخون الخطى...».

■ جاذبيّة الثبات

يمارس علينا ذوو الثبات جاذبيّة التمرّد عليهم واللعب من ورائهم. لا صعود بدون جبل. أنت لا تَطْلب من الجبل الحركة بل الجمود لتتحرّك أنت. الهواءُ هواءٌ لأنّ العناصر الأخرى تعطيه هُوّيته. تعطيه حريّته.
أحياناً يُخيّل إليكَ أنّ التماوجَ بين ليلٍ ونهار، بين إغماضٍ وإبصار قد توقّف، وأنّ الزمنَ تَجمَّد. انتهى التجاذب. انتهت الجدليّة. وقد تختنق حينئذٍ لشعوركَ بانغلاق الغرفة. يتمنّى الشعراءُ أن يَجْمد الزمن وفي الحقيقة هذا هو عَدوّهم، فالزمن المجمَّد قَبْر.

■ تخيّلات

أيّ قَدْر من الخطر هو ذاك الذي يمكن أن يقال عنه إنه الأقصى؟ هو ما تعايشه في لحمك وعظمك، ما يعمل فيك نخراً، ينهشك ويمشي فيك وتنطق باسمه. تنطق، أو تسكت باسمه.
طموحك أن تتحدّى به، وأن ترقى بالمعاناة إلى الجبروت، فتقهقه على حطام نفسك. أو تنحدر إلى أودى وديانك بدوخةِ سكْر العاصفة عوضَ أن تنتحب انتحاب التدهور.
مجرّد تخيّلات... هي وحدها ما يتجاوز حدود اللحم والعظم.


عدد السبت ٢٣ أيار ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/137199

الأحد، ١٧ أيار ٢٠٠٩

لا تُغنّـــــوا العـــــودة


لا تُغنّـــــوا العـــــودة

أنسي الحاج

كذباً أكذب
كم أودّ لو أكون في منتهى الصراحة، ولكني لم أتخلّص من رغبة انتزاع الموافقة. كيف للمرء أن يجمع بين الوحشيّة والودّ، بين الاستهتار والمسؤوليّة؟ لم أعد أصدّق نفسي حين تدّعي أنها لا تعبأ بالبحث عن الإعجاب. كذباً أكذب. قد أخلط بين العدوانيّة والاستغناء، لكن العدوانيّة شكل آخر من أشكال استرعاء النظر، بل هي أشدّها أنانية. في الوقاحة عصيان، وفي العصيان فروسيّة، لكنهما هما أيضاً شكلان من أشكال إثبات الذات المسرحيّة.

خارج المنافسة
اثنان لا يُنافَسان في السينما: الولد والحيوان. يخطفان الاهتمام ويستحيل إلاّ التركيز عليهما. السبب أنهما لا يمثّلان ولا يتكلّمان بل يكونان وكينونتهما قاصمة. وإذا التقى الاثنان فالولد هو القطب الأكبر.
الحياة كلّها بحثٌ عن اللحظة اللامسرحيّة. عن فجر الشعور قبل التنفُّض من آثار النوم. بحثٌ عن أصالة الحيوان وبراءة الولد. وأكثر ما يُمْتَحنان في معرض التمثيل.
أكثر ما يكون المرء صادقاً حين لا يعرف الفرق بين الصدق والكذب. وحين لا يعبأ بالناظرين إليه، أو يكون موقفه من «الجمهور» في أدنى درجات التأثّر. يصيبك لأنه لا يتعمَّد إصابتك.
أبعد حدود الصدق هو الحيوان. أمّا الوَلَد فعابر صدْق.

مصر الأمل والضوء
تتردّد أصداء معركة في مصر حول جائزة أدبيّة. وخارج مصر حول جائزة أخرى. اتهامات وشتائم. حتّى في هذا يصعب على العرب تجاوز الأنانيات. ويصعب على المتتبّع القبول بمشاهد التهالك على الحصص والأمجاد، وكلٌّ يحسب قضيته عالماً بذاته، وهي لا تعدو كونها أزمة لبضعة أشخاص لا يطيق الواحد منهم صورة الآخر، ولا يمنعهم تباغضهم من تبادل الاعتراف بعضهم ببعض باعتبارهم أغصان شجرة واحدة، فهم أعداء ولكن لا وجود لأحد سواهم.
ليس اللبنانيون بأفضل حالاً من المصريين في الانكفاء على إقليميتهم. شعار العروبة الأدبيّة الجامعة ادّعاءٌ لم يستطع الارتقاء إليه في التاريخ الأدبي العربي غير قلّة ممَّن حقّقوا الشعار بإشعاع أدبهم. وإذ قد يشفع للمصريين كثافة عددهم وضخامة قضاياهم الاجتماعيّة، فلا يشفع للبنانيين غير انفتاح السوريين والعراقيين وبعض الخليجيين والمغاربة على أدبهم وانجذابهم إلى حيويّة بيروت. ولولا الطابع الشمولي للحداثة، التي هدمت حدوداً ووصلت ما بين الهموم والتطلّعات، لظهرت المشكلة في صورها الأكثر انغلاقاً.
التحيّة، في هذه المناسبة، لنخبة من الشعراء والقصّاصين والأدباء المصريّين الذين اخترقوا حُجُب الإقليميّة، وأشعروا أدباء الأقطار العربيّة الأخرى بشراكةٍ طال الشوق إليها، وردّوا الروح إلى عبارة «الأدب العربي». هذا الإنجاز ما كان ليحصل لولا مصر. كان دائماً ثمّة روابط بين العراق وسوريا والأردن وفلسطين ولبنان، وإلى حدٍ ما البحرين وبعض المغرب. أمّا مصر الأدبيّة والفكريّة فكانت إلى الأمس القريب حاضرة على الأغلب بغياب اهتمامها وبغَيظ المشرقيّين من هذه اللامبالاة. ويوم أبدى طه حسين إنصافاً لبيروت قبل سبعين عاماً هبّت على اللبنانيين والشوام عاصفة من الزهو لم تلبث أن أخمدتها الأيام... إلى أن نهضت ثورة الحديثين في مصر وصوّبت مجرى الأشياء.
هؤلاء الحديثون الذين يعانون الأمرّين على أيدي مناوئيهم من الرجعيّين والسلطويّين في مصر، والذين هم الآن الأمل والضوء لإخوتهم وقرّائهم في الدنيا العربيّة. ومن أكبر الأوسمة على صدورهم انصرافهم عن الأوسمة، وأجمل جوائزهم احتقارهم لجوائز تهيمن عليها، ولو اختلفت، أغصان شجرة واحدة.

سيوران يُشرّح فرنسا
أعيد في باريس نشر جواب وضعه عام 1941 إميل سيوران، الفيلسوف الروماني الأصل، في خضمّ تلك الحقبة المتلبّدة بالغضب والإحباط، رداً على سؤال: لماذا لم تعد فرنسا تقود العالم؟ ويجد المعنيّون بفرنسا، ونحن منهم، في هذه المحاولة، أجوبة عن تساؤلات عديدة لا تزال معاصرة.
يقول: «لا أظنّ أني سأعبأ بالفرنسيين لو لم يعانوا ما عانوه من ضجر خلال تاريخهم. لكن ضجرهم خلو من العنصر اللانهائي. إنه ضجر الوضوح، سأم الأشياء المفهومة (...) القرن الأكثر فرنسيّة هو القرن الثامن عشر. إنه الصالون وقد أضحى كوناً (...) إنه أيضاً القرن الأكثر تضجّراً، والذي تمتّع بأكثر ممّا ينبغي من وقت، ولم يشتغل إلاّ لتمضية الوقت (...) فرنسا حظيتْ بامتياز النساء الذكيّات، اللواتي أدخلن الغوى إلى الفكر، والسحر السطحي واللذيذ إلى المجرّدات.
(...) ماذا أحبّت فرنسا؟ الأساليب، مِتَع الذكاء، الصالونات، العقل، الكمالات الصغيرة. التعبير يتقدّم الطبيعة. إنها ثقافة الشكل وقد استجمعتْ القوى البدائيّة وراحت، فوق كل انبثاقٍ شغوف، تفرش صباغ الرهافة بعد إمراره على مصفاة الفكر».
ثم يقول: «الذكاء والفلسفة والفن في فرنسا تنتمي إلى عالم المفهوم (...) إن فرنسا هي رَفْضُ السرّ. إن أكثر ما يُشبهها هي اليونان القديمة. ولكن، في حين كان الإغريق يزاوجون بين الذكاء والنفحة الميتافيزيكيّة، لم يمضِ الفرنسيون إلى هذا البُعد، لم يستطيعوا ـــــ هم المغرمون بالمفارقات في أحاديثهم ـــــ أن يعيشوا مفارقة واحدة بوصفها حالة أو موقفاً (...) عندما كانت فرنسا قادرة على تحويل المفاهيم إلى أساطير، لم يتعرّض جوهرها الحيّ للخطر (...) إن خَلْق الأساطير وتبنّيها، والكفاح والتألّم والموت في سبيلها، هذا هو ما يبرهن على خصب الشعب. لقد كانت «أفكار» فرنسا أفكاراً حيويّة، قاتل الفرنسيون من أجلها قتال الجسد والروح. ولئن كانت فرنسا تحتفظ بدور حاسم في تاريخ أوروبا الفكري فلأنها عيّشت أفكاراً عديدة، وأخرجتها من العدم التجريدي للحياد المطلق. إن الإيمان معناه الإحياء.
لكنّ الفرنسيّين ما عادوا يستطيعون الإيمان ولا الإحياء. ما عادوا يريدون الإيمان مخافة أن يبدوا مضحكين. إن الانحطاط هو نقيض عصر العظمة: إنه إعادة تحويل الأساطير إلى مفاهيم».
ويضيف: «الشعب لا ينتظر شيئاً. إذاً، مَن ذا الذي سيقترح عليه شيئاً، وماذا يقترح؟ لا تعيش الشعوب حقّاً إلاّ بنسبةِ ما تُشْبَع بالمُثُل العليا، حتّى لا يعود في قدرتها التنفُّس تحت وطأة المعتقدات. الانحطاط هو فراغُ المُثُل العليا، اللحظة التي يستتبّ فيها القرف من كلّ شيء: إنه عدم احتمال المستقبل، أي: شعور إفلاسي بالزمن، مع النتيجة المتحتمة لذلك: نَقْص الأنبياء، وضمن ذلك، نقص الأبطال (...).
«لقد أنهك الفرنسيون ذاتهم بفرطِ الوجود. ما عادوا يحبّون أنفسهم لأنّهم يشعرون شعوراً فائقاً بأنهم انوجدوا (...) إن الانفصال عن القيم والعدميّة الغريزيّة يجبران الفرد على اعتماد طريق الملذات الحسيّة. عندما لا يعود الإنسان يؤمن بشيء تصبح الحواس ديانة. وتصبح المعدة غاية. إن ظاهرة الانحطاط لا تنفصل عن الأكل (...) المآكل تحلّ محلّ الأفكار (...) من آخر فلّاح إلى أرقى المثقّفين، باتت ساعة الطعام الطقس اليومي للفراغ الروحي. إن تحويل حاجة فوريّة إلى ظاهرة حضاريّة خطوة خطرة وعارض خطير. لقد كان البطن مقبرة الإمبراطوريّة الرومانيّة، وسوف يكون حتماً مقبرة الذكاء الفرنسي...».
على هذا المنوال يُشخّص سيوران ملامح «الأزمة البنيويّة والقاتلة» للواقع الفرنسي. وأكثر من واقع، خاصة على شاطئ المتوسّط، يتقاسم مع المجتمع الفرنسي العديد من الظواهر التي يتوقّف عندها الفيلسوف المتشائم. وسواء خيراً أم شرّاً، عندما تقول «فرنسا» تقول شمساً للعالم. لهذا، ولغيره، عوارضها تُقلق. ولأنّها، مهما تأزّمتْ، لا تُعْدَم ضمائر من صميمها تُقرّعها، نظلّ نردّد إقناعاً لأنفسنا بأن لا خوف على تلك الشمس.
وفي كلّ منّا، فرنسيّي الهوى كنّا أم غير ذلك، شيءٌ كثير من فرنسا.

أين تمضي الصبايا؟
أين تمضي الصبايا؟
يتدفّقن في الشوارع كالشلّالات، وفجأةً تُقفر بدونهن الأرض...
أين تمضي الصبايا؟
لمَ الاستعجال، والشَعْرُ يطوف بالهواء كما يطوف الهواء بالصدور العطشى؟
ألا يرين الضجر حولهنَّ فتلوي قلوبهنّ على رفاق الدرب؟ أم أنهنَّ يعتبرن ضجر الآخرين شرطاً ضروريّاً لازدهارهن؟
ولكنْ لا نَسَلْ أين تمضي الصبايا، فحيث يمضين سيلقين العقاب على طيشهنّ ضجراً أشدّ من ضَجَر الرجال، ضجر الممثّل بعد أن يخلو المسرح من الجمهور...
وهكذا يهبط الليل على الجميع.
وأين يمضي الجميع بعد أن يساويهم الليل في احتلال قلوبهم؟
تبّاً لكِ أيّتها الأجساد، نحكي عن الحريّة، ولا نستطيع أن نفعل بكِ ما نريد...

لا تُغنّوا العودة
لا سقوط ولا صعود، إذاً أين؟
وماذا سيتعلّم واحدنا عن الآخر، بعد، أكثر من الابتسام؟
كانت قديماً حركة عمياء، حركة لا حلم، حركة لا طموح، حركة حتميّة عمياء. ولم تتعدَّ تَنَفُّضَ الجناحين غبّ الولادة.
بالصدفة ما كان. بالصدفة أو بالقَدَر، أيُّ فرق؟ أو بالعَمْد، أيُّ فرق؟
كرهتُ الوداع لأنه يعيد الأمور إلى نصابها. ما أشقى العودة! لا تُغنّوا العودة! تَغنّوا دوماً بالرحيل! ولو بدون رحلة، ما الفرق؟
ليت العالم انتهى قبل أن تقول شيئاً.
الشمع الأحمر في البداية والشمع الأحمر في النهاية.
هكذا كان يمكن أن يلتقي الحضور والغياب في انعدام الفَرْق.


عدد السبت ١٦ أيار ٢٠٠٩