‏إظهار الرسائل ذات التسميات ربيع جابر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ربيع جابر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ٢٢ تشرين الأول ٢٠٠٩

قوّة الأدب



الثلاثاء, 06 أكتوبر 2009
ربيع جابر

نوبل الآداب بعد غد. إذا شاء قارئ أن يختار من القائمة الطويلة (من 1901 الى 2008) عشرة أسماء، من يختار؟ هل يبدأ من هامسون (1920) أم من إليوت (1948) أم من فوكنر (1949)؟ قبل ذلك ربما ذكر كبلنغ. وبعد ذلك؟ أندريتش أو كاواباتا أو ماركيز. محفوظ لأسباب شخصية (كتب باللغة التي نسمعها في المنام). كسينغيان وكويتزي وباموك. مَنْ بعد؟ شولوخوف؟ هل أصبحوا عشرة؟ أكثر من مئة اسم ولا يهمك غير هؤلاء؟ حتى كويتزي قد تحذفه. يختار القارئ ما يريد. قدرته لا نهائية. لكنها قدرة عالقة في دائرة مقفلة. ان خياره عاجز عن امتلاك القوّة التي يملكها الأدب.

قوّة الأدب تكمن في قدرته على التواصل. الكتاب لا يأخذك الى عالمه فقط. بل يستولي عليك أيضاً: يجعلك (من دون أن تنتبه) راضخاً أمامه. رضوخ اختياري. لكن كيف يكون الرضوخ خياراً؟ ما الذي يردك الى رولفو مرة تلو أخرى؟ لماذا تفرض جمل «بيدرو بارامو» هذا السحر عليك؟ وكافكا؟ وبورخيس؟ ما الذي يجعل صوت كاتب مات قبل ربع قرن - أو قرن - صوتاً أقرب اليك من حبل الوريد؟ زخم الأسلوب السردي؟ التدفق التلقائي والإيقاع الممسوك داخلياً؟ تفتح الكتاب الأخضر الغلاف وتقرأ القصص للمرة المئة أو العشرين بعد المئة: بينما تقرأ قصة تيديو إيزيدورو كروز تسمع صوت بورخيس كأنه قاعد جنبك. أنت أيضاً أعمى. تغمض عينيك وفي الظلمة الكاملة ترى الصور: الرجل على الحصان أو الرجل جالساً على الأرض يشرب متّة في البرية غير عالم ان لحظة الحقيقة تقترب.

ماذا تكون هذه اللحظة؟ ماذا يكون سرّ الأدب؟ هل نعرف سرّ «مئة عام من العزلة»؟ سرّ «آنا كاريننا»؟ سرّ «موت إيفان إليتش»؟ لماذا أُعطيت الرواية قدرة لا يملكها فن آخر؟ لأنها مخزن الفنون جميعاً؟ لأنها - كالملحمة في عصر هوميروس - شاءت أن تحوي الكون؟ الشعوب تُقبل على الشعر في أطوارها البدائية، كتب بورخيس في احدى محاضراته، ومع تطورها تنتقل الى مرحلة أعلى: النثر. لكن ماذا نقول عن «الإلياذة»؟ «الإلياذة» رواية ولو كُتبت بأبيات شعرية. حكاية المدينة المحاصرة بالمحاربين الإغريق يقضون تحت الأسوار، أليست رواية؟ إذا قرأت «الأوذيسة» في ترجمة انكليزية حديثة (روبرت فايغلز مثلاً) شعرت أنك تقرأ رواية، لا أكثر ولا أقل.

لماذا أُعطي الفن الروائي هذه القدرة على التأثير في القراء؟ أين سرّه؟ في النظرة الروائية الى العالم؟ في المكر الطفولي والحكمة الخفية؟ هل يريد الروائي أن يكتب في كتاب واحد كل ما يعرفه، كل ما يتخيله، وكل ما لا يعرفه أيضاً؟ لا يريد الروائي الرواية وحسب؟ يطلب أكثر منها؟ ماذا يطلب؟ المفروض أنه يروي قصة بحبكة وشخصيات. عليه صناعة مناخ وعليه التحرك الى أمام بذكاء، بحذر، حافظاً التشويق، منفتحاً على الاحتمالات، ومخلصاً للشخصيات ورغباتها في آن معاً. ماذا يعرف الروائي؟ أليس إنساناً ضئيلاً ونقطة ضائعة في بحر؟ وإذا كان هشّاً (وهو هش) وعاجزاً عن تدبر حياته (عقصة برغشة تقضي عليه) ومحكوماً عليه بالعزلة (كي يكتب)، فكيف له أن ينظر الى العالم وأن يفهم العالم ثم يتمكن من الكتابة عنه؟ دانتي شاعر أم روائي؟ نادر ان تعثر في عصورنا الحديثة على شعراء من ذلك الصنف. نادر أن تعثر على هذا الطموح. دانتي قد يساعدنا على فهم الرواية وطموحها. ماذا صنع في حياته؟ بينما يسير وراء فيرجيل، تحت الأرض، ماذا رأى؟ رأى حياته ومدن حياته؟ رأى العالمين، الداخلي والخارجي؟ رأى الأرض (الواقع) أم السماء (المخيلة)؟ ينقسم العالم الى ثلاث مناطق: المنطقة الحقيقية، المنطقة الخيالية، ومنطقة الحدود. شعراء الملاحم روائيون أقاموا في منطقة الحدود، بين الحقيقي والخيالي، بين الأشياء والرغبة في الأشياء، بين ما نقدر عليه وما لا نقدر عليه، بين اليأس والأمل، بين الذاهب والباقي، بين لحظتين. هل تكمن هناك قوّة الأدب؟ على الحدود؟ حيث تحدث المعجزات لأن شيئاً لا يُدرى كنهه يتدخل ويُشرّع الأبواب أمام مخيلة الإنسان؟ ومن دون تلك المنطقة الغامضة هل يُكتب أدب؟ هل يبقى كتاب يستحق أن يُقرأ مرة تلو أخرى وإلى ما لا نهاية؟ الكتاب الكلاسيكي، كتب كالفينو، كتاب يُقرأ تكراراً، وفي كل مرة نجد فيه أشياء لم نرها من قبل. نقرأ والشعر يتغير لونه في الرأس، سنة بعد سنة، عقداً بعد عقد. صار الرمادي أبيض. تغيرنا والكتاب تغير. نغرق فيه ونرى العالم مصقولاً، منعكساً في مرآة، أصفى من العالم الحقيقي، أعمق، وأشد ترابطاً. في أحيان أخرى يحدث عكس ذلك!

أين تكمن قوّة الأدب؟ في أعماقنا أم خارج هذه الأعماق؟ كيف يُحدد الكاتب علاقته بالعالم؟ هل يَعتبر العالم طارداً له، كونه هو يطرد العالم على الدوام؟ إذا لم يطرده كيف يقعد الى الطاولة ويكتب؟ كيف يدعه العالم يكتب ما يشاء؟ لكن الناسك لا يكتب. رهبان الزنّ ينشدون شعراً في وصف القمر والشجرة والشتاء. لا يكتبون روايات. الكاتب يقعد خارج العالم وفي قلب العالم معاً؟ لكن كيف يقدر على ذلك؟ أليس شخصاً واحداً؟ ليس من الأولياء فينام ليلته في الصين بينما يسهر مع الساهرين في بغداد. ليس اثنين. أم هو كذلك؟ هل يكمن السرّ هناك؟ في أنه أكثر من واحد، وخلفه أكثر من ظلّ؟ هل هو مريض، منفصم الشخصية، ومهم أن يُصدم بالكهرباء؟ الكاتب يندثر من دون أن ينتبه. كالنملة على التراب. الكتاب مسألة أخرى. قوّة الأدب تكمن في قدرته على التواصل. ينسج الأدب شبكة. ونحن - إذا كنّا قراء - نعلق على الشبكة. لن يأتي العنكبوت ويبتلعنا. لا نخاف. وحتى إذا هجم علينا الخوف (المخيلة قد تكون مظلمة، مثيرة للفزع بين حينٍ وآخر) لا يقتلنا. العالم الخيالي لا يقتل القراء. إلا إذا كانت الأوراق مسمومة. أو تنام عليها - بين ورقتين قديمتين - جرثومة السلّ. هل قوّة الأدب هناك؟ في أننا ندمنه ونطلب ذلك؟ لماذا يشعر القارئ - إذا حجزته في زنزانة بلا كتب - أنه يختنق؟ بسبب الزنزانة ذاتها؟ هل العالم زنزانة؟ ماذا يطلب القارئ؟ يطلب الحياة مضاعفة الى ما لا نهاية. شهوته عارمة ورغباته لا تُحد؟ وبعد كل كتاب يطلب غيره، لا يشبع ولا يرتوي؟ هل القراءة مرض؟ هل الحياة مرض؟ هل الأدب مرض؟

أين تكمن قوّة الأدب؟

سرَّ الرسم الياباني... الحياة الساكنة في جمالها اللانهائي



الثلاثاء, 15 سبتمبر 2009
ربيع جابر

يتساقط المطر في لوحات هاسوي كاواسي على حياة تشبه حياتنا ولا تشبهها. شارع ومارة ومظلات. امرأتان في الزي التقليدي (الكيمونو). دائرة المظلة مخططة تتلقى حبال المطر. ثمة رجل (حارس الحانة؟) في معطف، ليس غامضاً لكنه يشير الى سرّ. هل هذا حقيقي أم خيالي؟ في لوحة صيفية لكيشيو كويزومي نرى حديقة وشجراً وناساً على مقاعد أو عابرين. هل ينظرون الى بركة الماء والى الصخور وسط البركة؟ على تقاطع طرق في لوحة ليوشينوبو ساكاموتو نرى الترامواي وعربة بمصابيح وهاجة ورجالاً ونساء أمام دكاكين وفي ظل أعمدة: هذه حياة طوكيو في مطلع القرن العشرين؟ «حياة جامدة في ضوء القمر» لسيميا ناوبومي تسحبنا الى جوٍ شعري (خيالي؟) سرّه ضوء القمر. كالفينو نقل عن شاعر قديم ان العالم يفقد ثقله، يصير خفيفاً، في ضوء القمر. «شتاء في انبانوما» لفوميو كيتاوكا تبعث برداً دافئاً في العظام. كيف يكون البرد دافئاً؟ ليس البرد، بل ذكراه. بينما تنظر الى القوارب على المياه البيضاء كالثلج، بينما تنظر الى السنابل الصفراء وسط الماء، يملأ قلبك الحنين. كأنك تتذكر حياة سابقة. ليس الطفولة فقط (أين الطفولة والأبيض يكلل رأسك؟) بل ما كان أنت قبل أن تغدو ما أنت عليه. هل هي لحظة صوفية؟ غاو كسينغيان (هذا صيني، كالفينو إيطالي، لكن الدم الياباني يجري في العروق) انتبه في نصف رحلته الى «جبل الروح» انه بينما يطلب الجمال الكامل (السلام الكامل) يخاطر بفقدان طبيعته البشرية: أنت لست إنساناً إلا بين البشر، وأنت تأكل معهم، تتكلم معهم، تشاطرهم الطيب والخبيث. كان ينظر الى شجرة قديمة تتفرع أغصانها الضخمة تحت سماء رمادية واكتشف أنه يخاف هذا الجمال اللانهائي. لماذا الخوف؟ ساسكند يخاف من عين الحمامة. كاواباتا يرى البزاق خارجاً من التراب بعد شتوة أولى فيرتعش. لماذا يخشى هذا المنظر: القواقع السوداء ملتصقة بأعلى حائط الجل؟ هنا الرائحة عارمة، التراب المبلول والصيف الذي انتهى في رمشة عين.

يطفو المركب كأنه في منام عندما يرسمه جوينشيرو سكينو. اللوحة صغيرة، بقالب خشب محفور تستطيع أن تطبعها الى ما لا نهاية على الكرتون أو الورق. المياه والمركب على البحيرة وما يشبه المعبد البوذي والدرج النازل من المعبد الى حافة الماء. ثمة مظلة على المركب، صفراء اللون بخطوط سوداء، وترى ظلها في البحيرة. لا نرى وجوهنا في هذه البحيرة: لماذا؟ «عزلة» لكيوشي سايتو عبارة عن طريق: مسافة لا تُقطع بين هذه اللوحة وتلك التي تحمل العنوان نفسه لإدوار هوبر. مع أن في اللوحتين ما يشبه الطريق. أين الفارق؟ كيف يستوعب القلب (العقل؟) الفارق بين لوحات الغرب واللوحة اليابانية؟ مثلثات الجبال في خلفية «البحيرة» ليوشيو كانوموري محطمة القمم. المطر صنع هذا؟ تعاقب الفصول؟ هل تكون براكين خامدة؟ في «ضجيج الجبل» لكاواباتا نرى عجوزاً يصغي الى الطبيعة ويسمع صوت الجبل في حديقته. في «ناراياما» لفوكازاوا عجوز يحملها ابنها كي تموت تحت الثلج، في الأعالي. كيف تتذكر العجوز عندئذٍ شبابها؟ هل كانت تشبه الفتاة في لوحة يوميجي تاكيشيا «ضوء الصباح»؟ أم تلك المرأة الحزينة في لوحة تسونتسومي كينانو «في الغرفة»؟ لكن العجوز في «ناراياما» (جبل السنديان) ولدت في قرية فقيرة وهناك عاشت الحياة كلها فكيف تملك الإيماءات (المكلفة؟) لبنات طوكيو؟ من تشبه إذاً؟ النساء الفلاّحات في لوحات الفلمنكي بروغل؟ أين نرسم الخط بين اللوحة اليابانية ولوحات الغرب؟ في «فصل الربيع» لهيروشي يوشيدا نرى أشجار الكرز، مزهرة، بيضاء، تتدلى أغصانها على جسر خشب في حديقة يابانية تقليدية.

زهور أشجار الكرز - وأشجار الخوخ - تملأ الروايات اليابانية. لا تشم رائحة العطر خارجة من «الجميلات النائمات» لكنك ترى اللون الأبيض الناصع. ماذا يحمل هذا اللون الى الأعماق، السكينة أم القلق؟ في «شيوبارا» لهاسوي كاواسي نرى بيوتاً غارقة في الثلج والظلمة، وبيتاً واحداً بمصابيح مضاءة. الضوء الأصفر الخارج من النوافذ يقول لنا شيئاً. «مصباح غيفو» لشينوي ايتو مصنوع من الورق، ترفعه الفتاة المعقودة الشعر، وتعلقه بخيط أمام العيون التي تنظر اليها. الفتاة لا ترى العيون المحدقة، لا تعرف أننا هنا، لسنا جزءاً من عالمها. عالمها هذا المصباح الذي تُعلقه: ونحن، هل لنا قيمة؟

«المعبد في كاتاتا» يتغطى بالثلوج رويداً رويداً. رقائق الثلج تتهادى في الفضاء، تتساقط متمهلة، خفيفة كفراشات الصيف، من سماء بلون البحيرة. المعبد يتعلق على الواح خشب بين الماء والسماء. ليس معبداً. لعله كوخ وحسب. يبدو فارغاً لكنه على الأرجح مسكون. من يعيش في قلب هذا الكوخ الساكن داخل العاصفة؟ في الزاوية أغصان شجرة والثلج يتراكم على الأغصان أيضاً. بعد قليل يكسر ثقل الثلج هذا الغصن الأخضر. تنظر الى الساعة ثم الى الغصن مجدداً. مرّت الساعات، مرّت الأيام، ذهبت سنة، ثم رجعت، ذهبت سنتين وعدت، والغصن لم ينكسر بعد، والكوخ على حاله، والثلج لم يتوقف عن التساقط لحظة. النساء في رسوم غويو هاشيفوشي ينظرن اليك. العيون اليابانية والفم الياباني. لون البشرة أبيض ساطع: أين اللون الأصفر؟ يختفي تحت هذا البياض؟

المطر يتساقط على وسط طوكيو القديم في لوحة تاكاشي هنمي: المرأة تعطينا ظهرها وتقف تحت مظلة غربية، سوداء اللون. ثمة غيرها في اللوحة لكن ثوبها الأزرق يميزها عن الجميع. مركزها أيضاً. والحزن في حركة جسمها. مع أنها جامدة، لا تتحرك. لماذا تحزن واقفة تحت المطر في وسط طوكيو؟ نحن في العقد الثاني أو الثالث من القرن العشرين، والحياة - كما يفترض - ساكنة. لم تقع القنابل على المدينة بعد. عاش الرجل الى الحرب العالمية الثانية: في الساعة السوداء نظر الى لوحته القديمة وشعر بالأمان. غادر الساعة الفظيعة الى عالم زال من الوجود. هل عرفت المرأة (في اللوحة) شيئاً كان يجهله؟ هل حدست بالمستقبل؟ تعطينا ظهرها، ولو رأينا وجهها لحظة (لو تستدير لحظة)، ربما كنا نعرف شيئاً. القطط تقوس ظهورها في رسوم تومو انغاكي. هذه عدائية؟ هل الطبيعة ضد الإنسان؟ أمواج هيروشيجي يمكن أن تقتلنا؟ ستيفنسون كتب في احدى رسائله عن رحلة نهرية: كان يتأمل الأشجار وروعة المياه والقصب عندما طرقه غصن وأسقطه من القارب. لم يغرق لكنه أوشك على ذلك. النهر الساحر الجمال كاد يقضي عليه: لو حدث ذلك ما قرأنا يوماً رواياته. كان في الثانية والعشرين. كافكا - في الأربعين - نظر الى نحلة ترشف رحيق زهرة في نافذته وشعر بعطش لانهائي. كان يحتضر في مصح مسلولين. هل رأى عندئذ - بينما العالم ينام والنحلة ترشف الرحيق في ساعة الفجر - هل رأى كافكا (الطفولي الوجه) الحياة الساكنة في جمالها اللانهائي؟ «زهور تموز (يوليو)» لكشيزو فوجيموري تميل أعناقها، وتتدلى. المزهرية تضم الباقة، وعلى المزهرية أزهار مرسومة أيضاً. أيها حقيقي أكثر؟ ثمة زهرة مختلفة عن الزهور الأخرى، شبه صفراء، شبه خفية. لونها يشبه الخلفية ولهذا لا ننتبه لها للوهلة الأولى. احدى الناجيات من هيروشيما كتبت قصة قصيرة عن زهرة تشبه هذه. لم يصف كافكا المزهرية في نافذة غرفته. كان متعباً، عاجزاً عن الحكي، يخط جملة على ورقة الدواء فيتعب. كان يتلاشى. ماذا رأى بينما يغيب؟ يتعالى جبل فوجي ملتفاً بضباب خفيف في رسوم هاسوي كاواسي. بساتين تترامى وقارب يقطع الماء، وفي الخلفية يتعالى جبل مسحور الى سماء عالية، زرقاء مبقعة بالأبيض.

تولستوي كتب في يومياته الأخيرة عن شجرة يغطي جذعها الفطر. كان يتنزه في جوار مزرعته ورفع عصاه وطرق الفطر القديم مرة، ثم أخرى. كان يتفتت ورأى الأبيض الناصع في قلب البنيّ القاتم وفي قلب المادة الضاربة الى الأسود. شهق أمام جمال الألوان. الزهور في الصفحة الأولى من «حاجي مراد» تبهر الأنفاس. كان يراها في المرج أم في رأسه؟ لفين الذي يقضي نهاراً يحصد العشب مع الحصادين عرف اللحظة اليابانية (الصوفية). كاواباتا وصف أمام أكاديمية في الغرب شعور رهبان الزنّ - البوذية أمام القمر، في ليلة باردة، وسط الجبال وصمت الجبال. هل عرفت آنا كاريننا هذا الشعور قبل أن يلطمها القطار؟ والرجل الذي أحبّته، هل عرف هذا الشعور قبل أن ينكسر (تحته) ظهر الفرس؟ أشجار الغابة تتباعد في «اوازو» لشينوي ايتو. قبل الغابة حقل يحرثه ثور. الثور 091508b.jpg جامد (مع أن الفلاح يسوطه) لكن الحقل يتبدل: كيف هذا؟ لم يكن محروثاً، وها هي أرضه مقلوبة، وبعد قليل يقع عليها المطر. هذه أمطار الخريف، والغيوم تدنو من وراء الغابة. عند الظهيرة تضيء الشمس المحتجبة حواف الغيوم. بطن الغيوم يبقى قاتماً. لأن مادتها سميكة هنا. يهبّ الهواء وتتحرك السماء. الطيور تعبر، والفراشات تذهب الى حيث تنام. السكينة عميقة، لا تُحد. ويُخيل اليك انك صرت تعرف شيئاً عن الرسم الياباني. لكنك تبقى غير متأكد.

مطر يتساقط على صفصافة عارية الأغصان، شبه سوداء، في لوحة كونن أويهارا. وراء الفروع المتدلية مثل خيوط المطر يظهر مبنى مضاء النوافذ. الوقت ليل، والنوافذ صفراء. الهدوء - مرة أخرى - لا نهائي. هل هو هدوء حقيقي؟ لا نعرف ماذا يجري داخل الغرف، لكن هذه النوافذ حياتنا أيضاً.

الاثنين، ١٣ تموز ٢٠٠٩

البعيد

2008-12-23

ربيع جابر

البعيد يدنو. يكون بعيداً وعلى مسافة وغريباً ثم – في رمشة عين – يصير هنا. كيف هذا؟ ما هي إلا سبعة أيام أو ثمانية – لعلك تقرأ هذه الجريدة بعد غد وأنت تنتظر دورك في صالون الحلاقة – وتنتهي 2008. يكاد الواحد أن يكتب 2007 أو 2005. هل مرّت حقاً ثماني سنوات على ذلك الصباح البعيد، حين عبرنا أمام هذه المكاتب ذاتها ونحن نتضاحك بينما أميركا تحتار مَنْ ربح في الانتخابات بوش أم آل غور؟ ما قيمة ذلك الآن؟ هل كان أحدنا يتوقع في ذلك الصباح – ونحن نقارن عناوين الصحف المحلية – ما سيأتي؟ كم حرباً هجمت على الكوكب في ثماني سنوات؟ كم ولداً صغيراً قصّت رقبته شظية ساخنة وهو يقطع الطريق؟ الصديق الذي أحرقت وجهه حرب تموز ينام وراء الأطلسي الآن، وضع بينه وبين الوطن أكثر من محيط. ترك في القبو لوحات تتسرب إليها الرطوبة وغداً – الشتاء يدنو، يُقال إنه بدأ – يكسو العفن وجوهها. كان يحبّ أن يرسم الوجوه. الآن يرسم وجوهاً جديدة؟ يرسم الوجوه التي تتغير بين ساعة وأخرى، في وجهك وظهرك، عند الصباح وعند المساء؟ القريب يبتعد أيضاً. الأجسام وكذلك النفوس. المرأة دخلت الى المستشفى ثم دخلت في «كوما». هل تخرج من غيبوبتها؟ يعرفها منذ سنوات طويلة، طالما رآها وألقى عليها التحية وابتسمت له. غابت فتبدل الشارع. مثل عمارة بقرميد كانت هنا ثم أُزيلت. عمارة غريبة، ثلاث طبقات، وأبوابها من خشب الجوز الثقيل. باعوا الأبواب قبل وقوعها؟ يتغير المشهد بلا توقف. تظن أنك تعرف الناس لكن من يعرف ماذا؟ كيف تصدق ما تصدق؟ أفضل أن تُعلق أحكامك الى ما لا نهاية. في هذه الأثناء تنتظر البعيد. تراه يدنو. وبينما تنتظر الآتي تُبدّد حياتك. كل الوقت تخسر؟ ألا يربح الإنسان أيضاً وهو ينكسر، وهو يرى الوهج يشتعل في كومة البارود ويشعر بلسعة النار على الأصابع؟ كوى اللهب الغادر يده كلها. وضعوا له مراهم. لكن ماذا يُبعد الألم؟ الزيت على يده وملامح وجهه تتبدل. الحرق فظيع. وعليه أن يتحمل. قالت له المرأة عليك أن تكون أقوى. كيف هذا؟ لو امتلك القوة هل كان يعبس، هل كان يرتعد في البرد وهو عائد في الليل الى بيت تغمره الثلوج؟
ماذا يتذكر الواحد وماذا يتخيل؟ أين يتقاطع الدربان (الذاكرة والمخيلة)، في أي غابة؟ وبعد الغابة الملتفّة الأغصان، تحت سماء داكنة سوداء ثم زرقاء ساطعة، بعد الأشجار والرطوبة والحشرات، ماذا يجد؟ ماذا ينتظرك في الجانب الآخر؟ أي وجوه؟
البعيد يدنو. كل شيء يختلط في الذاكرة. أعدموا صدام حسين. لكن متى قبضوا عليه؟ ألم يفرّ من السجن؟ القوات الحليفة طاردته، عثروا عليه في «حفرة»، ردّوه الى الحبس. هذا غير دقيق. يجانب الواقع. لكن بعد سنوات طويلة، بعد ربع قرن، وأنت – عزيزي القارئ – تروي الخبر لأحفادك، هل ستتذكر ترتيب الحكاية؟ متى وقع برجا نيويورك؟ حرب أفغانستان سبقت ذلك؟ بالتأكيد تعرف الأجوبة. أو تظن أنك تعرفها. أحفادك يجتمعون حولك، تدلّهم الى أسماء على خريطة. فتاة سألت أستاذها المشرف على التقاعد هل كان موجوداً (مولوداً) عندما وقعت الحرب الأهلية في لبنان؟ هذا جرى في مدرسة في بيروت. والأستاذ – بعد الدهشة الأولى – رسم على اللوح أرقاماً وتواريخ وكلمات. ظن أنه هكذا يشرح العالم للتلاميذ.
ماذا تشرح وكيف؟ تقرأ التقارير وتسأل نفسك كيف هذا: كأننا ندور في حلقات. كأننا نعيش مرة أخرى سنة قديمة. الوقت مسحور. يلعب بعقل الإنسان. هذه السنة غير التي سبقتها؟ هذا الشتاء غير الشتاء الماضي؟ نتحرك الى أمام. أو نتجمد والوقت يجري، نهر يندفع ونحن ننظر اليه ونظن أننا نتحرك. الشوارع تتغير، الوجوه أيضاً. قال الرجل صرت عجوزاً، عندي سبع سنوات بعد ثم أغادر. الكواكب أخبرته، قال الرجل. كان حزيناً. لكنه بينما يمشي الى بيته، واسع الخطى، يسترد نفسه. من جديد يضحك. يضحك بينما البعيد يدنو.
يكون بعيداً وعلى مسافة وغريباً ثم – في رمشة عين – يصير هنا. والقريب؟ يكون هنا وأقرب إليك من حبل الوريد وفيك روحٌ منه وفيه روحٌ منك ثم – في رمشة عين – تراه هناك، على بعد أميال، ملامح الوجه تضيع في الضباب وأنت تنظر. الى أين تنظر؟
تقطع الغابة. عصافير تطير عن الأغصان. رائحة الصنوبر ثم رائحة الزيتون. الغيوم تظهر من بين الأوراق. يهبّ الهواء، طيباً، عطراً. جلول الزيتون بعيدة، في القاطع المقابل. لكن الهواء يحمل رائحتها الى هذه الغابة. الأسلاف زرعوا هذه الأشجار أم الطيور العابرة؟ تقطع الغابة. ترى بنايات مضاءة بالكهرباء. ترى زحمة الأعياد والكهرباء مرة أخرى. أرض الكهرباء. مدن هذا الكوكب. تقطع الغابة. الأرض طرية، والورق الإبري اليابس يغوص في الوحل. تصل الى تقاطع طرق. ثم الى تقاطع آخر. لا تتذكر ماذا كان قبل لحظة خيارك: كيف ذهبت، يميناً أم يساراً؟ كيف أخذك مزاجك؟ تقطع الغابة ومرات تبالي ومرات لا تبالي.كل ما عليك أن تتحرك، القدم اليسرى ثم اليمنى. بينما العالم يتحول، في كل لحظة يتغير المشهد، القريب يبتعد، والبعيد يدنو.
سكن الهواء وسكتت الغابة.

الثلاثاء، ٧ تموز ٢٠٠٩

تاريخ قصير لظواهر نعرف أين بدأت ونجهل متى تنتهي

الحياة--الثلاثاء, 07 يوليو 2009
جرذ مربّى (صورة)
ربيع جابر

< التحولات التي تطرأ على حياتنا في الفترة الأخيرة تحتاج الى تدوين، ولعل في ذلك إفادة للأجيال الآتية من بعدنا، إذا أتت. الظواهر التي يصعب عدّها تثير اسئلة: كيف حدث هذا؟ أين بدأت سلسلة التبدلات؟ وكيف تكون النهاية؟ الوصول الى أجوبة في حر هذا الصيف (حلّ القيظ باكراً والأشجار ذبلت في الشارع الطويل) ليس غرض هذه السطور. لا بد من ان نكتفي بوصف ما حدث وربما لاحقاً يتاح لنا التأمل والتحليل.

بين الظواهر الأولى التي تسترعي الانتباه («تسترعي» كلمة غريبة) ظاهرة تربية الجرذان. جرذان مستوردة من وراء البحر، مع شهادات ميلاد ووثائق طبية لازمة، إضافة الى «دليل التربية» المطبوع بالألوان على ورق صقيل. يُقال أنها هُجنت في أستراليا والبرازيل وأوروبا. معظمها يأتي من ألمانيا الآن، بالبحر والجو، وأصنافها كثيرة، وكذلك أسعارها.

صحيح أن مدينتنا البحرية مشهورة بحبها للجديد وبسرعة استيرادها للعادات الأجنبية، ومع هذا لا بد من السؤال: كيف انتشرت هذه العادة الجديدة بهذه السرعة؟ صار صعباً ان تقطع طريقاً قصيرة من بيتك الى المتجر من دون ان تعترضك سبعة جرذان: حيوانات أليفة كبيرة الحجم ملونة العيون ناعمة الفراء - بعضها صغير كالكلب - تُربط بالرسن وتتراقص امام السيدة أو خادمة السيدة. هناك خدم يأتون من أقصى آسيا خصيصاً للاعتناء بها. يُقال ان مهارتهم في تربيتها غير طبيعية. ثمة شاعر نشر قصيدة هجائية في هذه الجرذان البيضاء كالثلج. في بلد من العالم الثالث تشكو فيه فئات الجوع وفقر الدم، لا يجوز استيراد الجرذان (بحسب الشاعر المذكور) من وراء الحدود. لا تُطعم إلا من علب لحم معدنية مختومة. وأدويتها باهظة السعر. لا بد من تحميمها بالمياه الفاترة ثلاث مرات كل يوم، ودائماً ضروري ضروري، إضافة سائل مطهر الى مياه الغسل، لحماية الجرذان من آفة الحشرات: للأسف الحشرات موجودة في الطريق، وكذلك في الهواء. التلوث فظيع. الغازات السامة في هواء المدينة قد تؤذي هذه الجرذان. ضمّن الشاعر قصيدته بعضاً من هذه الملاحظات ساخراً، فشن آخر هجوماً عليه وبيّن له في قصيدة أطول، ومستخدماً استعارات بليغة، اهمية الحيوان الأليف في الحضارة الحديثة: إنه مفتاح التمدن ومن دونه يفقد الإنسان صلته بالجانب الروحاني فيه وعلاقته بالطبيعة الأم.

لم ينته النقاش عند هذا الحد. كتبت صحيفة افتتاحية عنوانها: «الإنسان أولاً». واستدعى تكاثر الردود تدخل الحكومة خصوصاً بعد انتشار شائعة عن وجود مجموعة تدس السم في المساحات الترابية حول أشجار الشوارع للتخلص من هذه الحيوانات. البوليس تنصت على اتصالات وأحبط في اللحظة الأخيرة تفجير وكالة لاستيراد الجرذان من النمسا. ما نُشر بخصوص ذلك آنئذ يكفي ولا حاجة للإطالة هنا. فقط هذه الملاحظة: لماذا سُمح أصلاً بنشر تلك القصائد العالية اللهجة؟

لكن في المقابل كيف تُبنى الدول بلا حرية؟ اذا أراد شاعر ان يهجو شاعراً - أو جماعته - كيف نمنعه؟ المسألة محيرة ولا بد تبعاً لهوبز من قوانين ضابطة. في حقبة سابقة - متخلفة؟ - من تاريخ مدينتنا شاعت تربية القطط السيامية، وتربية الأحصنة القزمة، وفي فترة أخرى الكلاب والببغاوات وفئران الـ «همستر» التي تركض على العجلة الصغيرة حتى يفقع قلبها. لكن هذه الجرذان العجيبة ظاهرة غير مسبوقة! حتى في بلد المنشأ لم تعرف هذا الانتشار. هل يعكس الأمر حقيقة نفسية أعمق فينا؟ لماذا نُقبل على اقتنائها الى هذا الحد؟ في بيت واحد مكون من رجل وامرأة وثلاثة أولاد، إضافة الى خادمتين (الأولى خادمة، الأخرى مربية للأولاد، ومن قبل كانت «الطباخة» تسكن الغرفة جنب المطبخ لكن مرضاً باغتها واضطرت للرجوع الى الوطن)، في بيت كهذا تجد احياناً ثلاثة جرذان من ثلاثة أنواع مختلفة (أبهاها الآن «الجرذ الإنكليزي»، ويسمى هكذا مع انه يُستورد من بلاد الغال)، ما يسبب إزعاجات تكون «البناية» بغنى عنها، ولكن ما العمل؟ «دليل التربية» مطبوع بالفرنسية في باريس، وهناك نسخ أخرى منه مترجمة الى الإنكليزية توزع مجاناً على باب الجامعة، مع جريدة الجامعة، هدية. تقعد السيدة وتشرب الشاي مع البسكويت ساعة العصر وتشرح للخادمة ما كُتب فيه. هذه الحيوانات لينة الطبع ولا تعض، مع ان أسنانها تثير خوف الأطفال (لكن لماذا نتكبر على خوفنا؟ تثير خشية الكبار ايضاً. بعضها بحجم حمار صغير وإذا اعترض طريقك امام الدكان، في مكان الظل، وجب ان تهرع الى الجهة الأخرى، حيث الشمس حارقة). لا تعض ولا تنبح كالكلاب، وفي الكونسرفتوار يعلمونها الغناء. أذنها موسيقية وتفضل البيانو على اي آلة أخرى. صوتها غير مرتفع (يُقال ان جرذاً «سوبرانو» أدهش جمهوراً غفيراً في برلين سنة 1919، لكن هذه حال نادرة) وحركة رأسها تثير الدهشة. وكذلك حركة ذيلها. بهذه الحركة البسيطة للرأس أو للذيل تتفاهم مع الأقران. عند اللقاء في الشارع، عند تقاطع طرق، يحدث تفاهم سريع بين الجنسين أو - بالعكس - تظهر عدائية مفاجئة. على المارين أخذ الحيطة والحذر في هذه الحالة.

تربية الجرذان ليست إلا ظاهرة واحدة مثيرة للحيرة. ولعلها بدأت تنتهي إذ يلاحظ ان انتشارها انتقل من الأحياء الميسورة الى الأحياء الفقيرة. للوهلة الأولى قد يظن مراقب أجنبي أن هذا دليل على تفاقم الظاهرة لا على قرب زوالها. لكنه واهم ولا يعرف مدينتنا. كثر بدأوا يتخلصون من حيواناتهم الأليفة! يبيعونها بأسعار بخسة. أو يتركونها في الطريق!

طبعاً، لا يمكن تأكيد هذا إلا بمرور السنوات والعقود. التاريخ بطيء، أبطأ من قطار بلا وقود. غيبون لاحظ وهو يدوّن «انحدار الامبراطورية الرومانية وسقوطها» وجود علامات تدل الى النهايات، أو دنوها. حتى الساعة هذه العلامات غير ظاهرة بخصوص ما نتكلم عنه هنا: الأرصفة متسخة. وحتى تتضاءل الأوساخ على الرصيف علينا ان نتحمل.

هذا يأخذنا الى ظاهرة أخرى: الحياة الليلية. صحيح ان مدينتنا معروفة بانفتاحها على الليل ومباهج الليل لكن ما يحدث غريب: فجأة باتت لحظة الغروب لحظة لتحول المدينة كاملة من عالم الى عالم آخر. أولاً مظهرها الخارجي يتبدل. هذا مفهوم في جميع مدن العالم الثالث: الظلام يخفي التشوهات في بدن المدينة، وحتى أمراضها الجلدية تتلاشى إذا حلت العتمة. لكن ما يُلاحظ الآن، إضافة الى تبدل الملابس وهذا طبيعي، وتبدل الأمزجة وهذا ايضاً طبيعي، ما يُلاحظ الآن هو ظهور علامات مرض غامض في العيون والأصابع. علينا ان ننتبه هنا الى عبارة «مرض غامض» فهي عبارة غير دقيقة. كلمة «مرض» تومئ الى تعب وألم ومعاناة، وهذا غير مقصود هنا. ما نقصده ابسط، لكنه أشد تعقيداً ايضاً. كيف؟ ألا يوقعنا هذا الكلام في مفارقة؟ هذا بالضبط ما نبحث عنه: الحياة الليلية استعارة لهذه المفارقة التي تحكم حياة مدينتنا («التناقض» كلمة أخرى، لكنها لا تعبر كفاية). ستيفنسون كتب عن رجل يتحول الى آخر وهو يعبر تقاطع طرق في متاهة لندن الحمراء المضاءة بمصابيح. لم يكتب عن مدينة يتحول سكانها جميعاً الى «غيرهم» عند غروب القرص الناري الأحمر.

في البدء كان ذلك صعباً بالنسبة الى كثر: هؤلاء طالما فضّلوا الجلوس في البيت على الكنبات امام التلفزيون. المدن الشرقية تحب الحياة العائلية. لكن ما حدث - بمرور الأيام والأعوام وتكاثر المقاهي والمراقص - ان التلفزيونات كفت عن الإرسال ليلاً. اي جهة (محلية؟ دولية؟) اتخذت هذا القرار الغريب بإيقاف الإرسال الليلي للتلفزيونات، لا نعلم. التحليل العلمي يفضي الى خلاصة وحيدة: السوق تُقرر. لم تتخذ اي جهة القرار المذكور. ما حدث ببساطة ان الناس تركوا مشاهدة التلفزيون ذات ليلة وبعد ذلك ماتت سوق الإعلانات التلفزيونية، ما افضى الى موت التلفزيون الليلي. بقيت تلفزيونات النهار طبعاً، لكن هذه موزعة على مداخل البنايات والمجمعات التجارية لمراقبة الداخل والخارج. تلفزيونات مراقبة أمنية ولا تبث إعلانات وليست فعلاً مهمة (حتى الحراس لا يشاهدون برامجها).

موت التلفزيون ظاهرة غير مفهومة: ماذا أخرج كل هؤلاء البشر من بيوتهم الى شوارع المساء؟ ناس في ثياب وناس بلا ثياب يعجون في هيجان على أرصفة المقاهي وفي مراقص مربعة ومستطيلة ودائرية. مع ان بعضهم لا يملك في جيبه ثمن تنكة وقود سيارته القديمة. يُقال اشياء كثيرة في تفسير هذه الظاهرة. وبعضهم يربطها بوضع معامل الكهرباء، وكذلك مصلحة النقل المشترك. هذا غير منطقي. لكن ما هو «غير منطقي» منتشر ايضاً في بلادنا، وبكثرة.

اقترحت إحدى الحكومات الأخيرة (هذه تتبدل بسرعة لنقل السلطة من يد الى أخرى ما يعزز المشاركة والتلاحم والوحدة) تنظيم الحياة الليلية وتوسيعها، أولاً لحب المواطن للسلوى والضحك، ثانياً لكونها تجذب السياحة من أقطار العالم الى هذا القطر الصغير. وُضعت الخطة بعد استشارة مكاتب هندسية كبرى في اهم مدن العالم. جرى تصميم سقف جلدي أسود للمدينة، يُشد على أعمدة شاهقة العلو تنصّب في أطرافها، ما يمنع أشعة الشمس من بلوغ الشوارع في ساعة الصباح. نُفّذ الأمر وصار الليل أطول وبالفعل اكتملت حجوزات الفنادق وبُنيت فنادق جديدة وارتفع الدخل الفردي للمواطن وعمت البحبوحة. لم يبق شخص بيننا لم يفتح مطعماً أو فرناً للمناقيش أو دكاناً للشاورما والفلافل. محلات الثياب صارت قفران نحل. المسابح ازدهرت على نحو غير مسبوق: صار مستحيلاً أن ترى ذرة رمل على الشاطئ الرملي بسبب الأقدام التي لا تُعد. هذه الزحمة الخانقة، أضف إليها وجود السقف الجلدي الأسود الذي يمتص اشعة الشمس، سبّبا ضيقاً للبعض يشبه ما يشعر به أهالي فينيسيا (البندقية) صيفاً. لكن حتى هؤلاء (الذين تضايقوا) لم يحتجوا. بالنسبة إليهم كل شيء يهون امام مراحل سابقة كانت البلاد فيها غارقة في الحروب والدم.

تمكن السقف المصمم في نيويورك من إطالة الحياة الليلية وأعطى البلد ازدهاراً فعلياً. من إيجابياته ايضاً انه حسّن الحياة الفنية: الفنانون تنافسوا على رسم لوحاتهم «فوق»، على القماشة السوداء. رسموا قمراً ونجوماً وغيوماً بيضاً. يصعدون على سلالم عالية كبهلوان السيرك وفي الأعلى يبدعون لوحات زيتية. وكل شخص يشتري اللوحة التي يريدها وتسجل باسمه ويعطى «وثيقة ملكية». لاحقاً، عند فك هذا السقف (ذات يوم يعتق ويكون علينا تبديله)، سيجري تقطيعه، وكل واحد يأخذ لوحته.

الشركات التي تبيع المكيفات هي الرابح الأكبر. السقف رفع حرارة المدينة. وهناك خطة لتكييف المدينة كاملة، بشوارعها وساحاتها ومواقف سياراتها وملاعبها. يمكن إذا نُفذ هذا المشروع الطموح تحويل جزء من المدينة الى «مساحة قطبية»، بجليد وفقمة وبطريق وبيوت صغيرة للأسكيمو. وزارة السياحة وضعت الخطط اللازمة. حتى اللحظة يبدو الأمر خيالياً. ولعله لن يُنفذ ابداً.

هذا يأخذنا الى الظاهرة الثالثة (هل هي الثالثة؟): التنافس على التخطيط. بينما تقطع الطريق تسمع الناس يخططون طوال الوقت. مع ان المجلات الأجنبية تذكر بوضوح ان مفتاح السعادة هو «الإقامة في اللحظة الحاضرة» وبلا خطط كثيرة. المستقبل يهتم بنفسه وليس عليك إلا عيش هذه الدقيقة. لكن ما يلاحظ الآن هو عكس ذلك: حيثما ذهبت ترى الناس يتجمعون، في ظل شجرة يابسة، امام دكان فواكه وخضر، في مدخل المجمع التجاري، وراء موقف السيارات، جماعات جماعات، وكلهم منهمكون بالتخطيط. وكلهم يقترحون خططاً شاملة. وكلهم عندهم حجج ورؤيا. وكلهم يبحثون عن المصلحة العامة للمدينة والبلاد وهذا العالم. إن اصرارهم على تجاوز الذات صاعق ويُصيب المرء العادي بالدهشة. لا أحد منهم يهتم بنفسه. هذا الذوبان للفرد في الجماعة ظاهرة أخرى مرتبطة بظاهرة «التنافس على التخطيط».

حتى الفرد الفنان الذي يتسلق سلم السيرك العجيب الى السقف الأسود كي يرسم لوحة صغيرة أو يخط حروفاً تشبه اللوحات، حتى هذا الفرد لا يبدو حقيقياً، لا يبدو مستقلاً، لا يبدو كياناً قائماً بذاته. تراه «فوق»، معلقاً مع أدواته وألوانه، وتخشى عليه من السقوط ومن فك الرقبة إذا لم ينزل بسرعة من مكانه العالي. الجاذبية لا ترحم. كيف نقيس سرعة سقوطه إذا سقط من فوق؟ نيوتن ما زال يُدرّس في مدارسنا. بسبب الاحتفالات القائمة هذه السنة، بالتنسيق مع اليونيسكو، قام نحات ذائع الصيت بنحت ثلاثة تماثيل في مركز المدينة، بينها تمثال للفيزيائي المذكور وآخر لكاتب روسي من القرن التاسع عشر (النحات درس في بلاد الروس زمناً وتأثر بتلك الفترة من شبابه) والثالث لرجل لا أحد يعرف من يكون! ترك الوجه ضبابي الملامح، والغريب ان كل من ينظر الى التمثال يحسب انه تمثاله هو! هذه ليست خدعة بصرية. النحات صقل الوجه حتى صار املس كسطح مرآة. (التمثال مرمر، قطعة واحدة ضخمة جُلبت على الباخرة من صقلية).

لم نتكلم بعد عن ظاهرة المرض الغامض في العيون والأصابع. أوشكنا على ذلك ولم نفعل. ماذا يحدث في عيون الناس؟ وهل تبدلت ايماءات الأصابع والأيدي حقاً في الفترة الأخيرة، أم ان هذه أوهام فرد مراقب يتعب من المراقبة؟ لعل المرض فيه لا في الناس! لكن إذا كان هذا صحيحاً فلماذا يتكاثر زبائن الصيدليات، ولماذا تتكاثر عيادات الطب النفسي ولماذا تتكاثر المستشفيات؟ تستطيع ان تحصي 11 مستشفى في شارع واحد! هل هذا طبيعي؟ أليست هذه ظاهرة أيضاً؟

لكن الأهم من هذه الظواهر هو التغير الجغرافي الذي أصاب المدينة. هناك تلال تختفي وأخرى تظهر في هذا الشريط الضيق الممتد على طول الساحل. في فترة سابقة توسعت المدينة وأكلت قسماً من بطن الجبل القريب. لكن ما يحدث الآن أعجب: هناك أودية تظهر فجأة حيث كانت الطريق! يُقال إن هذه حفر عملاقة وهنا ستوضع أعمدة وأساسات لأبنية عملاقة لن تكتمل إلا بعد خمس سنوات! هذا قد يُفهم. لكن ماذا عن الجبال؟ فجأة يظهر جبل حيث كان مرفأ صغير لصيادي السمك. يُقال ان هذه أتربة رُفعت من ذلك الوادي الذي وقفت أمامه قبل لحظة مستغرباً ما ترى! يُقال ردم. يُقال هذه زبالة المدينة. في الوقت نفسه تتكاثر الطرقات الزجاج. طرقات لا تُعبّد بالإسفلت لأنها معمولة من زجاج. تنظر نزولاً وترى الناس يسعون تحت قدميك في مدينة أخرى تنتشر تحت المدينة. في البداية كان المكان تحت الطريق والحديقة مخصصاً للسيارات: بعد ذلك فتح أحدهم مطعماً في مدخل الموقف، وآخر فتح صالة سينما، وهكذا تدريجياً انتشرت الحياة تحت. والآن توجد خطة لبناء مساكن خفيفة من القطن فوق السقف الأسود الجلد الذي يحجب الشمس عن الطرقات.

مدينة بثلاث طبقات، مع مصاعد للحركة عمودياً، وأحسن ان تكون المصاعد زجاجاً ايضاً، شفافة، ويحيا الواحد في الضوء. ضوء الكهرباء. النيون الأبيض يطن في أذنيك وأنت تقطع الممر الطويل الأبيض وعندما تخرج الى الهواء العليل تعرف انه الليل الطيب وأن كل شيء يهون إذا دام هذا الهدوء ولم تنكسر المدينة قطعتين.

الثلاثاء، ١٦ حزيران ٢٠٠٩

ناس الخان ... عمارة عثمانية فخمة باقية على حافة البحر

ناس الخان ... عمارة عثمانية فخمة باقية على حافة البحر

الثلاثاء، ٢٨ نيسان ٢٠٠٩

متحف القرن الثالث عشر

متحف القرن الثالث عشر

<
>ربيع جابر الحياة - 28/04/09//

المتحف أبيض الحجارة يتوّج الهضبة ويطلّ على البحر. نوافذه عالية مستطيلة يعكس زجاجها أزرق الماء والسماء. في مدخله عُلقت خريطة للعالم القديم، عالم ما قبل كريستوفر كولمبوس. اليابسة جزيرة شاسعة تعوم على مياه البحار والمحيطات. هنا وهناك تتخللها ألسنة الماء. في الحد الشرقي جزر اليابان. في الحد الغربي جزر إرلندا. ولا أحد يعرف ماذا يختفي وراء بحر الظلمات. عوليس حاول الذهاب الى هناك فوقعت الموجة العالية على سفينته وانتهت حياته. هوميروس لم يذكر هذا، لكن دانتي فعل.

انه التمثال الأول عن يمينك. رجل ضخم الجثة، قوي النظرة، وعلى كتفه شال روماني. كأنه قيصر! لا نعرف لماذا نحتوه على هذه الصورة بالذات. الحجر أبيض رخام، والذي تخيل دانتي شبيهاً بموسى في تمثال مايكل أنجلو لا بد من أن يصاب بخيبة الآن. تحت التمثال لوحة نحاسية نُقرت فيها كلمات ايطالية. هذه ترجمة شبه حرفية: دانتي اليغييري (1265 - 1321) سفير فلورنسا الى روما في زمن الفتن ومؤلف «الكوميديا الإلهية» (1304 - 1320)، وهي رحلة قام بها في منتصف حياته، كما يخبرنا في النشيد الأول من «الجحيم». «الكوميديا» ثلاثة أجزاء، تجنح الى الخيال، وأبياتها الشعرية تولّد في النفس أحاسيس مرعبة.

وراء التمثال حفرة في الأرض وسلّم لولبي. تنزل على السلّم والدليل يحذرك لئلا تطرق رأسك بالجدارية الغريبة: المنحوتات تتدلى من السقف! ترى سماء ملأى بالنجوم والدليل يخبرك أن هذه اللوحة توجز السطور الأخيرة من النشيد الرابع والثلاثين من «الجحيم». تستغرب انها هنا، في المدخل. في قبو المتحف جداريات أخرى، وأمام إحداها تقف ثلاث طالبات في زي مدرسي موحد. هذه من النشيد الرابع وفيها ثلاثة رجال يتكلمون: دانتي وأوفيد وهوميروس. المكان رائحته رطوبة وفطر. بارد الهواء ولا يناسب «الجحيم». قبل أن تقول هذا تتذكر الجليد في الدائرة التاسعة والأخيرة. من أغرب المقاطع في ملحمة دانتي ذلك المقطع: الجليد الذي يبقى جليداً حيث اللهب الأبدي. قبو المتحف يثير فيك - وفي الآخرين - فزعاً. لهذا تسرع الى الرجوع. نتراكض صاعدين على السلّم الحديد ونخرج من حيث دخلنا.

التمثال الثاني لا تعرفه. والثالث لا تهتم به. لكن الدليل يقول شيئاً ولهذا تتوقف المجموعة. هذا التمثال الخامس عن يسارك ويرتدي العباءة العربية. هنا ترجمة المنقوش على البلاطة: «إبن بطوطة (1304 - 1377) رحالة مسلم كتب بالعربية. أصوله من طنجة في المغرب شمال أفريقيا. بلغ في أسفاره الهند ودوّن رحلته في كتاب يُسمى «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار». يقتبس منه الياس كانيتي مقاطع عن سلاطنة الهند في كتاب «الحشد والقوة». تزوج نساء كثيرات وزار صقلية». يقول الدليل ان هذا التمثال جُلب الى هنا خطأ. كان المفروض أن يؤخذ الى المتحف الآخر في الجزء الغربي من الجزيرة: «متحف القرن الرابع عشر». لكن بسبب صعوبة فكّه عن قاعدته وشحنه - وأيضاً بسبب تعقيدات المعاملات الإدارية - تُرِك التمثال هنا.

يليه تمثال ياقوت الحموي الرومي (1179 - 1229) صاحب «معجم البلدان» وفي مواجهته تمثال ماركو بولو البندقي (1254 - 1324). الاثنان يتبادلان نظرة غريبة: كأن أحدهما توأم الآخر. هل هما على صداقة أم على عداوة؟ قد يجوز اعتبار الاثنين من أبناء القرن الثالث عشر، لكن ياقوت قضى قبل ولادة ماركو بولو. دانتي في المقابل عاصر ماركو بولو ولعلهما التقيا في أسواق روما أو البندقية أو فلورنسا. بولو كان كثـير الخـروج، مع أن ثمة من يزعم أنه قضى في السجن زمناً طويلاً، وأنه - مثل سرفانتس - كتب كتابه (أو فكر فيه) وهو حبيس الحيطان الأربعة. الدليل لا يتوقف كثيراً أمام تمثال الرحالة البندقي لكنه يشيـر الى مقـطع في الكتاب الصغيـر، مقـطع من «رحلات ماركو بولو»: «تعد شارشان من ولايات تركستان وفيها أنهار كبيرة وكثير من اليـشب والعقـيـق الأبيـض وهما سلعـة تجارية مهمة تؤخذ كي تباع في كاثاي... وإذا مر بهذه البلاد جيش من التتار وكان عدواً سلب أمتعة السكان وأموالهم، وإن كان صديقاً ذبح ماشيتهم والتهمها. ولذلك فإنهم متى علموا باقتراب جنود فروا بعائلاتهم وأنعامهم الى الصحراء الرملية، مسيرة يومين، الى أي مكان يجدون فيه مياهاً حلوة لمواصلة العيش هناك». النص مكتوب بالإيطالية والانكليزية. في الهامش ملاحظة قصيرة: «شارشان إذاً مدينة متنقلة».

تُقرع أجراس في برج يتبع المتحف. الوقت تجاوز الظهيرة. الشمس تقتحم النوافذ وتقع على لوحة تحتل جداراً كاملاً. إذا توقفت لحظة انتبهت ان ابن بطوطة (تمثاله) ينظر الآن الى حيث تنظر: اللوحة مشهد ريفي، لا شرقي ولا غربي، خضرة وماء وأعداد من الحيوانات الحقيقية والخيالية، بينها الديك والخروف والتنين والكلب والسمندل والحصان والطاووس والثور والدجاج. («ودجاج الصين وديوكها ضخمة جداً، أضخم من الأوز عندنا، وبيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الأوز عندنا. وأما الأوز عندهم فلا ضخامة لها. ولقد اشترينا دجاجة فأردنا طبخها فلم يسع لحمها في برمة (قدر من حجر) واحدة، فجعلناه في برمتين. ويكون الديك فيها على قدر النعامة وربما انتتف ريشه فيبقى بعضه أحمر. وأول ما رأيت الديك الصيني بمدينـة كولم فظننتـه نعامة وعجبت منه فقال لي صاحبه: ان ببلاد الصين ما هو أعظم منه» - ابن بطوطة). الحيوانات كثيرة في السهل، وعند طرف اللوحة نهر أو بحيرة، بسفن شبه محطمة تطفو على المياه. («السفن التي تبنى في هرمز من أردأ الأنواع، كما أنها خطرة على الملاحة، حيـث تـعـرّض التجار وغيرهم ممن يستخدمونها لأخطار جسيمة، وترجع عيوبها الى عدم استخدام المسامير في بنائها، وشدة صلابة الخشب وتعرضه للانشقاق والتصدع كالفخار. وعندما يحاول النجّار دق مسمار يرتد ثانية وكثيراً ما ينكسر» - رحلات ماركو بولو).

يتجمد الدليل (مثل تمثال آخر) تحت القبّة التي تتوسط المتحف. ينتظر سكوت الجميع قبل أن يتكلم. يريدنا أن ننظر الى الرسوم على القبّة العالية: أصناف من الطيور الملونة. يفتح فمه وتخرج منه، في سلسلة عجيبة، أسماء لاتينية تشبه موسيقى فخمة. لا نعرف ماذا يُدهش أكثر: الطيور التي تبدو حيّة في القبّة الخشب، أم الأصوات الخارجة من بطن الرجل وحنجرته، كأن الطيور سكنت فيه.

عند الخروج من المتحف نرى باصاً يتوقف في الباحة وناساً ينزلون منه. نسمع صوت الراديو (انفلونزا في المكسيك) ونعرف أننا عدنا الى القرن الحادي والعشرين.

الثلاثاء، ٧ نيسان ٢٠٠٩

رسالة إلى غابرييل غارسيا ماركيز



رسالة إلى غابرييل غارسيا ماركيز

<
>ربيع جابر الحياة - 07/04/09//

لن يقرأ الرجل هذه الرسالة. حظه طيب. عمره 82 عاماً ويحيا بين أوروبا وأميركا وساعة الصباح لا يفتح جرايد عربية. بلى، يهوى الصحافة، ومنذ سنوات تملّك صحيفة في كولومبيا. لكنه لا يتقن العربية الى ذلك الحد. أبناء العالم الثالث ينقسمون على لغات كثيرة، أكثر من 72 لغة، ولا نعلم ماذا يجمع بينها. لن يقرأ هذه الرسالة. الثغرة الوحيدة التي يجوز من خلالها أن تبلغ هذه الرسالة صندوقه البريدي اسمها حماقة الآخرين: ان يدخل مجهول على الخط ويحمل هذه الكلمات اليه مترجمة.
عمره 82 عاماً ولم يعد يهتم بالرسائل. قال انه وضع القلم من يده وهذا يعني أنه كفّ عن الكتابة. هل يصدق نفسه؟
بين شهر وآخر يعود الواحد منا الى «مئة عام من العزلة» (1967) ويقرأ عن الحياة في ماكوندو. هو يقرأ وماركيز يكتب من أجله. لا يكف عن الكتابة لحظة هذا الرجل، أحقاً يظن أنه اعتزل الكتابة؟ (أمس، يوم الاثنين 6 نيسان/ ابريل 2009، كتب مرة أخرى «مئة عام من العزلة»).
كان في الأربعين من عمره عندما نشر ذلك الكتاب. الطبعة الأولى من «مئة عام من العزلة» نزلت الى المكتبات أثناء «حرب الأيام الستة». بلى، حزيران (يونيو) 1967. كان يفتح جرايد بوغوتا (وبوينس أيرس؟ هناك نُشرت الطبعة الأولى) كي يقرأ شيئاً عن روايته (هل فعل ذلك؟). قرأ عن الحرب في الشرق الأوسط ودخن عدداً من السجائر. ماكوندو حقيقة وحروب الشرق الأوسط أكذوبة؟ كان يغرق في غيمة تبغه وفي تلك الأثناء نفدت الطبعة الأولى من الرواية. قال انه تفاجأ. وناشره أيضاً تفاجأ. ولا بد من أن القراء تفاجأوا أيضاً. ماكوندو باغتت الجميع. هذا العالم الحقيقي والخيالي. ما الخيال وما الواقع؟ ماركيز لا يقدر أن يميز بين الاثنين.
كانت روايته الرابعة. لعلها الخامسة. هل تخيل وهو يذكر أوريليانو بوينديا في «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» (1961) أن هذا المحارب الخرافي سيظهر من جديد بعد سنوات قليلة في رواية عن عائلته وأهله وأولاده؟ هذا كولونيل آخر، ليس عجوزاً، ويقدر أن يعتبر نفسه إحدى أهم الشخصيات الروائية في تاريخ الأدب. هو يصنع الأسماك المذهبة أو يشنّ 32 حرباً أهلية صغيرة ونحن نعتبره ما نشاء. أين تكمن القوّة الغامضة لهذه الرواية؟ في بناء القرية الأسطورية ماكوندو؟ في الشخصيات التي تتحرك أمامنا كأنها حاضرة على كوكب الأرض كما لن نحضر أبداً؟ في الحكايات التي تتوالى محبوكة بفنٍ لا يضاهى؟
كيف يكفّ ماركيز عن الكتابة؟ حتى لو سكت عن الكتابة وهو في الأربعين، حتى لو لم يسطر «خريف البطريرك» (1975) و «سرد أحداث موت معلن» (1981) و «الحب في زمن الكوليرا» (1985)... حتى من دون هذه الكتب كلّها لم يكن أحدنا يقول انه ساكت. الرجل يتكلم معنا بلا توقف، هل كفّ عن التدخين؟ كافكا هجم المخلب على رقبته من دون أن يشعل تبغاً. وماركيز؟ عمره 82 عاماً لكنه ثابت الى الأبد في سن الأربعين. أو ما قبل الأربعين. كتب «مئة عام من العزلة» في عام واحد (1966). في شهور؟ في 15 شهراً؟ في 7 شهور وحسب؟ قد يعطينا جواباً، لكن هل نصدق؟ كيف يصدق القارئ رجلاً كتب كل تلك الروايات؟
في أي لحظة هاجمه الفرح اللانهائي وغمره كالطوفان؟ بينما جوزيه أركاديو يمد يده ويقبض على ريبيكا؟ بينما 16 رجلاً يحملون الاسم ذاته (أوريليانو) تطاردهم الرصاصات وتخترق صلبان الرماد في جباههم؟ متى شعر أنه يرتفع على موجة خيالية والصور تهجم عليه من حيث لا يعلم: وهو يكتب عن جوزيه أركاديو الثاني ناهضاً من بين الأموات في القطار الليلي الذي يترك ماكوندو بعد المذبحة؟ لعل هذه الصفحات - بينما الرجل يعود تحت المطر، مصدع الرأس وفي شعره الدم اليابس - أجمل صفحات «مئة عام من العزلة». عندما يدخل مطبخاً، مضطرباً كشبح، يقول للمرأة اسمه. كي يتأكد أنه موجود. تسكب له القهوة بلا سكر وبينما يشربها (هل شربها؟) نعرف أننا أحياء. هل نحن أحياء؟
بعد المطر الذي يتساقط أربع سنوات وأحد عشر شهراً ويومين يخرج أوريليانو الثاني كي يتفقد ماكوندو. في تلك الساعة يكتب ماركيز من أجل قراء عرب لا يعرفهم لا يعرفونه: «الذين نجوا من الكارثة كانوا سكان ماكوندو من قبل أن تهزها عاصفة شركة الموز. رآهم جالسين وسط الشارع يعرّضون أنفسهم لأشعة الشمس وما زالت على أجسادهم خضرة الطحلب ورائحة الحبس التي بللها المطر، غير أنهم كان يبدو عليهم الفرح لأنهم استعادوا أخيراً قريتهم التي ولدوا فيها. وعاد «شارع التركو» الى ما كان عليه من قبل، شارع العرب وأخفافهم، والأقراط في آذانهم، أيام كانوا يجوبون العالم يبدلون الببغاوات بالألعاب، حين وجدوا في ماكوندو زاوية صغيرة من الأرض يرتاحون فيها من عناء رحيلهم التاريخي. كانت البضائع في البازار خلال سنوات المطر تتساقط كاليخنة وتتبرقش البضائع المعروضة على الأبواب بالطحالب. والواجهات عاث فيها دود الخشب، والجدران تآكلت رطوبة، لكن عرب الجيل الثالث كانوا يجلسون في المكان نفسه، وفي الوضع نفسه الذي جلس عليه آباؤهم وأجدادهم، صامتين، لا يهزهم الخطر، ولا ينال منهم الزمن ولا الكارثة. ظلوا كعهدهم بعد وباء الأرق وحروب العقيد أوريليانو بوينديا الاثنتين والثلاثين، لا يتبدلون في حالتي الحياة والموت. لقد أظهروا قوة روحية عجيبة أمام بقايا طاولات اللعب، وعربات باعة المقليات، وبسطات إصابة الهدف، والشارع الصغير الذي كانت تفسر فيه الأحلام ويُقرأ المستقبل. ولما سألهم أوريليانو الثاني، بطريقته المرحة المألوفة، عن أية وسيلة خفية استخدموا كي ينجوا من الكارثة، وماذا صنعوا كي لا يموتوا غرقاً، أجابوه واحداً بعد الآخر، من باب الى باب، وهم يرسلون اليه الابتسامة الذكية نفسها، والنظرة الحالمة نفسها، الجواب نفسه من دون أن يتفقوا عليه، قالوا له: كنا نسبح».
في هذا المقطع نعثر على أسلوب ماركيز «المرح المألوف» وهو يتألق: بضربات سريعة يرسم شارعاً وعالماً كاملاً وطقوس «عرب الجيل الثالث» الذين استقروا في احدى زوايا ماكوندو ليرتاحوا من «عناء رحيلهم التاريخي». كيف تبدل هذا المقطع (وأثره فينا) بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001؟
هل كتب ماركيز تلك السطور «من أجل قراء عرب لا يعرفهم ولا يعرفونه»؟ هذه جملة للمحو. في سنته التاسعة والثلاثين على هذه الأرض كتب الرجل - ليس من أجل أحد ولكن حبّاً بالكتابة - 400 صفحة يصعب أن تقع في هوّة النسيان. في سنته الأربعين رأى الصفحات مجموعة بين دفتي كتاب. الرواية التي كانت خيالية وغير موجودة وكامنة في أعماقه خرجت منه، وهو يقعد الى طاولة الكتابة، ثم غادرت الغرفة الموصدة الى الناشر، الى المطبعة، الى أنوار العالم. صارت موجودة. بعد مرور هذه السنوات الطويلة هل يتذكر ماركيز تلك اللحظة الأولى، وهو يكتب تلك الجملة الأولى في بداية الكتاب: «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الإعدام، تذكر الكولونيل...». بينما يكتب الجملة الأولى هل كان يتخيل أين ستأخذه الفصول، هل كان يعرف الكلمات الأخيرة في الكتاب: «... فالسلالات التي قدر لها القدر مئة عام من العزلة لا يمنحها القدر على الأرض فرصة أخرى».
عمره 82 عاماً الآن. كيف يقطع الوقت، ماذا يقرأ؟ قصص بورخيس، «حياة تيديو أيزيدورو كروز»، «الموت الآخر»، «التحدي»، «بيدرو سالفادورس»؟ يكرر قراءة «يوميات سنة الطاعون»؟ يقرأ «بيدرو بارامو»، «سور الصين العظيم»، «لعبة الحجلة»، «آنا كارينينا»، دانتي، «جبل الروح»، «الإلياذة»، شكسبير، و «العهد القديم»؟ ماذا يتذكر بينما يقرأ - للمرة التي لا يعرف رقمها - كتاباً قديماً طالما أحبّه؟ هل يفكر في الوقت ومرور السنوات؟ هل يتذكر قرية الطفولة والجدّة التي تشبه أورسولا تعجن وتخبز في الفرن الحطب خبزاً وحلويات؟ كيف مرّت الحياة؟ ماذا يتلاشى وماذا يبقى؟ بين اسبانيا والمكسيك وكولومبيا كم خطاً رسمت خطواته؟ أقام زمناً في باريس، كيف يتذكر تلك الأيام؟ قال في مقابلة في الثمانينات الخيالية للقرن العشرين إنه يعلم أنه مقروء في اللغة العربية، مع أن أحداً (ناشراً) لم يتصل به ويأخذ حقوق الترجمة والنشر! هل كان مبالياً؟ أم كان يداعب القراء الخياليين؟ «مئة عام من العزلة» موجودة في العربية، في أكثر من ترجمة. وكذلك أعماله الأخرى. هل يهمّه الأمر؟
هذه رسالة لن يقرأها. هل يحبّ الكلمات المتقاطعة؟ يقص الشبكة من الجريدة ويتسلى بها في ساعات الصباح؟ يحبّ المشي والرياضة؟ ينزل ويسبح ظهراً في البركة المستطيلة؟ عندما تمرّ شخصياته أمام عينيه، ساعة القيلولة الحارة، هل يمدّ يده ويستوقف الكولونيل بوينديا؟ انتهت حياة الكولونيل يوم رجوع السيرك (والغجر) الى ماكوندو. كان النمل الطيّار يملأ الجو. قبل أن يلفظ الروح، وحيداً تحت شجرة في مؤخرة البيت، استعاد ذكريات قديمة. كانت عزلته شبه كاملة. وماركيز؟ يحيا ماركيز بين عدد لا يحصى من القراء. هؤلاء خياليون، لن يقعدوا معه الى مائدة واحدة، لكنهم يعرفونه. ما يربطهم خيالي أيضاً. في أراضي الأدب الغامضة تمتد الحياة، ثرية ومتشعبة، الى ما لا نهاية.

الخميس، ١٩ آذار ٢٠٠٩

كافكا الرسائل رولفو وساسكند وهذه الأزمنة

كافكا الرسائل رولفو وساسكند وهذه الأزمنة <
>ربيع جابر الحياة - 17/03/09


رولفو مات. لكن ساسكند حيّ. أين يقضي ساسكند أيامه؟ حتى لو كان مقيماً في ميونيخ لا نعرف أين مكانه: في أي عالم خيالي أضاع نفسه؟ لماذا كفّ عن تأليف الروايات ونشرها؟ كيف يستطيع كاتب حقيقي (وساسكند كاتب حقيقي) أن يتوقف عن الكتابة؟ ألا يفقع قلبه؟ ألا يحطّمه الوقت (فراغ الوقت)؟ رولفو – من قبل – فعل ذلك. لم ينشر غير «بيدرو بارامو» ومجموعة قصص («السهب الملتهب») ثم انصرف الى صمته. كان يقول انه يكتب رواية أخرى («سلسلة الجبال») لكنه يفعل ذلك متمهلاً. مرّت العقود وغادر العالم ولم ينشر الرواية. كان يكتب؟ كان ساكتاً عن الكتابة؟ كيف تحمل ذلك الصمت اللانهائي؟

رولفو كاتب حقيقي. إذا قرأت «بيدرو بارامو» مرة واحدة تدرك ذلك. إذا قرأتها مرتين أنت مهدد: قد تدمنها كما فعل غابرييل غارسيا ماركيز (أسماء كثيرة تعبر من كومالا – قرية رولفو – الى ماكوندو. ملكيادس مثلٌ واحد).

سر واحد يجمع الاثنين: المخيلة. صحيح أن الأدب كله هذا سرّه، لكن في حال رولفو أو ساسكند يبدو ذلك باهر الوضوح. الاثنان يملكان مخيلة استثنائية. صمدت «بيدرو بارامو» أمام امتحان الزمن (اكثر من نصف قرن مرّ عليها). ولا ندري هل تصمد «عطر» و «حمامة»، وهاتان من ثمانينات القرن العشرين. الوقت هو الفحص، ومرات قد لا يُعطى الكاتب النتيجة. أحياناً كثيرة يقضي قبل ذلك، ولعل هذا ضروري للحصول على حكم نزيه.

نعثر على سلف للإثنين في كافكا. ليس كافكا الروايات (وكلها غير مكتملة وكلها كانت تضيع لولا تدخل ماكس برود)، بل كافكا الرسائل واليوميات والقصص القصيرة. لعل كافكا الحقيقي (الكاتب الحقيقي) موجود هناك: ليس في الروايات غير المكتملة ولكن في الرسائل واليوميات والقصص. علينا التفكير في الصدفة الغريبة: لماذا لم تكتمل رواياته؟ لماذا لم يكملها الى السطر الأخير والنقطة الأخيرة؟

فقط أكمل «التحول» (أو «المسخ»). وهذه أقرب الى قصة طويلة (ماركيز قال انه عرف قدره وهو يقرأ جملتها الأولى). لم يكمل كافكا «المحاكمة» ولا «القلعة» («القصر»). الروايات غير المكتملة أعطته الشهرة في القرن العشرين المجنون. فجأة، بين ليلة وضحاها، تطابق العالم الواقعي مع كوابيسه. لكن كوابيس كافكا الأشد فتنة واكتمالاً (أدبياً أيضاً) موجودة في يومياته وقصصه القصيرة ورسائله. «سور الصين العظيم» مثل واحد (مكتبة بابل» لبورخيس من هنا خرجت). «مستعمرة العقاب» و «طبيب الأرياف» و «تقرير الى الأكاديمية» قصص غريبة الخيال وواقعية مثل حياتنا. في رسائله من مصحات المسلولين حيث قضى السنوات الأخيرة من حياته لا يشبه كافكا إلا نفسه. انخفض وزنه من 65 كيلوغراماً الى 49 كيلوغراماً. في هذه الظروف، بينما السلّ يلتهم حنجرته، كتب «المغنية جوزفين»: الفأرة التي تغني للحشود. كانيتي الذي يعرف كافكا وكتب عن رسائله يعرف أيضاً السرّ الذي يدفع بعض الكتّاب الى المكان البعيد. أين هو ذلك المكان البعيد؟

لماذا يختار الكاتب (الفرد) بين حين وآخرٍ أن يبتعد عن العالم (الجماعة)؟ أليس هذا انتحاراً وقتلاً للأدب؟ كسينغيان خاف ان يتنسك فيفقد لذة الأدب وصحبة البشر، نار المطبخ ونار الحديث. تولستوي في المقابل خاف (على الأقل في سنواته الأخيرة) أن يصرفه العالم البشري عن سلامه الداخلي. كافكا وجد عالماً في رأسه. باكراً كتب الى صديق الدراسة أنه أمام خيارين: إما يكتب ما في رأسه أو يتصدع.

قيمة كافكا هوسه بالكتابة وخياله الذي يغذي هذا الهوس. في أسوأ الأوقات (الحرب الكبرى مثلاً) كانت طاقته تتدفق ويكتب أجمل ما فيه. سكت رولفو. وساسكند ساكت. وكافكا مات. لعل ساسكند يقع في النسيان بعد سنين. من يعلم هذه الأشياء؟ لعلنا بعد قرن ننسى كافكا أيضاً! هوميروس ما زلنا نقرأه. تولستوي أيضاً. لكن هل نقرأ تولستوي بعد ألف سنة؟ هل يقرأه أحفاد الأحفاد؟ في هذه الأزمنة لا أحد يفهم شيئاً. نركض وراء كتب قد تختفي بعد أسابيع. ولعلنا لا نفعل إلا ما يفعله الجميع: نغرق في التفاهة.

هل نجد في هذه النقطة سرّ اعتزال رولفو، وسكوت ساسكند؟ هل هرب الاثنان من الحشود؟ الأدباء أيضاً حشد، لا؟ يريد الكاتب أن يكون نفسه. وإذا هدّد المحبّون هويته – فرادته – فأين النجاة، أين الخلاص؟ هل عجز رولفو عن العثور على التوازن المنشود؟ كافكا دمّره السل،ّ لكنه قال إنه بنفسه استدعى المرض القاتل: وهو يسهر الليل!

كافكا الرسائل دليلنا الى فرد يصارع كي يكون هو: بينما يفعل ذلك أعطانا عالماً.

الأحد، ٣٠ آذار ٢٠٠٨

سيمريا أرض الضباب والغيوم

ربيع جابر الحياة - 25/03/08//

تُذكر مدينة سيمريا (حقيقية؟ خيالية؟) في السطر السادس عشر من الكتاب الحادي عشر في «أوذيسة» هوميروس. لا تُذكر المدينة ذاتها ولكن يذكر أهلها: السيمريون. من هؤلاء؟ وماذا تكون سيمريا؟ في السطر السابع عشر يخبرنا هوميروس أنها تتغطى بالضباب والغيوم. نحن في نهاية المقطع الأول من الكتاب الحادي عشر (تنقسم «الأوذيسة» – كما «الإلياذة» – الى 24 كتاباً. يتألف الكتاب الحادي عشر «مملكة الموتى» من 731 سطراً). انه المقطع الذي يأتي على ذكر السيمريين عرضاً ويصف في كلمات قليلة عالمهم وحياتهم (سبعة سطور هي ثم يتابع أوديسيوس مغامرته). هل يحتل السيمريون مكاناً في الكتب الكثيرة التي تحلل أعمال هوميروس؟ لا نقع على ذكر لهم في الكتاب الذي حرره جورج ستاينر وروبرت فايغلز سنة 1962. بعد سنوات طويلة، في العقد الأخير من القرن العشرين، سينشر روبرت فايغلز ترجمته الانكليزية للأوذيسة. في ملاحظاته على الترجمة نقرأ سطراً واحداً عن السيمريين: ناس يعيشون في جوار مملكة الموتى. هوميروس ذاته – الرجل الذي أنشد الأوذيسة قبل 27 قرناً – لا يتوسع في الحديث عن هؤلاء الناس: يمنحهم سبعة سطور فقط في ملحمة من 12 ألف سطر.

في هذه السطور السبعة (حتى في هذه السطور) لا يتكلم حقاً عنهم. ماذا يخبرنا هوميروس عن سيمريا؟ يقول ان السيمريين يحيون هناك، هناك بيوتهم، في أرض ومدينة مغطاة بالضباب والغيوم. عين الشمس تعجز عن اقتحام ظلمة عالمهم؛ لا يصل اليهم نور. تصعد الشمس الى قبّة السماء ثم تدور كالدولاب وتنحدر حتى تلمس قشرة الأرض من جديد. لكنها في صعودها وهبوطها تظل عاجزة عن اختراق الظلمة اللانهائية المخيمة على رؤوس هؤلاء الرجال البائسين.

هوميروس يقول هذا؟ تقريباً. الراوي الفعلي لهذا الجزء هو أوديسيوس. ننسى أحياناً أن كتباً كاملة من «الأوذيسة» لا يرويها هوميروس بل بطله أوديسيوس. تتحطم سفينة أوديسيوس في الكتاب الخامس ويلتقي في الكتاب السادس أميرة وتأخذه الأميرة في الكتاب السابع الى قصر أبيها. تدله الى القصر وتمضي قبله. هنا، في قصر السينوس وزوجته أريت، سيروي أوديسيوس جزءاً من مغامراته: في الكتاب التاسع يروي للملك السينوس وحاشيته قصة العملاق ذي العين الواحدة. في الكتاب العاشر يروي مغامرته مع سيرس، الملكة التي أرادته زوجاً مثل كاليبسو من قبلها. في الكتاب الحادي عشر يروي رحلته الى ارض الاموات وما رآه هناك وما تبادله من احاديث مع أمه الميتة ومع رفاقه الموتى (بعضهم سقط تحت أسوار طروادة، وبعضهم قتل بعد الرجوع من الحرب). هذا هو الكتاب الذي تُذكر فيه سيمريا من دون ان تُذكر. أوديسيوس يقول «السيمريين» ولا يقول سيمريا. اذا نسبنا هؤلاء الى مدينة نخترع للمدينة اسمها.

هل نثق بحكايات أوديسيوس؟ انه رجل مجبول على الكذب. كل أقرانه وجدوا عقله مملوءاً بالتواءات. آخيل رأى فيه رجلاً يقول شيئاً ويضمر شيئاً آخر. هل قال له هذا صراحة؟ هناك نقطة في «الإلياذة» يوشك فيها آخيل على ازاحة اوديسيوس من دربه كأنه يكشح ذبابة. هذا غضب آخيل وهياجه؟ يراوغ أوديسيوس في كلامه، حتى وهو يكلم أثينا يراوغ. هذه طبيعته؟ نعرف ان جده كان مثله (هناك جد آخر تنسب اليه ايضاً حكايات غريبة). عندما ينشد اوديسيوس مغامراته يصغي اليه المحتشدون في قصر السينوس. في مناسبات اخرى سيتكلم هذا الملك (علينا ان نتذكر انه ملك ايثاكا) وكلما تكلم نرى الناس يصغون الى كلماته: حتى وهو يلبس لباس شحاذ ويتصنع الفقر والبلاهة. حتى عندئذ نجد الناس يستمعون الى عباراته. يعطي هوميروس بطله هذه الخاصية (هذه القوة). الكلمات لا تموت في فمه. كلماته حيّة. ليست مستقيمة ككلمات الجامعة بن داوود لكنها مع هذا حيّة. هل نثق بكلمات اوديسيوس؟ هل نصدق ما يرويه عن اغاممنون في العالم الآخر؟ ولماذا لا نصدق؟ الكلمات فيها سحر.

لماذا تكلم اوديسيوس باقتضاب عندما ذكر السيمريين؟ يظهر من السطور السبعة المذكورة – نهاية المقطع الاول من الكتاب الحادي عشر – انه لم ينزل في مدينة سيمريا: كان مبحراً في النهر المحيط وجاوز ارض السيمريين فبلغ الضفة الأخيرة. نزل على هذه الضفة، عند تخوم العالم. نزل مع اقرانه يقود الخراف الى النقطة المحددة (سيرس دلته الى الهدف): هنا عليه ذبح الخراف وعندما يسيل الدم الاسود في الحفرة تبدأ رحلته الى مملكة الموتى. أوديسيوس يتكلم كلاماً سريعاً، يريد أن يبلغ تلك النقطة في قصته، يريد أن يرى مرة أخرى أمه الميتة، ويريد ان يسمع تايرسياس (العرّاف). لا يعرف في المرة الاولى انه سيرى أمه: لا يعرف بعد انها ماتت شوقاً اليه وهو يحارب في طروادة. لكنه في المرة الثانية يعرف. المرة الثانية؟ هذا صحيح: انه يروي للحاشية قصته، وهذا يعني انه يحيا رحلته مرة ثانية. يتلهف لرؤية أمه وأصحابه والعرّاف الذي سيخبره ما سيحدث له بعد ذلك: في طريقه الى المستقبل، الى ايام وشهور وسنوات آتية (ايثاكا هناك، في زمن آت).

لهفة اوديسيوس تشبه لهفة هوميروس؟ في «الإلياذة» تتحرك الشخصيات على مهل. الرواية كلها (رواية؟) تتحرك تحت أسوار طروادة: من الكتاب الاول (غضب آخيل يحتدم فيقرر الا يقاتل بعد الآن عقاباً لأغاممنون) الى الكتاب الأخير (أهل طروادة يحرقون جثة هكتور وينتظرون الأسوأ). في «الإلياذة» لا عجلة. (لهذا يبدو كاتبها مختلفاً عن كاتب «الأوذيسة»؟ نقاد كثر ومؤرخون للأدب يزعمون أن كاتب «الأوذيسة» هو كاتب «الإلياذة» ذاته وقد غدا عجوزاً، أشد حكمة، وأقل ميلاًَ الى الطعن والضرب. نقاد غيرهم يجدون المسافة الفاصلة بين الملحمتين كبيرة: الرؤيا الفنية والفلسفية للعالم في الملحمة الأولى لا علاقة لها برؤيا الملحمة الأخرى. هذه مسافة لا يقطعها انسان واحد! النظريات تتعارض وتتناقض. يمكن اضافة نظرية أخرى: كاتب «الإلياذة» عجوز أيضاً. ليس شاباً. «الأوذيسة» – مع تهكمها وسخريتها السوداء – ليست أشد نضجاً من «الإلياذة»). لا عجلة في «الإلياذة». الحركة بطيئة، فخمة، ومروعة. فيها جلال يؤسس السرد الكلاسيكي. تولستوي يستعين بوصف هلين (التي لا يصفها هوميروس) وهو يخطط شخصية آنا كاريننا؟ الادق القول ان آنا كاريننا ظهرت في أعماق تولستوي وهو يقرأ عن هلين في حياتها الطروادية. (أثر المرأة الجميلة في الرجال وفي عالمها).

«الأوذيسة» كلها عجلة. لكن هذا لا يجعلها أسرع أو أكثر امتاعاً للقارئ من «الإلياذة». تتحرك هذه الملحمة (الرواية) على أكثر من خط. هناك اثينا، وهناك تليماكوس ورحلاته، ثم نرى الاب اوديسيوس. هذا لا يحدث في «الإلياذة». في «الإلياذة» ايضاً لا يعطي هوميروس شخصياته ان يتكلموا صفحات تلو صفحات. كلهم يتكلمون ولكن المؤلف يبقى مسيطراً. الراوي الكلي المعرفة لا يدع للرواة ان يتسللوا الى كتابه. في «الأوذيسة» يتراجع هوميروس اكثر من مرة ويتقدم رواة آخرون (فرعيون). لعلنا نجد هنا أحد اسباب ولع هذه العصور الحديثة المهتزة بالأوذيسة على حساب الإلياذة (جيمس جويس مثل واحد).

تتجاور في «الأوذيسة» عوالم كثيرة، واقعية وخيالية. مدينة سيمريا رمز لهذا التوازي بين عوالم «الأوذيسة». انها جزء من عالمنا – بحسب أوديسيوس – لكنها ايضاً تقع عند التخوم، في جوار «بيت الموت» حيث يقيم الفانون بلا عظامهم. هل هذا «البيت» حقيقي؟ هل قصة أوديسيوس حقيقية؟ يكذب على مضيفه؟ يستدر عطفه؟ يلعب بأحاسيسه؟ ما يريده من هذا المضيف سفينة تأخذه الى بيته. في سبيل ذلك يقدر ان يؤلف قصصاً كثيرة. المضيف متلهف على سماعه: يقول ان الليل في أوله – ان هذا الليل لا نهائي – وأنه يقدر ان يسمع حكايات حتى يطلع الفجر. أوديسيوس تعبان ويشعر بالنعس لكنه يكافح ويروي قصة تلو أخرى (هذا بعد ان يملأ بطنه، «الكلب الجائع»). الغريب في رواية أوديسيوس عن مملكة الموتى انه يذكر مرة تلو اخرى المنامات. عندما يصف حركة الموتى تتكرر الكلمات ذاتها: يسبحون أمامه كأنهم في منام. هل رأى أوديسيوس هذا المقطع من مغامراته في منام؟ انه يذبح الخراف، يرى الدم الاسود يتجمع في الحفرة، وعندئذ فقط يرى تلك الاشباح ويرى امه تدنو ولا تعرف وجهه. (كم غيّرته الأعوام؟ كم غيّره البحر وكم غيّرته كاليبسو وكم غيّرته المغامرات؟). هل نام وهو ينظر الى السائل الاسود يتجمع في الحفرة؟ هل نام وكل الكتاب الحادي عشر قطعة من منام؟

لعله نام قبل أن يذبح الخراف (بعد قليل يذبح رفاقه خراف الشمس وتحل عليهم اللعنة). لعله نام قبل أن يجاوز ارض السيمريين، حيث يغطي الظلام «تلك الرؤوس البائسة». لعله نام وهو ينظر عبر الضباب (متعباً من الرحلة الطويلة، سامعاً الموج يلطم جانب السفينة)... ينظر الى أين؟ الضباب يغطي البحر، يتدحرج أبيض كثيفاً ثم يتباعد، وعبر الضباب يرى الرجل مدينة سيمريا. يراها وينام وهو ينظر اليها. ما هذه المدينة التي تنام وأنت تنظر اليها؟ ما هذا الهدوء الذي يملأ الخلايا فجأة ويخرجك من العالم الى مكان بعيد؟ أين أنت؟

تبحث عن مدينة سيمريا في كتاب صدر سنة 1972 ولا تعثر عليها. كالفينو يملأ «مدن غير مرئية» بالاسماء الموحية: زورا. انستازيا. زائيرا. دوروثيا. ايسيدورا. ديوميرا. دسبينا. زيرما. فيدورا. زنوبيا. اوفيميا. هيباتيا. ارميلا. ارسيليا. اسميرالدا. موريانا. بيرشينا. اوليندا. لودوميا. بيرنتيا. تيودورا. بيرينيس. اندريا. بروكوبيا... تبحث وتبحث، تمضي مع ماركو بولو ومضيفه قوبلاي خان من مدينة الى مدينة، تقطع الصين الخيالية من اقصاها الى اقصاها، تجاوز نيويورك وأبراجها، ومع ذلك لا تعثر على سيمريا. مدن كالفينو الخفية تحمل في أعماقها موسيقى واحدة: يكفي أن تكرر لفظ الاسماء حتى تتأكد. من أين تنبع تلك الموسيقى؟ من فينيسيا (مدينته الاولى وبيته الاول، مدينة ماركو بولو وبيت ماركو بولو).

هل استوقفت مدينة سيمريا كالفينو وهو يقرأ كلمات هوميروس قاعداً في فينيسيا السابحة على ماء؟ سيمريا موجودة؟ هوميروس لا يذكرها في الكتاب الحادي عشر (لعله ذكرها في كتب أخرى؛ مع انه لم يكتب: كان ينشد وغيره يكتب؟). سيمريا موجودة؟ كل ما ذكره هوميروس ان الناس هناك لا تصل اليهم اشعة الشمس. كيف تترجم كلماته الى العربية؟ تقرأ كلماته مترجمة من اليونانية الى الانكليزية وتحاول ان تترجمها الى لغتك وتعجز. سقط البرج في بابل وتبعثرنا على 72 لساناً (آلاف الالسنة هي، وفي كل نهار ينقرض لسان: في احدى الجزر البعيدة لغة يتكلمها انسان واحد واذا مات تنقرض هذه اللغة القديمة. على جزيرة أخرى سبع قرى وكل قرية تتكلم لغة تخصها، وكل قرية مفصولة عن القرى الاخرى بالتلال. اذا ارتفع موج البحر وغمر الجزيرة تختفي من هذا العالم اللانهائي سبع لغات. هذا حقيقي. مكتوب في كتب. يُدرس في جامعات. يُنشر في تقارير الامم المتحدة. ليس خيالياً). سقط برج بابل وتبعثرنا على 72 لساناً وعلى 72 عالماً. كل لسان عالم. كل لغة عالم. هوميروس الانكليزي ليس هوميروس الاغريقي. أوديسيوس لم يتكلم بألسنة. لم يترجم ولم يعبر لغات من عالم الى آخر. هل ترجم؟ هل قطع الحدود بين لغات وهو يغامر في جزر موزعة على بحار قديمة؟

هل تعلَّم يوماً لغة السيمريين؟ هل دخل يوماً مدينتهم؟ سيمريا أرض الضباب والغيوم، حيث الظلمة شديدة. مدينة شتوية هي؟ ابن فضلان بلغ اقاليم الظلمات لكن تلك بلاد البلغار وليست جزيرة في بحار اليونان القديمة. تبحث عن سيمريا في «معجم البلدان» لياقوت الحموي الرومي معاصر ماركو بولو. تجد سيبان. تجد سيتعور. تجد سيتكين وسيج وسيحاط وسيحان. تجد سيحون. سيداباد، سيديز، سيراف، سيران، سيراوند، سيراة، سيرجان، سيسمراباذ، سيسية. سيلا. سيلان. سيلحون. سيلون. سيلة. سينان. سينا. سينيرين. سيوح. أين سيمريا؟ تجد سيوستان، تجد سيوط، تجد سي، تجد سيهى، تجد سيّة. لا تجد سيمريا.

لماذا لم يذكر ياقوت الحموي الرومي هذه المدينة في معجمه؟ لم يعرفها؟ كان يعرفها ووجدها غير واقعية؟ لكنه طالما ذكر مدناً خيالية في كتابه. يعرف ابن فضلان وينقل عنه. يعرف زكريا القزويني؟ كان مولعاً بالكتب، يحمل في ذاكرته لغة يعرفها ولا يعرفها، ويبكي اذا احترقت مكتبة.

أُسر ياقوت وهو صغير فصار واحداً منا. منا؟ من نكون؟ الهوية حقيقية؟ أهل سيمريا من هم؟ يعرفون لغتهم؟ يحفظون تراثاً وتقاليد؟ ماذا؟ ياقوت لا يذكرهم. لم يعرفهم؟ لم يرَهم في منام يوماً؟

ماذا تكون سيمريا؟ نعرف مدينة على شط البحر، مدينة لا يهمّنا اسمها. مدينة يراها أهل البحر «جَمَلاً بعده تمتد رمال» ويراها أهل الصحراء «سفينة بعدها تمتد المياه». كالفينو رأى تلك المدينة وسمّاها. هل للمدينة اسم واحد؟ هل عرف ياقوت سيمريا مدينة الضباب والغيوم المعلقة عند حافة الحياة وسماها باسم آخر في كتابه؟

أهل سيمريا عندهم كتب؟ عندهم مؤلفات في الأدب والعلوم والتاريخ والجغرافيا؟ عندهم كهرباء ومياه شفة تصل الى بيوتهم؟ في الظلام يضيئون المصابيح، يشعلون ناراً؟ انقرضوا بمرور الاعوام؟ ما زالوا أحياء؟ هم هنا ونحيا بينهم؟ اين سيمريا؟

نعرف أين تقع التيبت. التيبت هضبة عالية تُسمى سقف العالم. تنتشر فيها شاحنات عسكرية هذه الايام. في زمن ماركو بولو انتشرت فيها صقور تصيد طرائد وغزلان مسك يستخرج المسك من بطونها. كافكا يذكر التيبت مرة واحدة في «سور الصين العظيم»: الراوي يقول إنه يأتي من الحدود الجنوبية للصين وان قريته تجاور التيبت. نعرف أين التيبت من دون أن نذهب اليها: نضع اصبعاً على الاطلس ونعرف مكانها. نعرف أين سيمريا؟

الطبعة الحادية عشرة من «البريتانيكا» تدلّنا؟ تبحث في المجلدات المطبوعة سنة 1911 (عالم ما قبل الحرب الكبرى، عالم ضاع كما يضيع كل شيء) فتجد في الصفحة 368 من المجلد السادس ما تبحث عنه. لا تجد المدينة لكنك تجد السيمريين وتعرف ان هوميروس ذكرهم في الكتاب الـ 11 من الأوذيسة وأن هيرودوتس أيضاً ذكرهم في تاريخه ولعلهم من أهالي جنوب روسيا. البريتانيكا القديمة تكتب اسمهم هكذا Cimmerii. وفايغلز يكتبها في ترجمته الصادرة سنة 1996 Cimmerians. البريتانيكا القديمة ادبية اللغة، موادها مشرعة على الحقيقي والخيالي. من أوراقها الصفراء القديمة تفوح رائحة الوقت، قوية وحزينة. تبحث عن سيمريا في الموسوعة ولا تعثر عليها. بلاد الروس المظلمة (سيبريا) مذكورة في رحلات لا تعد. ابن بطوطة يعرفها. أرض الصقالبة يمكن نقلها على الخريطة من شرق أوروبا الى غربها. رحلات عوليس تنتقل بسهولة من شرق المتوسط الى غربه أيضاً. الجغرافيا خيال. كان الادريسي يضع الشمال أسفل الخريطة والجنوب اعلاها. أهل اليابان يضعون اميركا حتى هذه الساعة في أقصى الشرق. الجغرافيا خيال. لكن أين تقع سيمريا؟ ولماذا ننعس ونحن ننظر الى الطيور تحوم في سمائها؟ هل سيمريا موجودة؟

تُذكر سيمريا في السطر السادس عشر من الكتاب الحادي عشر في «الأوذيسة». هوميروس لا يُسمّي المدينة ولكنه يذكر أهلها: السيمريون. الباحث عن هؤلاء في مؤلفات وأطالس وكتالوجات قديمة قد يعثر عليهم. ربما يعثر عليهم في مكان قريب، ربما في مكان أبعد مما تطاله يدك. هل يعثر أيضاً على مدينة سيمريا؟

طيور

ربيع جابر الحياة - 04/12/07//

طيور صغيرة الحجم هاجمت الجريدة. البناية تقع وسط بيروت. غير بعيد منها كاتدرائية مار جرجس للموارنة (جاوز عمرها مئة سنة). كانوا يهدمون بناية من بقايا الحرب الأهلية الطويلة، بناية تلاصق الكاتدرائية ذات الأجراس. كانوا يهدمون بناية خَرِبة تطلّ على مجمع اللعازارية فاقتحمت أسنان الحديد أوكار الطيور الهاجعة. الناس قالوا ليست طيوراً. هذه أكبر حجماً من النحل، أكبر من ملكات النحل، لكنها أصغر من الطيور.

عصافير الدوري تملأ بيروت. ليست كبيرة كالحمائم لكنها جميلة. يبتلّ ريشها فتتقافز على الرصيف، تحت أشجار تقطر في هذا الخريف. اذا رأت مظلة تهرب من المظلة. تقفز وتطير الى الجهة الأخرى. ربما تظل في هذا الجانب. لا تطير عالياً لأن ريشها مبلول. العصافير. لكن هذه الطيور التي تخرج من البناية المتساقطة ليست عصافير. ماذا تكون؟ دخلت من نوافذ الجريدة المشرعة على الآثار الرومانية. لم تدخل نوافذ غاسبر أند غامبيني لأنهم قبل وقت أقفلوه. قبل زمن كان الواحد يرى أناساً يقعدون هنا ويشربون قهوة تطفو على وجهها رغوة بيضاء وعلى الرغوة تطفو حروف شوكولا أجنبية. كيف ترسم بالشوكولا الهشة على الرغوة الهشة حروفاً؟ هذا فن. وتحريك القبضة الحديد فن. ضربت الكرة الحائط. خرجت الطيور الغريبة من أوكارها وملأت الفضاء. متى نزلت هذه الطيور في هذه الخرائب؟ وكم جيلاً أنجبت في هذه الظلمات؟ متى تخربت هذه البناية؟ كان خميساً عادياً وعادل لم يكن هنا. كان إجازة. اذا استدار في الكرسي يرى العمال يتسلقون البناية تحت الرذاذ الخفيف ويتعلقون في الفضاء. اذا سقط الواحد من هذا العلو الشاهق - اذا سقط على آثار الرومان – ماذا يحدث لعظامه؟ العظم رقيق. خافوا عندما هاجت الطيور. هذه الطيور تعقص، ليست طيوراً. هذه حشرات طائرة؟ لعلها كذلك.

«برج» يطل على اسطنبول ... تجهيز الفنان التركي سيم ساغبيل (أ ب)
«برج» يطل على اسطنبول ... تجهيز الفنان التركي سيم ساغبيل (أ ب)

الناس خافوا وهربوا بين المطاعم والمكاتب. كانوا يخبطون الهواء حول رؤوسهم كأن مسّاً أصابهم. ترى الخوف في عيونهم. ترى ذعراً غامضاً لا نهائياً غير مفهوم. المفروض أنهم رأوا مثل هذه الكائنات الطائرة من قبل. المفروض أنهم خبروا في حياة طويلة سبل النجاة من هذه الطيور. عندك المبيدات. وعندك إقفال الشبابيك (لكن ماذا تفعل بالحرارة؟ صحيح أنه الخريف، لكن الطقس حار. واذا اشتغل المكيف يضربنا هواء بارد ونمرض. لا نريد أن نمرض. اذاً؟).

المفروض أن الإنسان أقوى من الطيور. لكن هذه الطيور غريبة. كم سنة أقامت في هذه الخربة المفصولة عن خربة أخرى ببنايات مملوءة مكاتب؟ الأطلال لم تعد كثيرة هنا. تساقط القسم الأكبر منها. وراء اللعازارية عندك السينما القديمة: سيتي بالاس بالقبّة البيضاوية لم تقع بعد. البناية التي وقعت قبل أيام (بناية الطيور الغريبة) متى اقتحمها للمرة الأولى الخراب؟ اللعازارية – مجمع الأبنية التجاري المجاور - احترق للمرة الأولى في أيلول (سبتمبر) 1975. 1975 أم 1976؟ باتت «حرب السنتين» بعيدة. اذا أراد الواحد يغلط في التواريخ. من يقرأ جرايد 1975 في خريف 2007؟

ها نحن ندخل الكوانين. درجة الحرارة مفروض أن تهبط. الأمطار لا بد من أن تزيد. تجري نزولاً في الشوارع وترفع منسوب البحر. هذا يحدث منذ زمن سحيق. دورة الفصول. من يتأمل نجوم السماء هذه الليلة؟ واذا رأيت نجماً يشع ثم يموت، اذا رأيت بداية النجمة ونهايتها ماذا تظن؟ من يفكر في النجوم هذه الليلة؟ ذعر ضرب قلب المدينة عندما هاجت هذه الطيور. غداً نراها ميتة، سوداء وصفراء، على الرصيف أمام «ديو» و «لا بوستا». العمال يأتون بالثياب الخضر مع المكانس. أحياناً يتحرك الواحد منهم حركة غريبة. يدور على نفسه ويرفع ذراعه ويخبط الهواء حول أذنيه. الطائر الصغير الميت تململ فجأة وقفز من أمام المكنسة وارتفع. غاب تحت قناطر الشارع العالية. ما هذه الطيور الغريبة؟ من أين تأتي والى أين تذهب وكيف نعلم متى تعود؟

وليام بليك تطير فوق رأسه خفافيش. ماذا بقي من الشاعر القديم؟ نمر أصفر يقطع الغابة. حيوان مخيف يخرج من غبشة المساء ويدنو من البيت. فروته ذهب مخططة. البيت قائم على كتف الوادي. والنمر أتى من تحت. نمر في هذه العصور؟ كيف هذا؟ يدنو على مهل، يخطو خفيفاً مع أنه ضخم الجثة. يقترب ويقترب ويقترب. في عينيه شرّ. أين تهرب؟ تفرّ الى باب البيت المشرع. قبل أن ترد البابّ يلحق بك. تهرب منه الى غرف داخلية. يطاردك. كابوس؟ تستيقظ؟ لا؟

كانون الأول (ديسمبر) 2007 يتبعه كانون الثاني (يناير) 2008. تفتح باباً وتدخل غرفة أخرى. بلاد تفتح الأبواب وتقفل الأبواب. تنجو؟ كانون الأول يتبعه كانون الثاني. مفروض.

المدينة والخريف

ربيع جابر الحياة - 16/10/07//

الخريف. مرة أخرى تأتي الغيوم. عما قليل يتساقط المطر. يغسل الغبار عن الطرقات والسيارات والبيوت. زحف النمل يتراجع. البعوض يبرد في بيوضه ويموت. الخريف. مرة أخرى تأتي الغيوم.

الوقت باكر. الطرقات فارغة. سهروا طويلاً أمس. الآن ينامون. النوم حلو. تحت أسوار طروادة ناموا بعد المعركة. وعندما استيقظوا التحموا من جديد. المصابيح ما زالت مضاءة. عمال البلدية لم يستيقظوا بعد. السماء غائمة والنور أبيض ضارب الى الرمادي. الغيوم العالية تبدو رمادية – زرقاء. قاتمة. تفور فوق البحر وتقترب.

مونو متسخ. الأكياس تطير. القناني – مكسرة وغير مكسرة – لا تطير. سيارة تنتظر. مرافقون يقفون وراء السيارة ويتكلمون. وجوه تعبانة من السهر الطويل. يشعلون السجائر كأنهم يحرقون غابة. الدرب ينحدر وعند جسر فؤاد شهاب جنود وعامل تنظيفات. من أين جاء؟ من أي جزيرة في المحيط الهندي؟ كيف يرى هذه المدينة؟ يلبس الأخضر ويدفع عربة خضراء. يلقي التحية على الجندي ويسند العربة الى حافة الرصيف. المكنسة تعلق بين بلاطات الطريق. كيف تعلق المكنسة؟ هذا غريب.

على طريق الشام أوراق يابسة. رموا زفتاً على الرصيف. الطريق مقطوعة هنا والسيارات تطلع على الرصيف وتنزل، تطلع وتنزل، تطلع وتنزل، سنة كاملة والسيارات تتسلق هذا الرصيف. تكسرت بلاطات الرصيف. انفتحت هنا حفرة. فخ تقع فيه السيارة اليابانية وتقع السيارة الكورية وتقع السيارة الألمانية. كل السيارات تقع في هذا الفخ. وبعضها ينكسر. فتيان يركضون ويحملون السيارة. الزحمة فظيعة. تمتد الى «فلافل صهيون»، تمتد الى مفرق اليسوعية الفوقاني، تمتد الى بشارة الخوري العالي البعيد.

رموا زفتاً على الرصيف. لا أحد على الطريق. الهواء يلعب بين أعمدة الجسر. مصباحان برتقاليان ينظران عن جنبي القبة البيضاوية لسينما سيتي بالاس. السماء رمادية والفضاء رمادي والقبة رمادية. عينان كهربائيتان تحدقان الى مشهد العالم. ماذا ترى المصابيح في الليل والنهار؟ حمامة بيضاء كالثلج تتقافز وحيدة كملكة على بلاط اللعازارية البركاني الأحمر. عين الحمامة. دائرة صفراء – حمراء. وفي المركز دائرة سوداء. بؤبؤ يتسع ويضيق. الرطوبة فظيعة. الحر فظيع. الباحة مهجورة. أين هو الخريف؟ أجراس مار جرجس تجنّ. شارع المعرض مهجور. شاحنة صفراء. هذه للماء. شاحنات الغاز بيضاء. الصفراء للماء والوقود. حمائم تجفل وتطير. رجل قفز عن الشاحنة يجرّ خرطوماً ثقيلاً والطيور ارتفعت الى السماء. حمامة الأزمنة الحديثة تعيش. لا يطاردها نسر ولا يكسر صقر رقبتها. حظ الحمامة. تحت أسوار طروادة رأى العرَّاف نسراً يطير، يدور حول الأبراج ثم يختفي. ماذا قال العرَّاف عندئذ؟

الإلياذة 24 كتاباً. قصة مدينة إليون. إسم قديم لطروادة. نهايتها جنازة هكتور. لا نرى في الإلياذة موت آخيل. نعرف أنه عما قليل سيموت. ولا نراه يموت. لماذا منع هوميروس الموت عن آخيل؟ باتروكلوس يموت لابساً درعه. لكن آخيل لا يموت. لماذا؟

طروادة كذلك لا نراها تقع في يد الآخيين. نعرف أنها عما قليل ستقع. ولا نراها تقع. لماذا منع هوميروس المدينة من السقوط؟

شارع بلس يمتد ويمتد. سيارة ترتطم بحافة الرصيف. السائق مخمور؟ السيارة تتابع طريقها وتختفي. نحن خارج السيارة. لسنا فيها. لا نعرف الصاحي من المخمور. المياه تسيل أمام محلات البوظة والعصير. أين الافران القديمة؟ السروات تميل وراء درابزين الجامعة. وراء السور الحجر القديم. متى بُني هذا السور؟

كل الطرقات تغطيها الأوساخ. الصيف طال والمطر لا يتساقط. دورة الفصول. في أي حفرة وقعت الاعوام بين دعستين على الطريق؟

لا أحد يحزن. تمضي السنون. غداً وغداً وغداً... لا يحزن أحد. أين وردة ريلكه ننظر اليها ونشبع نظراً؟ لا ندري أين تأخذنا الطريق.

المدينة تنام. اليوم عطلة. لا مدارس ولا مصارف. لا مكاتب ولا دكاكين. المدينة تنام والرطوبة تتكاثف مثل الغيوم. الطرقات وسخة لكن الناس في البيوت. النوم حلو. مصابيح الليل ما زالت مضاءة. بيضاء وبرتقالية. حمراء وصفراء. في هذا الشارع الساكن الطويل مصباح أزرق. تحت المصباح يتقافز عصفور صغير. هذا العصفور حقيقي أم خيالي؟ ألوانه غريبة. بطنه أحمر الريش. يكون هنا، وفي لحظة يختفي.

المدينة تنام. نسبة التلوث عالية في هذه المدينة؟ نسبة التوتر عالية في هذه المدينة؟ مجنون من يصدق الجرايد والاذاعة والتلفزيون. المدينة هادئة، وديعة، تنام كالأميرات في الأساطير. لا حبّة فول تحت الفراش. ولا رجل يدنو من وراء الادغال ويلج المدينة النائمة. يوقظ الحياة الهاجعة. يرسل فيها صخباً وعنفاً. لا خوف. أشجار تتمايل في هواء الصباح الخفيف. تصغي وتسمع تغريد العصافير.

تحت أسوار طروادة تلتحم جيوش. الرجل يهوي والظلمة تغزو عينيه. أسنانه تعضّ التراب والروح تطلع من فمه. طروادة بعيدة. هوميروس بعيد. المدينة نائمة والحمائم تطير عن الدرابزين.

غابة بين مدينتين ...هل تقع الحرب من جديد؟ هل نحرق الغابة؟

ربيع جابر الحياة - 17/07/07//

غابة تفصل بين مدينتين. لولا الغابة تقع حروب ويموت بشر. المدينة الأولى تشبه الأخرى. مع هذا تتبادلان العداء. لماذا هذا العداء؟ السؤال قديم ولا نعرف جواباً. الأجوبة كثيرة لكنها لا تقنع أحداً. واذا اقنعتنا اليوم لا تقنعنا غداً. نحن نتغير والعالم يتغير. المدينتان أيضاً. قبل زمن بعيد كانت المدينة الشرقية أصغر مساحة. المدينة الغربية العالية الأبراج كانت (هي أيضاً) أصغر مساحة قبل زمن بعيد. المدن هكذا. تتمدد بمرور الوقت. يجيء اليها نازحون من أمكنة بعيدة، من وراء الجبال والصحارى والبحار، فتتضخم وتتورم ولا يعود الساكن فيها يعرف أين بيته. بيننا ناس يخشون اذا خرجوا من المدينة ألا يعرفوا طريق العودة الى أحبابهم. الأهل والأبناء يتبادلون الاتصالات الهاتفية كل صباح وكل مساء: يؤمنون أن الأسلاك بين البيوت المتباعدة تمنع تفكك العائلات.

هل هذا حقيقي؟ المعاناة الحقيقية هي معاناة القبائل الموزعة بين المدينتين. قبل قرون – في زمن سلمٍ وازدهار – تصاهرت المدينتان: اختلط الدم الشرقي بالغربي. السلالات الناتجة من تلك الزيجات المنقرضة تتعرض الآن لأمراض غير مألوفة. الكآبة (الملانخوليا أو السويداء) مرض شائع وقديم. الأسلاف نصحوا بالنزهة دواء. نصحوا بشرب الماء وأكل الشوكولا أيضاً. لكن في الفترة الأخيرة شاع مرض أخطر من الكآبة: ناس يموت الضوء في عيونهم فجأة فيتركون المدينة ويذهبون الى حيث لا نعلم. أين يختفون؟ أين ذهبوا؟ لا يدري أحد. يُقال انهم ذهبوا الى المدينة الأخرى. لكن هذا لا يصدق. هذا ببساطة مستحيل. أين اختفوا إذاً؟

سُجلت حالات من النشاط المفرط: رجال يتحولون فجأة الى كتل طاقة لا تهدأ ولا تسكن. هؤلاء يبرق الضوء في عيونهم كأن قوة الحياة تضاعفت في أعضائهم مئة مرة. وبين هؤلاء من اختفى أيضاً. أين يذهبون؟ تنتشر قصص – لكن من يصدق الاشاعات في هذه الأزمنة المضطربة؟ - ويُسمع في الأسواق والمكاتب والمطاعم كلام عن دخول البعض الى الغابة أو سفره الى مدن بعيدة يعرفها دارسو الأطالس والجغرافيا. لكن هذا أيضاً لا يصدق. هذا ببساطة مستحيل. كيف يترك انسان ولد هنا وعاش هنا وبنى هنا بيتاً، وهنا تزوج ورُزق الأولاد، كيف يترك الواحد مدينته هكذا، وبلا سبب معقول؟ تبدو المسألة غامضة ومحيرة ومثيرة للغيظ. تجد ناساً يقفون عند إشارات السير وهم يقضمون أظافرهم محاولين فهم الأسباب وراء الانقسامات التي تضرب الرأي العام. عناوين الصحف تتضارب على نحو فظيع. اذا قالت الصحيفة «أ» انها أمطرت سيولاً أمس كتبت الصحيفة «ب» ان الجفاف الذي يضرب البلاد منذ أيام وشهور بات يهدد الدواجن والماشية بالموت عطشاً. تنفق الطيور محروقة بأشعة الشمس في الصحيفة «ب» وتغرق الطيور نفسها على الصفحة الأولى من الصحيفة «أ». أهل الدعابة يقولون النتيجة واحدة. هؤلاء كثر. ليسوا قلة. يلبسون الفانلات البيض ويسهرون على السطوح ويسمعون الأغاني الصاخبة. اذا هبّ هواء الليل من جهة الغابة لا يخشون عواء الذئاب: على الأرجح لا يسمعون العواء بسبب الموسيقى والهدير المنبعث من التلفزيون. هذه ظاهرة مستجدة: الصوت المرفوع للتلفزيون. يتبارى الجيران على رفع الصوت. هذا يتحدى ذاك. ولكل بيت قناة مفضلة وصوت مفضل. الجماعات تنقسم. ومرات تنقسم العائلة الواحدة. امرأة دفعت أختها عن الشرفة. الأخت بدينة الجسم. الشحم – لحسن حظها – خفّف أذى السقطة. لم تدخل المستشفى لكن الحادثة على بساطتها تدل على الانحدار في مستوى التواصل والتخاطب بين المواطنين.

في هذه الأثناء يقال ان المدينة الأخرى في حال أسوأ. يقال ان السلاح انتشر هناك وان القصف بدأ. يقال ان المدينة الأخرى انقسمت الى مدينتين. هذا غير مؤكد. الغابة عريضة وقديمة وعميقة وتفصل بين عالمين. كل مدينة عالم. دارسو التاريخ والميثولوجيا يعتقدون ان العالم يحوي مدينة واحدة فقط. أما المدينة الأخرى فليست إلا حلماً. لعلها مدينة من الماضي المندثر. لعلها مدينة مستقبلية. «المدينة الأخرى احتمال من احتمالات مدينتنا»، يقولون. لكن هذا لا يصدق. هذا مستحيل. الكل يعلم ان العالم مملوء مدناً. يكفي أن تفتح كتاباً لتتأكد. الكومبيوترات الموزعة على المقاهي دليل آخر: انها تربطنا بمدن تتباعد على أطراف الخريطة. واذا كان هذا لا يكفي ما على القارئ إلا أن يتسلق برجاً – أو بناية عادية كالبناية حيث تحيا – وينظر من فوق الى ما وراء الغابة: هل يرى تلك الأضواء المتلامعة وراء أدغال البطم والسنديان والصنوبر والصفصاف، هل يرى تلك النوافذ المتراصفة؟ لا بد من أنه يراها. انها المدينة الأخرى! يُقال اننا في البداية كنّا مدينة واحدة. ثم جرت حروب. وظهر خط تماس بين المدينتين. ومع مرور الأعوام، ثم العقود، ثم القرون، تحول خط التماس الى هذه الغابة. لكن هذا لا يصدق. الغابة ضخمة لا نهائية. كل شجرة فيها تكفي لبناء قرية. المدينة قطعة صغيرة من البيوت نابتة على حافة الغابة. الظلمة بين الأشجار لا تُحد. الغابة محشوة ظلاماً. لا أحد يجرؤ أن يدخل بين الأشجار.

علماء النفس البشرية (مؤلفاتهم محفوظة في مكتباتنا، مكتبات غارقة تحت الأرض، مقفلة: الحراس يمنعون اخراج الكتب منها لئلا تُسرق الكتب أو تختفي. للأسف هذا يعني ان الكتب تفسد بالرطوبة وتقرضها الحشرات والفئران) علماء النفس البشرية يعتبرون الغابة استعارة، صورة لأعماق الإنسان. هذا غير معقول. أحد هؤلاء دخل الغابة ليجمع أدلة. اختفى. بعد سنين عثرت الشرطة على هيكله العظمي. ظهر من فحص الطبيب الشرعي أنه مات بعضات الذئاب.

الغابة تحكمها قوانين الغابة. الأمطار تروي الأشجار والأشجار ترتفع الى أعلى، تطلب نور الشمس. الأرانب تركض تحت الأشجار وتقضم الفروع الطرية. الثعالب تطارد الأرانب وتأكلها. الثعالب يقتلها الصقيع. حشرات الغابة تحول الثعالب الى مادة عضوية. الأشجار تنمو. ترفع الماء بجذورها. ترفع الشجرة الواحدة طناً من الماء كي تملأ بالحياة أغصانها وأوراقها. الغابة تنتشر. اذا قطعت هذه الغابة كلّها نبتت من جديد – بعد قرون – نسخة طبق الأصل عن الغابة المقطوعة. الصنوبرات ستنمو في النقطة ذاتها حيث نمت من قبل. السنديانات كذلك. والبطم أيضاً. الغابة عجيبة. وحول الشجرة تظهر الأشواك وتوت العليق. هذا بسبب العصافير. تحط العصافير على الأغصان. تقع منها قاذورات تحوي بزوراً. العصافير أكلت توت العليق في أمكنة بعيدة وأتت بالبزور في جوفها الى هنا. المطر يقع على الغابة والسرخسيات تظهر على سطح البرك والطحلب (الخز) يغطي جذوع الأشجار. اذا سقطت شجرة في العاصفة تغطت بالأخضر ثم نمت من الأخضر فروع جديدة. بذور تقع على الجذع المتعفن وتفرخ. تظهر الأشجار متراصفة صفوفاً في الغابات. عندما نبتت نبتت على جذع مستقيم واحد مطروح على أرض الغابة. تفتت الجذع. حال تراباً وفطراً. الجو هنا رطب، خانق. هذه غابة مطرية. الورق أخضر، لزج، يقطر ماء. بخار الماء يخنق الواحد اذا عبر بين الأشجار. الرطوبة مخيفة. كأنك تحت البحر. لا أحد يدخل الغابة. نبقى في المدينة. مدينة هنا. ومدينة هناك.

أحدنا يحتار أحياناً في أي مدينة هو: الشرقية أم الغربية؟ هل نصدق الخريطة والجريدة والتلفزيون؟ لكن هذه كلها قد تخدعنا. ماذا نصدق اذاً؟ المعرفة همّ في مدينتنا. الجميع يتعطش الى المعرفة. حتى في هذا الصيف الحار، والمراوح تدور، والعرق يبلّ القمصان، حتى في هذا الحرّ لا نكف عن السعي الى المعرفة. لا نقفل التلفزيون حتى ونحن نيام. ننام وهو يخش ونقوم وهو يخش. لا يفوتنا خبر. من مسجد يُحاصر الى مخيم يُقصف الى مدينة تحترق. أعاصير المحيط الهادئ تهمّنا. الجفاف في أفريقيا يهمّنا. عطشنا الى المعرفة فظيع. يقال انه السبب الأساس للانقسام بين القادة السبعة. القادة السبعة يطلبون كتاباً واحداً. الكتاب مخفي في قلب الغابة. اذا وجده أحدهم أمسك بالبلاد وحكم العالم (في بلادنا نحسب أن مدينتنا هي العالم). في هذه الحال يُعدم القادة الستة أو يسكنون مع القنافذ أوكاراً في بطن الأرض.

مدينتنا تضطرب. بدأت الأشجار تظهر بين البنايات. هذا يعني أن أهل البنايات هجروها. فقط عندما يبتعد الإنسان تتسرب الغابة بأشجارها وأشواكها وأعشابها الى قلب الشوارع، الى قلب المدينة. ماذا يحدث؟ متى ذهب سكان البناية وراء السوبرماركت؟ صاحب السوبرماركت انتبه أولاً. البضاعة تتكدس على رفوفه ولا أحد يأخذها. مدة الصلاحية على علب اللبنة والجبنة والمرتديلا انتهت. أكياس المكسرات الصينية حالت فتاتاً ولم يأخذها أحد. رفع الصوت والخبر انتشر في الحي. الناس يرحلون. لكن الى أين؟ وهل يعودون؟ يقال انها اجازات صيفية. يذهبون الى جبال أو منتجعات على شط البحر الأسود. يقال انهم قصدوا جزراً في المحيط الأطلسي تكثر فيها أشجار الأناناس والسناجب الطائرة.

في مدينتنا نعرف السناجب. الأولاد يعرفونها من كتب القراءة في المدارس. قبل زمن بعيد كانت السناجب تقطع مدينتنا من جهة الى أخرى طائرة بين أغصان التوت. في ذلك الزمن كانت الغابة تغطي المدينة. ثم قطعنا الأشجار وبنينا البيوت وزرعنا الأرض. هذا مكتوب على ألواح محفوظة. يُدرس في الجامعات. الأسلاف ذكروا ان مدينتنا بنيت قبل المدينة الأخرى. قيل ان المطرودين من مدينتنا – لأسباب أخلاقية – بنوا المدينة الأخرى. ولعلهم هناك يقولون عن أصل مدينتنا الشيء نفسه.

هل تقع الحرب من جديد؟ هل نحرق الغابة؟ هل نحرق المدينتين؟ القادة لم يحسموا أمرهم بعد. والأتباع أيضاً. يقال ان القادة مقيدون بأتباعهم. يقال ان الأتباع هم القادة. يقال ان لا القادة ولا الأتباع يملكون قراراً. يقال ان العالم محكوم بقوانين الغابة. بين حين وآخر تقرر الغابة أن تتمدد: الأشجار تنشر جذورها تحت التراب ثم تقرر أن تتكاثر. الغابة تطلب حقها: من قبل كانت تغطي هذه المساحات كلّها. الغابة تطلب حق العودة: وعلى الإنسان أن يبتعد.

أين نذهب؟

الوقت الأسود يعود؟ التاريخ العاطفي للمدينة النائمة

ربيع جابر الحياة - 30/01/07//

الخميس 25 كانون الثاني (يناير) 2007. الحادية عشرة ليلاً. شوارع بيروت فارغة. تقطع تحت مصابيح الكهرباء البرتقالية. حواجز جيش. سيارات عسكرية. ممنوع التجول هذه الليلة. الجيش أصدر بياناً. وسائل الإعلام تذيع البيان الرسمي كل ربع ساعة. التجول ممنوع في محافظة بيروت من الـ 8.30 مساء الى السادسة صباحاً. تسلك طرقات فرعية. لا أحد في الطرقات. الريح تصفر في عبدالوهاب الإنكليزي.

كلاب تنبح في بورة وراء بناية. نباحها لا يشبه عواء الذئاب. هذه ليست غابة. البنايات ليست شجراً ملتفاً. زوايا الطرقات تعرفها. هذا الزقاق ليس دغلاً. لن تهجم ثعابين عليك من وراء المتجر. الرصيف رطب. ماء ينبع من تحت البلاط. الإسفلت انتفخ. تعرف هذه الدروب. منذ سنوات تقطع الدروب ذاتها. تحفظ واجهات المتاجر. تحصي الأشجار. البرتقالات في مونو. السروات في بلس. الكينا في السيوفي. من يسقي هذا الشجر؟ الغيوم تسقي الشجر. لا مطر هذه الليلة. لا بشر في طرقات المدينة. الناس اختفوا في البيوت. كان النهار طويلاً. يوم الثلثاء تباعدت الحرائق في شوارع المدينة. يوم الأربعاء غطى السواد الشرفات والسيارات والمكاتب. الورقة البيضاء على المكتب تغطت بالأسود. هذا ليس مطراً. التلوث ارتفعت نسبته. اشربوا حليباً. الحليب ينفع. يحمي من الربو. اشربوا حليباً. الدخان يرتفع على تقاطع مونو – طريق الشام. الدخان يرتفع صباح الأربعاء وشغيلة ورشة مجاورة ينظفون الطريق بخراطيم ماء. ثم تغيب الشمس. ويبدأ الخميس. يشتبكون. هل يهمك أيها القارئ القاعد وراء البحر السبب؟ يشتبكون. نقطة على السطر. ليلاً مُنع التجول.

جاوزت الساعة منتصف الليل. من النافذة ترى المدينة هاجعة. هذا الصمت لا يُصدق. لا سيارات تقطع الشارع. لا تلفزيونات عالية الصوت. لا حفلات. لا تظاهرات. لا أعراس. لا موسيقى. لا ضجة. هذا الصمت لا يصدق. مع أنك في مدينة. هذه ليست غابة. المفروض أن بيروت مدينة على حافة البحر كثافتها السكانية عالية. أين الناس؟ التجول ممنوع. الناس في البيوت. الصمت كامل. أقفلوا الأبواب وأقفلوا النوافذ. النبيه يستغل الفرصة وينام في هذه الليلة. المدينة نائمة ولا أحد يلطم أحداً. لكنها مدينة مقسومة نصفين. والنصف الثالث؟ النصف الثالث موجود. الساكتون بلا وزن؟ لعلهم بلا وزن. لعلهم العمود السري. من يمنع كبريتاً وناراً عن البيوت؟ «خمسون باراً» (تكوين 18). هل ينامون هذه الليلة؟ صديقك قال هذا الصباح: «أصل البلاء الجغرافيا». هل قال هذا؟ صعب أن تولد في هذه البلاد وتحيا حياة هادئة. المشكلة ليست في البشر. المشكلة في الموقع. هل هذا دقيق؟ ابن خلدون لن يفصل بين العنصرين. هل يفصل؟ ابن خلدون ليس هنا. حظه طيب. لا، ليس طيباً. تعذب ابن خلدون. عاش حياة صعبة. في هذه الليلة، ناظراً الى المدينة الهاجعة، ترى ابن خلدون جالساً على حافة البحر. لا يراه أحد. البحر أسود ضارب الى خضرة. الناس في البيوت. الجنود في المعاطف الواقية. هواء الليل بارد. مع أن الطقس هذه الليلة مقبول. وقبل لحظة هبّ النسيم دافئاً. لكن طقس بيروت غير متوقع. المدينة ارتفعت على رأسٍ يتوغل في البحر. معلقة بين عالمين. اذا هبّ هواء البحر يقرصها برد الشمال. المصاب بداء المفاصل يتعذب. الروماتيزم فظيع. النقرس أيضاً.

معك نقرس؟ لا تأكل عصافير مشوية. الدهن لا ينفع. معك روماتيزم؟ عليك بالصوف. الصوف حماية. اذا كان الصوف مصدراً للحساسية فهذه مشكلة أخرى. الأمراض تحاصرنا. لا ضرورة للأمراض الآن. المدينة نائمة. لن نمرض ونحن نيام. المدينة تهذي وهي نائمة. ماذا ترى المدينة الهاجعة كفقمة على شط البحر؟ ترى كابوساً؟ ترى الماضي أم الحاضر أم المستقبل؟ ابن خلدون يقعد على شط برج حمود، غير بعيد من الجبل المغطى بالأخضر. ماذا يفكر؟ المدينة مقسومة العواطف. الناس توزعوا على خندقين، على ثلاثة خنادق، على عددٍ غير محددٍ من الخنادق، المهم أنهم تخندقوا. متاريس الرمل تنفع. السيارات المحروقة تنفع. الجسور تنفع. الأحياء تنفع. البنايات العالية تنفع. تنفع من؟ وتنفع لماذا؟ هذا غير محدد. الغموض يلف البلد. عيون برج المرّ تحدق مظلمة، عمياء، الى المدينة. أين نمضي؟ التعبئة، التعبئة. الجميع ضد الجميع. الناس تخندقوا. هل يعود الوقت الأسود؟ نقطع المدينة قُطعاً صباح غدٍ؟ نرسم خطوط التماس ونسكن أطلال الهوليداي إن؟ ننتظر يومين بعد؟ ننتظر أسبوعاً؟ لكن لِمَ الانتظار؟ الانتظار يعذب. التوتر. الترقب. المعدة يجرحها الهمّ. تُصاب بالقرحة. القرحة مشكلة. عليك أن تتجنب الحوامض بعدها. الفول المدمس يؤذيك. البابا غنوج يؤذيك. التبولة تؤذي. البندورة تؤذي. متبل الحمص بالطحينة يؤذي. الفتة بالحمص واللبن تؤذي. هذه مشكلة. لماذا أقفل «بلادور» أبوابه؟ ابن خلدون لم يأكل فولاً مدمساً في بيروت يوماً. عاش قبل قرون وأحبّ الطعام المغربي. من يعرف طعام ابن خلدون المفضل؟ هل أحب البيض المقلي؟ أحب الصيادية والسمكة الحرّة؟

بيروت نائمة. الطرقات فارغة. الهواء بارد لحظة، مقبول في لحظة أخرى. عند النوم يبدو السلم شاملاً. هذه مدينة لم تعرف الحرب يوماً. اسمعوا هذا الصمت الحلو. هل المدينة مهجورة؟ الجيش منع التجول منذ الـ 8.30. أين الناس؟ لعلهم ركبوا البحر وهاجروا. أين يذهبون؟ قبرص صغيرة. لن تتسع قبرص. في بافوس تنام امرأة بيضاء يعرفها هوميروس. بافوس صغيرة. أين يذهبون؟ قمر خيالي يبرم في السماء، يطلّ كالشمس من وراء جبل صنين، قمر أصفر مدوّر كرغيف الخبز. ميخائيل نعيمة ليس معنا هذه الليلة. ناسك الشخروب غير مولع بالمدن وزحمة المدن ومشاكل المدن. لم يحبّ نيويورك. لم يحبّ موسكو. الشخروب أحلى. يقعد بين صخور وأشجار، يأكل زيتوناً ولبنة، يأكل زيتاً وزعتراً، يشرب شاياً محلى بعسل النحل، ويشكر ربّه على النعمة. ليس جبران. جبران ليس معنا هذه الليلة. الوقت مضى. الوقت يمضي طوال الوقت. الوقت وقت. العظم يرقّ. العظم يشفّ. يصير زجاجاً. يصير غباراً.

رجل دخل البحر قبل أيام كي يصيد سمكاً. ركب شختورة من شط الأوزاعي ودخل الى عرض البحر. هنا، في عرض البحر، البرد قارس. ترجف لابساً المعطف فوق كنزة الصوف، ترجف كأنك في براد موتى. الوقت غروب، نحن في الأيام الأخيرة من 2006، والبحر يتحول صفحة زجاج رقراقة برتقالية. تصيد سمكاً بأربع صنارات دفعة واحدة. السمك كثير هنا، ليس كالسمك عند الشط. لكن هذا البرد يقتل! وهذا الصمت الكامل! تلمع نقط الضوء على صفحة البحر، المساء يهبط على مهل. من هنا ترى المدينة كأنها تحترق. نور الغروب ينعكس في زجاج العمارات، يتوهج أصفر وأحمر. كأن بيروت تحترق. لكن بلا دخان. وأنت عائد الى الشط ترى مصابيح الكهرباء تضاء وترى أنوار المطار. تسمع أصوات المدينة تدنو: السيارات تعبر الطريق البحري. امرأة تصيح على امرأة. صوت البشر حلو. لا يعرف الواحد كم يحبّ البشر حتى يضع بحراً بينه وبينهم.

ابن خلدون جلس وحيداً بينما يكتب. لكنه لم يتنسك. رأى فظائع. لكنه لم يتنسك. خسر كثيراً. لكنه لم يتنسك. رأى سفينة تنكسر في عرض البحر. سفينة فيها زوجته، سفينة فيها أولاده. لم يتنسك. من يعرف ابن خلدون؟ ماذا أعطى ابن خلدون للطاغية الآتي من وراء الجبال؟ هل أعطاه حلاوة؟ من أعطى الآخر؟ أي صنف من الحلاوة الطحينية أعطاه؟ كيف كان طعمها؟ أعطاه حلاوة أم راحة الحلقوم؟

هذه السطور فيها مدينة نائمة على شط البحر. فيها منع تجول وأطعمة وأمراض. ماذا يكون التاريخ العاطفي للمدينة النائمة؟ ماذا يجمع سكان هذه المدينة؟ وماذا يُفرقهم؟ يحبّون البطاطا المقلية ويحبون الكبّة ويحبّون الفتوش ويحبّون الدجاج المحشي زراً. أي مشروبات يفضلون؟ أي حلويات؟ البقلاوة أم المعمول أم الكاتوه الإسفنجي؟ كلنا نأكل مناقيش صباحاً. مناقيش بزعتر، بكشك، بزعتر وجبنة (كوكتيل). نحبّ اللحم بعجين. نحبّ الجبنة والسبانخ (الحشوة سلق عموماً، لكن نقول «سبانخ»). هذا طعام الصباح. واذا كان ضرسك حلواً تأكل كنافة بجبن، أو كعكاً وسحلباً. ماذا يجمعنا؟ طعامنا وأمراضنا. نحبّ الماء. جسم الإنسان – وهذا مكتوب على قناني «صحة» و «ريم» و «مارو» و «ندى» و «صنين» و «نستلة» – نصفه ماء. «المياه مصدر الحياة. تشكل أكثر من 60 في المئة من جسم الإنسان». الماء يجمعنا. وهذا الدم الذي يدور في الشرايين، يدور دورته المقفلة، حتى نقطع في اللحم جرحاً فيتدفق الدم على الزفت.

هل نرى المنامات ذاتها؟ الكوابيس ذاتها؟ هل بعضنا يحبّ الوقت الأسود والآخر يفضل الضحك والبهجة والكوسى وورق العنب؟ المفروض أننا كلّنا نحبّ الكوسى وورق العنب. وحتى لو كنت تكره الكوسى فأنت لن تحسب آكل الكوسى عدوك.

الحياة طيبة في المدينة النائمة. تاريخها العاطفي غير مضطرب. الخير عام. براءة الأطفال تخيم على وجوهنا. لا أحد يكره أحداً. الحقد غير موجود. لا ينفع الحقد أحداً. ماذا قال ناسك الشخروب؟ الحقد يأكل صاحبه. أين ناسك الشخروب؟ الوقت يمضي. لا أحد يسمع أحداً. هذه ليست بلاد أفلاطون. العالم تطور. المثاليات وقعت. الجغرافيا أصل البلاء. الوقت الأسود يعود إذاً؟ المدينة علقت في عين الإعصار؟ علقت في ظلمة الدائرة؟ هذا ليس أكيداً. لعل العاصفة تقطع فوق الرؤوس. البحر يبدو مظلماً هذه الليلة. المدينة هاجعة. لكننا لا نسمع رعداً. المدينة تنام. ماذا ترى وهي نائمة؟

أبيض الثلج يكلّل صنين. ثلج ناصع البياض يملأ القلب أملاً. حتى في الليل ترى – من البعيد البعيد – هذا الثلج الناصع الأبيض.