‏إظهار الرسائل ذات التسميات فواز طرابلسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فواز طرابلسي. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، ٧ تشرين الأول ٢٠٠٩

اليمن بين استمرار الحرب والوساطات لوقفها

فواز طرابلسي
«الحرب مصرفيٌ، يتعاطى عملة ذهبية هي اللحم البشري»
(إيسكليس، «الثلاثية الأوريستية»)
تدخل الحرب اليمنية في محافظتي صعدة وعمران شهرها الثاني حاملة ظاهرتين جديدتين ومفارقتين: الأولى، هي إعلان الرئيس علي عبد الله صالح المضي في القتال ولو اقتضى الأمر خمس أو ست سنوات إضافية.
والثانية، هي بدء الوساطات العربية ومطلعها زيارة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى لصنعاء هذه الأيام.
للحروب وظائف كثيراً ما يجري التغاضي عنها عند التباكي على ضحاياها. فالحروب وسيلة فذة للحفاظ على الأنظمة القائمة بافتعال خطر خارجي أو فتنة داخلية تستوجب التعبئة حول السلطة والاستنفار ضد العدو وتصدير أزمات النظام وطمس القضايا التي يعجز عن معالجتها. والحروب فرص ذهبية للمقاولة الاقتصادية عالية الأرباح.
حروب الرئيس علي عبد الله صالح، الشبيهة إلى حد كبير بحروب صدام حسين، تجمع وظيفتي الحروب معاً. الوظيفة «الذهبية» ذكّرتنا بها صنعاء إذ نشرت قائمة لتجار أسلحة تتهمهم بتهريب الأسلحة للحركة الحوثية. ومن غرائب الإعلان أن في رأس قائمة تجار السلاح رئيس لجنة الوساطة مع الحركة الحوثية الذي هو في الوقت ذاته شقيق محافظ صعدة. في الأمر فضيحة مزدوجة: الأولى تغاضي سلطات صنعاء عن هؤلاء التجار إلى الآن... والثانية أن كشف تجار السلاح هؤلاء يغطي على التجار الذين يجنون الثروات الطائلة من خلال صفقات السلاح للقوات المسلحة الحكومية. ولا حاجة إلى كبير تفكّر للافتراض بأن هؤلاء من صميم العصبية الحاكمة في صنعاء.
وطالما نحن في مضمار الاقتصاد السياسي، لا يجوز أن ننسى أن الحروب مناسبات لاستدرار المساعدات المالية الخارجية. فـ«تغريب» الحرب وتصويرها أنها حرب ضد الدعم الإيراني للحركة الحوثية على حدود العربية السعودية شكّل المبرّر الرئيس لكي تغدق المملكة على تمويل الحرب، وهو أمر لم يعد سراً على أحد.
أما ظاهرة الوساطات العربية، فالمفاجأة فيها أن السلطة التي كانت ترفض أية وساطة بل أعلنت انتهاء الوساطة القطرية، كأنها تستدعي الوساطات استدعاءً هذه الأيام. وتخطو عملية تعريب الأزمة اليمنية خطوة إضافية من حيث التعقيد إذ تعلن قيادة الحراك الجنوبي سلسلة من التحركات في كافة المحافظات الجنوبية للمطالبة بانفصال الجنوب لمناسبة زيارة عمرو موسى.
من أجل استكمال الخطوط المتشابكة للأزمة اليمنية، لا بد من ملاحظة أن وساطة الأمين العام للجامعة العربية ترافقت مع الإعلان عن وساطة مصرية تدعمها أنظمة «الاعتدال» العربية وتباركها الولايات المتحدة الأميركية. هذا في حين لا يخفي «الوسيط» المصري انحيازه إلى نظام صنعاء على لسان الرئيس مبارك فيما وزير خارجيته يؤكد زعم صنعاء وجود تدخل خارجي إيراني في الحرب.
هل استدعاء الوساطة العربية إعلان عن العجز عن الحسم العسكري الذي وعدت به حكومة صنعاء منذ الأيام الأولى للحرب والسعي إلى أن تحرز بالسياسة ما عجزت عن تحقيقه بالحرب؟ أم هي مناورة تستجيب لضغوط عديدة من أجل وضع حد للحرب والكوارث الإنسانية الناجمة عنها؟
يصعب الحسم.
المؤكّد أن المطلوب إعلان وقف فوري للدوامة الدموية وفتح الطرقات والممرات لتمكين فرق الإغاثة من العناية باللاجئين وقد جاوز عددهم 150 ألف لاجئ.
والمؤكّد أن أي مبادرة لوقف النزف يجب أن تنطلق من مبدأ أن لا حل أمنياً وعسكرياً ممكناً للنزاعات الجارية في اليمن. وكم كان الأجدر أن تصرف الأموال الطائلة التي هدرت على السلاح والعتاد الحربي والقتل والحروب على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية والثقافية في مناطق النزاع.
لا يكفي التذرّع بالقول إن الحرب استمرار للصراع السياسي ولكن بوسائل أخرى من أجل العودة إلى تغليب السياسة على العنف. لكي ينتقل الصراع من طوره السياسي إلى طور الوسائل الأخرى، أي العنف، كان لا بد أن يكون لذلك أسباب أكثر جذرية من أسباب النزاع السياسي.
فالمؤكّد أن اليمن يحتاج إلى تعاقد جديد بين مكوّناته الاجتماعية والسياسية وبين الشعب والحكّام. تعاقد جديد تفرضه إطاحة الحكم الفردي بإرهاصات الديموقراطية التي حملتها الوحدة عام 1990 وفي الوقت ذاته إطاحته بالوحدة بما هي شراكة بين شركاء أحرار ومتساوين. في صلب الأزمة اليمنية، شمالاً وجنوباً وفي البلاد كلها، يكمن الحكم الفردي، المتكل على عصبية ضيقة حاكمة، تطلق المعارضات العصبية المقابلة، وإلى التمييز بين المواطنين من حيث حقوق المعتقد والمواطنة والتهميش المتزايد الذي يغذي النزعات المناطقية الاستقلالية أو الانفصالية.
فعندما تكون الوحدة صنواً للمركزية والتمييز بين المواطنين، على أساس مناطقي وجهوي، تكون في معرض حفر قبرها بيدها وتشكيل التربة الخصبة لنمو وازدهار النزعات الانفصالية.
في المقابل، فلا حل للمسألة الجنوبية خارج اليمن الموحّد. ذلك أن البديل عن الوحدة لن يكون جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، التي اغتالها قادتها بأيديهم عام 1986، وإنما دويلات الجنوب اليمني المجزأة إلى الأربع والعشرين مشيخة وسلطنة. فلا بد من أجل تجديد الوحدة من الاعتراف بوجود مسألة جنوبية ناتجة عن مترتبات حرب العام 1994 وما تلاها من ممارسات التهميش والتمييز بين مواطني الدولة الواحدة. ولا بد من الشروع بمعالجتها ابتداءً من إعادة المفصولين والمتقاعدين قسراً إلى أعمالهم وإيفائهم جميع حقوقهم المادية؛ مروراً بالبت السريع بالنزاعات على الأراضي والعقارات بمقتضى توصيات اللجان الرسمية وإزالة أشكال التمييز الأخرى ذات الطابع المناطقي أو الجهوي.
من جهة ثانية، تزعم السلطات اليمنية الدفاع عن الجمهورية في وجه حركة حوثية متهمة بالعودة إلى الإمامة. ولكن، عندما يتحوّل رئيس الجمهورية ذاته إلى إمام مطلق الصلاحيات، وعندما تصير الجمهوريات «جملكات» تمارس هي ذاتها التوريث، كيف لها أن تحافظ على أية شرعية في وجه من يقوم تصوّرهم للنظام السياسي الإسلاموي على التوريث أصلاً، خصوصاً إذا كانوا يدّعون الانتساب إلى أهل البيت؟
من هنا المطلوب تعاقد جديد بين اليمنيين، عبر حوار وطني يشمل كافة الأطياف لإجراء تعديلات دستورية تمنع التوريث وتعيد التوازن بين النظام الرئاسي والنظام الانتخابي. ولا بد لتلك التعديلات وما يواكبها من ممارسات أن تؤدي إلى تعزيز التعددية السياسية والحزبية والصحافية، ومكافحة الفساد، وتأمين شفافية العلاقة بين المسؤولية الحكومية ومزاولة الأعمال، وتحقيق اللامركزية الإدارية الواسعة الصلاحيات والمرتكزة إلى مجالس المديريات والمحافظات المنتخبة، وتنفيذ مبدأ تداول السلطة من خلال تنظيم الانتخابات النيابية المؤجلة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

الأربعاء، ١٦ أيلول ٢٠٠٩

ذلك الأسبوع من أيلول


فواز طرابلسي
لعل الأسبوع الممتد بين الاثنين في 13 والسبت في 18 أيلول 1982 يكاد ينفرد في أنه الأسبوع الأكثر كثافة ودرامية في الحروب اللبنانية. احتشدت فيه أربعة أحداث، أقل ما يُقال فيها أنها تاريخية: اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل؛ احتلال القوات الإسرائيلية لأول عاصمة عربية؛ انطلاقة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال؛ ومجزرة صبرا ـ شاتيلا.
ولا حاجة لتفكّر كبير ليكتشف المرء الحلقات المتصلة التي تربط هذه الأحداث بعضها ببعض. ولا مبالغة في القول أيضاً إنه بقدر ما أدت أحداث ذلك الأسبوع إلى تحوّلات جذرية في مسار الحروب اللبنانية وتوازنات القوى الداخلية والإقليمية والدولية المرتبطة بها، بذاك القدر تشكّل الأحداث الأكثر استعصاءً على الذاكرة وبالتالي الأكثر استدعاءً للقمع والتغييب في الخطاب السياسي والسلطوي السائد.
يوم اغتيال بشير الجميّل كتبتُ النبذة التالية في يومياتي (المنشورة بعنوان «عن أمل لا شفاء منه»): «كان بشير الجميّل يجسّد كل ما لا أتمناه لهذا البلد، لكن الاغتيال آذن بأفدح الكوارث (...) اليوم عيد الصليب. لبنان على الصليب مجدداً».
أستعيد هذه الكلمات الآن للتأكيد على أن كل اغتيال سياسي جريمة نكراء لا يبرّرها شيء وتستحق الإدانة الصريحة غير المشروطة.
يبقى أن «الرئيس المنتخب» كان زعيم ميليشيا وصل إلى الرئاسة الأولى للبلاد في انقلاب اختمر عبر سنوات، تواطأ عليه الرئيس الياس سركيس، وأسهم في الإعداد له جوني عبده، ذراعه الأمني الضارب. وجاء بشير الجميّل إلى السلطة محمولاً على الدبابات الإسرائيلية المحتلة والدعم الأميركي غير المحدود. أما الوجه «الدستوري» لانقلابه فتمّ عن طريق تجميع نصاب وأكثرية برلمانية بالإرهاب والرشوة ومنع النواب من مغادرة بيروت الشرقية واستجلاب النواب المرضى من باريس على المحامل وصولاً إلى محاولة اغتيال أحد النواب لتخفيض النصاب القانوني. ولم يكن غريباً أن يرى الرئيس المنتخب إلى نفسه، في خطاب القسم، على أنه خارج ممّا أسماه «المقاومة» أكثر منه معبّراً عن الإرادة الشعبية، ويزعم أنه تتوحّد في شخصه «الأمة» والدولة.
منذ ذلك الحين، لم يقتصر الماشون «على دعسات» بشير الجميّل على ورثته المباشرين بين الأهل والسلالات الكتائبية. حذا حذوه، في ابتناء «الكانتونات» ومحاولات الانقلاب لفرض حكم اللون الواحد والاستقواء بالأطراف الخارجية على الخصوم المحليين، عدد من الزعماء والأحزاب من أطياف مختلفة.
يمكن أن يُقال الكثير عن احتلال الجيش الإسرائيلي لأول عاصمة عربية (وقد كان العذر فيها اغتيال الجميّل). ولعل ما لم يُقل بوضوح أكبر وبحدة أشد هو أن احتلال بيروت كان بمثابة تصعيد حاسم للتدجين الإسرائيلي للأوضاع العربية لتقبّل جرعات متزايدة من فرض «الأمر الواقع» عليها. فكأن كل شيء صار بعد بيروت 1982 أكثر طواعية، وقد تجلى ذلك في حرب تموز 2006 وحرب غزة الأخيرة.
لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن الجيش الإسرائيلي قد غزا لبنان واحتل عاصمته في ظل قرار من السلطة السياسية مَنَع الجيش اللبناني من ممارسة دوره الأكثر بديهية في صد العدوان والدفاع بالقتال عن الوطن من الناقورة إلى النهر الشمالي الكبير وجسر القمر. وان هذا الحَجْر على مؤسسة الدفاع الوطني هو الذي دفع فئات من المجتمع والشعب، متنوعة الانتماءات المناطقية والمذهبية والعقائدية والسياسية، إلى أن تتولى مهمة المقاومة بنفسها. وهذا الذي يفسّر الآن لماذا يوجد سلاح خارج عن مؤسسة الدفاع الوطني.
مهما يكن، فقد استقبلت بيروت أيلول 1982 الاحتلال بالقتال وأخرجته بالقتال بعد أقل من أسبوعين. شهد روبرت فيسك على ذلك بقوله («التايمز» اللندنية، 27 أيلول 1982): «لعل الإسرائيليين غادروا القطاع المسلم (كذا) من المدينة في الوقت المناسب... كانت عمليات الاغتيال ضد أفراد القوات الإسرائيلية في بيروت الغربية تتوالى بمعدل واحدة كل خمس ساعات. وكان الجنود الإسرائيليون قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات ضدهم».
وبيروت هذه لم يكن لها من هوية آنذاك غير دماء أبنائها.
لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا ـ شاتيلا، وإن احتكرت مجازر الحروب اللبنانية بسبب ما أثارته في الرأي العام العالمي، لم تكن المجزرة الوحيدة في الحروب اللبنانية. كانت قبلها مجازر في الدامور والعيشية والكرنتينا وتل الزعتر وسواها من مجازر لم تنل حقها من الإدانة أو نصيبها من الإعلام والإنتاج الأدبي والفني.
ولم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن تحميل الذنب عن المجزرة للطرف الإسرائيلي وحده أو إلقاء وزرها على إيلي حبيقة بمفرده يجب ألا يعفي من المسؤولية القيادات اللبنانية التي اتخذت قرار القتل ولا العشرات، بل المئات من مسلحيها الذين دخلوا المخيمين من حملة الرشاشات والخناجر والفؤوس.
وقد يسأل سائل: وما وظيفة التذكير بكل هذا؟
أولاً، وظيفة التذكير هي أن تملي علينا التساؤل عمّا تعلّمناه؟ ثانياً، نذكّر ونتذكّر من أجل أن ننسى. أن ننسى ولكن بعد تصفية الحساب والمحاسبة السياسية والمعنوية والأخلاقية. إذ ليس ينسى المرء إلا ما يعرفه ويتذكّره. وهو ليس ينسى ما قد غيّبه عن ذاكرته أو استبدله بذاكرة مخترعة بديلة. ثالثاً، نتذكّر حتى لا يتكرّر الخطأ.
أخيراً، لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا ـ شاتيلا كانت التطبيق العملي لشعار «رفض التوطين» عن طريق التهجير القسري للمدنيين الفلسطينيين بواسطة المجازر والإرهاب. هذا ما شهدت عليه صحيفة «سكيرا هوديتشيت»، الناطقة باسم وزارة الحرب الإسرائيلية، عندما عرّفت الغرض من المجزرة على أنه «استثارة هجرة شاملة للسكان الفلسطينيين أولاً من بيروت، ومن ثم من سائر أنحاء لبنان» من أجل «خلق توازن سكاني جديد في لبنان».
أما أن يحذرنا التيار الوطني الحر ـ ومعه حليفه النائب السابق إيلي سكاف ـ من «عودة التوطين» عشية ذكرى مجزرة صبرا ـ شاتيلا فأمر يثير أشد الاستغراب، خصوصاً أن أحد مسؤولي التيار يريد إقناعنا بمعادلة دائرية من منوّعات «حرب الآخرين» تقول: اندلعت الحرب الأهلية بسبب «التوطين»؟ فإذا تكرّرت الحرب الأهلية يقع... «التوطين»! والشاطر يفهم. والساذج يسأل: «التوطين» الذي يُقال لنا إنه ضار باللبنانيين عموماً ـ ولم يفدنا أحد بعد كيف ـ هل كان وراء حربَي «التحرير» و«الإلغاء»، أكبر حربَيْن «أهليتين» مدمّرتين أوصلتا المسيحيين منهكين خاسرين إلى اتفاق الطائف وبئس المصير؟
يصعب تبيّن الصلة بين «عودة التوطين» والأزمة الوزارية، أو عقد الرابط بين تلك «العودة» والعودة إلى تكليف النائب سعد الحريري بتشكيل الوزارة المنتظرة. اللهم إلا إذا نظرنا إلى «التوطين» على أنه «شيفرة» مثلها مثل سائر الشيفرات ـ فلسطين والعروبة، المحكمة الدولية، «عودة» سوريا، إلخ... إلخ. ـ يتداولها زعماء عاجزون ليس فقط عن استخلاص الدروس من الماضي الفاجع، بل حتى عن تشكيل وزارة.

السبت، ٥ أيلول ٢٠٠٩

في شروط السجال ومعانيه

الصفحة الأولى تاريخ العدد 02/09/2009 العدد الأكثرية والأقلية:

في شروط السجال ومعانيه

فواز طرابلسي


أول ما ينبغي التفاهم عليه للتدخل في السجال الدائر حول الأقلية والأكثرية، أمران:
[ شروط السجال.
[ المعاني المعطاة للمصطلحين «أكثرية» و«أقلية».
أما عن شروط السجال فبعد الإمعان بما دار من سجالات وردود أفعال، تقتضي الصراحة الإعلان عنها بالفم الملآن وبالوضوح الكافي، وإن كان هذا يدعو إلى ارتفاع أكثر من حاجب تعجباً أو ارتفاع العقيرة الاستنكاري.
يجب النظر إلى جميع المساهمين في هذه الحوارات والسجالات، مهما غلظ الكلام فيها، على أنهم مواطنون متساوون في حقهم في إبداء الرأي. لا فضل هنا لرجل دين أو عالم دين على آخر أو لرجل دين على أبناء هذه الدنيا (رجالاً ونساءً) إلا لقوة الحجة والإقناع في مباريات التأثير في الرأي العام وكسبه.
لا فضل هنا ولا امتياز. ولا معنى للتذكير بسمو المقامات والتراتبيات ولا لاستنكار «التطاول» عليها ولا بالزج بـ«ملح لبنان» أو بزج من أعطي أو لم يعطَ «مجد لبنان له» في السجال. الكل سواسية هنا كأسنان المشط، في الحق في إبداء الرأي، مهما علا كعبهم في أدوار «أخروية» لهم، في مؤسساتهم ومراتبهم الدينية. وهي، الثماني عشرة من مراتب رجال الدين وعلمائه، تستحق كل الاحترام والتقدير.
فرجل الدين أو عالم الدين الذي يدلي برأي في السياسة، يقوم بذلك بصفته الفردية بما هو مواطن وعلى حسابه الخاص. ففي هذا الحيز، المعرّف تخصيصاً بأنه مجال التناقض والخيارات والاستنساب وعلاقات القوى، لا مجال للتحليل أو التحريم والأهم لا مجال لاستدعاء المقدّس أو ادعاء النطق باسم الجماعة الدينية. هذا إذا أردنا أن لا يتحول السجال إلى ما لا تسمح به لا الدنيا ولا الآخرة.
فالذي يريد أن يلاعب «قط» السياسة عليه أن يحتمل خمشاته، كائناً من كان، وإلا فحري به التخلي عن إبداء الرأي في أمور الدنيا. فإما أن يصير هذا بمثابة العرف والتقليد في حياتنا السياسية، إذا كنا نريد أن نتدارك الأسوأ، وإما أن يجري التفاهم على امتناع رجال الدين وعلماء الدين عن التعاطي في الشؤون السياسية قولاً وفعلاً. وهو طبعاً وأقصى المنى.
عدا عن هذا، يقوم السجال الدائر حالياً على خلط كبير وسوء تفاهم أكبر في معاني الأكثرية والأقلية. فدعاة تشكيل الحكومة على قاعدة الأكثرية السياسية لا يبدو أنهم يكترثون لكون الأكثرية المقصودة تقصي القسم الأكبر من الممثلين السياسيين للجماعة الشيعية عن المشاركة الفعلية في القرار التنفيذي، أو تحوّلها إلى كمّ مهمل في القرار التنفيذي. أما الذين يردّون على هذا باسم الأكثرية العددية، فإنهم يهددون عملياً بالطغيان العددي يمارسه ممثلو الطائفة الأكثر عدداً في البلد وهي الطائفة الشيعية.
غني عن القول هنا أن كلتا وجهتي النظر تستطيع الاستنجاد بالدستور دعماً لـ«أكثريتها». والمعلوم أن الدستور المنبثق عن اتفاق الطائف قائم على ثنائيتين: الثنائية الأولى أنه يشرّع لنظام رئاسي ونيابي في آن (بل انه بات نظاماً «وزارياً» أيضاً، بعد اتفاق الدوحة). والثنائية الثانية هي ارتكاز النظام السياسي على مبدأين: المواطنة وحكم الأكثرية، من جهة، والتشاركية بين الجماعات المعرّفة طائفياً ومذهبياً، من جهة ثانية.
إذا كان اقتراح حكم الأكثرية السياسية، والرد عليه باسم حكم الأكثرية العددية، من قبيل الذهاب في الأمر إلى أقصاه، يصير السؤال: يوجد حل وسط بين الحدّين؟ أرجح الظن، كما بيّنت التجربة، أنه يمكن أن يكون تسويات بينهما وتعطيلاً لا حلاً.
حقيقة الأمر أن لبنان قد جرّب كل المنوعات التي أمكن ابتكارها في جدل الأكثرية والأقلية هذا.
ـ عند قيام لبنان الكبير عام 1920، اكتشف أن سكان لبنان كادوا يكونون متساوين من حيث الانتماء الطوائفي بين مسيحيين ومسلمين، فجرى تحويل جميع اللبنانيين إلى «أقليات». فصار الحكم شراكة بين «الأقليات الدينية المتآخية» على ما صاغ ميشال شيحا. على أن تطبيق المنطق الأقلوي على جميع اللبنانيين لم يحل دون تطبيق القاعدة العددية من حيث توازع مراكز الحكم والتمثيل السياسي والإداري. هكذا نالت الأقلية الأكبر عدداً ـ الموارنة آنذاك ـ الأسبقية السياسية.
ـ خلال عهود الاستقلال الأولى، تكرّست تلك الأسبقية المارونية في نظام رئاسي شبه مطلق الصلاحيات في مقابل استغناء النخب المارونية عن الحماية الأجنبية.
ـ بسبب استئثار نخب النظام الاستقلالي، اقتضى الأمر حربين أهليتين كي «تدخل» سائر «الأقليات المتشاركة» الأخرى في الشراكة اللبنانية. أفضت «حوادث 1958» إلى لون من الشراكة غير المتكافئة للنخبة السنية. وأعلنت حرب 1975 ـ 1990 الأهلية دخول الجماعة الشيعية إلى قلب النظام في توازع جديد للقوى بين الطوائف الثلاث الرئيسية.
ـ ما من شك في أن نظام الطائف، وإن يكن لم يلبّ قطعاً طموحات «الأقليات المتشاركة» السنية والشيعية وأدوارها، فالمؤكد أنه خلق شعوراً بالأقلوية لدى المسيحيين عموماً، يتضافر عليه فقدان الأكثرية العددية وتناقص الأرجحية السياسية وتبدّد الأسبقية الاقتصادية. ومع أن النخب السياسية المسيحية تتحمّل مسؤولية كبرى في إيصال الأمر إلى هذه المواصيل، فما من شك في أن هذا الشعور يتعمق مع انتشار الأصوليات وتفجر المذهبيات من كل حدب وصوب. فإذا كان ثمة حرص على أن لا يلقى مسيحيو لبنان مصير مسيحيي فلسطين، وجب الاعتراف بأن ثمة مشكلة مسيحية قائمة بذاتها ومن الضروري إيجاد حل لها.
على أن المصيبة هنا أن ما تجمع عليه معالجات معظم القوى المسيحية السياسية يكاد لا يخرج عن تجريب المجرّب: السعي لاستعادة الأرجحية السياسية من خلال استعادة الدور السابق لرئيس الجمهورية وصلاحياته شبه المطلقة.
وهو تجريب المجرّب ليس فقط لأنه يتم في حضور قوتين شبه متوازيتين لن ترضى أي منهما إعادتها إلى مركز ثانوي، وإنما أيضاً لأن المطالبة بصلاحيات استثنائية لرئاسة الجمهورية تستدعي نظاماً رئاسياً لم يعد بالإمكان أن يتم على قاعدة انتخابه من المجلس النيابي، بل تستدعي انتخابه من الشعب مباشرة. وهذا أمر ممكن ومقبول، لأن به يتوازن النظام السياسي بين رئاسي ونيابي.
باستثناء ذلك، يكون الحل ببساطة وبالتكرار: تطبيق الدستور. أي القبول بثنائية تمثيل الأفراد/تمثيل الجماعات من خلال مجلسين: مجلس نواب خارج القيد الطائفي وبالانتخاب على أساس النسبية واللوائح المقفلة والدائرة الواحدة، ومجلس شيوخ، منتخب مباشرة من الطوائف بما هي وحدات انتخابية، يبت بالقضايا ذات الأهمية الوطنية والمصيرية كما هو وارد في الدستور، على أن يعطى فيه أرجحية مسيحية، إذا كان ثمة نية فعلية للقبول بتنوّع لا يؤدي إلى استئثار ولا إلى غلبة.
إذ ذاك فقط تصير الأقلية والأكثرية وراءنا حقاً، لا بالتأجيل والتجاهل والمزايدات الكلامية من «تعايش» و«عيش مشترك»، ناهيك بـ«العيش الواحد».
وحتى لا «تشطح» بنا الحماسة فنحسب أننا اكتشفنا الكنز العثماني، أو مفتاح المعجزة، لنعترف، مع الأسف، بأن «الأكثرية» المناط بها مثل هذا التغيير لم تصل بعد إلى مستوى «الأقلية» لتصير لها فعالية ما في حسم هذا الجدل في الأكثرية والأقلية...

الجمعة، ١٩ حزيران ٢٠٠٩

خطاب نتنياهو: برسم التاريخ والنفط!

فواز طرابلسي
حسم خطاب نتنياهو الأخير في حقيقة أنه لا يوجد شريك إسرائيلي للسلام بواسطة لاءاته الثلاث: لا دولة، لا عودة، لا قدس. وأكدت استطلاعات الرأي الأخيرة أن هذا الخيار يحظى بتأييد أعلى نسبة ممكنة من الإسرائيليين (71%).
ولم يقتصر خطاب نتنياهو على تثبيت أمن إسرائيل بما هو الشرط الأوحد في أية تسوية، بل كرّر أيضاً الشروط الفلسطينية والعربية المعروفة لحماية أمن إسرائيل.
سوف يذكر التاريخ خطاب جامعة بار إيلان، لسببين: الأول، هو النقلة النوعية في الخطاب الإسرائيلي بالعودة إلى أصول النزاع من أجل إلغاء الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه.. والثاني، هو اكتساب «السلام الاقتصادي» معاني جديدة كل الجدة.
بناء على هذه العودة إلى أصل النزاع، يجب أن نصدّق، ويصدّق العالم، أن الوطن التاريخي لليهود (وقد أعاد إليه نتنياهو اليهودية والسامرة) في أرض فلسطين يعود إلى 3500 سنة. يجب أن نصدّق ذلك، رغم حقيقة أن القاصي والداني، بما فيه المؤرخون الصهاينة أنفسهم، يعرف أن اليهود غادروا أرض فلسطين منذ العام 70 ميلادية. وأما العرب الذين استوطنوا فلسطين على امتداد أربعة عشر قرناً، في منطقة غيّرت لغتها من العبرية إلى الأرامية فالعربية، فيجب إقناعهم، ومعهم سائر العالم، بأنهم «الضيوف» الذين يعيشون وسط «الشعب اليهودي» على «أرضه»!
وقد لا يختلف المرء مع نتنياهو في أن مقاومة الشعب الفلسطيني المسلحة للمستوطنين الصهاينة بدأت عام 1920. أما الاستيطان بالقوة الذي تكرّس ذلك العام، في ظل حراب المستعمر البريطاني وضد إرادة شعوب المنطقة في الاستقلال والوحدة ورفض المشروع الصهيوني في فلسطين، حسبما أورد تقرير «لجنة كينغ كراين» إلى عصبة الأمم، أما هذا الاستيطان الاستعماري فليس بأي حال عملاً عدوانياً يستدعي أن يقابله عنف مقاوم.
كذلك يريدنا نتنياهو أن نصدّق أن الذين بادروا إلى الحرب عام 1948 كانوا الفلسطينيين لأنهم لم يعترفوا بقرار التقسيم. هل هذا صحيح؟ الصحيح أن الحكّام العرب والقيادة الفلسطينية رفضوا قرار التقسيم الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1947. رفضوه بواسطة الضغط الدبلوماسي والتصريحات العلنية. على أن مَن رفض القرار فعلاً وخطّط عسكرياً وسياسياً لمنع قيام الدولة الفلسطينية ـ منذ ذلك الحين!! ـ ونفّذ ذلك المنع عملياً فهم الصهاينة أنفسهم. وضعت القيادة العسكرية الصهيونية خطة للتطهير والتهجير العرقيين تقتضي توسيع حدود الدولة اليهودية من خلال احتلال الجليل لمنع التواصل بين الدولة العربية ولبنان وسوريا. وقضت الخطة أيضاً بإجلاء أكبر عدد ممكن من السكان العرب من أراضي الدولة اليهودية (حيث كانوا يشكلون الأكثرية السكانية) بواسطة المجازر النموذجية وقوة السلاح. على أن الذي قضى نهائياً على قيام الدولة الفلسطينية عام 1948 هو اتفاق القيادة الصهيونية والملك عبد الله (الأول) في مفاوضات سرية بينهما على استيلاء قوات ملك الأردن على القسم الأكبر من الأراضي المقررة للدولة الفلسطينية وضمها إلى مملكته. وهذه كلها خطط وسياسات ومفاوضات وممارسات باتت حقائق تاريخية أكدها مؤرخون إسرائيليون بناء على الأرشيف العسكري الإسرائيلي.
فلسطين في حدود الكانتونات الثلاثة الواقعة افتراضياً تحت سلطة محمود عباس المنتهية الصلاحيات تهدّد أمن إسرائيل. يجب أن نصدّق ذلك. ومعنا العالم كله. وإسرائيل، ذات رابع أقوى
جيوش العالم، بطيرانها وصناعتها الحربية، والمئتي رأس نووي، إسرائيل التي شنّت لم يعد المرء يدري كم حرباً على جيرانها الأقربين في الأعوام 1956 و1967 و1978 و1982 و1993 و1996 و2006 و2008، إسرائيل هذه، التي ضربت المفاعل النووي العراقي، وطاولت عمليات إرهاب الدولة التي تمارسها أراضي السودان والقارة الأفريقية، ولا تزال تهدد بضرب المفاعلات النووية الإيرانية، هذه الإسرائيل لا تهدّد أي جار من جيرانها الأقربين والأبعدين!
الأمر الثاني الجديد في خطاب نتنياهو هو تحويله «السلام الاقتصادي» مصيدة لاستجلاب الأموال النفطية الخليجية للتوظيف في مشاريع مشتركة تنفذها إسرائيل. قد يظن المرء للوهلة الأولى وكأن نتنياهو يقترح مشاريع تنموية وخدماتية غرضها تحسين الأوضاع المعيشية لسكان الأراضي الفلسطينية المحتلة. تتغيّر الصورة كلياً عندما نقرأ الخطاب. نتنياهو المعجب بـ«المشاريع المبهرة... في الخليج الفارسي» يقترح «تحلية المياه» و«استغلال الطاقة الشمسية واستغلال موقعنا الجغرافي لمد خطوط الغاز والنفط وطرق المواصلات التي تربط أفريقيا بآسيا وآسيا بأوروبا». والمعروف أن للإسرائيليين خبرات خاصة في تحلية المياه وفي استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الطاقة، يعرضها رئيس وزرائها على العربية السعودية ودول الخليج ذوات الشموس الحارقة والمياه الشحيحة. أما «استغلال موقعنا الجغرافي» فالمقصود به، طبعاً، موقع إسرائيل. والاقتراح هو نقل النفط والغاز العربيين إلى البحر الأبيض المتوسط على الساحل الفلسطيني.
يبقى مَن يصدّق أن هذا الزواج بين الخبرات الإسرائيلية والأموال النفطية من شأنه تحسين الأحوال المعيشية لسكان الأراضي الفلسطينية المحتلة!
السؤال مجدداً: ما الذي يسمح بكل هذا الصلف الإسرائيلي؟
في مجال الصلف التاريخي، ليس غريباً أن تواصل الصهيونية محاولاتها محو الذاكرة الفلسطينية وإزالة معالم ومراحل العملية التاريخية لنشأتها بالاعتماد على التاريخ الخرافي وأرض الميعاد والحقوق التوراتية. لكن الغريب حقاً أن تستطيع أعمال الاستبدال التاريخية هذه أن تفيد من الاهتراء شبه الكامل للرواية الفلسطينية والعربية عن النزاع العربي الإسرائيلي. فقد تحولت تلك الرواية، بعد عقدين من الزمن على الحلول الثنائية واتفاقية أوسلو ومبادرة السلام العربية، إلى تأتأة ترتضي بالرواية الإسرائيلية والغربية التي تعيد «أصل» النزاع إلى حرب حزيران 1967 طالما أن الحل بات يتعلق بآثار تلك الحرب.
أما الصلف الاقتصادي، فيسمح به تحويل مشروع السلام العربي، إلى مبادلة التطبيع العربي بالانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967 والدولة الفلسطينية. وعندما يصير التطبيع «الورقة الأخيرة» للضغط على إسرائيل، على ما ورد على لسان وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، فهل من المستغرب أن يدور البحث في بدائل أو مداخل «اقتصادية» للتطبيع، بعد أن قدّمت غير دولة عربية، من موريتانيا إلى مصر فدول الخليج والأردن، ما يكفي من البراهين على استعدادها للفصل بين التطبيع التجاري والاقتصادي غير المشروط بأي شرط يخص التقدم في مسار التسوية أو الحل وبين التطبيع السياسي والدبلوماسي المسمّى «ورقة الضغط الأخيرة»؟

الخميس، ١١ حزيران ٢٠٠٩

رابح لن يحكم وخاسر لن يعارض

رابح لن يحكم وخاسر لن يعارض

فواز طرابلسي
في تحليل الانتخابات النيابية، يجري التركيز على الانقسام بين الكتلتين المتنافستين، لذا يجدر التذكير بما يجري إهماله: حقيقة أن معظم الفائزين ينتمون إلى واحدة من ثلاث فئات: كبار الرأسماليين وزعماء الميليشيات وأحزابها وبقايا السلالات السياسية. وحقيقة أنه في هذه المعركة الأخيرة، تفوقت الفئتان الأولى والثانية على الفئة الثالثة، عدداً على الأقل. ولا بد من الإضافة أن عدداً لا بأس به من النواب الجدد، البالغ عددهم 47 نائباً، هم إما من نتاج التناسل السلالي أو أنهم قد وصلوا إلى النيابة من خلال عملية تبديل للمرشحين الحزبيين.
لا معنى لإلقاء اللوم على «قانون الستين» من حيث المسؤولية عن الاعتصاب والتجييش الطوائفيين. فالقانون بحد ذاته لا يفسّر النتائج التي أدت إليها الانتخابات. يكمن التفسير في شبه الإجماع بين أطراف الطبقة السياسية على اعتماده. فالقانون الانتخابي لا يفعل مفعوله بغض النظر عن إطاره الزمني والمجتمعي والنفساني. كان الغرض من اعتماد هذا القانون في عهد فؤاد شهاب استيلاد زعامات متوسطة لكسر احتكار زعماء المناطق المسيطرين على التمثيل النيابي في المحافظات. أما العودة إليه، بعيد حرب أهلية ساخنة وتداعياتها العنيفة في 2005 و2008، فقد خدم العكس تقريباً: كرّس احتكار عدد من زعماء الأحزاب والميليشيات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لتمثيل طوائفهم وإقفال التمثيل السياسي لمعظم الطوائف خلا الطوائف المسيحية.
بهذا المعنى، أدخلت انتخابات الـ2009 تعديلات في الجغرافية النيابية لا في توازن القوى الفعلي بين الطوائف والمذاهب المسيّسة. فالمقياس، على ما أعلمنا أحد نواب كتلة «الوفاء للمقاومة» ليس من فاز في الانتخابات، أو من لم يفز، بل من هو المسيطر في طائفته. فهذه هي التشاركية. وليس صدفة أن القسم الأكبر من المقاعد حُسم أمره سلفاً ـ مع أن الأمر لم يخل من المفاجآت ـ وأن أعمال التصويت كانت أشبه بـ«الاستفتاءات» في الدوائر حيث للقوى المختلفة، وخصوصاً «حزب الله»، أكثريات كاسحة من الأصوات.
تفصيل ليس بالصغير هو عدد الذين صوّتوا بالورقة البيضاء. زاد عن الأحد عشر ألفاً. تصعب معرفة من هم هؤلاء تحديداً. لكنهم بالتأكيد خميرة للزمن الآتي عندما «تنجلي الرغوة عن الصريح»، رغوة 8 و14 عن صريح الإرادة الحرة للبنانيين.
يبقى أن أغرب التعليقات على حصيلة الانتخابات هو كيل المدائح لـ«التعدد المسيحي الباهر» من طرف المعجبين بأداء 14 آذار، يقارنونه بـ«الأحادية الكاسحة» عند الدروز والسنّة والشيعة.
فات هؤلاء أمران: الأول، إن موضوع المبارزات الفعلية بين الأفرقاء المسيحيين لم يكن حماية التعددية، بل كان ولا يزال المنافسة عمّن يكون الزعيم القوي الذي يعيد لموقع الرئاسة الأولى صلاحياته. ومع أن الجنرال ميشال عون كان الأكثر جهراً والأشد ادعاءً في تبني هذا المشروع، فلا شيء ينقص سمير جعجع أو الرئيس أمين الجميل في مجال عروض القوة. إلى هؤلاء، لا يخفي الرئيس ميشال سليمان عزمه على زيادة صلاحيات رئيس الجمهورية. والفوارق هنا ليست في الأهداف بل هي في الوسائل والتحالفات والرعاة الإقليميين والدوليين.
ثانياً، نسي مدّاحو «التعدد المسيحي الباهر»، أو هم تناسوا، أن عميد مشروع «الأحادية الكاسحة» في تمثيل الطائفة بواسطة زعيم فرد وحزب سائد، إن هو إلا الرئيس الراحل بشير الجميل الذي شكّل استئثاره المسلح بتمثيل القسط الأكبر من المسيحيين بين سني الحرب الأولى والاجتياح الإسرائيلي، نموذجاً حاول سائر الزعماء الميليشياويين والعسكريين، مسلمين ومسيحيين، الاقتداء به. ولا بد من الاعتراف بأنهم أصابوا نجاحات هي نفسها باهرة
في هذا المجال. فليس من قبيل الصدفة أن يتبارى البشيريون والعونيون في بيروت الأولى في الانتساب إلى الرئيس الراحل. وحري بمادحي «التعدّد» الإنصات إلى سامي الجميل يهنئ الأرمن على وحدتهم ويلوم المسيحيين على «تعدّدهم». فأحياناً يفيد أخذ «أسرارهم من صغارهم».
حقيقة الأمر أن الرابح في هذه الانتخابات لم يربح لأنه لن يحكم. والخاسر لم يخسر لأنه سوف يشارك في الحكم غير راض بدور الأقلية المعارضة. ذلك أن الأكثرية العددية التي حصلت عليها قوى 14 آذار («الأكثرية الدفترية»، كما أسماها جوزف باحوط) لا تنصرف بما هي تفويض للحكم أي لتشكيل حكومة الفريق الواحد المنسجم ينفذ برنامجه والسياسات. هذا على افتراض أننا بصدد برامج أو سياسات عند هذا الفريق أو ذلك.
باختصار، أعادت الانتخابات إنتاج الاستعصاء البنيوي نفسه في النظام السياسي. إنه الاستعصاء الناجم عن آليتين متراكبتين ولكنهما غير متساوقتين: آلية الحكم بواسطة الأكثرية (الطائف) وآلية الحكم بواسطة التشاركية والثلث المعطّل في الجهاز التنفيذي (الدوحة).
فريق يتأهب لتشكيل الحكومة آملاً في أن يقايض الثلث المعطّل بالضمانات لسلاح المقاومة، وفريق لم يقرّر بعد موقفه من المشاركة، لكنه قد لا يرضى عن الثلث الضامن بديلاً. ولكن ثمة جديداً لم يلحظه اتفاق الدوحة: شرّع الاتفاق لانتخاب الرئيس ميشال سليمان. (وإن ننس لن ننسى دور اتفاق الدوحة في حل الإشكال في دائرة بيروت الثانية!) لكن اتفاق الدوحة لم يلحظ حصة رئيس الدولة في المقاعد الوزارية.
وهكذا لم نعد أمام معضلة صوت ضامن واحد بل أمام صوتين اثنين.
الذين يبشروننا بحكومة اتحاد وطني، يظنون أنهم يبشروننا بجديد. يريدوننا أن ننسى أنه كانت لنا واحدة من هذا الصنف قبل الانتخابات. وكان ذلك في ظل «صوت ضامن» واحد، فكيف باثنين؟
هل للبنانيين أكثر من الانتظار ريثما يجلو الأمر اتفاق إقليمي ما، إذ عجّلت الانتخابات النيابية اللبنانية على ما يبدو من وتائر المصالحة بين «س» و«س» وكلاهما ينتظر بدوره، في ما يشبه الارتخاء، ما سوف يأتي به «الحاوي» الأميركي الجديد للمعتدلين والممانعين العرب على حد سواء؟
وفي الانتظار، يوجد حل داخلي، يبدأ بتطبيق الدستور لتصحيح النظام السياسي من أحاديته: طوائف تنتخب ممثليها مباشرة إلى مجلس للشيوخ بما هي دوائر انتخابية بذاتها. ومجلس نيابي خارج القيد الطائفي يحيط بأدنى تلوين من تلاوين الحياة السياسية وتمثيل المواطــنين في قانون انتخـــابي يعتــمد لبــنان دائرة واحدة والتمثيل النسبي في دوائر مقفلة.

الجمعة، ١٥ أيار ٢٠٠٩

كلفة إنتاج النائب: من الزفت إلى النفط








فواز طرابلسي
الانتخابات على الأبواب.
الذين لم يلاحظوا بعد أن الموعد المصيري بات داهماً من لعلعة الرصاص خلال الاشتباكات في أحيائهم، تذكّرهم به زحمة السير الخانقة عند مداخل العاصمة والمدن الرئيسية. ورشات الحفر والردم والتوسيع ومدّ الأنابيب والتزفيت تجري على قدم وساق. تقول للمواطنين بأن الدولة هنا للاهتمام بهم. ومَن في الدولة معني بشؤون المواطنين أكثر من النواب، وأكثرهم مرشّح للدورة الجديدة؟
والمعلوم أن النائب يتقاضى أكثر من سبعة آلاف دولار شهرياً، معاشاً وتعويضات، للاهتمام بالمواطن. ولمن لا يعرف بعد، فمرتّب النائب اللبناني هو الأعلى بين مرتّبات النواب في العالم قياساً على الحد الأدنى للأجور. على أن هذا المبلغ هو أول كلفة يكلّفنا إياها الذي يفترض به تمثيلنا. وما دمنا في حديث الزفت، ثمة ميزانية أخرى للزفت مخصصة للنواب. يتقاضى النائب فوق معاشه الشهري والتعويضات مبلغ مئة ألف دولار أميركي خلال كل سنة من سنوات ولايته الأربع. هذا المبلغ مخصص لأعمال «التزفيت» الخاصة يتولاها النائب في دائرته. هكذا يدفع المواطن، من ضرائبه، لنواب كل مجلس نيابي ما يوازي عشرين مليون دولار أميركي لأغراض تزفيت... طرقات الوطن التي لا تزفّتها الدولة. إنها إكرامية خاصة من النائب إلى المواطن، من دون جميل الدولة.
فلعل أول واجبات الناخب أن يسأل نائبه كيف تصرّف بهذه المبالغ خلال الأعوام الأربعة الأخيرة من نيابته... عنه.
لكن المشكلة هنا أن على المواطن أن يعتاد على حقيقة أن المقتطع من ضرائبه يفي النزر اليسير من كلفة إنتاج النائب. هناك ما يسمّى «المال السياسي» وهو من شقين: داخلي وخارجي. أما الداخلي، فقد ارتفعت أكلافه على نحو شاهق في الانتخابات الماضية والحالية. ترسملت الحملات أكثر فأكثر. لست متأكداً من أن سعر الصوت، أو بدل سيارات نقل الناخبين، قد ارتفع بما يوازي ارتفاع كلفة المعيشة. لكن المؤكّد أن زمن الشبّان المتطوعين يلصقون صور المرشح بالأسود والأبيض على الجدران بواسطة النشاء أو الصمغ قد ولّى إلى غير رجعة. فحملات الدعاية الانتخابية قد انتقلت لأيدي شركات متخصصة في الإعلان والعلاقات العامة، تتقاضى عشرات الملايين لقاء أن تصوغ الشعارات السياسية، وتقرّر الألوان، وترسم «اللوغو»، وترفع اللافتات، وتطبع الصور الجبارة لا تتبارى في ما بينها بواسطة اللون والحجم وحسب بل تتبارى أيضاً مع أعلى البنايات التي تُرفع عليها.
على أن الإكثار من الحديث عن «المال السياسي» يجب أن لا يصرفنا عن «المال الاقتصادي». عنينا الأموال التي يدفعها رجال الأعمال ومؤسساتهم، والمصارف خصوصاً، على الانتخابات. وهذا موضوع نادراً ما يجري الحديث عنه. والأرقام التي تدفعها المصارف في تمويل الحملات الانتخابية ـ من بنك فرعون ـ شيحا زمن العهد الاستقلالي الأول، إلى بنك المتوسط حالياً ـ كأنها مشمولة بقانون «السرية المصرفية»! في هذا المضمار، لا بد من ملاحظة الزيادة النوعية في عدد رجال الأعمال في التمثيل النيابي، والحياة السياسية عموماً، أكانوا من أبناء العائلات التجارية ـ المالية المتحكّمة بالاقتصاد منذ أيام الاستقلال، أو من حديثي النعمة من أثرياء الاغتراب، أو زعماء الحرب (لا يستحقون لقب أمراء) وقد تحوّلوا إلى رجال أعمال. فمنذ نهاية الحرب، ثمة اندماج متزايد بين عالم الأعمال والعالم السياسي. من مرجعيون إلى طرابلس، مروراً بالنبطية، والجبل، وصيدا وبيروت، لا تكاد تخلو لائحة من رجل أعمال ثري، في مقدمهم «حيتان المال» من أصحاب الثروات المليارية. ولم يعد الأمر مقتصراً على رجال أعمال أفراد يستعان بهم لتمويل اللوائح. تكاثر رجال الأعمال الذين هم أنفسهم سياسيون بحيث باتوا أكثرية أعضاء المجلس النيابي. أي أن المصالح الاقتصادية باتت تمثل نفسها بنفسها مباشرة بديلاً من التقليد السابق الذي كان يقضي إيكال تمثيلها للمحامين أو الزعماء السياسيين.
أما تمثيل الفئات الأدنى مستوى اجتماعياً، فتتكفل به الأحزاب. فقد باتت أحزاب التيار الوطني الحر، والقوات اللبنانية وحزب الله وحركة أمل وحزب الكتائب تشكّل رافعات يرتقي بواسطتها أبناء فئات أكثر تواضعاً من حيث الموقع الاجتماعي والدخل إلى الموقع النيابي، خصوصاً في الأطراف.
وليس سراً أن المقعد النيابي يبدو في بلدنا أقرب إلى واسطة ارتقاء اجتماعي ووجاهة و«شرف» مما هو واسطة تمثيل للناخبين. من هنا إن تهنئة «البيك» عند فوزه بالمقعد النيابي عادة ما تترافق مع التمنيات له بعقبى الوزارة. وأما إذا كان المعني من أبناء طوائف المثالثة، فالعقبى تكون برئاسة المجلس النيابي أو رئاسة مجلس الوزراء ناهيك عن رئاسة الجمهورية.
بدأنا بالزفت في أكلاف إنتاج النائب ونختم بالنفط.
ليس صدفة أن يكون أكبر مموّل للانتخابات النيابية اللبنانية هما بلدان نفطيان. هكذا يُطبق اللون الأسود على ما نستطيع أن نتوقعه من نتائج.
لن نردّد الحكمة الشائعة: من اشتراك، باعك. فقد باتت ضعيفة الوقع في زمن العولمة وجبروت الأسواق. المشتري هو نفسه مُشترى. فمن أنت لتحاسب على العشرين مليونا من ميزانية الزفت المقتطعة من ضرائبك؟ هناك من وظّف في إنتاج نائبك مئات الملايين، حتى لا نقول بضعة مليارات، من دولارات النفط.
إذا احتسبنا كل هذه المبالغ وقسّمناها على الـ128، سوف نلقى أن النائب اللبناني مُكلِف.
هل يعني أنه ثمين؟
وبالمناسبة، كم ساعة يعمل النائب اللبناني في اليوم؟

السبت، ٢ أيار ٢٠٠٩

لـم ينقـرض العـرب والثقافة العربية تقاوم


فواز طرابلسي

ليست المناسبة مناسبة لإطلاق شعارات، انما هي توكيد يلبي ضرورة الرد على ما يشوه ويظلم.
نقلت «وكالة فرانس برس» في 28 نيسان الجاري ان الشاعر ادونيس في محاضرة له امام «عدد كبير من المثقفين الاكراد» نفى ان يكون وصف الحضارة العربية بأنها «جثة نتنة»، لكنه اكد ما يعادل ذلك اذ قال «ان الحضارة العربية انقرضت والعرب ينقرضون». ورجا ان لا تصيب عدوى العرب الوسط الثقافي الكردي.
لم نلق ما يبرر الحكم بالاعدام على حضارة وشعب الا قول الشاعر ان الثقافة العربية «ثقافة مؤسساتية وليست ثقافة حرة ومستقلة»، وتبرمه من مزج الدين بالسياسة، الذي دفعه الى ترك العمل السياسي، حسب قوله.
الحال ان الثقافة العربية المعاصرة، مثلها مثل أي ثقافة اخرى، تحتوي ثقافة سلطوية وثقافة في خدمة السلطات، وادونيس لم يكن دائما بعيدا لا عن هذه ولا عن تلك. وهي تحتوي في المقابل على ثقافة حرة مستقلة ومقاومة (وهي ليست تماما «ثقافة المقاومة» التي يتحدث عنها البعض). طبعا، السؤال هو دوما عن منسوب هذا اللون الثقافي وذاك من الثقافة الاجمالية. مهما يكن من امر النسبة، نستطيع القول ان نقطة الضوء في الوضع العربي الراهن، الذي يرزح عليه الاحتلال والاستتباع والقمع السلطوي والاستغلال الاقتصادي والطغيان النفطي على الاعلام والثقافة، هو النزر اليسير من انتاجه الثقافي، المستقل عن السلطات وعن الاصوليات السياسية الدينية معا، الذي يوسع في آفاق الحرية والامل.
المدهش ان عين الانا المتضخمة لا تستطيع ان تلاحظ ما بات يشكل فورة ثقافية مقاومة ومعارضة، تستطيع ان تتبينها من الاصغر عمرا بين كتّاب الـ«بلوغ» على الانترنت (بعضهم في السجون، والبعض يحرك الملايين للنزول الى الشارع) الى اخر رواية نسائية ضد الطغيان البطريركي والذكوري في الجزيرة العربية. ولا ترى عين الانا المتضخمة العدد المتسع من المثقفين يقبعون في السجون، بما فيها سجون بلده سوريا، لانهم يرون الى الثقافة على انها «وجهة نظر» ولانهم يقاومون «السلطات» ولا يرتضون الاذعان لوزارات الثقافة وينادون فوق ذلك كله بفصل الدين عن الدولة.
«العرب»: استخدام للجنس ينتمي الى استشراقية ذاتية تزعم امكانية تنميط 300 مليون إنسان في نمط واحد وجوهر واحد وثقافة واحدة، فيه من الاطلاق الصبياني ما يدعو الى التقزز. فكيف لهذا الاستخدام ان لا يقع في عدمية خالصة وعبثية. والعدمية عند ادونيس مفرد بصيغة الجمع، تنم عن تيار يتسع في صفوف انتلجنسيا الردة العرب. هو تيار قوام مصاب بمرض عضال يمكن تسميته «الغراب»، وهو لون غريب من الهوس المرضي بالغرب، يتساوى فيه هؤلاء المثقفون تماهيا مع ذاك الغرب او نفورا منه وكرها له.
يقول ادونيس: نخطئ اذ نقارن اوضاعنا بأوضاع الغرب.
من قال ان علينا ان نقارن انفسنا بالغرب اصلا؟ ان منطق المقارنة هذا هو ابن ثقافة «حداثة الحسد» التي لم تورثنا الى الان غير شهوة استهلاك ما ينتجه «الغرب» وخيبات التماهي معه والمراوحة في امكنتنا بانتظار حداثة تأتينا من الخارج فوق دبابات الاحتلالات، ناهيك عن الديموقراطية. فماذا لو قارنا أنفسنا بأنفسنا، مثلا، فنقيس ما اذا كنا نتطور او لا نتطور، قياسا على ما كنا عليه من قبل وعلى ما وضعناه من خطط وأهداف وسعينا الى تحقيقه من مصالح وامال وطموحات.
مهما يكن، فأدونيس، الذي ينهي العرب عن قياس أنفسهم بالغرب، هو نفسه لا يملك من مقياس الا المقارنة... بالغرب. ها هو يسأل، في محاضرته اياها، ما قد كرره علينا حد السأم: «لو اجتمع الأميركي والأوروبي والعربي على سبيل المثال الى طاولة واحدة ترى ماذا يمكن ان يقدمه العربي؟ لا شيء».
لا. يستطيع العربي ان يقدم الكثير والكثيرين. في الثقافة، طالما ان هذا هو الحقل المعني، يمكن العربي ان يقدم الشاعر علي أحمد سعيد، الملقب بـ«أدونيس»، وإن يكن لم يعد غزير «الابداع» (كلمته الاثيرة) في الآونة الاخيرة. ولعل لذلك صلة ما بانقراض «حضارته». وله ان يقدم معه، ان لم نقل قبله، كوكبة من الشعراء والادباء في المقدمة منهم محمود درويش وسعدي يوسف ومحمد الماغوط وقاسم حداد وعبد اللطيف اللعبي. ومن الروائيين، نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف وصنع الله ابراهيم وجمال الغيطاني والياس خوري وليلى بعلبكي وحيدر حيدر وسليم بركات والطاهر وطار ورشيد ابو جدره وغادة السمان، على سبيل المثال لا الحصر من ابناء الجيل المخضرم. ومن الكتاب في اللغات الاخرى، ادباء الثورة الجزائرية محمد ديب وكاتب ياسين ومولود فرعون واتيل عدنان وامين معلوف ودافيد معلوف وربيع علم الدين وغيرهم. ولا اتردد في ان اضيف اليهم شاعر كرد العراق الكبير شيركو بيكه س، لا من اجل تعريبه وانما توكيدا على ان العالم العربي ليس حكرا على جنس او اثنية او قومية او دين او مذهب وانه يتسع لكل مكوناته، والاهم من ذلك للتذكير بأن الثقافة العربية المعاصرة، مثلها مثل الحضارة التي تنتسب اليها، اغتنت وتغتني من روافد من كل مكوناتها ومن كل من جاورها او تفاعل معها من الشعوب والثقافات والحضارات المجاورة.
آثر ادونيس في محاضرته التملق للكرد للتملص من تهمة تلاحقه بمهاجمته الشعب الكردي، بهجاء ذاتي للحضارة التي ينتمي اليها. وكان الاحرى به ان يحفر في العمق في ما بين العرب والاكراد من تاريخ مشترك وثقافة مشتركة ومصير مشترك.
وللمناسبة، لو ان الشاعر ادونيس يصدر عن حضارة تنقرض، وقوم منقرضين، لماذا يقدم نفسه باسم هذه وذاك، الى العالم مرشحا محترفا لجائزة نوبل للآداب؟ ولماذا قدم ويقدم في سبيل نيل تلك الجائزة عددا لا متناهيا من التنازلات السياسية البشعة وغير الضرورية، كمثل ان يوقّع عرائض مشتركة مع المنافق الصهيوني العالمي إيلي فيزل (وعالميته في النفاق لا في الصهيونية، منعا لأي التباس!)؟ ام ان صاحب «اغاني مهيار الدمشقي»، بعد جولات وجولات فاشلة في نيل الجائزة، قرر ان «يلصق آخر طينة في جدار» هيئة تحكيم الجائزة، فيرمي لها بـ«الصولد» الثقافي ناعيا انقراض «حضارته» والشعب الذي ينتمي اليه!
على حد ما نعلم، تمنح هيئة تحكيم جائزة نوبل جائزتها لا تكريما لاديب وحده بل للثقافة التي يصدر عنها، وتقديرا لدور ذاك الاديب في احياء تلك الثقافة وتطويرها، ناهيك عن اسهامه في الثقافة العالمية. فلو قررت اللجنة منح جائزتها للعام المقبل الى ادونيس، ترى كيف لها ان تبرر قرارها؟