السبت، ٢٥ نيسان ٢٠٠٩

الرجل الخطير: عندما تغيّر تاريخ لبنان

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

الرجل الخطير: عندما تغيّر تاريخ لبنان (إلى الأبد)

هذه قصّة قصيرة أو طويلة. أحداثها وتفاصيلها من نسج خيال الكاتب. وليس التشابه (وهو للرمال كما قال محمود درويش) بين بعض الأحداث التاريخية وسياق الرواية إلا من باب المصادفة. أمّا الإشارة إلى بعض الأسماء المعروفة، فهي أيضاً محض رمزيّة. أي إن الإشارة إلى فؤاد بطرس قد تكون إشارة إلى شفيق الوزان، أو العكس

أسعد أبو خليل*
في ذكرى الحرب الأهليّة في لبنان يكثر التكاذب ويزدهر التزوير ويكثر التلويح بأعلام الأرز والبلوط. تُعقد حلقات الدبكة ويتكثّف الكلام الذي يشبِّه لبنان بعواصم يقطن فيها الرجل الأبيض. ميشال سليمان زها بتشبيه لبنان بباريس وسويسرا في خطاب واحد. أما سمير فرنجية (العازف عن خوض الانتخابات لأن أهله في زغرتا نبذوه على ما يبدو) لا ينفك عن التصريح: أن لبنان ليس «مثل مجاهل أفريقيا». أما جريدة «النهار» (ذات الباع الطويل في الطائفيّة والعنصريّة والعنجهيّة والنخبوية الشوفينيّة واليمينيّة ـــــ الظاهرة أحياناً والمُستترة حيناً آخر ـــــ والاستعلائيّة الطبقيّة، والحريصة تاريخيّاً دوماً وأبداً على الترويج الرخيص لكلّ إدارة أميركيّة حتى في العصر البوشي، إلى درجة أنها جعلت أخيراً من طائرة صغيرة تُستعمل لرش المبيدات في أميركا «طائرة عسكريّة»، فقط لتحسين صورة عطايا الولايات المتحدة إلى لبنان) تتذكّر المناسبة على طريقتها فتختلق رواية مُبتكرة لشرارة الحرب تختلف عن ذاكرة الإنسان وعن الوقائع التاريخيّة التي لم يمرّ عليها الزمن، ولم يعف. هذه السنة، جعلت جريدة «النهار» من بيار الجميل الجدّ (المُنبهر بتجربة الشبيبة النازية في ألمانيا وإيطاليا كما اعترف هو في عدد «العمل السنوي» لعام 1966) متنسِّكاً ووادعاً يصلّي ورعاً في كنيسة في ضاحية بيروت عام 1975 عندما تعرّض لاعتداء مزعوم (لم يثبت قط أن بيار الجميّل تعرّض بالفعل لمحاولة اغتيال صبيحة مجزرة عين الرمّانة، لكن ماكينة تصنيع الأكاذيب وبخّها تعمل بطاقة مضاعفة في ذكرى الحرب). وجريدة «النهار» قرّرت أيضاً هذه السنة أن ضحايا البوسطة في عين الرمّانة كانوا مسلّحين مدجّجين من الجبهة الشعبيّة ــ القيادة العامة، وأن فوهات بنادقهم كانت تطلّ من نوافذ البوسطة إمعاناً في استفزاز الكتائبيّين وفي استجداء رصاصهم. الرواية الرسميّة التي بثّها رشيد الصلح أمام مجلس النواب لا قيمة لها في جريدة تحرص على الدعائيّة في عصر جرائد تنضح نفطاً وسخاً وضخّاً من عواصم الرجل الأبيض. ولكن في ذكرى الحرب، يجب أن نذكره ــ ذاك الرجل الخفي، وأن نذكر دورَه المُغيّب.
من منكم قابل الرجل الخطير ومن منكم لم يسمع به؟ وصلت سمعته إلى قارات خمس أو أكثر. معروفٌ ومجهول هو. مَن منكم صافح الرجل الخطير أو صادفه في شارع؟ لو سألتم عن الرجل الخطير لما علمتم شيئاً عنه. لكن أنتم تنعمون بفعله وإن كنتم جاهلين. وهو بعيد عن الاحتفاليّة وعن الإعلام. بعيد عن كل هذه المعمعة. هو غير معروف أو ظاهر. ولكن قد يُكتب لمسخ الوطن أن يستقلّ حقيقةً يوماً لو أنه نُصب للرجل هذا تمثالٌ من مرمر ووُضع في كل الساحات. لو أن الوطن استقلّ فعلاً لرأيتم تماثيل منتشرة له في كل مكان، ولرأيتم اسمه يستبدل أسماء شارل مالك وألفرد نقاش (والأخير كان صهيونيّ الهوى قبل إنشاء دولة العدو) ومجيد أرسلان ـــــ والأخير كان من إسهامات لبنان في الصراع مع إسرائيل ـــــ يا لخجلتنا من شعب فلسطين! لو أن لبنان وطن، لتصدّرت صورة الرجل الخطير أغلفة الكتب المدرسيّة.
وحدثُ الرجل الخطير هو دليل أن التاريخ ـــــ وإن تطوّر ماركسيّاً عبر صراع الطبقات أو هيغليّاً عبر التصاعد اللولبي للديالكتيك الفكري ـــــ يمكن أن يتطوّر ويخطو مسرعاً بساعد واحد، أو ساعديْن. لا أكثر. لا يحدث ذلك عادة. ليس ذلك أمراً اعتياديّاً أو عرضيّاً. لكنها لحظات نادرة وفي منعطفات «مصيريّة» كما يسمّونها في لبنان للإبهام. ليست هي نظريّة انعطافات الطريق أو نظريّة «لو»، لكنها قد تماثل ما سمّاه ماركس «لحظة الحماسة». هي تلك. في لحظة الحماسة الحاسمة يتقدّم واحد أو واحدة ليقرّرا عنا وعنكم وعنكنّ. هو فعل ذلك من دون وجل أو تردّد أو التباس. فعل بالنيابة عنكم وعنكن. فعل فيما نام غيره أو قعد.
الرجل الخطير كان (في جانب منه فقط) مضطرباً دائماً. لم يكن يشكُ من أمراض ولم يعانِ مشاكل ماليّة ولم يشغله الصراع بين العصابات في الأحياء في سنوات الحرب الأهليّة. وكان صافي الذهن، قرير النفس. كان من صنف آخر. الرجل الخطير لم يحلم بالأرزة ولم يتغنّ بها يوماً. شجرة البلّوط وشجر الأرز وشجر الكرز عنده سيّان. كان يحلم بعلم غير العلم الذي وضعه صائب سلام وسعدي المنلا بوحي من علم استعماري. لم يؤمن أساساً بكينونيّة مسخ الوطن وكلام اتفاق الطائف عن سرمديّة الكيان (وهو مستقى من ترهات «سيدة البير» ـــــ وهو غير البير الذي أنشد عنه وديع الصافي) قزّزه ونفّره من الكيانيّة أكثر من قبل. الرجل الخطير لم يكن منتمياً إلى طائفة: لقد نبذ الطوائف كلّها. هجرها من دون أن يدخلها أو ينتمي إليها واحدة واحدة. ولم يلتق الرجل الخطير برجل دين واحد ولم يطلب بركتهم. لعلّه قرأ ما قاله روبسيير أو الشدياق عن الإكليروس. للرجل الخطير هموم: وهي كانت كثيرة، لكن هموم الرجل كانت من نوع آخر.
والرجل الخطير لبناني، لكن من نوع آخر. نشأ في لبنان، مختلفاً. نشأ في لبنان، لكن غير لبناني. لم يقبض كيانيّة لبنان ولا لحظة. سخر منها. عندما كان يقف الجمع تحيّة للنشيد الوطني كان هو ينشغل بعدّ العصافير حوله أو بتقليم أظافره بأسنانه. وعندما كان يُطلب منه التلويح بعلم صائب سلام وسعدي المنلا، كان يلوّح بأقرب كوفيّة فلسطينيّة. بالنسبة للرجل الخطير، «لبنان...آخراً» لا أولاً. إنه يربط شعار «لبنان أولاً» بالمرحلة الإسرائيليّة في لبنان. لبنان آخراً لأنه كان مع تفتيت الكيان وتذويبه لا في الأنظمة الشنيعة التي تحيط بلبنان بل في كيان فسيح أوسع وحرّ، في كيان يستبدل ويتخطّى الأنظمة المحيطة. وهو لم يُخدع يوماً: لم يظن ولو ليوم أن لبنان هو حرّ. أكاذيب حكايات الاستقال وأبطال الاستقلال ورجالات الاستقلال وزيارة قلعة راشيا من قبل فريق من الساسة الذين امتهنوا الطأطأة أمام أقدام المستعمر الفرنسي الذي أتى بمعظمهم إلى حلبة السياسة، لم تنطل عليه يوماً. انطلت على غيره، لا عليه.
عاش الرجل الخطير سنوات الحرب وعرف فصولها وآلامها وانتصاراتها (لم تكن كل فصول الحرب بشعة عنده) وتقلّباتها. وهو، «بحكم العمل»، تنقّل أثناء الحرب بين بيروت الغربيّة والشرقيّة. لم يكن بعيداً عن الحرب لكن الحرب أفرزت ميليشيات وعصابات كما أفرزت عقائد ومقاومات (ليست من نوع الميليشيات التي أنشأتها إسرائيل في لبنان وزرعتها بأسماء مختلفة، بما فيها تلك العصابة الحربيّة التي ترأسها النازي اللبناني الصغير في بيروت، والتي كانت تأتمر بقرارات من تل أبيب). ولم ينتم إلى عصابة شاكر البرجاوي أو إلى الدكاكين التي زرعها ياسر عرفات في كل الأحياء والأنحاء والقرى. لم يتخصّص في السرقة والتشبيح التي برع بها غيره. لكن الرجل الخطير الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أرشيف)الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أرشيف)كان مع الحسم العسكري. كان يرى أن فريقاً من اللبنانيّين استسهل التحالف لعقود مع إسرائيل وأنه يجب عقاب هؤلاء للتاريخ. كان يريد أن يكسر شوكة هؤلاء حتى لا يستسهل أحدٌ إطلاقاً التحالف مع أعداء «الأمة». وقف بوجه مشروع الرجل الخطير للحسم العسكري عاملان: النظام السوري كان يعارض الحسم العسكري في لبنان، وقد قتل (على الأرجح) كمال جنبلاط عندما توصّل الأخير (متأخراً بعض الشيء) إلى استنتاج ضرورة الحسم العسكري مع الانعزاليّين. أما العامل الثاني فتمثّل في قيادة ياسر عرفات الذي كان هو أيضاً (لأسباب مختلفة تتعلّق بالنفوذ الذي أراد المحافظة والمقايضة عليه) معارضاً للحسم العسكري. الرجل الخطير كان يريد الحسم، وباكراً. هؤلاء لن يرعووا ولن يكفّوا عن غيّهم، كان يقول. أصدّهم بصدري أو بعنقي، كان يناشد مَن يسمع.
لكن هناك من يقول إن الرجل الخطير لم يصبح خطيراً إلا في 1977. لقد قرّر أن السلام مع إسرائيل لن يسري على لبنان. بينما كان الجميع حوله متسمّرين حول شاشة التلفزيون ليروا السادات وهو يهبط سلّم الطائرة بابتسامة صفراء، خرج الرجل الخطير من وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل (أرشيف)وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل (أرشيف)المنزل. لم يقو الرجل الخطير على متابعة الحدث تلفزيونياً. قرّر أن هذا لن يسري في موطنه. لن يصبح التعامل والتعاون مع العدو حدثاً عاديّاً كما هو في مصر والأردن وفي رام الله. الرجل الخطير لم يقبل يوماً الحديث عن دولة فلسطينيّة مسخ: بالنسبة له كل كلام لا ينطلق من رفض الكيان الصهيوني في المطلق وتحرير كل فلسطين هو لغو في لغو. قرّر الرجل الخطير ألا ينطلق سادات آخر من لبنان، رغم وفرة الطامعين بالدور. الرجل الخطير مشى دون أن يتوقّف يوم وطئ السادات أرض المطار في إسرائيل. مشى من تطوان إلى جدة في ساعة أو ساعتيْن. هناك من يبالغ ويزعم أنه مشى المسافة في دقيقة أو دقيقتيْن، لكن الرجل الخطير دقيق. يومها، شعر الرجل الخطير بأنه يسبح في الهواء.
في الأيام العاديّة، كان يذرع الأرض بخطواته الثابتة. كان مثل راسكولنيكوف في رواية «الجريمة والعقاب»: يعدّ خطواته واحدة واحدة ويقيم تعداداً لأنفاسه. كان وقع أنفاسه مسموعاً أحياناً، ولكن ليس في كل وقت. كانت الشمس تسطع على شعره فتحيله برّاقاً ولم تكن الريح تلويه، ولا الأعاصير. كان يبدو ـــــ لمن لا يعرفه عن كثب ـــــ مضطرباً جداً. لم يصدّق ما فعلوا به. أقاموا الدنيا فوق رأسه ولم يقعدوها. كان يظن أنه هادئ الطباع مسالم، لكنهم استفزّوه. أرادوا أن يطبعوا موطنه بوصمة الإسرائيلي. دعوا جيوش العدو الإسرائيلي إلى لبنان وأرادوا أن يقيموا مستوطنات إسرائيليّة وكتائبيّة وقواتيّة وشمعونيّة في وطنه هو. لم يرد أن يتحمّل فوق طاقته. كان يمشي ذهاباً وإياباً ويحسب الحساب ويعدّ الأيام والليالي. قرّر أن لياليه لن تطول مثل ليالي شهرزاد. لم يفهموه ولم يصدّقوه. ظنّوا أنهم يستطيعون أن يعيدوا رسم الخريطة وتقاسيم الوجه وأن يضعوا عينين ملونتيْن محلّ عينيْه. لم يكن أزرق العينيْن. كان يرفض الحاضر ويرفض أن يرى العلم الإسرائيلي. الرجل الخطير كان يقول إن العلم الإسرائيلي هو للحرق. وعندما يكلّمه أحدهم عن «الحضاريّة» في النضال كان يرحل بعيداً. كان البعض يسأله عن هذا الليبرالي الوهابي أو ذاك، وكان لم يسمع بواحد منهم.
الرجل الخطير لم يقتنع يوماً بأن العدو هو إسرائيل وحدها. وماذا عن أعوان إسرائيل بين ظهرانينا؟ كان دوماً يردّد. وهل أعوان إسرائيل بيننا أصدقاء؟ كانت المسألة مزعجة له. ثم، كيف يمكن العدو أن يجتاح وأن يسود وأن ينتشر من دون أعوان الداخل؟ وسألهم أكثر من مرّة: هل كانت النازية استقرّت تلك الحقبة في فرنسا لولا أعوانها من الفرنسيين؟ وهل تعاملت المقاومة الفرنسيّة التي أمعنت تقتيلاً ومن دون هوادة بالمتعاملين تعتبر هؤلاء أصدقاء؟ وكان يشير إلى حواجز مشتركة أٌقيمت في لبنان بعد اجتياح 1982 بين إسرائيليّين ولبنانيّين. مَن هؤلاء؟ أصدقاء؟ أبناء في الوطن؟ «فشر». (والكلمة الأخيرة له).
كانت أنفاسه تضيق وكان يحصي جنود العدو عندما يراهم يتجولّون في أرضه. تلك اللحظات، كان الرجل الخطير يدخل ما يسمّونه في صنع الأفلام «الحركة البطيئة». كانت السيّارات تبدو كالسلاحف والطائرات مثل مسير الزواحف. مَن هؤلاء الواقفون على أرض الرجل الخطير؟ الذين سرقوا أرض فلسطين وزيتونه وروّعوا أهلها بالمجازر؟ كان يمشي ويعدّ مجازر إسرائيل الواحدة بعد الأخرى. والرجل الخطير لم يكن مثل جبران باسيل أو مي شدياق يردّد ترهات عن بيع شعب فلسطين لأرضه: كان يعلم عن بيع لبنانيّين (من آل تيان وتويني وسرسق وسلام) أراضيَ في فلسطين. لم يصدّق ما رأته عيناه عندما شاهد جنود العدو في شوارع حفظ تضاريسها عن ظهر قلب. رجل قرّر العمل على تحرير فلسطين بات يرزح تحت احتلال إسرائيل للبنان؟ تضاعفت مهماته منذ تلك اللحظة اللعينة. لو كان له أن يصرخ، لصرخ، لكن الصراخ لم يكن من طباعه. كان يكتفي بالتفكير العميق والتأمّل والتبصّر في القرار. ثم كان ينصرف للتخطيط. وعندما كان ذلك النازي اللبناني الصغير يهدّد الأبناء والبنات في بلده بـ«القرار»، مشيراً لاحتلال إسرائيلي قادم للبنان، كان يقول له من دون أن يراه أو يسمعه: لكن القرار ليس لك أنتَ يا فتى. القرار لن يكون لك.
وعندما كان يسمع النازي الصغير ينفي تهمة التعامل مع إسرائيل كان يشمئز. وعندما طالبه وفد الجامعة العربيّة برئاسة سعود الفيصل (داعي الفتنة) بقطع العلاقة مع إسرائيل، قال إن لا علاقة له بإسرائيل وإنه وطني لبناني. لم يكن الرجل الخطير ينصت للنازي الصغير وهو يلقي خطبه. كان يحدّق إليه بهدوء وبغضب دفين، من دون أن يسمع كلامه. كان يقول إن كلامهم وارد في صحف عبريّة، وأنه يكفي أن تقرأها لتعرف ما يدور في خلدهم المأجور. كان يقول إن النازي الصغير في لبنان يتقيّأ كلاماً عن لبنان، كلاماً يأتيه مع دستة أوامر عبر الحدود. وعندما كان النازي الصغير يتقيّأ كلامه عن الوطنيّة وعن مساحة لبنان، كان الرجل الخطير لا يقول شيئاً على الإطلاق. علم في ما بعد أن النازي الصغير استُدعي إلى الرياض من أجل مباركته سعودياً والترويج له عربيّاً. وقد مدَّه «وكيل» الأمير سلطان في لبنان، صائب سلام، بالشرعيّة الإسلاميّة الطائفيّة من أجل تسهيل تسويقه في كل لبنان. أما آخر خاتم زعماء الإقطاع الشيعي المتخلّف في لبنان، فأفتى بشرعيّة «الانتخاب» في وجود الاحتلال الإسرائيلي بعد أيام فقط من فتوى له بعدم جواز الانتخابات الرئاسيّة في ظلّ الاحتلال. يريدونني ألا أعادي هؤلاء، كان يقول في قرارة نفسه.
الرجل الخطير عاصرهم كلّهم وشهد خداعهم ورياءهم وتقلّباتهم. الرجل الخطير كاد أن ينفجر للمرّة الأولى في حياته عندما رأى صفوفاً من السياسيّين يطلبون بركة النازي الصغير. يذكر الرجل الخطير أن محمد صفي الدين وسليمان العلي وغيرهما من بقايا إقطاع مُحشرج كانوا يتسابقون للقاء النازي اللبناني الصغير. شارل رزق لم يزره إلا في صندوق سيّارة لكنه اختلق صداقة معه في ما بعد لعلّ ذلك يقرّبه من الرئاسة. والمسافة بين شارل رزق والرئاسة هي مثل المسافة بين محمد دحلان والفضيلة. فؤاد بطرس (حامي الطائفيّة كما يبرز في مذكرات سليم الحص وكريم بقرادوني) تبنّى ترشيح النازي الصغير فقط عندما تعرّض لمحاولات اغتيال على يده. لكن الرجل الخطير لم يستسغ فؤاد بطرس يوماً: إنه يذكّره وهو جالس بذل، كيف جلس مع عبد الخليم خدّام لتوقيع الاتفاق الثلاثي. فؤاد بطرس وافق على الاتفاق الثلاثي وهو مثله مثل الآخرين يختلق البطولات في مواجهة النفوذ السوري. فؤاد بطرس الذي أصيب بالصمت عندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1982. الرجل الخطير لم يفهم يوماً الصعوبة عند البعض في قول الحقيقة وفي التعبير الصادق عن المشاعر والآراء. لا يقرّر الناس العيش أحراراً مثل الرجل الخطير.
الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 يؤرق الرجل الخطير، قبل حدوثه وبعده وأثناءه. لا يزال يذكر أعوان العدوان واحداً واحداً وواحدة واحدة ـــــ حتى لا ينسى من أعد الأطباق لشارون. يعلم هو أن أعوان العدوان أتوا من كل الطوائف والحركات والمناطق. من غير الرجل الخطير يذكر دور لبيب أبو ظهر مثلاً؟
قرأ الرجل الخطير أخيراً أن نائبة في البرلمان اللبناني كانت تعدّ الأطعمة اللبنانيّة (والسوريّة من دون علمها) لأرييل شارون. عندما قرأ ذلك، شتم الرجل الخطير 128 نائباً لبنانيّاً. 128 شتيمة مقذعة أطلقها الرجل الخطير. شتم الرجل الخطير كلّ من لم يطالب بتوقيف تلك المرأة وسوقها حليقة الرأس (كما فعلت المقاومة الفرنسيّة بالمتعاملات مع الاحتلال النازي) إلى محكمة، حتى لو ميدانيّة. الرجل الخطير لا يسامح ـــــ ليس ناسكاً ولا يحمل عطايا ربّانيّة ليوزّعها بالقسطاس. في ما يتعلّق بالتعامل والتعاون مع إسرائيل، لا يؤمن الرجل الخطير بالغفران ـــــ لا بل هو ينبذ الغفران. يسمع الرجل الخطير كلاماً عن الحياد من رئيس مُعيَّن من قبل احتلال إسرائيل. يذكر الرجل أن هذا الرئيس وعد إسرائيل في قصر بكفيا في لقاء مع قادة العدو بإعطاء العدو أكثر ما أعطاه أخوه من قبله. لم يتعلّم الدرس بعد، يتمتم الرجل الخطير. لم يرعوِ. ويعلم هو أن العائلة التي أفسدت لبنان سياسياً واقتصادياً وثقافيّاً منذ الثمانينيات هي التي أنعشت هذا الرئيس الأسبق في السنوات الأخيرة.
لا تستفزّوا الرجل الخطير فهو يهدر عندما يغضب. الرجل الخطير حرّركم وإن كنتم لا تدرون، وإن كان هو متواضعاً لا يطلب معونة أو وساماً أو تقديراً. لا يرى عظمة أو كبراً. لم يكن له أن يعيش في العصر الإسرائيلي. لا، لقد قرّر بحزم أنه لن يعيش في العصر الإسرائيلي. وكان للرجل الخطير ما أراد. ولكن لو مررت بقبر الرجل الخطير فلن تستطيع أن ترمي وردة أو أن ترفع قبّعة أو تلقي سلاماً أو احتراماً. لن تجد قبراً للرجل الخطير لأنه حيّ. هو حيّ رغم أنف أعدائه ـــــ أصدقاء إسرائيل في لبنان. وهناك من يقول إنه رأى الرجل الخطير يمشي الهوينا على الكورنيش ولكن لا دليل قاطعاً على أن الرجل الخطير قد عاد. إنه يسرح.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ٢٥ نيسان ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/131748

الحـــــبّ الكامـــــل

logo
المصدر: جريدة الأخبار (http://www.al-akhbar.com)

الحـــــبّ الكامـــــل

أنسي الحاج
ما هي الشفقة؟ هي تجاوز التعاطف نحو الخشوع أمام المُشْفَق عليه وقد حوّله الظلم إلى معبود.
ليست الشفقة عطف المتفرّج على المتألّم، بل هي حبّ المُشاهِد للمُشاهَد ورفضه ما أُنزل به. يقول فلاسفة هاجموا الشفقة إنها تضيف إلى عذابات العالم عذابات، فهي شقاء يُساق إلى شقاء وعجز إلى عجز. وكان الرواقيون يصفون الحكيم بأنه إنسانٌ بلا شفقة. ومعروفة آراء سبينوزا ونيتشه، على اختلافهما.
يجب أن لا نخلط الشفقة بالمحبّة، ولا المحبة والشفقة بالحنان، ولا المحبة والحنان بالرقّة، مع أنها تختلط في مواضع كثيرة. لكن لنحاول التمييز.
تمتاز الشفقة عن غيرها من مواقف «الضعف» بكونها مزيجاً من القوّة والضعف، من التمرّد على «قَدَرٍ» ومن معانقة وجدانيّة للنازلة به ضربات القدر. الشفقة انفتاح روحيّ غامر وتماهٍ كلّي مع الآخر ينزع فيه صاحبه عن نفسه وَهْمَ كونه، هو، محصّناً ضد ما أصاب هذا الآخر. إن في مَن يُشفق إلى هذا الحدّ الجذري، والذي وصفه دوستيوفسكي في «الأبله» قائلاً إن الشفقة هي «أكثر ما يُهم، وربّما كانت الشريعة الوحيدة للوجود البشري»، إنَّ في مَن يشفق إلى هذا الحدّ شيئاً من التكفير بالنيابة عن ظلم غَدَر بالإنسان.
قد لا أفرح لفرحِ راشدٍ ولكنّي لا أستطيع أن أظلَّ غير مبالٍ أَمامَ وجعِ طفل، ومَن يتأثّر للطفل ويشعر بالرغبة في إنقاذه أو حمايته لا بدَّ أن تتدرّج به الشفقة إلى الانعطاف لا على الراشدين فحسب، بل على جميع الكائنات. أصفى ما في الإنسان الرقّة وأرفع ما في الرقّة عناقُها للآخر أكثر ممّا قد يعانق نفسه. الرقّة نافذة يدخل منها نسيم البهاء والخَلْق، نسيمُ الشعرِ والموسيقى، نسيمُ العطاء والفداء.
البخيل لا يُشفق، الشفقة إنفاق وقد يصبح تبذيراً. البخيل غير معنيّ، البخيل صَلْب جامد، البخيل لا يَسْمع وإن سمع يغيّر الموضوع، البخيل يحبّ راحته، يدافع عن رفاهيته، يضنّ بعواطفه، يحمي صحّته حين يبقي أبواب قلبه موصدة. البخيل ليس شرّيراً بل هو «ليس هنا». لم يسمع قرع الباب لأنه «في الداخل» ولكنه ليس في البيت. البخيل هو دائماً في مكانٍ آخر. الشفقة تغرز ألم المتألّم في قلبها كما يتبنّى ملاكُ الرحمةِ أوجاعَ محروسه ويَضْمن له أنه سيخلّصه منها. ما عرفتُ الحبّ كاملاً إلاّ لمّا صدر عن الثلاثة معاً: الإعجاب والرغبة والشفقة.
■ ■ ■
هل لأنها فضيلة؟ بل لأنها شعور وعاطفة. لأنها شفافية وأكثر العواطف جَرْفاً بعد الشبق والغضب وأحياناً قبلهما. ولا شكّ في صدورها عن حبّ الذات، عن خوفٍ من أن يحلّ بالنفس ما يصيب الآخر. كان روسو يعتبرها أُمّ الفضائل وكان أغوسطينوس يقول «أَحْبِب وافعل ما تشاء». أشفق، واخفض جناحك، وتبارك من لحظة ضيق غيرك التي أتاحت لحبّك أن يتحرّك، وامضِ مع شراعِ الشفقة، وانزل دائماً درجتين أو أكثر من نزول مشفوقك. خلِّ هذه الشفقة مشفوعة برجاءٍ منك أن تُقْبَل، فَرَحٌ لكَ أن تُقْبَل، وأن تَنْفع، وأن تخرج منها أنت ومشفوقك أقوى ممّا كنتما.
تمزج الشفقة مصيرين لتصنع منهما أبلغ جوابٍ على الآلهة.
■ ■ ■
هل الشفقة فخّ، كما يفصّل ستيفان زفايغ في روايته الشهيرة «الشفقة الخطرة»؟ على غرار كلّ شعورٍ قويّ. فهي تلْزم صاحبها مواقف خانقة، له وللمُشْفَق عليه، وقد يُخيَّلُ للناظرِ أنّ المشفَق عليه يستغلّ المُشْفِق و«يديره» على غفلة منه. إذا نسجنا على ذلك توصّلنا إلى أن كل ضعيف يستغلّ القوي، حتى الاستنتاج أن الضحيّة تستعمل الجلاّد (وقد قيل هذا عن اليهود والنازية وقبلاً عن المسيح ويهوذا، كما يقال عن «ابتزاز» الأولاد لأهلهم...) ويمكن الاسترسال مع الاستنتاج التدرّجي حتى القول إن القتيل جعل القاتل يقتله تنفيذاً لخطّةٍ ما.
منطق كهذا إنما يصدر عن كراهية للضحيّة واشتباه منهجي بكلّ عاطفةٍ أو بكل شاردة وواردة. وهو منطق قائمٌ على الإيمان برداءةِ الإنسان من أساسه. ليس لنا أن نضيف إلى هذا النوع من المواقف، اللّهمّ إلاّ أن هناك، بعيداً عن الأحكام الأخلاقية القصوى، ما يَعْبرها ويذهب في اتجاهات تعصى على التصنيف المسبق: مثل ذلك الأهواء والعواطف الكبرى، كالعشق والوجد والبغض والحقد والغيرة والحسد والأنانية والغَيريّة والبخل والسخاء والجريمة والشفقة.
يقع المُشْفِق تحت رحمة هدف شفقته. مفارقة، لكنّها ليست مقتصرة على العلاقات البشرية. الحيوان المحبوب قد يبتزّ محبّيه باستدرار عطفهم. المزهريّة، بشكل من الأشكال الغامضة، تنادي صاحبها للاهتمام بها. كلّ حيّ يحتاج إلى رعاية، وما دام الراعي قادراً على العطاء فهو جديرٌ بالإعجاب، وإذا كان المتنعّم بشفقة الشفيق يتحايل أو يكذب ويستغلّ، فحدوده شفّافة مهما تكن براعته، وأقلّ ما يمكن أن يُعاقَب به هو انتباه راعيه إلى حِيَله وإجفاله منه، فيتعطّل سياق العطاء والأخذ. أما إذا كان الراعي من السذاجة بحيث «لا يَرى»، فذلك شأنه، وما من متضرّر إن تعذّر على المخدوع إدراك الضرر.
■ ■ ■
في خلفيّات الشفقة، فضلاً عن خوف ملاقاة المصير نفسه للمشفق عليه، شعورٌ بالذنب. على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي. البعض خبير في نَعْر هذه العقدة. هنا الاستغلال قد لا يعرف نهاية... إلاّ بثورة على الذات وتبنٍّ للذنب على أساس أن لا ذَنْب. على الصعيد الجماعي: إلى متى يستمر ابتزاز الألمان بسبب نازيّتهم؟ وإلى متى يتحمّل الغرب ابتزازه بسبب لاساميته في الحرب العالمية الثانية؟ خطر الإشعار بالذنب ليس التمادي في الأخذ من المتهم بل التمادي في تجريمه رغم تدفيعه الأثمان. التاريخ اليهودي حافلٌ بالشواهد على تجاوز الشعب اليهودي للحدود في اختبار صبر الشعوب الأخرى.
■ ■ ■
هنا، في المَثَل اليهودي، تكتمل صورة الجلاّد والضحيّة: ضحيّة يَشْغلها هاجس التحرّش بالجلاّد حتّى تتمّ التضحية، وبعد المراسم تنبري الضحيّة للتحكّم في الجلاّد تارةً عن طريق التاريخ وكتابته وطوراً عن طريق الإعلام والرواية والسينما، مروراً بالإمبرياليّة الماليّة. سادو ـــــ مازو. عذّبني لأثبت صلاحي. اقتلني لأحيا. اصلبْني لأعود إلى إلهي الذي هو الإله الأوحد، إله النخبة، إله الجبروت والانسحاق، والكره والنشيد، والعجرفة والمحرقة، والتوسّع والانغلاق، والدم في وجهيه. عذّبني لأنّي الحرّ، وسأعذّبك بدوري لأني الحرّ.
وصحيحٌ أن إحدى العِبَر الكبرى لتاريخ الشعب اليهودي هي تمسّكه بالحريّة، وقد نقل عدواها أحياناً إلى شعوب لم تسمع بها، وكانت لتكون عبرة مثاليّة كاملة لو لم يقترن التشبّث بالحريّة ـــــ حريّة المحافظة على المعتقدات والتقاليد والعادات وعدم الذوبان في المحيط ـــــ لو لم يقترن هذا التشبّث بدوّامة انفلاشيّة من الديناميكيّة العنصريّة المتعصّبة المتعالية والتي لا تتوانى عن استعمال كلّ الأساليب للسيطرة والتفوّق وتسويق الذات، حتّى ما لم يكن يستحق مجرّد تنويه.
ونتوقّف لنتساءل: لو عرف اليهود حدودهم ولم يتعدّوها إلى استنفاد صبر الشعوب الأخرى، هل كانت تصحّ مأساتهم؟ وهل كانت شهادة الحريّة لتكون شفاعتهم؟ إنه السؤال المأسوي. فضلاً عن أن الآخرين، كما يقول سارتر، هم أحياناً الذين يصنعون اليهودي وليس دائماً اليهودي نفسه. والأشدّ مأسويّة أنّك لا تستطيع أن تُمسك عن تقليب الموضوع رغم أنّه لن يفضي بك إلى نتيجة حاسمة إلاّ في حالتي الاستسلام أو الرفض، وكلتاهما مَصْيدة ينصبها الخطأ.
تاريخٌ من التيهِ والتَجمُّع، من الألم والتحمُّل، من الحذر والتصميم. لا يمكن تصوّر الحضارة دون اليهود ولا يمكن قبولها كما تُصوّرها العدسة اليهوديّة. هناك على الدوام هتلر ما يلوح شبحه في هذا الأفق. يجب أن تنتهي البشريّة من عصر الهدنة لتدخل عصر السلام. على هذه الدرب مطلوب من اليهود الغفران كما يطلبون هم من الآخرين الاعتذار. مطلوب منهم أن لا يتحنّطوا إلى الأبد في دور الأقليّة المسيطرة. مطلوب منهم أن لا يتحولوا بدورهم إلى محكمة تفتيش دائمة عن الخصوم والأعداء والذين «قد يشكلون أخطاراً». مطلوب منهم، كذلك وأولاً، أن يتوقّفوا عن إعطاء «الآخرين» ذرائعَ للانقلاب عليهم، وأن يتجاسروا على كسر سلسلة دوّامة الضحيّة الجلاّد والجلاّد الضحيّة.
■ ■ ■
يُخشى من الكبرياء لدى المشفق. يقول إيفان تورغينييف إن الشفقة المجرّدة من الكبرياء هي امتياز المرأة وحدها.
امتيازُ الأُمّ التي في كلّ امرأة.
... وحتّى لو خالطَ شفقة المرأةِ تَفاخُر، تظلّ نقيّة عذبة.
لأنّها يدٌ تنتشل قلباً من الأسى، ووجهٌ يخترقُ الجحيم بالحبّ.



هدباء

غابت في لندن الصديقة الغالية هدباء قبّاني. كانت القلمَ الذي كتبَ بهِ نزار ورفيقة همومه وأعماله مذ غادر لبنان. كان أبوها ثالث أولادها، ونحن أصحابهما كنّا الناعمين بصداقة الشاعر والمتنعّمين بحفاوة هدباء وحنانها. ومَن ذاق دفءَ تلك الإحاطة هو اليوم يتيم.
حوّلتْ هدباء كلّ محيطٍ بها إلى الأبيض. أبيض حليبي مثل رائحة الأطفال. حتّى الشارع الذي أقامت فيه بلندن صار، من طيبتها، مثل القطن. لم أزُر مرّة لندن إلاّ رأيتُ الشمسَ ساطعة من وجه هدباء.
وذَهَبتْ كما يذهب العصافير، على صبا دائم. وحيثما كانت الآن فهي ملاكُ خير. وغيابها، المؤلم الصادم، أشبه بغيابٍ عابث. وردةٌ لن تسقط في البئر. ضحكةٌ سيظلّ صداها يمحو الفراغ.
شيءٌ منّا يموت بانطفاء الأحبّاء وشيءٌ يحيا. شيءٌ منّا يبكي ذاته وشيءٌ يقول: لو لم يكن في الرحيل رجاء لما تَرَكَنا الأحبّاء.


عدد السبت ٢٥ نيسان ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/131582

السبت، ١٨ نيسان ٢٠٠٩

الموضـــــوع واحـــــد


الموضـــــوع واحـــــد

أنسي الحاج
نروح ونجيء والموضوع واحد.

■ ■ ■

ينبع الإصرار على تحميل الإنسان وزْر الشرّ لا من التشاؤم أو المعرفة بل من رغبة في اضطهاد الإنسان. وزْر الشرّ، هنا بالتحديد يقع. كما يقع في التهرّب من مسؤولية التضامن، من واجب التسامح. الشرّ المُسلّي أسهل من الخير المائع والمملّ. من الخير الذي تنوء به النفوس المريضة. الإلحاح على اتهام الإنسان هو أوسع الأديان انتشاراً وأقدمها تاريخيّاً.
وأكثر مَن يتّهم الإنسان بالشرّ المخلوق والمطبوع هو الشرّير نفسه، الشرّير بالعجز والشرّير بالقدرة والشرّير بالفعل. ما من قاتل إلّا يدافع عن قاتل. والبريء يرى البريء في جميع الوجوه. أيّهما المستسلم وأيّهما المقاوم؟ أليس المقاوم هو المُصِرّ على التبرئة؟ أليست صرخة شكسبير في «الملك لير»: «ما من أحد مذنب! ولا أحد! أقول: ولا أحد!» صوت البشريّة المُحبّة لا تَرافُع القَتَلَة؟
البراءة تُخيف. عدا كونها تفتح شهيّة الذئاب، نَعْرَتُها تَخِزُ السيّئ النيّة. لعلّ الذئب إن حكى يقول إنه يأكل النعجة لأن نصاعتها تثير غضبه. الإثم يريح العاجز عن الحبّ. لا سيما طبقات السلطة. السلطوي مبنيّ على افتقار الآخرين، المسيطَر عليهم، إلى الثقة بأنفسهم، يَحفر فيهم بشتّى الطرق لخلق الحاجة إليه، تارةً بالتخويف وطوراً بالإغراء، أي بفَتْفَتَة عقولهم وأرواحهم وأحياناً أجسادهم.
الإنسان مسكين، مخلوق ليقلق، يموت دون أن يشبع من الحياة، يخطئ ويكذب، يَستغلّ ويُذِلّ، لكنه لا يستحقّ أن يقال له «تستاهل!». ولا أن يُعامَل كمائت. طبعاً هو مائت، ولكنه لا يستحقّ أن يعامَل كمائت. أو ليُعامل كمائت بمعنى استحقاقه الحبّ أكثر لأنّه مائت. مثل صديق لي يرفض تعنيف أحد أو إغضابه أو إتعاسه، مخافةَ أن يصيبَ المعنَّفَ مكروهٌ أو يموت. لا يريد تَحمُّلَ تبعاتِ تَسبّبه بالإتعاس، مفضّلاً سطوح المواقف والكلام على الأغوار والحراب. العبور كالفراشة لا كالدبّابة.
ولكنْ هل نختار مواقفنا؟ سؤال هتكته الأجوبة حتّى بات خَجِلاً بالتعبير عن نفسه. نُسبَ إلى كارل ماركس قول مفاده «نحن نفكّر تبعاً لما نأكل». أو ما هو أشبه. ولم يكن، لا هو ولا زوجته ولا أولاده، يأكلون شَبَعهم. هل يفكّر ويتصرّف تبعاً للنقص الغذائي؟ كثيراً ما أفضى إلى صديقه إنغلز بعذاباته جرّاء الحرمان، فضلاً عن المآسي والأمراض والتنكيلات البوليسية التي عاناها طول حياته وبالأخصّ في أواخرها، وقضى، وقضت زوجته ومعظم أولاده وأحد أصهاره، تحت وطأتها، في مراحل أفظع من الجحيم. «أكبر زارع أحقاد» قيل عنه. وعن شيوعيّته: «الشيوعية أفيون المثقّف»، وما إلى ذلك من تشنيع وتهكّم. هل يُلام شخصٌ لم يَذُق طعم الراحة ولا استقرّت له فرحة إنْ هو نَقَم؟ وهل يعطي خدّه الأيسر أم يحفر في الأساس؟ شرّير؟
التنظير لمجتمع العدل والعمل في اتجاهه مروراً بالتحريض والهدم وهندسة الانهيار المرغوب، شرٌ يغالب شرّاً أسوأ منه، إذا سلّمنا مع معارضي ماركس بأن دعوته شرّيرة، وما هي كذلك. قرأتُ قبل أيام للأستاذ بشير العمري مقالاً نشرته له جريدة «النهار» يسترجع فيه حواراً مقتضباً جرى له مع الدكتور طه حسين يوم جاء بيروت في الخمسينات وعقد في قصر الأونيسكو مناظرة مع رئيف خوري نظّمها سهيل إدريس في موضوع الأدب والالتزام. التقاه العمري الشاب في أحد أروقة المقرّ قبيل دخول المحاضِر إلى القاعة الكبرى ودار بينهما الحوار الآتي:
ـــــ العمري: «قرأتُ رائعتكم «دعاء الكروان» أكثر من مرتين، وكنت بعد كل قراءة أقول لذاتي: حبّذا لو كان أديبنا الكبير عمد إلى بعض التعديل في أحداث رائعته، كي يتسنّى له القول «إن الشرّ لا يُنال إلاّ بالخير». (وما كتبه طه حسين في روايته هو «إن الشرّ لا يُنال إلّا بالشرّ»).
ويمضي العمري قائلاً: «فابتسم الدكتور، ثم سألني بالعربية الفصحى وبصيغة الغائب: كم من السنين طواها محدّثي الفاضل؟ ثم تلمّس نظّارته السوداء، كأنما يستميح العذر لنفسه عن سؤاله المبرَّر. فأجبته بالفصحى وبالصيغة عينها: لقد طوى ثلاثةً وعشرين عاماً منذ شهور قليلة. فقهقه عميد الأدب بالتقسيط المريح، ثم قال بالعاميّة المصريّة المحبّبة: «يا خبر ابيض... يَبْني لسّه بدري عليك». وتابع بالفصحى: «أنت في شرخ الشباب... غداً تغزوك الخبرة وتقتحمك التجربة».
ثم يربط الكاتب ذكرياته بالواقع السياسي الراهن في لبنان متسائلاً: هل العيش المشترك يعني أن يسكت اللبناني حتى يعيش، وأن يعيش لكي يسكت؟ وخاتماً مقاله بالقول المرّ: «ارقْد في سلامٍ أيّها الأديب العربي العملاق... فلك الحقّ كلّه في أن الشرّ لا يُنال إلّا بالشرّ. وعلينا الباطل كلّه في أن الشرّ لا يُنال إلّا بالخير!».
إضافة إلى تسليط الضوء على هذا الملمح الخطير في تفكير صاحب «الأيّام» وفي شخصيّته التي كانت على موعد دائم مع البحث والتساؤل والشكّ ونسف الرواسم وذرّ الاضطراب في صميم الركود، يأتينا صوتٌ نَضِر من وراء العقود ليرمي فتنةً زاهرة غضّة في بحيرة مثاليّاتنا الطوباوية. لا يُنال (أو لعلّها لا يُغْلَب) الشرّ إلّا بالشرّ. صدىً آخر من أصداء نيتشه وإنْ غير مقصود، وقَبْلَه لبعض دوستيوفسكي المتألّم الغاضب، وقَبْلَهما بودلير، وقبل الجميع الماركي دو ساد أبوهم جميعاً ولو تَلَفْلَفوا...
على أنّه «موقف» لا فعل. فكرٌ لا قذيفة. وأدب، لا جيش زاحف نحو تحطيم الهدف. لم يحاضر في الشرّ غير الطوباويين، وعند الحشرة تظهر إنسانيّتهم أسخى وأصدق من كَهَنة الأخلاق وحرّاس الهيكل.
والعكس صحيح، كثيرون ممَّن كرزوا بالمحبّة والشفقة والغفران والرحمة والحقّ والعدل والتسامح والحريّة، كانوا، وهُم، وسوف يظلّون، أقسى القلوب وأظلَم النفوسِ وأخبث العقول وأشدّ الكائناتِ ممارسةً للاستغلال والقمع والاستعباد واضطهاد الأَضْعَف.

■ ■ ■

نروح ونجيء والموضوع واحد.
لأنه في السرّاء يأتي ويأتي في الضرّاء. على وجهٍ نبيل وعلى وجه حقير. في المقاومة وفي الاستسلام. في انعدام الإيمان بالله وفي حضوره.

■ ■ ■

لعلّ الصورة الأشدّ قباحة بين الصور التي يعرضها العالم على أنظار بنيه هي صورة الكمّاشة الهائلة التي يقبض بها أباطرة امتصاص الدماء، وهم بضع مئات حول الأرض، على مصائر مليارات البشر. إن إتلاف المحاصيل الفائضة (الفائضة عمّن؟) من القمح وإغراقها في البحر حرماناً للعالم الثالث منها حتى لا تهبط أسعار السلعة، من الفضائح الاجتماعية الاقتصادية الإنسانية الكبرى التي سجّلها العصر الحديث. لكن حجب الأدوية عن ملايين سود أفريقيا وفقراء آسيا المصابين بفيروس الإيدز لأنهم لا يملكون دفع ثمنها، هو الأقلّ احتمالاً. ليس أن جريمتين كهاتين لا مبرر لهما إلّا في انعدام الخير لدى أولئك الأباطرة، بل إن وجودهم ممسكين بالأقدار متحكّمين في المجتمعات والدول والأفراد هو وجود غير مبرَّر، وعدم مكافحته غير مبرّر. إن هؤلاء أنفسهم هم من طينة مرسلي القنبلة إلى هيروشيما وناغازاكي ومرسلي الجنود بالملايين ليموتوا كالحشرات في الحربين الأولى والثانية. لقد استفحل شرّ الأباطرة وتجاوز قضية الإنسان الاجتماعية ـــــ الاقتصادية إلى قضيته الإنسانية من أساسها، بعدما بات الإنسان أسير دوّامة الاستهلاك العبثي الأخرق التي ألقته فيها الرأسمالية المستميتة في تصعيد الإنتاج حتى الانفجار. لم تعد الأزمة أزمة سياسيّة واقتصاديّة بل بلغت حجم المأساة الوجودية العامة.

■ ■ ■

ومع هذا يقاوم فينا، مهما حفّزَنا الظلم على الكفر، يقاوم فينا شرْشٌ مغمور يُمثّل إلهاً ما، يمنحنا طاقة الاستمرار ويجهّز بطّارياتنا من جديد. سُمّيتْ غريزةُ البقاء، ولعلّها كذلك، ولكنْ ليس فقط. إلّا إذا عنينا بغريزة البقاء قوّةً تتجاوز ميكانيكيّة التمسّك بالحياة نحو ما يفوقها عمقاً وتسامياً، نحو أجوبةٍ لم نكن نسمعها من قبل تأتينا من أغوارٍ لم نكن ننتبه إلى وجودها، إلى وجودها فينا وخارجنا، أغوار أقرب إلى الشفاه من كلامِ كلّ يوم، أحرّ من الدعاء ومن التجاوب مع الدعاء.
هل تكون تلك الأغوار هي غرفة اللّه؟

■ ■ ■

الما وراء هو الغريزة وما وراءها. ما يحيطها وما تُبطنه. السماء هي بين الجوانح. الأعماق ترقد تحت سطوحٍ غير مُنْتَبَهٍ لها.
■ ■ ■

... ولكن حتى لو سلّمنا بهذا، ما ربْح الخير؟ أين هزيمة الشرّ؟
ما دامَ الفناء بالمرصاد، لا جواب.
إلّا إذا اعتنقنا يقيناً من يقينات: يقين النظريّة القائلة بأن الحياة هي محض ماديّة تنتهي بانطفاء الوقود، يقين الإيمان بحياةٍ ثانيةٍ بعد فناء الجسد، يقين الشكّ...
وفي معزل عن ثنائيةِ الخير والشرّ بل في معزل حتّى عن فكرة تخطّيهما أو مزجهما معاً في بوتقة واحدة.
القضيّة هي الوجود والعدم. حتّى نحلّ سؤال العدم لن نرتاح من الدُوار.
والمفجع أن الإنسان غالباً ما لا يشارف المَخارج إلّا في النهاية.

■ ■ ■

في الانتظار، أيّها الحيّ، لا تنشغل بمراكمة السنين بل زدْ لحظتك ضياعاً عن اللحظة. تيه في التيه، عن التيه. لَعِبٌ يلعبُ فوق لعبِ اللاعبينَ. لا بداية ولا نهاية، بل سباحةٌ بين الأمواج والرياح.

■ ■ ■

لم يعد هذا العصر يسمع موسيقى جميلة إلّا أحياناً في السينما. إمّا الضجيج وإمّا الفراغ. نسينا أن الأشياء إيقاعات. وتحت كلّ أشكال الموسيقى يندرج رمل الشاطئ بذهبه الرتيب ينتظر زيارات الموج.
موجةُ هدهدةٍ تداعب الرمل المسفوح على أَرَقِه. موجات غَزَل. موجات حنين إلى مجهول تنبثق من حيث لا يدري صاحبها كيف كانت ستظهر. لسنا نحن، هذه الرمال، مَن يصنع الموسيقى، هو ذلك المصدر الغامض، المحض مادي والمحض غير محسوس معاً، هو الذي يصنعها ويصنع روحنا معها، كما أن دموعنا الداخلية تصنع بحرنا الداخلي ـــــ بحر النفس، بحر الروح، بحر ذلك المصدر الغامض.
سلِ الموسيقى، الموسيقى التي تُسلّمها كيانك بلا تَحفُّظ، التي تتمنى لو كان لك أكثر من كيان لتسلّمها إيّاه، سَلْها ما وراءها، تعرفْ ما وراءك. وحدها، هذه الشِعْر الغاسل، المتبادَل بلا كلمات، هذه الشِعْر المخلوق مع المخلوق في المهد، وحدها تملك الجواب.


عدد السبت ١٨ نيسان ٢٠٠٩

الرئيس المُحنَّط أو تـــابع التابع


الرئيس المُحنَّط أو تـــابع التابع

الملك عبد الله والرئيس حسني مبارك (أرشيف)الملك عبد الله والرئيس حسني مبارك (أرشيف)تفاعلت الأزمة بين حزب الله والنظام في مصر، فكان أن كرّست لها محطة «العربيّة» فقرة خاصّة في برنامجها الإخباري ـــــ الدعائي اليومي قبل أيام. أتت برئيس تحرير «روز اليوسف» وبعقيد لبناني متقاعد، هشام جابر، ومن باب توخّي وجهة نظر محايدة، استدعت صالح القلاّب للتوفيق بين وجهات النظر ربّما

أسعد أبو خليل*

مجلّة «روز اليوسف»، مثل كل مجلات مصر الرسميّة وجرائدها (المحروسة)، فقدت بريقاً لم تذقه من عقود. يكفي أن تقارن بين جريدة «الأهرام» قبل الثورة وفي عهد عبد الناصر وبينها وبين الجريدة نفسها في عصر السادات ومبارك. من يقرأ «الأهرام» اليوم، إلا الباحث عن إعلانات الوفاة؟ ومجلّة «روز اليوسف» الحالية تمثّل نسقاً مألوفاً في بعض الإعلام العربي الرسمي (ومواقع الإنترنت مثل «إيلاف»): هو إعلام يرتدي زي الليبراليّة فيما هو يتحالف مع أنظمة التسلّط والطغيان العربي مقابل منافع جمّة، ويعتمد في جذب القرّاء على الإباحيّة السوقيّة وتسليع المرأة وإثارة شهوات المكبوتين. والمجلّة المذكورة تنطق باسم الحزب الحاكم مهما كان ومهما فعل ومهما قتل. والطريف أن الإعلام الساداتي والإعلام السعودي لا يتوقّفان عن مهاجمة عبد الناصر بسبب قمعه للإعلام، كأن الإعلام الحالي في مصر أو السعوديّة أو الأردن حرّ وطليق. ينسى هؤلاء أن الصحف والجرائد المصريّة في أيام عبد الناصر كانت تُقرأ: كانت «الأهرام» تحتضن كُتّاباً من طراز محفوظ والحكيم وإدريس ولويس عوض وغالي شكري وغيرهم من المواهب. من يستطيع أن يشير إلى مواهب في إعلام مبارك اليوم؟ يكفي أن تذكر أن أسامة سرايا يترأس تحرير «الأهرام». إن المقارنة بين محمد حسنين هيكل (مهما قيل فيه) وأسامة سرايا ليست في مصلحة مبارك أو السادات... أو سرايا نفسه. وكان مركز «الأهرام» يضم عدداً من المفكّرين والكتّاب، فيما يعجّ اليوم بجوقة جمال مبارك. ومن الطريف أن الإعلام المصري والسعودي يندّد بطائفيّة إيران وحزب الله، فيما هو ينفخ في نار الفتنة المذهبيّة والطائفيّة من دون توقّف أو استراحة. أي إن الإعلام المصري يستنكر الطائفيّة والمذهبيّة إلا إذا صدرت عن مؤسّساته الحكوميّة والإعلاميّة، مثلما هو يروّج لوطنيّة قطريّة ضيّقة في الوقت الذي يتذكّر فيه القوميّة العربيّة فقط لمواجهة المخطط الصفوي ـــــ القجاري.
بدأت الحلقة المذكورة بشتم عنيف من رئيس تحرير «روز اليوسف» التي تمدح أميركا وتردحها في الأسبوع الواحد بناءً على مصلحة حسني مبارك وبناءً على ما إذا كان صدر تصريح عن مسؤول أميركي عن وضع حقوق الإنسان في مصر. لكن المصلحة المصرية (على مستوى النظام) والإسرائيليّة والأميركيّة كانت متطابقة في السنوات الماضية عندما اكتشف النظام في مصر أنه أخطأ حين ظنّ أن الإدارة الأميركيّة ـــــ أي إدارة أميركيّة ـــــ تعير وضع حقوق الإنسان أي أهميّة في أي نظام عربي. ارتاح عندها النظام المصري وتنفّس الصعداء. والقلاّب، الذي كان يفترض أن يمثّل وجهة النظر المحايدة في المناقشة، كان غاضباً ومتوعّداً وثائراً وهائجاً وشاتماً. والحَبّوب ـــــ كما يقولون في الشام ـــــ كان يشغل منصب وزير الإعلام في النظام الأردني. والعمل في أنظمة القمع العربيّة مهنة بائسة بصورة عامّة، لكنها أكثر إساءة وحقارة في مجالَيْ الإعلام والاستخبارات (بالإذن من سمير عطا الله كاتب المدائح في الأمير مقرن ومن جهاد الخازن كاتب المدائح في الأمير نايف). ووظيفة الإعلام في النظام الهاشمي هي للدفاع عن الارتباط المالي والسياسي بإسرائيل والدفاع عن مجازر الجيش الأردني بحق الشعب الفلسطيني. عدنان أبو عودة تدرّب في بريطانيا على أصول الحرب النفسيّة (كما ذكر آفي شلايم في سيرته المُبجِّلة للحسين) قبل أن يتبوّأ مهمة الدفاع عن مجازر أيلول في الإعلام الأردني. والقلاّب ظهر خبيراً، لا بل فقيهاً في الفكر الشيعي، أفتى لمصلحة مفتي صور المطرود علي الأمين (وهو عزيز على قلب الأمير مقرن)، الذي يتطوّع في الإعلام المصري والسعودي لتبنّي سياسات الحكومتيْن ـــــ بالإضافة إلى سياسة حكومة ثالثة في المنطقة ـــــ بما فيها سياسات تحقير الشيعة والتعبئة المذهبيّة ضدهم. لكن التعويل على مفتي صور المطرود لكسب الرأي العام الشيعي يشبه التعويل الأميركي عام 2003 على أحمد الشلبي لقيادة العراق ولتوقيع معاهدة سلام بين العراق «الجديد» وإسرائيل. أما هشام جابر، فيذكّر بالضيف الليبرالي في محطة «فوكس» اليمينيّة. فمن المعروف أن محطة «فوكس» تأتي بمتحدّثين يمينيّين أشاوس وطليقين، ثم تأتي بضيف ليبرالي خجول وضعيف ومتأتئ. وهكذا تفعل المحطات السعوديّة والحريريّة عندما تأتي بهشام جابر للدفاع عن وجهة النظر المضادة. عبّر جابر عن احترامه لشتائم القلاّب والضيف من «روز اليوسف» قبل أن يعبّر عن احترامه لمفتي صور المطرود. وتمتم جابر بكلام عن خلاف له مع حزب الله في الوقت الذي افترض فيه المشاهد أنه دُعي إلى الحلقة لتمثيل وجهة النظر الأخرى. لكن هذه هي شروط التنوّع في إعلام آل سعود.
جمال مبارك (أرشيف)جمال مبارك (أرشيف)والحملة المصريّة على حزب الله تشتدّ وتتسع لتشمل إعلام الأمير سلمان بن عبد العزيز. والأخير يتحرّق للتتويج ملكاً على السعوديّة، كما أخبرني قبل أعوام سفير الولايات المتحدة السابق في السعودية، تشاز فريمان. وسلمان يسارع إلى التقرّب من الصهيونيّة لعلّ أميركا تدفع بوصوله إلى المُلك كما يلاحظ قارئ صحيفته اللندنيّة. حملة الإعلام المصري لا تواجه حملة مضادة من إعلام حزب الله الذي يظن أن صمته تذاكٍ حادّ. وخطاب حسن نصر الله الأخير كان واضحاً في شرح موقف الحزب من مختلف الأنظمة العربيّة. أوضح الحزب أنه لا يعادي أياً من الأنظمة العربيّة، وأنه لن يشن حملات على أيّ نظام عربي. ويعلم ضيوف محطة «المنار» في الأشهر الماضية أن المحطة تطلب من الضيوف الامتناع عن انتقاد السعودية. يجهل الحزب أن الأنظمة العربيّة هي التي تريد العداء والحرب مع حزب الله، حتى لو هادن هو وسالَم. المخطط مرسوم شاء حزب الله أو أبى، مثلما اختلق النظام الأردني في لحظة مواتية (لإسرائيل دائماً) الكشف عن مخطط تعدّه حماس لتفجيرات في الأردن. ومن قال إن الأنظمة البعثيّة هي الوحيدة التي تختلق الكشف عن مخططات جهنميّة في بلادها؟ لكن حزب الله لم يتوصّل بعد إلى ما توصّل إليه جورج حبش ووديع حدّاد بعد 1967: أن هدف تحرير فلسطين يتعارض ويتناقض فعلاً وقولاً مع مهادنة الأنظمة العربيّة (وحادت الجبهة الشعبيّة في ما بعد عن الرئيس فؤاد السنيورة (أرشيف ــ أ ف ب)الرئيس فؤاد السنيورة (أرشيف ــ أ ف ب)هذا الاستنتاج). لكن حزب الله معذور في تفضيله عدم فتح معركة مع الأنظمة، لأن سلاح الفتنة المذهبيّة، الذي تحوّل إلى سلاح ماضٍ رسمي بأيدي المعسكر السعودي، يضعف قوة حزب الله بسبب سهولة انتقاده نتيجة تركيبته الطائفيّة وأيديولوجيّته غير الجامِعة. يُلام الحزب لعدم اهتمامه ببناء جبهة مساندة للمقاومة على نسق الجبهة المساندة للثورة الفلسطينيّة التي أنشأها كمال جنبلاط، ويُلام أيضاً لعدم ارتياحه إلى التحالف مع الجناح العلماني ـــــ اليساري من المقاومة في لبنان وفي غير لبنان، وإن كان لا يُلام لعدم رغبته أو قدرته على انتهاج عقيدة مغايرة لعقيدته.
لكن نظام حسني مبارك لا يلوي على شيء. المسألة ـــــ كل المسألة ـــــ هي في التوريث الذي يعمل عليه الرئيس المحنّط بمثابرة ونشاط. وحسني مبارك هو رئيس الصدفة مثلما كان أنور السادات راعيه رئيس الصدفة. وإذا كان السادات هو تابعاً لعبد الناصر (واتفقت مراكز القوى على السادات لأنه التابع الأقل خطراً، إذ كان مثال الـ«موافق أفندي» في عصر عبدالناصر)، فإن مبارك نشأ تابعاً للسادات: أي إنه أتقن أداء دور تابع التابع. ومن الطريف أن مبارك والسادات أطلقا اسم «جمال» على بكريْهما تيمناً باسم عبد الناصر. وكان ولاء مبارك مطلقاً للسادات، بينما نبذ عدد من وزراء خارجيّة السادات رئيسهم بسبب صلحه مع إسرائيل، بمَن فيهم نافخ السيجار، إسماعيل فهمي، الذي كان مفتوناً بـ«العزيز هنري». والزميل روبرت سبرنغبورغ في كتابه عن حكم مبارك توفّق في تحليل حكم مبارك نظاماً يعتمد على تسلّط المؤسّستين العسكريّة والاستخبارية، وعلى ضلوعهما في قطاعات مختلفة من الاقتصاد الوطني «المُنفتِح». كذلك فإن مبارك العريق في التبعيّة لم يأمن لتابع ولا يزال يرفض تعيين نائب له. وعندما قويت شوكة عبد الحليم أبو غزالة أقصاه، وعندما عبّر شعبان عبد الرحيم عن حبّه لعمر موسى، عزله في الجامعة العربية.
وحكام العرب محكومون مثل جلجامش بعقدة الخلود: لا يفهمون كيف هم لا يتمتّعون بالخلود. والشيخوخة تزعجهم فترى الثمانيني منهم مثل مبارك أو عبد الله يدخل عقده التاسع بشعر أسود فاحم. الشيب يشتعل في شعر سواهم من العامة لا في شعر الحكّام (صدّام أصرّ على صبغ شعره وهو في الأسر). ومبارك وقع على وصفة سحريّة لضمان التوريث: اكتشف لسروره البالغ أن الإدارة الأميركيّة لا تكترث للديموقراطيّة ولا لحقوق الإنسان وأن الموضوعيْن يُستعملان من أجل عصر المزيد من التنازلات نحو إسرائيل ونحو المزيد من التعاون مع الحروب الأميركيّة العالميّة الجارية. واكتشف ذو الشعر الأسود الفاحم ـــــ الرئيس المُحنّط على طريقة الفراعنة ـــــ أن التطبيع مع إسرائيل يمكن أن يخفِّف من أي انتقاد أميركي (وأوروبي) لحكومته الظالمة، كذلك فإنه يزيد من التأييد الغربي لموروثه النجيب. يا لفرحة مصر، أم الدنيا: جمال مبارك ينطق بالإنكليزية، وقد نَسّق مع بوش التأييد المصري السرّي للغزو الأميركي في العراق. سيكشف التاريخ عندما يُكتب أن دولاً عربيّة كانت جزءاً سرّياً من القوات المتحالفة مع أميركا في غزو العراق، وخصوصاً أن تقارير أميركيّة وصفت أخيراً الأردن بالعضو السرّي في تحالف الاحتلال في العراق. وهكذا، سرّع مبارك من وتيرة التطبيع، وهكذا، خَفت حضور مصر في رفع الصوت الهامس ضد عدوان إسرائيل وإرهابها.
ومن المضحك أن الإعلام المصري الرسمي يختبئ وراء لازمة مُتكرِّرة عن «الأمن القومي المصري». من يقول لهؤلاء إن الأمن القومي المصري مات يوم توقيع اتفاق سيناء الأول؟ هل يهزل هؤلاء بالحديث عن «الأمن القومي المصري» وإسرائيل تحاصر غزة وتقصف مواقع على الحدود المصريّة؟ وأين كان الأمن القومي المصري عندما عقدت الحكومة الإسرائيليّة جلسة خاصة للنظر في طلب الحكومة المصريّة إرسال المزيد من قوات الشرطة المصريّة إلى الجانب المصري من الحدود للالتزام بأمن إسرائيل؟ الحقيقة أن اتفاق كامب ديفيد وما تضمنه من التزامات علنيّة وسريّة ذوّب مفهوم الأمن القومي المصري من أساسه لإعلاء شأن الأمن الإسرائيلي فوق ما عداه. لكن الحكومة المصريّة تسير على خط أنور السادات: أي على سكة تعبئة عنصريّة وشوفينيّة للشعب المصري من أجل أن ينبذ قضيّة فلسطين (وتصويرها كعالة على المصلحة المصريّة) ومن أجل أن يختبئ وراء تعبئة طائفية ومذهبيّة أساءت إلى الوحدة الوطنيّة في مصر وأسهمت في إطلاق تنظيمات العنف الجهادي في عصر السادات حتى لو أثلجت قلوب الليبراليّين العرب الهانئين في فيء آل سعود وآل شخبوط.
ولا يتحدّث الإعلام المصري عن تهديد دولة إسرائيل التي تجتاح وتقصف وتقتل على مدار الساعة للأمن القومي المصري، فيما شكل وجود عضو واحد في حزب الله بمصر تهديداً أكيداً للأمن القومي المصري. ولم ينتبه دعائيّو حسني مبارك إلى الإهانة التي ألحقتها مزاعم النظام عن مؤامرة عضو حزب الله في مصر. أية دولة هي تلك التي تهتز بسبب مؤامرة (مزعومة أو حقيقيّة) لرجل واحد؟ «مؤامرة لرجل واحد» تصلح عنواناً لفيلم مصري من السبعينيات. لكن الدولة المصريّة تفعل ما يجب عليها لكي يجري ترتيب البيت لخلافة جمال مبارك والحصول على دعم أميركي وإسرائيلي وأوروبي للخلافة قبل أن يظهر الشيب في شعر حسني مبارك. وترتيب البيت الداخلي من أولويّات «سي حسني» لكنه يعني مشكلة تكمن في فقدان الابن لأيّة مشروعيّة من أي نوع كان وإن أحاط نفسه بقطط سمان. لا يستطيع جمال مبارك أن يفطر على نصر أكتوبر المزعوم، ولا أن يتسحّر عليه. والالتصاق المتزايد بين النظام المصري وإسرائيل يخلخل بنيان التركة التي سيسلّمها مبارك لابنه. ويستدرك الإعلام المصري الأمر، فيختلق بطولات لحسني مبارك. وفيما كان الإعلام المصري يعجّ بأخبار المؤامرة الخطيرة التي حبكها ونفّذها عضو واحد من حزب الله، كانت جريدة «الأهرام» وغيرها من الجرائد تعنون بأخبار عن ضغوط وحملات مصريّة لمقاومة تهويد القدس ومعارضة المستوطنات. إنها بطولة محمد حسني مبارك. لم نسمع بأمر الحملات المصريّة تلك. ويحاول أدعياء مبارك تذكيرنا بتضحيات الشعب المصري من أجل فلسطين، لكن الشعب (في كل البلدان العربيّة) شيء والأنظمة شيء آخر. ثم لو كانت الأنظمة العربيّة قد أحسنت الدفاع عن فلسطين عام 1948 ومنعت قيام الدولة الغاصبة لوفّرت على شعوبها تضحيات بالغالي والنفيس والأشعار.
لا شك في أن نظاميْ السادات ومبارك نجحا في تدعيم أسس الهويّة القطريّة التي خبت في عهد جمال عبد الناصر الذي نجح في تعبئة شعبه وراء شعارات هويّة قوميّة شبه علمانيّة. ربط عبد الناصر بين مصير شعبه ومصير فلسطين، لكنه أضرّ بالاثنيْن في تسليم مقدّرات جيشه لملك الكيف، المشير السعيد. وقدرة عبد الناصر على الترويج للهويّة القوميّة نبعت من ثقة بالنفس وإدراك لحقيقة شعبيّته، بينما سعى خليفتاه لتدعيم حكميْهما على أسس ضيِّقة لكسب ودّ شعب يئنّ تحت وطأة الجوع والزحمة والضيق والهزيمة. لهذا اختلق لهم السادات ألعوبة العبور وحديث أكتوبر. طبعاً، لا يمكن اختزال الشعب المصري بشعارات أنظمة غير منتخبة، لكن لا يمكن إنكار قدرة الأنظمة ـــــ كل الأنظمة ـــــ على تدعيم منطق الهويّة القطريّة على نسق «الأردن أولاً» و«لبنان أولاً» و«الوهابية أولاً». وسلطة الأزهر الدينيّة مطواعة تاريخيّة حتى تحت الحكم البريطاني، تفتي بالفداء من أجل فلسطين قبل ليلة من إفتائها بالسلام على شمعون بيريز من باب الاحترام.
والنفخ في الهويّة القطريّة محاولة من الأنظمة التي تحوز نسبة ما يقارب 100% من الأصوات (وصلت إلى ما يفوق 100% في إعلان وزير داخليّة سوري من الخمسينيات) يهدف إلى تحقيق التماهي بين النظام وعزة الشعب، فيصبح الهجوم من أي كان في الداخل وخصوصاً في الخارج هجوماً على عزة الشعب وعنفوانه. لهذا، فالنظام المصري أصرّ على تصوير انتقاد النظام المصري لتواطؤه وتعاونه وتحالفه وتنسيقه المفضوح مع إسرائيل خلال الأعوام الماضية وكأنه هجوم على مصر نفسها. برع السادات في ذلك عندما حوّل معارضة صلحه الذليل مع إسرائيل إلى حملة عنصريّة على المصريّين ووصف المصريّين المعارضين لكامب ديفيد بالجواسيس والعملاء لمصلحة دول أجنبيّة. لهذا، فإن أسامة سرايا يصدح بأسلوب يضفي وقاراً على تعليقات أحمد سعيد ويقول إن «القاصي والداني يعرفان ما تفعله مصر للفلسطينيّين».
أولاً، لاحِظ أن حسني مبارك تحوّل إلى تجسيد لـ«مصر». ثانياً، صحيح أن القاصي والداني يعرفان أن النظام المصري حوّل القضيّة الفلسطينيّة التي كانت في صلب السياسة الخارجية لمصر قبل السادات إلى هامش في اهتمام الاستخبارات المصريّة. ويعرف القاصي والداني (والدانية) أن النظام بات متعاوناً (مثلما كان النظام الأردني منذ إنشائه على يد استعمار بريطانيا قبل أن يتسلّمه الاستعمار الأميركي بعدما غابت الشمس والقمر عن الاستعمار البريطاني) مع المخطط الإسرائيلي لضرب القضيّة الفلسطينيّة عبر قتل أكبر عدد ممكن من الفلسطينيّين. ويعرف القاصي والداني أن الحصار الخانق على غزة لم يكن ليتمّ من دون التعاون التام مع الحكومة المصريّة. لكن قلم سرايا زلّ في المقالة لأنه ولول مندِّداً بمخطط حزب الله لإحداث «الوقيعة بين مصر وإسرائيل». هذا هو مكمن التهديد للأمن القومي المصري ـــــ كما يسمّونه.
مَن كان يتصوّر أن يأتي يوم يتهم فيه نظام عربي ـــــ في مصر خصوصاً ـــــ خصوماً عرباً له بإحداث «الوقيعة» بينه وبين إسرائيل؟ وماذا تعني الوقيعة بين نظام عربي وإسرائيل؟ وكيف يمكن التوفيق بين الدفاع حتى اللفظي عن حق أدنى للشعب الفلسطيني والخوف من إحداث الوقيعة مع إسرائيل؟ وهل أحدثت إسرائيل الوقيعة في تاريخها مع الدول العربيّة عندما قصفت أو اجتاحت لبنان ومصر وتونس والسودان والعراق وفلسطين والأردن وسوريا؟
الصحافة الإسرائيليّة تشارك في جوقة الحملة المباركيّة من أجل التوريث: وشمعون بيريز بات يفتي في أمور الفقه السني والشيعي متسلّحاً برعاية سعوديّة وأزهريّة. وإسرائيل تحترم الحرص المصري على عدم إحداث «الوقيعة» بين النظام المصري ودولة الاحتلالات الصهيونيّة. والصحافة السعوديّة تختلف بين أمير وآخر، لكن حازم صاغية (الذي اعتبر عنصريّة سعيد عقل وتحالفه مع إسرائيل ودعوته إلى قتل الفلسطينيّين في لبنان أثناء الحرب الأهليّة تسلية ما بعدها تسلية) اعترض على المسّ بالسيادة المصريّة، مع أنه كان قد ارتأى من قبل أن الغزو الأميركي للعراق لا يخرق السيادة العراقيّة. أي إن خرق عضو في حزب الله لسيادة مصر أدهى من خرق سيادة العراق على يد الجيش الأميركي.
وفؤاد السنيورة يزور مصر في أيام الأزمة: لكن زيارة السنيورة خاصة، وهي غير مرتبطة بالأزمة على الإطلاق. والمكالمة الهاتفيّة بين مبارك والسنيورة غير مرتبطة بالمؤامرة لإحداث «الوقيعة» بين مصر وإسرائيل. والسنيورة أبدى تفهّماً لأنه هو أيضاً فعل المستحيل قبل حرب إسرائيل على لبنان وبعدها لعدم إحداث الوقيعة بين لبنان وإسرائيل. ودموع السنيورة الشهيرة كانت حزناً وأسى على الوقيعة. والنظام العربي الرسمي يُجمع على أن الوقيعة بينه وبين إسرائيل مُستنكرة ومنبوذة، أما سعي هذا النظام إلى تأجيج الفتنة المذهبيّة وإثارة الحرب الأهليّة الفلسطينيّة، فهو محمود. لقد دخلتم عصر السلام والوئام، فاخفضوا رؤوسكم أو طأطئوها حتى لا ترتطم بسقف الأمن القومي ـــــ القطري.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ١٨ نيسان ٢٠٠٩

الثلاثاء، ٧ نيسان ٢٠٠٩

رسالة إلى غابرييل غارسيا ماركيز



رسالة إلى غابرييل غارسيا ماركيز

<
>ربيع جابر الحياة - 07/04/09//

لن يقرأ الرجل هذه الرسالة. حظه طيب. عمره 82 عاماً ويحيا بين أوروبا وأميركا وساعة الصباح لا يفتح جرايد عربية. بلى، يهوى الصحافة، ومنذ سنوات تملّك صحيفة في كولومبيا. لكنه لا يتقن العربية الى ذلك الحد. أبناء العالم الثالث ينقسمون على لغات كثيرة، أكثر من 72 لغة، ولا نعلم ماذا يجمع بينها. لن يقرأ هذه الرسالة. الثغرة الوحيدة التي يجوز من خلالها أن تبلغ هذه الرسالة صندوقه البريدي اسمها حماقة الآخرين: ان يدخل مجهول على الخط ويحمل هذه الكلمات اليه مترجمة.
عمره 82 عاماً ولم يعد يهتم بالرسائل. قال انه وضع القلم من يده وهذا يعني أنه كفّ عن الكتابة. هل يصدق نفسه؟
بين شهر وآخر يعود الواحد منا الى «مئة عام من العزلة» (1967) ويقرأ عن الحياة في ماكوندو. هو يقرأ وماركيز يكتب من أجله. لا يكف عن الكتابة لحظة هذا الرجل، أحقاً يظن أنه اعتزل الكتابة؟ (أمس، يوم الاثنين 6 نيسان/ ابريل 2009، كتب مرة أخرى «مئة عام من العزلة»).
كان في الأربعين من عمره عندما نشر ذلك الكتاب. الطبعة الأولى من «مئة عام من العزلة» نزلت الى المكتبات أثناء «حرب الأيام الستة». بلى، حزيران (يونيو) 1967. كان يفتح جرايد بوغوتا (وبوينس أيرس؟ هناك نُشرت الطبعة الأولى) كي يقرأ شيئاً عن روايته (هل فعل ذلك؟). قرأ عن الحرب في الشرق الأوسط ودخن عدداً من السجائر. ماكوندو حقيقة وحروب الشرق الأوسط أكذوبة؟ كان يغرق في غيمة تبغه وفي تلك الأثناء نفدت الطبعة الأولى من الرواية. قال انه تفاجأ. وناشره أيضاً تفاجأ. ولا بد من أن القراء تفاجأوا أيضاً. ماكوندو باغتت الجميع. هذا العالم الحقيقي والخيالي. ما الخيال وما الواقع؟ ماركيز لا يقدر أن يميز بين الاثنين.
كانت روايته الرابعة. لعلها الخامسة. هل تخيل وهو يذكر أوريليانو بوينديا في «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه» (1961) أن هذا المحارب الخرافي سيظهر من جديد بعد سنوات قليلة في رواية عن عائلته وأهله وأولاده؟ هذا كولونيل آخر، ليس عجوزاً، ويقدر أن يعتبر نفسه إحدى أهم الشخصيات الروائية في تاريخ الأدب. هو يصنع الأسماك المذهبة أو يشنّ 32 حرباً أهلية صغيرة ونحن نعتبره ما نشاء. أين تكمن القوّة الغامضة لهذه الرواية؟ في بناء القرية الأسطورية ماكوندو؟ في الشخصيات التي تتحرك أمامنا كأنها حاضرة على كوكب الأرض كما لن نحضر أبداً؟ في الحكايات التي تتوالى محبوكة بفنٍ لا يضاهى؟
كيف يكفّ ماركيز عن الكتابة؟ حتى لو سكت عن الكتابة وهو في الأربعين، حتى لو لم يسطر «خريف البطريرك» (1975) و «سرد أحداث موت معلن» (1981) و «الحب في زمن الكوليرا» (1985)... حتى من دون هذه الكتب كلّها لم يكن أحدنا يقول انه ساكت. الرجل يتكلم معنا بلا توقف، هل كفّ عن التدخين؟ كافكا هجم المخلب على رقبته من دون أن يشعل تبغاً. وماركيز؟ عمره 82 عاماً لكنه ثابت الى الأبد في سن الأربعين. أو ما قبل الأربعين. كتب «مئة عام من العزلة» في عام واحد (1966). في شهور؟ في 15 شهراً؟ في 7 شهور وحسب؟ قد يعطينا جواباً، لكن هل نصدق؟ كيف يصدق القارئ رجلاً كتب كل تلك الروايات؟
في أي لحظة هاجمه الفرح اللانهائي وغمره كالطوفان؟ بينما جوزيه أركاديو يمد يده ويقبض على ريبيكا؟ بينما 16 رجلاً يحملون الاسم ذاته (أوريليانو) تطاردهم الرصاصات وتخترق صلبان الرماد في جباههم؟ متى شعر أنه يرتفع على موجة خيالية والصور تهجم عليه من حيث لا يعلم: وهو يكتب عن جوزيه أركاديو الثاني ناهضاً من بين الأموات في القطار الليلي الذي يترك ماكوندو بعد المذبحة؟ لعل هذه الصفحات - بينما الرجل يعود تحت المطر، مصدع الرأس وفي شعره الدم اليابس - أجمل صفحات «مئة عام من العزلة». عندما يدخل مطبخاً، مضطرباً كشبح، يقول للمرأة اسمه. كي يتأكد أنه موجود. تسكب له القهوة بلا سكر وبينما يشربها (هل شربها؟) نعرف أننا أحياء. هل نحن أحياء؟
بعد المطر الذي يتساقط أربع سنوات وأحد عشر شهراً ويومين يخرج أوريليانو الثاني كي يتفقد ماكوندو. في تلك الساعة يكتب ماركيز من أجل قراء عرب لا يعرفهم لا يعرفونه: «الذين نجوا من الكارثة كانوا سكان ماكوندو من قبل أن تهزها عاصفة شركة الموز. رآهم جالسين وسط الشارع يعرّضون أنفسهم لأشعة الشمس وما زالت على أجسادهم خضرة الطحلب ورائحة الحبس التي بللها المطر، غير أنهم كان يبدو عليهم الفرح لأنهم استعادوا أخيراً قريتهم التي ولدوا فيها. وعاد «شارع التركو» الى ما كان عليه من قبل، شارع العرب وأخفافهم، والأقراط في آذانهم، أيام كانوا يجوبون العالم يبدلون الببغاوات بالألعاب، حين وجدوا في ماكوندو زاوية صغيرة من الأرض يرتاحون فيها من عناء رحيلهم التاريخي. كانت البضائع في البازار خلال سنوات المطر تتساقط كاليخنة وتتبرقش البضائع المعروضة على الأبواب بالطحالب. والواجهات عاث فيها دود الخشب، والجدران تآكلت رطوبة، لكن عرب الجيل الثالث كانوا يجلسون في المكان نفسه، وفي الوضع نفسه الذي جلس عليه آباؤهم وأجدادهم، صامتين، لا يهزهم الخطر، ولا ينال منهم الزمن ولا الكارثة. ظلوا كعهدهم بعد وباء الأرق وحروب العقيد أوريليانو بوينديا الاثنتين والثلاثين، لا يتبدلون في حالتي الحياة والموت. لقد أظهروا قوة روحية عجيبة أمام بقايا طاولات اللعب، وعربات باعة المقليات، وبسطات إصابة الهدف، والشارع الصغير الذي كانت تفسر فيه الأحلام ويُقرأ المستقبل. ولما سألهم أوريليانو الثاني، بطريقته المرحة المألوفة، عن أية وسيلة خفية استخدموا كي ينجوا من الكارثة، وماذا صنعوا كي لا يموتوا غرقاً، أجابوه واحداً بعد الآخر، من باب الى باب، وهم يرسلون اليه الابتسامة الذكية نفسها، والنظرة الحالمة نفسها، الجواب نفسه من دون أن يتفقوا عليه، قالوا له: كنا نسبح».
في هذا المقطع نعثر على أسلوب ماركيز «المرح المألوف» وهو يتألق: بضربات سريعة يرسم شارعاً وعالماً كاملاً وطقوس «عرب الجيل الثالث» الذين استقروا في احدى زوايا ماكوندو ليرتاحوا من «عناء رحيلهم التاريخي». كيف تبدل هذا المقطع (وأثره فينا) بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001؟
هل كتب ماركيز تلك السطور «من أجل قراء عرب لا يعرفهم ولا يعرفونه»؟ هذه جملة للمحو. في سنته التاسعة والثلاثين على هذه الأرض كتب الرجل - ليس من أجل أحد ولكن حبّاً بالكتابة - 400 صفحة يصعب أن تقع في هوّة النسيان. في سنته الأربعين رأى الصفحات مجموعة بين دفتي كتاب. الرواية التي كانت خيالية وغير موجودة وكامنة في أعماقه خرجت منه، وهو يقعد الى طاولة الكتابة، ثم غادرت الغرفة الموصدة الى الناشر، الى المطبعة، الى أنوار العالم. صارت موجودة. بعد مرور هذه السنوات الطويلة هل يتذكر ماركيز تلك اللحظة الأولى، وهو يكتب تلك الجملة الأولى في بداية الكتاب: «بعد سنوات طويلة، وأمام فصيل الإعدام، تذكر الكولونيل...». بينما يكتب الجملة الأولى هل كان يتخيل أين ستأخذه الفصول، هل كان يعرف الكلمات الأخيرة في الكتاب: «... فالسلالات التي قدر لها القدر مئة عام من العزلة لا يمنحها القدر على الأرض فرصة أخرى».
عمره 82 عاماً الآن. كيف يقطع الوقت، ماذا يقرأ؟ قصص بورخيس، «حياة تيديو أيزيدورو كروز»، «الموت الآخر»، «التحدي»، «بيدرو سالفادورس»؟ يكرر قراءة «يوميات سنة الطاعون»؟ يقرأ «بيدرو بارامو»، «سور الصين العظيم»، «لعبة الحجلة»، «آنا كارينينا»، دانتي، «جبل الروح»، «الإلياذة»، شكسبير، و «العهد القديم»؟ ماذا يتذكر بينما يقرأ - للمرة التي لا يعرف رقمها - كتاباً قديماً طالما أحبّه؟ هل يفكر في الوقت ومرور السنوات؟ هل يتذكر قرية الطفولة والجدّة التي تشبه أورسولا تعجن وتخبز في الفرن الحطب خبزاً وحلويات؟ كيف مرّت الحياة؟ ماذا يتلاشى وماذا يبقى؟ بين اسبانيا والمكسيك وكولومبيا كم خطاً رسمت خطواته؟ أقام زمناً في باريس، كيف يتذكر تلك الأيام؟ قال في مقابلة في الثمانينات الخيالية للقرن العشرين إنه يعلم أنه مقروء في اللغة العربية، مع أن أحداً (ناشراً) لم يتصل به ويأخذ حقوق الترجمة والنشر! هل كان مبالياً؟ أم كان يداعب القراء الخياليين؟ «مئة عام من العزلة» موجودة في العربية، في أكثر من ترجمة. وكذلك أعماله الأخرى. هل يهمّه الأمر؟
هذه رسالة لن يقرأها. هل يحبّ الكلمات المتقاطعة؟ يقص الشبكة من الجريدة ويتسلى بها في ساعات الصباح؟ يحبّ المشي والرياضة؟ ينزل ويسبح ظهراً في البركة المستطيلة؟ عندما تمرّ شخصياته أمام عينيه، ساعة القيلولة الحارة، هل يمدّ يده ويستوقف الكولونيل بوينديا؟ انتهت حياة الكولونيل يوم رجوع السيرك (والغجر) الى ماكوندو. كان النمل الطيّار يملأ الجو. قبل أن يلفظ الروح، وحيداً تحت شجرة في مؤخرة البيت، استعاد ذكريات قديمة. كانت عزلته شبه كاملة. وماركيز؟ يحيا ماركيز بين عدد لا يحصى من القراء. هؤلاء خياليون، لن يقعدوا معه الى مائدة واحدة، لكنهم يعرفونه. ما يربطهم خيالي أيضاً. في أراضي الأدب الغامضة تمتد الحياة، ثرية ومتشعبة، الى ما لا نهاية.

السبت، ٢١ آذار ٢٠٠٩

صحــــــافــــــــــة (2)


صحــــــافــــــــــة (2)

أنسي الحاج
تكاد الأجيال الجديدة تنسى أن الصحافة كتابة، والكتابة قلم، والقلم وجدان وصقل لا وظيفة ولا شهادة جامعيّة، والكتابة، كما هو معروف، تصدر من الشعور والأعصاب لتفترش اللغة، وهذه ينابيع وجداول تُفتّحها وتهدر بها التجربة الحيّة ويُعْليها الصدق وتضمّخها المعرفة والخيال. الصحافي أديب يومي، وكم من روائي احترف الصحافة، وكم من أديب وهبها عمره وحَرَمَتْه ما كان يعتزمه من تأليف، ولم يبخل عليها، لا لأنّها مصدر عيش فحسب بل لأنّه استعاض بها، مختاراً أو مُكْرهاً، عن تأليف الكتاب، فاستودعها عصارة روحه. الصحافة العربيّة أكثر من غيرها في العالم صنيع أدباء، كانوا طليعة حركة التنوير في أواخر القرن التاسع عشر ومطالع العشرين. والصحافة التي لم ينهض بها أدباء لم تترك أثراً، وبينها مَن تَضافرتْ لإصداره رؤوس أموال ضخمة وتجمّعت حوله ووراءه قوى سياسيّة جبّارة. لا نقصد بالأدباء، اللفظيّين الإنشائيين، وما أكثرهم دائماً، بل أصحاب الإلهام والابتكار وملهَمي الأسلوب. ولا تُغْني الأفكارُ ولا الثقافة السياسيّة والفلسفيّة عن إتقان الكتابة، ولا يتأتّى الإتقان بالاجتهاد وحده، بل باتحاد الموهبة والاجتهاد، وتحالف العفويّة والوعي، وجرأة التجديد ومراقصة الخَطَر. طبعاً ما هي إلاّ بعضٌ من صفات كيمياء الكتابة في بعدها اليومي.
اجتاحت الصحف اللبنانية منذ أربعين عاماً موجات كتّاب التقارير، وهم نوع من رجال التحري المموّهين بصفة محلّلين أو مخبرين. أحياناً يملى عليهم ما لا يقدّرون مفاعيله، حين يكون الهامس معلّماً في المادتين: التوجيه والتعبير. لا يعني ذلك أن الصحافة في الماضي لم تعرف أمثالاً لهؤلاء الكَتَبة، ولكن غلبت عليهم في حينه صفة صحافيي السلطة أو السلطان. ولا يدخل في حسابنا صحافيو الباب العالي ولا عملاء الانتداب، فهؤلاء كانوا أشبه بالموظفين المعلنين، شأن الطائفة الكبرى من صحافيي «الرأي» السياسي في جرائد الأنظمة العربية.
كتّاب التقارير، من الناحية السياسيّة، صورة عن الواقع: السلطة الفعليّة في أيدي البوليس السرّي لا عند الحكومات ولا الجيوش، وطبعاً ليست في أيدي المجالس النيابيّة. البوليس السرّي استوجب صحافة من نوعه. قوّة البوليس السرّي هي شَبَحيّته وقوّة صحافي التقرير الاستخباراتي هي أنّه فوق التأثير العاطفي.
يلاحظ القارئ الفرق الشاسع بين «المقالات السرّية» وتلك المهنيّة العاديّة: الأولى تحبس الأنفاس على طريقة أفلام التهديد، والأخرى مملّة مثل الفضيلة، إلاّ إذا تمتّع كاتبها بأسلوب يعوّض له عن رتابة مضمونه، فتصبح مقالته في أحسن أحوالها «معقولة»، أي تلك التي لا يذمّها أحد ولا أحد يقرأها.
نقسو على الصحافة لأنّها مهنة كتابيّة، ويجب أن لا تكون ثمّة رأفة بانحطاط الكلام. وانحطاط الكلام ليس فقط ظاهرة إنشائيّة أو خمولاً فكرياً بل هو أحياناً، كما تدلّنا صحافة نصف القرن الأخير، ظاهرة فساد أخلاقي وفي بعض الحالات انعدام القانون الأخلاقي كلّياً وسيادة تأجير مساحات الخبر والرأي. وتستعمل ذريعة الديموقراطية أو حريّة التعبير لتبرير سوبرماركت البضائع في الجريدة الواحدة.
■ ■ ■
وفي الصحيفة، إلى صاحبها ورئيس تحريرها ومديريها، سكرتير تحرير، غالباً ما يكون من أهمّ أركانها، يجهله القرّاء، ولكن ما يطالعونه هو ما يرضى عنه وأحياناً ما يعيد كتابته أو ينقذه بقلمه من علل مميتة.
كانت أمانة التحرير مسؤوليّة بلا ثواب والجندي المجهول كان جندياً مجهولاً. حسبه الأستذة الفعليّة عبر التصحيح. في الزمن الأخير بتنا نرى مَن يتفاخر بأنه وضع عناوين أو أشرف على صفحة. لا شك في أفضال أمناء التحرير، وإن صاروا يُسمّون رؤساء تحرير صفحات، ولكن ما فيه شك هو ما يزعمون لأنفسهم، كأن يلغي أحدهم أسلوب الكاتب ليُحلّ أسلوبه محلّه، ولا يلبث أسلوبه هذا أن يصبح، بقوّة السلطة، أسلوباً معمّماً. واجب المحرر ينبغي ألاّ يتعدّى إصلاح الخطأ وإزالة الحشو، وإذا ساءت القطعة التي بين يديه وهبطت دون المعقول، أصبح طيّها واجباً. وإذا سألتَ ما هو المعقول ودون المعقول لتعذّر الجواب بوضوح، فلكلّ محرّر مستواه ومقاييسه. والوضع المثالي أن تتوافر في المحرّر المسؤول عن قطاعٍ ما، صفات تجعله مرجعاً قد لا يفوق محرريه موهبة ولكنهم يطمئنون إلى خبرته كما يطمئن الأستاذ إلى أستاذ أعتق والطبيب إلى طبيب أعرق.
في الماضي كان أساتذة الصحافة يتنافسون في تنقية اللغة من الشوائب أو في الاهتداء إلى فصحى مبسّطة دون إسفاف، وكان لكلٍّ أسلوبه، وهذا أضعف الإيمان. ثم رانت ابتداءً من ستّينات القرن العشرين أجواء لمعت فيها بروق الفانتيزيا وتجديدات جذّابة وإن لم تكن دائماً مستساغة. وبما أن لكلّ أمرٍ ضريبة، كانت ضريبة هذا التجدّد المنعش افتعالات متحذلقة عمّمها إرهاب الانتشار وتلامذة لم يتعلّموا من الدرس غير الترداد.
ومن حسنات تلك التجديدات اختراق جدار الخطابيّة والتزمّت المعنوي والرواسم المحنّطة، ومن سيّئاتها الإقدام على نشر أيّ شيء دون الالتفات إلى النوعيّة، بل ممارسة نشر جماعي أعمى باعتماد قاعدة الديموقراطية، وهي القاعدة التي تكاد تقضي لا على الأدب فحسب بل على اللغة من أساسها في العالم أجمع.
■ ■ ■
لا بد من التركيز أكثر فأكثر على لغة الصحافة، وما التلفزيون والإذاعة سوى امتداد لها. اللغة الصحافية تفترس اللغة الأم في كلّ اللغات، وعلى مَن يتسلّم دفّتها في الجرائد يتوقف مصير العقل لا اتجاهات الكتابة والقراءة وحدهما. إن اللغة هي الحضارة، لا بل هي الحياة، وعلى نواصيها معقود مصير سائر الفنون الجميلة، بما فيها الموسيقى التي إن نجت مباشرة من لغة الكلام البشري لا تنجو ذهنيّاً، فهناك في ضباب تكوين الرؤى والمفاهيم لا شيء ينجو من الكلمة، حتّى ربّما فكرُ الجنين.
اللغة اليوم في أحَدِّ أزماتها، يضربها التشويه من مختلف الجهات، صرفاً ونحواً ومفردات ونطقاً. لفظُ فرنسيّة اليوم لفظٌ معاق ممغوط مقطّع الأوصال، وهذا اللفظ البشع ينعكس في التعبير الكتابي، ويكاد كتّاب الفرنسيّة الأصيلون ينحسرون في نخبة معزولة. حتّى بعض كبار الأدباء والمفكّرين تسرّبت إليهم تشويهات الاختزال والتخلّف والببغاويّة. ولا أدري إن كان ما ينطبق على الفرنسيّة ينطبق على الإنكليزية وسواها، وإن كان الأرجح أنه ينطبق.
لقد انفصلت الصحافة عن الكتابة وانحرفت نحو ما يسمى، زوراً وبهتاناً، لغة الإعلام، وما هي بلغة ولا هو بإعلام، بل فرعٌ شفهي بصري من لغة الصحافة المريضة. العديد من صحافيي العقود الأخيرة باتوا أشبه بموظفي الدولة. وحلّت العلاقات السياسيّة والاجتماعيّة والماليّة محل التثقّف والشغل الرصين على الذات. وصار مَن يحمل أختام النشر أقلّ معرفة وفنّاً واندعاكاً من الكاتب الناشئ. انفصلت الصحافة عن الكتابة وانفصل القرار عن المسؤوليّة وانفصلت الشهرة عن الاستحقاق، وبات كل شيء مسموحاً وكل صوت محمولاً بالأثير وكل وجه مفروضاً، في غياب المدارك والأذواق وهيبة النقد. لقد جيء بكل هذه الأوبئة على موجات الحداثة والديموقراطية، ونسي المتناسون أن الحداثة تطويع للزمن لا انحلال تحت نيره، وأن الديموقراطيّة لا شأن لها بعالم الأدب والفنون، حيث المبدأ شكلاً وجوهراً مبدأ نخبوي أرستقراطي.
إن سقوط اللغة هو السقوط. لقد كانت بدايته إنقاذاً تحوّل إلى مأزق. لا أدري إذا كانت الصحافة قابلة لأن تعود هي ذاتها أداة لإصلاح ما ساهمت في إفساده. فما قضيّتها سوى جزء من كل، وهذا الكلّ هو موجة مدنيّة تحرّكها آلة تاريخية جغرافيّة اقتصاديّة سياسية هائلة تعتبر ما نراه هنا خللاً، إنجازاً تقدميّاً. آلة بلا تاريخ تكره ما يُذكّرها بنقص عراقتها وتعمل لإبداله بما يشبه تركيبها الهجين البربري وحيويّتها الاجتياحيّة الضارية، والتي لا تعرف الرحمة.
ولغة عربيّة مصلوبة بين ليلٍ محنَّط أو عجوز وبعد ظهر مخضرم متلألئ بات متوارياً عن الأنظار وحاضر حائر فقير ومستقبل بلا آباء ولا آفاق.
معركة عظمى بلا متقاتلين.



عابـــرات

الخجل بالنفس رفضٌ للمساواة. إذ بمَ يخجل المرء ولا يتشارك فيه مع الآخرين؟ الاضطراب أو الاحمرار خجلاً ليسا ردّي فعل على انفضاح سرّ معيب، فحسب، بل هما خزي لانكشاف شيء فينا يجرّدنا من ادّعاء التميُّز.
المحافظة على الجمال تشبه دوافعها هذا النوع من الأرستقراطية.
■ ■ ■
نريد أن نصدّق أن ما يتميّز به فلان هو خاص به خلقةً لا «صناعة»، نريد ذلك لأنّه يشبع فينا حاجة إلى الاعتقاد بأن ثمّة آخر هو أفضل منّا. أينما بحثتَ خارج السياق القانوني البحت تجد أن المساواة شعارٌ خطابيّ «انتقامي».
■ ■ ■
يُنتقد كاتب بأنه «بيّاع أحلام». المقصود: حالم يكتب، فالبيع ليس وارداً في سوق مفلسة. كنا ندافع عن مثل هذا. اليوم، بعدما استولت آلة الترويج على لفظة حلم، بات التحفّظ ضروريّاً. أمام كليشيه «حلم؟ ولمَ لا؟ مَن لا يحلم لا يُحقّق»، يجب أن نفهم العكس. صارت لفظة حلم على لسان الببغاء مرادفة للكذب، أو في أرقى الحالات للمبالغة الحمقاء. مَن يكتب أحلاماً يَجْهل أنه يكتب أحلاماً.


عدد السبت ٢١ آذار ٢٠٠٩


حبيبتُهم الدولة: ثورة (حرّاس) الأرز تتجدّد (مُجدّداً)


حبيبتُهم الدولة: ثورة (حرّاس) الأرز تتجدّد (مُجدّداً)

النائب السابق فارس سعيد يلقي كلمته في البيال (مروان طحطح)النائب السابق فارس سعيد يلقي كلمته في البيال (مروان طحطح)عقدت قوى 14 آذار يوم السبت الفائت مؤتمراً في «البيال» أعلنت فيه برنامجها الانتخابي تحت عنوان «العبور إلى الدولة»، وأكّدت عزمها على خوض الانتخابات النيابيّة المقبلة بلوائح موحّدة. فإلى أيّ دولة ستعبر قوى 14 آذار؟

أسعد أبو خليل*
توّج فريق ثوّار (حرّاس) الأرز مكاسبه في افتتاح مقرّ المحكمة الدوليّة عندما كتب هاني حمّود («المُقرِّر»، كما سمّاه وليد جنبلاط في لحظة صفاء واعتراض) أن الوطن عاد إليه. هل عاد الوطن إلى هاني حمّود في حقيبة جلدية؟ وهل يعود الوطن وقد تأبّطه الأمير مقرن؟ وعاد الوطن إلى قواعده سالماً عندما ربّت جورج بوش على كتف فؤاد عبد الباسط السنيورة. ويمكن أن يعود الوطن بزخم أكبر إذا تحقّق لفريق 14 آذار ما عجز عن تحقيقه رفيق الحريري: أي عقد سلام بين لبنان وإسرائيل ـــــ وإن روّج هذا الفريق لذلك بعناوين مُلتوية ومُواربة ومُخادعة، مثل «العودة إلى اتفاق الهدنة»، أو تحييد لبنان، أو الاهتداء بالمسلك السوري في تجنّب الصراع مع إسرائيل، أو في الدعوة إلى «الصراع الحضاري» الذي ما انفك السنيورة في خوض غماره ـــــ والنتائج في تحرير شبعا وتلال كفرشوبا والغجر على وشك أن تظهر في أية لحظة كما تبشّر نشرة «المستقبل السلفي» كل يوميْن. والوطن عائد، حقاً حقاً عائد، إذا تسنّى لفريق الحريري أن يسيطر على كل مقدّرات الدولة، وأن يُنصِّب الأمير مُقرن مشرفاً أعلى على الوطن، كما كان أبو جمال وغازي كنعان ورستم غزالة من قبل مشرفين على مسخ الوطن. والاحتفال بإطلاق البرنامج الانتخابي لـ14 آذار، وإن تمّ من دون إعلان أسماء، كان مهرجاناً لبنانيّاً بامتياز: أي أنه كان تقليداً مبتذلاً ونافراً للأصل الأجنبي: من «نورمبرغ» إلى احتفالات الحزب الجمهوري في عزّ شعبيّة بوش بعد 11 أيلول. وفارس سعيد الذي كان يجب أن يرفل بالأبيض، قام بالمهمّة على أكمل وجه، يعاونه في ذلك واحد من الصحافيّين الحياديّين في لبنان. وكل الصحافيّين حيّاديّون في لبنان، وخصوصاً فارس خشان وعقاب صقر (المحاضر في الأمسيات الحريريّة) وشارل أيوب (قبل اللقاء مع الأمير بندر بن سلطان وبعده). وفارس سعيد يمثّل حقبة السيادة أحسن تمثيل، كما كان يمثّل حقبة سيطرة النظام السوري أحسن تمثيل عندما كان يشيد بـ«سوريا الأسد». أما حضور باسم السبع فكان ضروريّاً لأنه يتكفّل قيادة الجماهير الشيعيّة الغفيرة المنضوية في تحالف آل الحريري. والسبع يمثّل الجناح المتطرّف في الحرص على السيادة في فريق الأكثريّة، وإن كان قد مشى عام 2003 في مسيرة «تأييد ومبايعة» لبشار الأسد متأبطاً ذراع رستم غزالة، الذي قد يطلّ يوماً علينا مثله مثل عبد الحليم خدّام داعياً ديموقراطيّاً.
وبصوت جهوري وثقة بالنفس أكيدة، قرأ سعيد برنامج فريق الحريري. والديباجة أتت مرتبكة في الصياغة لأنها توفّق بين أهواء مختلفة ومتنازعة: كيف يمكن أن توفّق، مثلاً، بين حرّاس الأرز (وهو فريق غير معلن في 14 آذار) وداعي الإسلام الشهّال وخالد ضاهر؟ وهناك المتناحرون بين المرشحين الموارنة، ولا سيما نسيب لحّود الذي تذكره الساحة الأميركيّة لدفاعه المستميت عن النظام السوري، حتى أنه كان يُقال إنه أفضل سفير سوري في أميركا. ووعد البرنامج الجديد بدولة «للجميع وفوق الجميع». تحتاج العبارة إلى تمعّن بالغ: أين هي هذه الدولة التي تعد أن تكون فوق الصراعات والمنازعات؟ هل استقى البرنامج مفهوم تلك الدولة من التعبير المثالي عن الدولة المثالية في كتاب «فلسفة الحق« لهيغل عندما عرّفها بأنها «تجسيد للفكرة الأخلاقيّة»؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب، ألهذا رأينا نقولا فتوش ومروان حمادة وأمين الجميل بين الحضور لأنهم جسّدوا في ممارساتهم السياسيّة «الفكرة الأخلاقية» الهيغليّة عن بكرة أبيها؟ والهيئة العليا للإغاثة هي تحت سيطرة آل الحريري: هل تجسّد تلك الفكرة المثالية للدولة المنشودة؟ هل هي إيذان بما هو آتٍ؟ وإذا كان ماركس قد رفض زعم الدولة بأنها فوق صراع الطبقات (واعتبرها جهازاً لممارسة الصراع الطبقي)، فإن وثيقة كارل سعيد تعد بأن تكون الدولة حيادية إزاء الصراع الطبقي والطائفي على حدّ سواء. ولهذا كان يجب أن يدعو سعيد المطران الراعي والشيخ الجوزو إلى المنبر لأن كليهما أبعد ما يكون عن الطائفيّة والمذهبيّة. وترفض الديباجة فكرة «لبنان التابع»، مع أن أمين الجميل وصولانج امتهنا التبعيّة لإسرائيل، كما امتهن آل الحريري ووليد جنبلاط ـــــ في حقبة الغشاوة اللعينة فقط ـــــ التبعيّة للنظام السوري، وكما امتهن نسيب لحود التبعيّة للنظاميْن السوري والسعودي إلى أن وقع الشقاق، فانحاز للسعودي من دون أن تلعب المصاهرة مع الملك السعودي (ومن الرجال كثر في العالم العربي ممن تصاهروا مع الملك السعودي عبر السنوات والعقود) دورها هنا. ووصفت الديباجة خيار اللبنانيّين بأنه خيار بين «الازدهار» ـــــ أي نموذج دبي، قبل سقوطها طبعاً ـــــ و«هاوية التخلّف». وفكرة «التخلّف» لم تكن يوماً بعيدة عن السجالات الطائفيّة والمذهبيّة في لبنان، وكان يمكن زعيم الشيعة في 14 آذار أن يحذّر فريقه من مغزى تلك الفكرة لكنه ربما خشي أن يُتهم هو نفسه بالتخلّف.
والتخلّف سمة تبرز أكثر ما تبرز في من يُجاهر بالعداء لإسرائيل، لأن الحضاريّة تحرص على محبّة الآخر المُحتل وتقديم الحلوى والشربات له، كما فعل أحمد فتفت، وإن برّأ نفسه بنفسه في تحقيق أجراه بنفسه، ونوّه بنفسه. وفكرة الكميّة والنوعيّة (أي منطلق وعد بلفور) وفكرة وصف حشود الطرف الآخر بـ«الغنم» تتماثل مع فكرة «التخلف». و14 آذار هي قبل كل شيء «مودرن» وعلى «الموضة»، والتماشي مع الموضة في بلد مثل مسخ الوطن أهم بكثير من تحرير الأرض أو الدفاع عن الشعب في وجه الاجتياحات. ويرفض البيان الذي يذكّر بصياغات طارق عزيز للبيانات البعثية الصدامية في السبعينيات، انخراط لبنان في أي «نزاعات إقليميّة». وهذا قول حق لأن الأمانة تقتضي تسجيل نقطة ـــــ أو حقيبة مالية ـــــ لمصلحة فريق الحريري بأنه نأى بنفسه عن النزاعات الإقليميّة تماماً. وحرص هذا الفريق على الحياد التام عندما استفحل الخلاف بين سوريا والسعودية أو بين قطر ومصر. وعندما جال سعد الحريري مُرافقاً للأمير مقرن فإنه لم يفعل ذلك إلا من أجل الحياد والتنزيه والموضوعيّة الاستخباراتيّة.
ثم يُدرج البيان 14 بنداً، والرقم 14، لمن لا يلاحظ، هو الرقم نفسه في اسم الفريق، وهنا الطرافة والظرف والإبداع. هل الفكرة لـ«ساتشي وساتشي» أم لشركة «كوانتم» التي تتخصّص في دعوة الصهاينة الغربيّين إلى بلد الأرز ليشيدوا بثورته؟ والبند الأول أراد أن يسجل، رفعاً للعتب، «شيئاً» ما عن إسرائيل فتحدّث عن «حماية لبنان» من الاعتداءات الإسرائيليّة، لكنه عاد ونفى الأمر عندما طالب في بند آخر بنزع السلاح من المقاومة في لبنان، باستثناء ميليشيا محمد الحسيني المدعومة سعودياً. أي أن هذا الفريق يريد حماية لبنان عبر الاعتماد الحصري على عربات «الهامفي» المُستعملة التي توفّرها الحكومة الأميركيّة للبنان، فكانوا لها شاكرين. ولم يوضّح البند طبيعة الحماية لكنه تحدّث عن «استرجاع»، والكلمة مُنتقاة بعناية لأن كلمة تحرير لم تعد حضاريّة عندهم، كما أنها قد تتضمن معاني عنفية تتقزّز منها صولانج الجميل ودوري شمعون وسمير جعجع وجورج عدوان، أي هؤلاء الذين واللواتي لم يُخلصوا لحليف كما أخلصوا لإسرائيل. لكن البند يفسّر كيفيّة الاسترجاع عبر المطالبة بتنفيذ القرار 1701، مع أن القرار لا يُلزم إسرائيل أبداً بالانسحاب من شبعا. هنا، يمكن الاستخلاص أن فريق الحريري قرّر متكرِّماً أن يهب إسرائيل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا سعياً وراء حسن الجوار. والبند الثاني يدخل في إطار طمأنة العدو عبر التشديد على ضرورة ألا يكون في حوزة لبنان أكثر من عربات «الهامفي»، بالإضافة إلى الطائرتيْن اللتيْن ألهبتا عقول شعب لبنان في احتفال الاستقلال الرمزي عام 2008.
الرئيس فؤاد السنيورة (أرشيف)الرئيس فؤاد السنيورة (أرشيف)والحرص على السيادة هو الذي دعا أقطاب هذا الفريق إلى دعوة سوريا للتوقّف عن التدخّل في شؤون لبنان. أما استجداء التدخل السوري لسنوات من قبل جنبلاط ورفيق الحريري لمصالحهما السياسية والطائفيّة الضيّقة فقد دخل في التاريخ السحيق ويمكن أن يُدرج في فصل العصر الحجري في كتب تاريخ لبنان. وفريق الحريري كان حريصاً منذ اغتيال رفيق الحريري على عدم التدخل في الشؤون السورية، بالرغم من دعوة جنبلاط الدروز في سوريا إلى اغتيال بشار الأسد ودعوته أميركا لإرسال سيّارات مفخّخة إلى دمشق، وبالرغم من تمويل الحريري لفصائل في المعارضة السورية ـــــ الديموقراطية على شاكلة عبد الحليم خدّام والإخوان المسلمين. ومن الظريف أن الفريق الذي ارتهن في أكثره ومدى عقود للنظام السوري (في عهد الأب والابن) كرّس فقرة مستفيضة للخطر السوري في لبنان، مع أن الإشارة إلى التهديد الإسرائيلي كانت عابرة فقط. لكن هذا هو بيت القصيد: فهذا الفريق يريد ولا يريد أن يصرّح النائب سعد الدين الحريري (أرشيف)النائب سعد الدين الحريري (أرشيف)وبواضح العبارة أنه لا يكنّ العداء لإسرائيل. وليد جنبلاط صرّح للصحافة في يوم إطلاق برنامج ثورة (حرّاس) الأرز الانتخابي بأنه من الصعوبة بمكان توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل بسبب «التوازن» الطائفي، وكأن طائفة واحدة فقط تكنّ العداء لإسرائيل. ولماذا تتحدّث الوثيقة البونابرتيّة عن ضبط الحدود بين سوريا ولبنان من دون الإشارة إلى الحدود بين لبنان وإسرائيل وهي تتعرّص لخرق جوّي وبرّي وبحري على يد العدوّ الإسرائيلي؟ لكن البند يؤكّد «إنهاء الخلاف مع سوريا»، والصدفة وراء التزامن مع المصالحة السعوديّة ـــــ السوريّة، والصدفة كانت وراء القرار السعودي المفاجئ الذي أتى بعد أسابيع فقط من انتهاء عهد بوش.
يريد المرء أن يعرف القلم الذي خط هذا البيان: من، مثلاً، اختار أن يشير إلى «الانسجام بين لبنان والمجتمع الدولي»؟ هل هذه تورية؟ وكيف يتمثّل هذا الانسجام؟ عادة، نتحدّث عن الانسجام بين زوجيْن، لكن أن يصل الأمر بفريق ثورة (حرّاس) الأرز إلى المطالبة بالانسجام يعني أن المنشود جلسة رومنطقيّة مع فريق إسرائيلي كما فعل أنطوان فتّال (الذي كان يجب أن يُفرض عليه كتابة مذكّراته لدوره المُشين في مفاوضات 17 أيار، وهو مؤلّف كتاب استشراقي بغيض ـــــ بالفرنسيّة فقط ليأخذ راحته في الحديث ـــــ عن وضع غير المسلمين في الدول الإسلاميّة) في عهد الواعظ أمين الجميّل. وكيف يقيس «المجتمع الدولي» هذا الانسجام؟ هل بمنح عدد من الصهاينة في أميركا دروع (حرّاس) الأرز؟ أما عبارة «المختبر العالمي» للحوار فهي تهديد لبناني بإعادة تمثيل حفلات المجازر والقتل الطائفي والمذهبي التي هي وحدها مسؤولة عن شهرة لبنان العالميّة.
لكن ثوار (حرّاس) الأرز عروبيّون، إذا كانت العروبة تعني الولاء التام لأوامر أبو متعب والأمير مقرن العروبي الخالص. ودور لبنان العربي مَثّله منير الحافي عندما قدّم كتابه الدعائي عن الدور السعودي في لبنان للملك السعودي في حفل خاص أثناء مهرجان الجنادريّة الذكوري. وهذا النسق من العروبة ينسجم ـــــ لنستعمل تلك العبارة مرّة أخرى ـــــ مع تطلّعات أنطوان لحد وجورج عدوان ودوري شمعون. ويدعم البيان «نضال الشعب الفلسطيني»، على أن يكون خاضعاً للإشراف المباشر لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية التي أُعيد إحياؤها فقط بعدما خسرت حركة فتح الشرعيّة الانتخابيّة وارتأت أن تستعين بشرعيّة غير مُنتخبة. وهذا البند يقول بصريح العبارة إن فريق آل الحريري يدعم عصابات محمد دحلان وتوجيهات الجنرال دايتن. ويريد البيان نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، وكان على فريق جنبلاط أن يضيف أنه يشكر مساهمة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في معارك الحزب التقدمي الاشتراكي عبر السنوات. وتدعم الوثيقة مبادرة السلام العربيّة بعد إسقاط اسم المؤلف توماس فريدمان عنها. وتضيف الوثيقة كلاماً عن مواجهة «التطرّف»، ومن المؤكد أن فعالية هذا الفريق في مواجهة التطرّف عالية، وخصوصاً إذا ما استُعين بسلفيّي الضنيّة وفكر «هيئة كبار العلماء» المُزنّرة بعقيدة ابن باز. أما الالتزام بمنع التوطين فلا علاقة له بحق العودة، لأن مبادرة توماس فريدمان لا تتضمن إشارة إلى حق العودة وإن تضمن نسقٌ مُعدّل منها إشارة مبهمة من باب رفع العتب. وعندما يتحدّث معسكر 14 آذار أو معسكر 8 آذار عن منع التوطين فهما يعنيان طرد الفلسطينيّين من لبنان لأسباب تتعلق بمصالحهما الطائفيّة الضيّقة، مع العلم أن ميليشيات في طرفي المعسكريْن خاضت حروباً وحشيّة ضد مخيّمات اللاجئين في لبنان. هم بذلك يكملون ما كان بشير الجميل ـــــ هتلر لبنان الصغير ـــــ ينوي فعله.
ولا ينسى البيان أن يُشيد بخروق السيادة القضائيّة والعسكريّة والسياسيّة والاقتصادية التي احتضنها فريق عائلة الحريري في لبنان. لكن الوثيقة تؤكد أن المحكمة الدولية ستنهي الاغتيال. ووفق هذا المنطق، فإن محاكمة المجرم تُنهي الجريمة إلى الأبد. يبدو أن نادر الحريري ومستشاريه يحتاجون إلى دروس في مبادئ المنطق الأوليّة. ويريد هذا الفريق أن يوفر المال «اللازم» لعودة المهجّرين: أي أن عهد «الزنقة» قد ولّى إلى الأبد.
والبيان يعود ليتحدّث عن حبهم للدولة وعن ضرورة بنائها. وفي اللغة المُشفّرة لهذا الفريق لا يعني هذا إلا تسلّط آل الحريري والأمير مقرن بن عبد العزيز على كل مقدّرات الدولة ونشر الفساد والرشوة على نطاق واسع في كل إدارات الدولة وفي كل قطاعات المجتمع: أي إكمال ما كان قد بدأه رفيق الحريري. وهل هناك من يمثّل الدولة المدنيّة أفضل ممّن تولّى لعقد أو أكثر شؤون صندوق المهجّرين؟ وهل هناك من يساهم في بناء مفهوم الدولة المدنيّة المتحرِّرة من التقاليد البالية أكثر من مطران ثورة (حرّاس) الأرز، عنينا بشارة الراعي الذي استقى مفاهيم من القرون الوسطى ليحمي ثورة (حرّاس) الأرز من أعدائها؟ وهل التهديد بالاستعانة بـ«الحرم الكبير» إلا من باب بناء الدولة المدنيّة لبنة، لبنةً؟ ومطاردة السحرة، والمشعوذين، وعبدة الشيطان، وشهود يهوه هي أيضاً دليل قاطع على حرص فريق ثورة (حرّاس) الأرز على الحضاريّة وعلى المدنيّة، فانعم يا لبنانيّون ولبنانيّات. ومثقفو 14 آذار أُعجبوا أيما إعجاب بمفهوم «الحرم الكبير» واعتبروه سنداً لنشر الثقافة الحديثة في البلد. أما موضوع الدين العام الذي يتحمّل مسؤوليّته بصورة أساسيّة رفيق الحريري وفؤاد السنيورة فقد تضمنّت الوثيقة حلاًّ جذريّاً له. هاكم الحلّ: الدعوة إلى «وضع برنامج فعال لإدارة الدين العام». وهذا الحلّ ينهي السجال حول موضوع الدين العام ويجب أن يخرس كل من يتطرّق إلى الموضوع بعد اليوم. ولو فكّرت فيه دول العالم الثالث (نسينا أن راشد فايد يرى أن بعض لبنان دخل في «العالم الأول» وتماهى مع الرجل الأبيض) لكانت المديونية العالميّة والخلاف بين الشمال والجنوب قد انتهيا إلى غير رجعة. ولكن كان لافتاً خلو الوثيقة من أية إشادة بسياحة الدعارة، التي تمثّل صلب برنامج الحريري الاقتصادي.
قد يكون البند المُتعلّق بالمرأة هو أكثر البنود غرابة. لم نكن نعلم أن آل الحريري وحاشيتهم السياسية مهتمون في حدّ أدنى بمواضيع المرأة وتحريرها، كما حرّر السنيورة... الرغيف. ثم ألم يتسنّ للسنيورة الحكم مفرداً مستعيناً بدعم من عنده ومن السفير فيلتمان؟ لماذا لم نجد آثاراً لهذا الاهتمام بالمرأة في مشاريع الحكومة السابقة والحالية؟ ولاحظنَ أن هذا البند لا يكلّف قرشاً ولا يتضمّن التزاماً محدّداً، وهو على الغالب من نوع النسويّة الاستعمارية: أي استغلال مواضيع المرأة لغايات سياسية أو استعماريّة مثلما فعل اللورد كرومر في مصر. (هذا النوع من الاهتمام بالمرأة برز في مقابلة جيزيل خوري مع مطلّقة ساركوزي حيث لم يحد الحديث عن السياق الاستشراقي الغربي المبتذل الذي يعتبر أن تحرير المرأة العربيّة يتحقق عندما ترتدي المرأة العربيّة آخر «صيحات الموضة» الغربيّة). ومن سيتولّى ملف «تمكين» المرأة اللبنانيّة؟ خالد ضاهر؟ المفتي الجوزو؟ أم البطريركيّة المارونيّة التي لا تتورّع عن اجترار كلام استشراقي تقليدي عن وضع المرأة في الإسلام وكأن الكنيسة أنصفتها؟ وهل يكون تمكين المرأة بدعوة صولانج الجميّل (من دون أن تكون حليقة الرأس مثلها مثل تلك النساء الفرنسيات اللواتي تعاملن مع الاحتلال النازي) إلى المنصّة الرئيسية خلال الاحتفال لتكريمها لأن لبنان يفخر بإعدادها الأطعمة اللبنانيّة لأرييل شارون في عام 1982 وما قبل؟ وهل يريد آل الحريري أن ينقلوا نموذج تمكين المرأة الوهابي، وخصوصاً أن فكر ابن باز يرشد مُرشد مُرشد سعد الحريري؟
ولم تنس الوثيقة الموقّرة مسألة البيئة، فكلّفت نقولا فتوش أن يكرّس خبرته الكسّاريّة للحفاظ على البيئة، كما أن أكرم شهيّب يستطيع أن يستعين بجماهير حزبه البيئي لهذه الغاية أيضاً. وتسلسل البنود في البيان، مع تكرار في المضامين والشعارات، بدا كمن رقّع وجمع على عجل للتوفيق بين جناح السلفيّة الإسلاميّة وجناح السلفيّة الكتائبيّة في 14 آذار. والتغريد خارج السرب من سمات المعسكريْن، ووليد جنبلاط يزهو باشتراكيّته هذه الأيام ويُهلِّل لـ«انهيار» الرأسمالية ويدعو إلى التأميم، مع أنه عضو في فريق عمل سعى منذ وصول رفيق الحريري إلى السلطة لتخصيص الماء والهواء والشاطئ والقضاء والحدود. والسعي نحو الانتخابات لا يعكس إلا جانباً من الحياة السياسية الداخليّة، لأن الصراع الإقليمي ظاهر حتى في التحضير للانتخابات. نحن في بلد كان تيري لارسن ـــــ مندوب الصهيونيّة العالميّة في مجلس الأمن والعين الصهيونيّة على الأمين العام ـــــ يبحث فيه في اللوائح والقوانين الانتخابيّة مع زعماء لبنان. نحن في مسخ وطن يُقرّر فيه مسؤول حكومي أميركي (أو سوري في حقبة سابقة) موعد الانتخابات النيابيّة ومقاييسها.
والمُعسكران سيتقابلان وقد يتفقان تحت الطاولة أو فوقها. والعدل الاجتماعي غائب عن اهتمام الفريقيْن ـــــ العداء نحو (أو تجاهل) الفقراء يجمع الخصوم ـــــ ومشروع الصلح مع العدو الإسرائيلي سيفرضه على لبنان التحالف الأميركي ـــــ السعودي ـــــ الإسرائيلي وبرضى سوري، وخصوصاً أن بشار الأسد عبر عن عزمه على جرّ حزب الله وحماس إلى مفاوضاته مع إسرائيل. وهناك مُلصق من عام 1977 للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين يقول: «السادات يخون الوطن: أنت مطالب بالردّ». ويمكن القول اليوم: إن صلحاً مع العدو سيُفرض على لبنان: أنت مطالب بالردّ.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ٢١ آذار ٢٠٠٩


الجمعة، ٢٠ آذار ٢٠٠٩

جمل 3

حين يحيون العظام فانهم يلقون على مشارف الأرض ناراً ويمزجون كأس المرارة مع دموع الأمهات. عل وعسى ينتهي الظلام يوماً وتشرق شمس الأمل في وديان بلادي

الخميس، ١٩ آذار ٢٠٠٩

كافكا الرسائل رولفو وساسكند وهذه الأزمنة

كافكا الرسائل رولفو وساسكند وهذه الأزمنة <
>ربيع جابر الحياة - 17/03/09


رولفو مات. لكن ساسكند حيّ. أين يقضي ساسكند أيامه؟ حتى لو كان مقيماً في ميونيخ لا نعرف أين مكانه: في أي عالم خيالي أضاع نفسه؟ لماذا كفّ عن تأليف الروايات ونشرها؟ كيف يستطيع كاتب حقيقي (وساسكند كاتب حقيقي) أن يتوقف عن الكتابة؟ ألا يفقع قلبه؟ ألا يحطّمه الوقت (فراغ الوقت)؟ رولفو – من قبل – فعل ذلك. لم ينشر غير «بيدرو بارامو» ومجموعة قصص («السهب الملتهب») ثم انصرف الى صمته. كان يقول انه يكتب رواية أخرى («سلسلة الجبال») لكنه يفعل ذلك متمهلاً. مرّت العقود وغادر العالم ولم ينشر الرواية. كان يكتب؟ كان ساكتاً عن الكتابة؟ كيف تحمل ذلك الصمت اللانهائي؟

رولفو كاتب حقيقي. إذا قرأت «بيدرو بارامو» مرة واحدة تدرك ذلك. إذا قرأتها مرتين أنت مهدد: قد تدمنها كما فعل غابرييل غارسيا ماركيز (أسماء كثيرة تعبر من كومالا – قرية رولفو – الى ماكوندو. ملكيادس مثلٌ واحد).

سر واحد يجمع الاثنين: المخيلة. صحيح أن الأدب كله هذا سرّه، لكن في حال رولفو أو ساسكند يبدو ذلك باهر الوضوح. الاثنان يملكان مخيلة استثنائية. صمدت «بيدرو بارامو» أمام امتحان الزمن (اكثر من نصف قرن مرّ عليها). ولا ندري هل تصمد «عطر» و «حمامة»، وهاتان من ثمانينات القرن العشرين. الوقت هو الفحص، ومرات قد لا يُعطى الكاتب النتيجة. أحياناً كثيرة يقضي قبل ذلك، ولعل هذا ضروري للحصول على حكم نزيه.

نعثر على سلف للإثنين في كافكا. ليس كافكا الروايات (وكلها غير مكتملة وكلها كانت تضيع لولا تدخل ماكس برود)، بل كافكا الرسائل واليوميات والقصص القصيرة. لعل كافكا الحقيقي (الكاتب الحقيقي) موجود هناك: ليس في الروايات غير المكتملة ولكن في الرسائل واليوميات والقصص. علينا التفكير في الصدفة الغريبة: لماذا لم تكتمل رواياته؟ لماذا لم يكملها الى السطر الأخير والنقطة الأخيرة؟

فقط أكمل «التحول» (أو «المسخ»). وهذه أقرب الى قصة طويلة (ماركيز قال انه عرف قدره وهو يقرأ جملتها الأولى). لم يكمل كافكا «المحاكمة» ولا «القلعة» («القصر»). الروايات غير المكتملة أعطته الشهرة في القرن العشرين المجنون. فجأة، بين ليلة وضحاها، تطابق العالم الواقعي مع كوابيسه. لكن كوابيس كافكا الأشد فتنة واكتمالاً (أدبياً أيضاً) موجودة في يومياته وقصصه القصيرة ورسائله. «سور الصين العظيم» مثل واحد (مكتبة بابل» لبورخيس من هنا خرجت). «مستعمرة العقاب» و «طبيب الأرياف» و «تقرير الى الأكاديمية» قصص غريبة الخيال وواقعية مثل حياتنا. في رسائله من مصحات المسلولين حيث قضى السنوات الأخيرة من حياته لا يشبه كافكا إلا نفسه. انخفض وزنه من 65 كيلوغراماً الى 49 كيلوغراماً. في هذه الظروف، بينما السلّ يلتهم حنجرته، كتب «المغنية جوزفين»: الفأرة التي تغني للحشود. كانيتي الذي يعرف كافكا وكتب عن رسائله يعرف أيضاً السرّ الذي يدفع بعض الكتّاب الى المكان البعيد. أين هو ذلك المكان البعيد؟

لماذا يختار الكاتب (الفرد) بين حين وآخرٍ أن يبتعد عن العالم (الجماعة)؟ أليس هذا انتحاراً وقتلاً للأدب؟ كسينغيان خاف ان يتنسك فيفقد لذة الأدب وصحبة البشر، نار المطبخ ونار الحديث. تولستوي في المقابل خاف (على الأقل في سنواته الأخيرة) أن يصرفه العالم البشري عن سلامه الداخلي. كافكا وجد عالماً في رأسه. باكراً كتب الى صديق الدراسة أنه أمام خيارين: إما يكتب ما في رأسه أو يتصدع.

قيمة كافكا هوسه بالكتابة وخياله الذي يغذي هذا الهوس. في أسوأ الأوقات (الحرب الكبرى مثلاً) كانت طاقته تتدفق ويكتب أجمل ما فيه. سكت رولفو. وساسكند ساكت. وكافكا مات. لعل ساسكند يقع في النسيان بعد سنين. من يعلم هذه الأشياء؟ لعلنا بعد قرن ننسى كافكا أيضاً! هوميروس ما زلنا نقرأه. تولستوي أيضاً. لكن هل نقرأ تولستوي بعد ألف سنة؟ هل يقرأه أحفاد الأحفاد؟ في هذه الأزمنة لا أحد يفهم شيئاً. نركض وراء كتب قد تختفي بعد أسابيع. ولعلنا لا نفعل إلا ما يفعله الجميع: نغرق في التفاهة.

هل نجد في هذه النقطة سرّ اعتزال رولفو، وسكوت ساسكند؟ هل هرب الاثنان من الحشود؟ الأدباء أيضاً حشد، لا؟ يريد الكاتب أن يكون نفسه. وإذا هدّد المحبّون هويته – فرادته – فأين النجاة، أين الخلاص؟ هل عجز رولفو عن العثور على التوازن المنشود؟ كافكا دمّره السل،ّ لكنه قال إنه بنفسه استدعى المرض القاتل: وهو يسهر الليل!

كافكا الرسائل دليلنا الى فرد يصارع كي يكون هو: بينما يفعل ذلك أعطانا عالماً.

جمل 2

أنشودةٌ لإنحناءات الخريف على أمسيات العودة والشوق..... وهو اسم الليل على أوراق الاقحوان

الأربعاء، ١٨ آذار ٢٠٠٩

جمل 1

الليل وقد أرسى خمائله في ثنايا النهار

السبت، ١٤ آذار ٢٠٠٩

حــــــــــــرّاق


حــــــــــــرّاق

أنسي الحاج

■ اشربْ

أتعرفُ النساءُ مقدارَ رغبةِ الرجالِ فيهنّ، ويتمنّعنَ تأجيجاً للشوق، أم يجهلن، حارماتٍ الطبيعة تناغماتٍ لا تُعوّض؟ أيدرينَ مقدارَ الفراغ الحرّاق الذي تشعر به الأحضان غير المُشْبَعَة، السواعدُ غير المُشْبَعَة، المسافات غير المعبورة؟ الطبيعة تبكي من فراغٍ كهذا. المدن تنهار قلوبُها. العالم يتقلّص.
أكرهُ يوم المرأة العالمي. كل امرأةٍ تشعر بنظرات الرجال عليها، لا بد أن تكره هذا اليوم. الشجرة أيضاً تكره يومها الرسمي. والطفل، والعامل، والأرض، والمقاومة. جميع الأيام المستفردة أيام محنّطة. مصمودة كمومياء. أعيادٌ هي في الحقيقة مآتم. المفروض مرفوض. المرأةُ عَصَبُ كلِّ لحظة، لا ذكرى يوم في السنة. ولا لزوم للإيضاح أن المقصود بالمرأة، دائماً ودون التباس، هو المُشتهاة. أمّا كيف تكون هكذا دائماً ودون التباس، فهذا شأنها وواجبها، وعلى الآخرين شرفُ الشهوةِ أو بؤس غيابها. هذا هو حكم المقادير، ولا عبرةَ بالاستثناءات. لا يُحْلَمُ بغير السحر. الفتنةُ واجب الحياة تجاه ضحاياها البشر. اسألِ الأولاد، الذين تخفق عيونهم للعَجَب أكثر ممّا تخفق قلوبهم. اسأل روّاد السينما، الذين يلعنون لحظة انتهاء الفيلم لأنّها تقطع عليهم تلك الرعشات. اسأل المنخطفين، كيف يستيقظون من انخطافاتهم كتَدَحْرُج المتسلّق من أعلى الجبل.
لا أحدَ يعود من لمسة السحر عودة الابن الشاطر، فكلُّ العائدين تنخلع روحهم.
مَن يَصنع لنا فراغاتنا هو نحن. ولكنْ كيف كنّا سننجو لولا فراغاتنا؟
■ ■ ■
أتذكّرُ ما كتبت، ما أكتب، وأقول إن ثمّة ظواهرَ استعراضية، إكزيبيسيونيّة، لدى بعض الكُتّاب، وأنا منهم، يجب التغلّب عليها باسم الذوق إن لم يكن لأجل الترفّع. قد يُعْتَرَض: وماذا يتبقّى للكاتب إذا قمعنا فيه الذات؟ على أنه سؤال سفسطائي. لا الكاتب عنصر لازم ولا الكتابة مخنوقة في هذا الخندق دون سواه. لينظر الكاتب إلى العالم حواليه، من أصغره إلى أكبره، وإلى مشاكل الآخرين، إلى مباهجهم وهمومهم، وإلى ما وراء. ولينم على شؤونه فليس القارئ ممرّضاً ولا القارئةُ أُمّاً. بالكاد مَن يَقرأ يقرأ، فلا نُندّمه.
■ ■ ■
... يُجاب على ذلك، في جملة ما يُجاب، أنه إذا كانت المطالعة هرباً من الذات، فالكتابة إبحارٌ في الذات. على الأقلّ الكتابة الوجدانيّة.
يُجاب على الإجابة: كلُّ الكتاباتِ مشروعة ومُشرعة على مختلف أنواع العيون، شرطَ أن تقيم حواراً أو يجري التيّار بينها وبين القارئ.
إلى آخره ممّا لا يُغني عن البرهان.
■ ■ ■
... دعنا من المراجعات، انظر إلى هؤلاء المحجّبات في الطريق، إلى التباين المثير بين النقاب والغنج، بين التستُّرِ وما يوحيه، انظر إلى الوجه المنوَّرِ تحت الحجاب، إلى ألوان الحُجُب بين أصفر وفيروزي، إلى هذا المغناطيس الذي يقول لك: هذا أنا وهذا أنت، أيُّنا سيكون أقوى؟ انظرْ إلى ما تقوله قسماتٌ تُكذّب الكلمات، إلى المصابيح المغطّاةِ بمصابيح، إلى الفضيلة الأكثر إغراءً من أيِّ صراخ.
دع عنكَ لومي. كلُّ شيءٍ حَرّاقٌ من بعيد.
ومن وَسَط.
ومن قريب.
دع عنكَ أيّامكَ واشرب كأسَ عينيكَ حتّى النوم.

■ الحرف اللاتيني

كُتّاب العربيّة أجرهم عظيم، أولاً لأن أخويّة صغيرة من الأصدقاء يقرأونهم، وثانياً لأنهم يكتبون بلغة يكرهها الغرب، والغرب يمتلك مفاتيح العالميّة والإدخال إلى «الحضارة الحيّة». الحرف اللاتيني هو السرّ. لسنا وحدنا منبوذين، بل جميعُ الذين يكتبون بغير الحرف اللاتيني، واللغات المنبوذة هذه تُعدُّ بالمئات.
لا يزال الغرب، بعدما تحوّلت الكرة الأرضيّة شققاً مفتوحة بعضها على بعض، إذا أراد «إنعاش» ثقافة ما، صينية أو هندية أو عربية، ينقل إلى لغاته ما ينتخبه منها، كما يفعل السائح بكاميرا الذكريات. يبدأ الغرب بالإنارة ثم ينتقل إلى التلقُّحِ فالمصادرة.
يُكرّهكَ بتراثك ثم «يعيد اكتشافه» ثم يسطو عليه. وأنت المتفرّج العاجز، مطوَّحُ به كالبهلول، أو، في ردّة فعلٍ سلبية، متعصّب متزمّت معقَّد مثل قضيب الزعرور.
لا يزال السرّ في الحرف اللاتيني، إلى أن تدركه لعنةُ التآكل.
أمنيةٌ من صميم الحسد.

■ غابةٌ وراء غابة

«اذهبْ ولا تلتفت
ولا تتركْ وراءك عنوانك
اذهب ولا تأسف على الجذور
لأنّ الجذور تهاجر معك.
اذهب على دروب حبّك
حيثما تقودك الريح
ولا تَخَفْ فالنهر صاحبك
والأغصان المتشابكة فوقه
ستحميك من الشمس.
اذهبْ قبل فجر الصيّادين
والحبيبةُ الهاربة معك
أجمل من دموع حرمانها القديم
تَفْتح لك الغابة وراء الغابة
وتهبط معك
شلاّل الضباب والنجوم...».

■ لمحة

لا يحقّ للمنتصر أن ينغلب حتّى لا يشقى المغلوب. الصورة، سيّدتي. لا تكسري صُوَرَكِ في عينَيْ هذا الرجل، هذا الشقيّ بدون صُوَرك.
الفرق بين العلى والأسفل لمحةُ بَصَر. وهذا التوهّم طقسٌ مقدَّس بخارُهُ بخور وسرابه لحمٌ حيّ.
النظرات، سيّدتي. عندما تتوارين عن النظر يحلّ ضوءُ الغياب، فوّار الأقمار.
ثابري على هذا التعرّي المتكتّم، ماءُ العيونِ الجائعةِ يغسل أعتابَ بيتك.
لا نكتب إلاّ عمّا نُحبّ. لا نُحبّ إلاّ ما يُفحم الكتابة. نارُ العيون الجائعة تحرق أصحابها فيصيرون أحلاماً بلا رماد.
وأنتِ أيّتها الغيوم اركضي، لن تركضي أسرع من أجنحة الرغبة. ولا الرقاد، أيّاً يكن، يستطيع إخفاءك أيّتها النظرات.
الفرقُ بين الشقاء والهناء، سيّدتي، لمحةُ بصر.



عابـــرات

روحُ المرءِ قضيّةٌ عظيمة دون شك، وعالمه الداخلي لا يزال غابةً شبهَ عذراء رغم سابري الأغوار... ومع هذا فأن القشرةُ الخارجيّة، الجسد وتفاصيله، تُرجّحُ الكفّة عند الاختيار.
لعلّ الروح مجرّد فانوسٍ يضيءُ من داخل، فإذا كان الخارجُ جميلاً زاد عليه، وإن كان دميماً لم يستر عليه. وما الحديث عن روحٍ جميلة تعوّضُ عن نقص الشكل الجميل إلاّ من باب تعازي المثقّفين.
■ ■ ■
ممارسةُ الكتابة كفعلِ انتحار معلَّق، أسلوبٌ مؤثر في مجتمعٍ يقيم وزناً للحياة، وأسلوبٌ فاشلٌ في مجتمعات التوحُّش. نحن مجتمعٌ متوحّش طيّب القلب سطحيّاً.
■ ■ ■
ما كان الأنبياءُ يدعون إلى التواضع لو لم يتمتّعوا بالسلطة. وما كانت الجموعُ توالي زعماءها لو لم يمعن هؤلاء في التسلُّط. الإنسانُ يَعْبد مَن يَكْسره، ويظنّ العكس.
■ ■ ■
آخر الشوطِ تنهيدة، لو تجاوزها الإنسانُ لثقَبَ أيَّ جدارٍ كان.
■ ■ ■
للماضي في كلِّ حاضرٍ قرص، وللحاضر في كلِّ مستقبلٍ طعمُ رماد.


عدد السبت ١٤ آذار ٢٠٠٩

النفط العربي: لو يَنْـضب


النفط العربي: لو يَنْـضب

عبد الرحمن منيف صاحب «مدن الملح» (أرشيف)عبد الرحمن منيف صاحب «مدن الملح» (أرشيف)لوثة النفط ماذا جلبت للإنسان العربي؟ ماذا يمكن أن نقول عن المليارات المُكدّسة التي ذهبت إما لدعم المصارف والشركات الغربيّة المعادية لمصالحنا، وإما لشراء أسلحة كي تستخدمها أميركا لدعم تلك الأنظمة الخانعة، أو من أجل تطويع من يرفع الصوت في وجه إسرائيل. هل هناك منّا من سيشتاق للنفط العربي ومفاعيله السياسيّة، لو نضب النفط؟

أسعد أبو خليل*
لو نضب النفط العربي لتغيّر الكثير الكثير في عالمنا العربي. لو نضب النفط، لما تقاطرت جموع الرجال زرافاتٍ زرافات إلى مهرجان الجنادريّة الفاقع الذكوريّة مُسبغين المديح والألقاب على ملك يصعب عليه النطق العربي السليم. لو نضب النفط، لما كان الداعية القومي العربي، معن بشّور، ليتجشّم عناء السفر كي يساهم في تعظيم حكمٍ امتهن محاربة القوميّة وتعزيز القطريّة والعشائريّة والقبليّة والشلليّة. لو نضب النفط، لما حضر مهرجان الجنادريّة إلا عبد الله وبنوه ـــــ مُرغمين. لو نضب النفط، لتحوّلت هيئة كبار العلماء في المملكة إلى أضحوكة تلفزيونيّة ومدعاة للتشنيع وهدفاً لأدعياء التنوير الحقيقي ـــــ لا التنويريّين الزائفين القابعين في حاشية هذا الأمير وذاك. لو نضب النفط العربي لتكرّست خطب الجوامع الشيعيّة والسنيّة على حدّ سواء للتنديد بعقيدة التزمّت والتعصّب والانغلاق وعداء المرأة الآتية من السعودية بمال وفير. لو نضب النفط، لما استطاع المتطرّفون الظلاميّون ان ينطقوا باسم الإسلام أبداً وأن يقمعوا الحلم والتسامح والإخاء البشري (الصحيح). لو نضب، لعاد إلى مكّة والمدينة رونقهما وبريقهما التاريخي ولعاد إليهما الجدل والنقاش والمناظرة. لعاد الشعر والنثر بكل أنواعهما إلى مواسم الحج كما كان الأمر قبل إطلالة محمد بن عبد الوهاب. لو نضب النفط، لنطق رجال الدين بالحق ولدانوا عقائد التعصّب المدعومة بمال النفط. لو نضب النفط العربي، لما تحدّثنا إطلاقاً عن الحقبة السعوديّة ـــــ الأولى أو الثانية، ولما اعتمدت سياسات الغرب المُستعمِر على حكم آل سعود. لتغيّر الكثير في العالم العربي، ولتوقّف الإعلام عن مناداة ملك السعوديّة بلقب «خادم الحرمين». خادم الحرميْن؟ ومن قال ذلك وبأي حق؟ وكيف يخدم الحرميْن؟ وماذا عن خدماته للمصالح الأميركيّة والإسرائيليّة؟ ألا تستحق لقباً خاصاً هي أيضاً؟ لو نضب النفط، لأطلقوا على ملك السعوديّة صفة خادم التمور والعطور ـــــ لا أكثر، هذا إذا استمرّت الملكيّة التي لا تعتاش إلا على عائدات النفط. لو نضب النفط العربي، لقادت نساء السعوديّة السيارات والحافلات والعربات سافرات أو مُحجّبات أو مُنقّبات ـــــ إن أردنا. لو نضب النفط، لخرجت نساء السعودية من سجونهن الزوجيّة إلى رحاب المجتمع والحريّة.
لو نضب النفط العربي، لما كان تاريخنا المعاصر كما هو. لو نضب النفط باكراً، لما انغمس الجيش المصري وأُنهك في حرب اليمن المُدمّرة. لو نضب النفط باكراً، لكانت المشيخات والإمارات والسلطنات والممالك المرسومة بقلم المُستعمِر جمهوريّات. لو نضب النفط، لما تلوّثت الثورة الفلسطينيّة بكل تنظيماتها بمال النفط، ولما استطاع ياسر عرفات وأبو السعيد أن يفرضا منطق أنظمة الخليج العربي الرجعي على الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وفق رؤية كل الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. لو نضب النفط العربي، لأشعل ثوار العرب في الستينيات المنطقة العربيّة وجعلوها تميد تحت أقدام الفدائيّين ـــــ لا المُنتفعين المُتكسِّبين. لو نضب النفط، لانتصرت ثورة ظفار وأقامت حكماً أقل تسلّطاً من حكم قابوس أو والده الذي حكم على طريقة الحاكم بأمر الله (وبتلك الغرابة في الأطوار، كما كتب عنها فريد هاليداي في كتابه القيِّم «الجزيرة من دون سلاطين»). لو نضب النفط، لانتعش النظام الماركسي في جنوب اليمن وعمّ أنحاء الجزيرة ونشر فكر التقدّم والتحرّر.
لو نضب النفط العربي اليوم أو غداً، فسيتغيّر الكثير في عالمنا العربي ويظهر النفاق على حقيقته. لو نضب النفط، لتوقّف شاكر النابلسي عن مديح شعر خالد الفيصل ولتوقّف جهاد فاضل عن مديح شعر عبد العزيز الخوجة ولتوقّف سمير عطا الله عن مديح الأمير مُقرن بن عبد العزيز ولتوقّف جهاد الخازن عن تقريظ كل أمير عربي يمرّ في لندن أو نيويورك. لو نضب النفط، لما غنّت أم كلثوم لعبد الله الفيصل، ولما غنى آخرون شعر مانع سعيد العتيبة. لو نضب النفط، لما أجاز العالم العربي للوليد بن طلال ـــــ المُستثمر في شركة «نيوز كور» التي تملك شبكة «فوكس نيوز» المُتخصِّصة في كراهية العرب والإسلام ـــــ أن يُقرِّر عنا الذوق الفني والموسيقي. لو نضب النفط، لزال من إعلامنا الابتذال السوقي المُهين للمرأة والتعصّب الديني الوهّابي. لو نضب النفط العربي، لانكشف الإعلام العربي وتوقّف التمويل عن «الفيديو كليب» الرخيص والسخيف. لو نضب النفط ـــــ من يدري؟ لكتب سمير عطا الله مذكرات عن مساوئ أمراء آل سعود وفضائحهم.
لو نضب النفط العربي، لتكشّفت الليبراليّة العربيّة. لو نضب النفط، لطلع الليبراليّون العرب يصرخون مهتاجين داعين إلى إسقاط أنظمة الخليج برمّتها. لو نضب النفط، لقال الليبراليّون (والليبراليّات) إن العائق الأكبر أمام حريّة الفرد استمرار أنظمة القهر النفطيّة، وخصوصاً في السعودية. لو نضب النفط، لقال هؤلاء آراءهم صراحة ولامتلأت الصحف العربيّة بأخبار صفقات أولاد سلطان بن عبد العزيز ورشاواهم التي تملأ الصحف الغربيّة. لو نضب النفط، لقال الكتّاب اللبنانيّون آراءهم صراحة في «محاضرات» خالد بن سلطان في الكليّات العسكريّة ـــــ هذا الذي سخر منه كل من تعامل معه في حرب الخليج الأولى، والذي استأجر خدمات باتريك سيل ليكتب له سيرته، كما كتب سيرة ـــــ غير نقديّة ـــــ لحافظ الأسد. لو نضب النفط، لكتب ليبراليّو العرب مجلّدات عن وسائل تعذيب الأمير نايف بن عبد العزيز، ولكُتب الكثير عن مجون الملك فهد. لو نضب النفط، لاختفى التملّق الذي يهطل من أقلام الصحافة اللبنانيّة. لو نضب النفط، فهل كان إبراهيم العريس يقول إن مبادرة عبد الله بن عبد العزيز في حوار شمعون بيريز أعظم مبادرة في «تاريخ البشريّة»؟ لو نضب النفط، فهل كان هناك من يوافق على «مبادرة الأمير عبد الله» الذي تسلّمها من توماس فريدمان الصهيوني؟ صهيوني يؤلّف مبادرة للعرب، ويتبنّاها ملك عربي ويفرضها على كل أنظمة العرب! لو نضب النفط لهتف الجمع الصحافي العربي بضرورة إسقاط أنظمة من مخلّفات استعمار الغرب وبعلائم من القرون الوسطى. لو نضب النفط العربي، لاكتشف ليبراليّو الوهابيّة أن التسلّط في الحكم هو سمة لكل الأنظمة العربيّة وليس فقط في ليبيا والسودان وسوريا ـــــ أي خصوم آل سعود وحدهم. لو نضب النفط، لوقع حازم صاغية في حيرة من أمره، وهو الذي نظّر أخيراً لنسق وهّابي من الديموقراطيّة قائلاً إن الانتخابات الحرّة ليست ضروريّة إذا أنتجت أعداءً لإسرائيل وآل سعود. لو نضب النفط، للاحظ ليبراليّو الوهابيّة وكَتَبة التملّق أن رجم العشاق وقطع الرؤوس لا يتفقان مع الحريّات الفرديّة وحقوق الإنسان.
لو نضب النفط العربي، لظهرت مواهب سعوديّة في الموسيقى والرقص ـــــ وهو غير رقصة العرضة الذكوريّة ـــــ والسينما والمسرح. لو نضب النفط، لظهر المرح في السعودية ورأس الخيمة وعمان، ولملأت الزينة عجمان والفجيرة.
لو نضب النفط، لتغيّرت سياسات الدول الغربيّة قاطبة ولعُقدت الندوات وجلسات الاستماع في الكونغرس للنظر في وضع حقوق الإنسان الزريّة في المملكة. لو نضب النفط، لخلت بنوك الغرب من ثروات العرب التي تمدّ بعض الاقتصادات بالدعم للاستمرار في مدّ إسرائيل بالسلاح والمال لتقتل أطفالنا ونساءنا وشيوخنا. لو نضب النفط، لما رقص بوش وشيراك مع شيوخ النفط. لو نضب النفط، الملك عبد الله في مهرجان الجنادريّة... (أ ب)الملك عبد الله في مهرجان الجنادريّة... (أ ب)لما دُبّجت قصائد في مديح التمر والقيظ، ولما وُضعت خطط للاستيلاء على كثبان الرمل في الجزيرة. لو نضب النفط العربي، لعقد مجلس الأمن جلسات خاصة للنظر في طبيعة النظام الظالم في السعودية، ولقرّرت المحكمة الجنائيّة الدوليّة جرّ ملوك آل سعود إلى المحكمة بتهم قهر الرجال والنساء والأطفال. لو نضب النفط، لنظرت منظمات حقوق الإنسان في أمر العبيد والجواري في قصور آل سعود وآل شخبوط. لو نضب النفط، لما رأينا تقاطر رجال أعمال ومثقفين وصحافيّين من الشرق والغرب للتبرّك من أمراء النفط.
لو نضب النفط العربي، لتحوّلت الوهابية إلى فرقة صغيرة من الفرق المتزمّتة على هامش الدين ـــــ كل دين. لو نضب النفط لتطوّر الاجتهاد (الذي لم يُغلق بابه إطلاقاً عند السنّة كما أظهر وائل حلاّق في دراساته التاريخية الرصينة) وتيسّر أمر المؤمنين والمؤمنات. لو نضب النفط لما زخرت المجلّات بصور البذخ البذيء لأمراء الخليج، ولزال الطلب على الطلاء بالذهب. لو نضب النفط العربي، لما كان في وسع مؤسّسة القذافي أن تُعلن عن نفسها، ...والوليد بن طلال (أرشيف ــ أ ف ب)...والوليد بن طلال (أرشيف ــ أ ف ب)ولكان «الكتاب الأخضر» مغناطيساً للغبار ـــــ فقط. لو نضب النفط العربي لما أشاد أحد بحكمة ملك السعوديّة ولما نال جلالته جوائز من المتملّقين شرقاً وغرباً. لو نضب النفط العربي لكان نفوذ آل سعود وآل شخبوط يوازي نفوذ حكومة جيبوتي ـــــ أو أقل. لو نضب النفط، لما توقّف أي من المسؤولين الغربيّين في الرياض أثناء رحلاتهم المكّوكيّة. لو نضب النفط، لرفضت المؤسّسات والمنتديات الدوليّة قبول عضويّة السعودية لخروقها الفظيعة لحقوق الإنسان. لظهرت صور أمراء آل سعود في قوائم المطلوبين ـــــ لو نضب النفط.
ولو نضب النفط العربي لتنشقت نساء العرب نسيم الحريّة ولتخلّصنَ من فتاوى القهر والظلم والجوْر. لمشت نساء العرب من دون خوف أو وجل ولما تجرّأت شرطة الأمر بالمعروف على مضايقتهن في الشوارع والساحات. لو نضب النفط لما اعتُبر العشق والغزل حراماً، ولما رُجم العشّاق أبداً. لو نضب النفط، لمشت المرأة يداً بيد مع الرجل، لا خلفه مطأطئة رأسها. لو نضب النفط، لسُمح للمرأة بالسفر حرّة دون إذن من رجل، مهما كانت صلته بالمرأة المعنيّة. لزالت بذور الفتنة التي تموِّلها أموال النفط. لو نضب النفط، لما تقاطر رجال لبنان ونساؤه إلى دول النفط للمنافسة في التملّق المُهين. لو نضب النفط، لما صدرت كل تلك الكتب في مديح الشعر النبطي ولما هرع المسؤولون في الدول العربيّة إلى المطار كلما وفد أمير من السعوديّة ـــــ مهما صغرت سنّه. لو نضب النفط، لما أدار الأمير سلطان بن فهد نادياً رياضيّاً واحداً ولما تبوّأ «عزوز» ـــــ المُرشد الروحي لسعد الحريري ـــــ منصباً حكوميّاً واحداً هذا الذي عانى هوساً بالممثّلة «ياسمين بليث» الأميركيّة على ما تروي هي ساخرة منه. لو نضب النفط لما استفاض رجال أعمال غربيّون وشرقيّون في الثناء على حكمة أولاد راشد وأولاد زايد. لو نضب النفط، لما سعى أحد وراء جوائز مُسمّاة على أسماء شيوخ النفط الذين لا علاقة لهم بالمعرفة والعلم.
ولو نضب النفط العربي، لتشكل النظام العربي على أسس جديدة ولما كانت الانتخابات على قلّتها في عالمنا مُتأثّرة إلى هذا الحدّ بمال النفط. لو نضب النفط العربي، لما وجد محمد دحلان فرص الـ«بيزنس» في دولة الإمارات وفي مونتغري. لو نضب النفط، لكانت الجامعة العربيّة غير أسيرة لأهواء شيوخ الزيت الأسود وملوكه. لو نضب النفط لما كانت الولايات المتحدّة قادرة على هذا الإنفاق الهائل ضد الشيوعية والتنوير هناك في السبعينيات والثمانينيات، ولما كان الأمير تركي قد أنشأ جيشاً عالميّاً من المتعصّبين المتطرّفين. لو نضب النفط، لكان الأزهر مُعبّراً عن التنوّع واليسر في الدين، لا عن التزمت والشعوذة والارتهان السياسي، ولما كان شيخ الأزهر قد كرّم شمعون بيريز. لو نضب النفط، لما أشادت ستريدا جعجع بـ«حكمة» أمير الكويت و«عمقه»، وهو الذي تعامل مع غزو العراق للكويت بالدموع والصراخ. لو نضب النفط العربي، لكان كتاب «مدن الملح» مُقرّراً في كل المناهج في الدول العربيّة ولتعلّم طلاب العرب عن عبد الرحمن منيف. لو نضب النفط العربي، لتحوّلت قضيّة اختطاف ناصر السعيد وقتله إلى قضيّة عالميّة مثل قضيّة اختطاف المهدي بن بركة. لو نضب النفط، لانتفت تلك الألقاب مثل سلطان وملك وشيخ وأمير وولي عهد وخادم الحرمين من قاموس المخاطبة.
لو نضب النفط العربي، لما تحوّلت منظمة «أوبك» إلى أداة لخدمة المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة للغرب المُستعمِر. لما فختوا آذاننا بحديث «سلاح النفط» الذي لم يكن يوماً إلا أداة بيد الولايات المتحدّة تستعملها في خدمة إسرائيل. «سلاح النفط»؟ تلك الكذبة عن أيام من إعلان مطنطن عام 1973 فيما كانت أنظمة النفط تبيع في الأسواق الفوريّة ما تحتاج إليه أميركا وحلفاؤها. لو نضب النفط، لتشكّلت لجنة عربيّة من المثقفين والكتاب والصحافيّين لمقارعة خطر التعصّب والتزمّت الوهّابي.
لو نضب النفط العربي لنمت أفكار العلمانيّة وتطوّرت وانتشرت. لو نضب النفط، لتحقّقت ثورات وحركات يساريّة ونقابيّة. لو نضب النفط، لتحرّر العمّال الآسيويّون في دول الخليج. لو نضب النفط، لاختفت الساعات الذهبيّة والماسيّة عن معاصم الكثير من الصحافيّين اللبنانيّين. لو نضب النفط، لزادت معرفة الطلاب العرب في العلوم والإنسانيّات والفنون. لو نضب النفط، لدرسنا كتابات ابن تيميّة وابن قيم الجوزيّة على حقيقتها من دون «تكرير» وهّابي. لو نضب النفط العربي، لتحوّلت الصحافة العربيّة إلى وسائل إعلام أكثر حريّة وخالية من أخبار الأمراء والملوك وعبقريّاتهم. لو نضب النفط، لاختفى الإعلام «العربي» من لندن وعاد إلى بلاده جارّاً أذيال الخيبة. لو نضب النفط العربي لتحرّرت الفضائيّات العربيّة من سيطرة آل سعود التي تفرض إما سوقيّة إباحيّة مُسلِّعة للمرأة أو تعصّباً دينيّاً.
لو نضب النفط العربي، لتذكّر الإعلام العربي والثقافة العربيّة الفقراء في منطقتنا، ولكانت أخبارهم ومعاناتهم تملأ الأسماع والمكان. لكنّا نتنافس في تقديم برامج الرعاية الاجتماعية ومحاربة الفقر، ولما كان الانضمام إلى منظمة التجارة العالميّة هدفاً يفوق في أولويّته تحرير فلسطين. لو نضب النفط العربي لأعدنا تكوين الثقافة والسياسة في العالم العربي، وزالت «ثقافة النفط» التي روّجت لعبادة الرجل الأوروبي الأبيض ولتسليع النساء وللتجارة بالبنات والغلمان وللتراتبيّة الطبقيّة ولاحتقار الفقراء والمساكين ولتعظيم تعدّد الزوجات ولفرض المنع والحظر والقيود على الناس وإباحتها للأسر الحاكمة ولخدمة الاستعمار الغربي ولمنع النقاش والمناظرة ولتضييق الحدود في التفسير والتعليم. لو نضب النفط العربي، لانتعش النشاط الفني في كل أرجاء العالم العربي ولزال الكثير من الممنوعات. لو نضب النفط العربي، لانقرضت مفاهيم الوراثة في المناصب والحكم بناءً على روابط الدم. لو نضب النفط، لزالت الحدود والجدران بين الكثير من المشيخات والإمارات النفطيّة.
لو نضب النفط العربي فماذا سيحلّ بالكثير من النوادي والمواخير والملاهي في الغرب التي لم يكن لها أن تستمرّ في العمل لسنوات ولعقود لولا المال النفطي العربي. وهل كان نادي «البلاي بوي» في لندن إلا ملعباً لشيوخ النفط العربي وأمرائه، إلى درجة أنه عيّن عربيّاً (لبنانيّاً طبعاً) للإشراف على (والتخصّص في) شأن الملذّات الملكيّة العربيّة ـــــ وكان هذا الرجل موضع احترام وتقدير في الصحافة العربية في السبعينيات. لو نضب النفط العربي، لأفلس الكثير من شبكات الرقيق الأبيض في الجنوب الفرنسي التي يشرف على بعضها بمهارة لبنانيّون يفخر بهم وطنهم الأخضر.
لكن لو نضب النفط العربي، فإلى أين سيحجّ ساسة لبنان؟ وماذا سيفعل ورثة الحريري؟ هل سيتحرّرون في القرار أم يلتزمون أوامر سلطان وسلمان وتوابعهما؟ إلى من سيتملّق ابن الفقيه إبراهيم شمس الدين، ومن سيموّل حملات قائد الشيعة الجنوبيّين من الحازميّة، أحمد الأسعد؟ لو نضب النفط العربي فهل كان مفتي صور المطرود علي الأمين، سيذهب ليخطب في الثقافة في مهرجان الجنادريّة؟ لو نضب النفط العربي لما استمرّت مجلة «الحوادث» بعد عام سبعين على الأرجح. ولو نضب النفط، فهل سيجد طارق الحميد من ينشر له منمنماته الفكريّة؟ ولو نضب النفط، فإلى من سيوجّه فؤاد عبد الباسط السنيورة ابتهالاته مثل تلك التي نشرها له العدد الخاص من «تاريخ العرب والعالم» عن الملك السعودي؟ ولو نضب النفط، فهل يجد منير الحافي من ينشر له تملّقه للسفير السعودي، أو ينشر له مجلّده الفخم عن الدور السعودي في لبنان؟ ولو نضب النفط، فمن «سيعيّن» ياسر عبد ربّه ومن سيفتح له المنابر لخدمة المخطّط الأميركي ـــــ السعودي ـــــ الإسرائيلي؟ ولو نضب النفط، فمن سيعطي الأوامر لكتّاب الصحافة العربيّة حول العالم، وخصوصاً اللبنانيّين؟ ولو نضب النفط، فماذا سيحلّ بفؤاد مطر ـــــ هذا الذي بدأ بوقاً ناصريّاً ثم تحوّل إلى بوق صدّامي تكرّس في تلك السيرة لصدّام التي كتبها، ثم عاد وتحوّل إلى بوق سعودي وهابي نشيط؟ مسكين فؤاد مطر، لو نضب النفط.
ولو نضب النفط العربي، فهل كان فنانو العالم العربي وفناناته سيسعون بهذا الجدّ للترفيه عن أمراء النفط وشيوخه في حفلات خاصّة لا يدعى إليها الإعلام؟
يحق لنا أن نحلم وأن نتصوّر عالماً عربيّاً آخر. هل مَن سيندم على تحول مجلس الشورى السعودي المُعيّن من الملك إلى مجلس مُنتخب يعبّر عن تطلعات الرجال والنساء في السعودية التي قد يتغيّر اسمها العائلي؟ هل مَن سيشتاق إلى طلة أعضاء هيئة «كبار العلماء» وفتاواهم المُخيفة والمعادية للعلم والمنطق؟ هل من سيفتقد إشراف الشيخ «مو» على مهرجانات الشعر؟ على العكس، سنجد أن العربي (والعربيّة) سيجدان سعادة ما بعدها سعادة في ما يخرج من باطن الأرض من ماء ومن خضر وفواكه. الماء، الماء قد يعمّ بدل النفط، وما الضرر من تعظيم مصدر «كل شيء حي»؟ النفط العربي: لو ينضب، لخرجنا من المنازل والأكواخ مرحّبين مُهلِّلين مُصفّقين (ومصفّقات). لو ينضب. آه، لو أنه ينضب! العلقم أفضل لنا منه.
* أستاذ العلوم السياسيّة
في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)


عدد السبت ١٤ آذار ٢٠٠٩