الاثنين، ٥ تشرين الأول ٢٠٠٩

المواطنة والاستبداد في مواجهة الأزمة العالمية

05/10/2009


لن يكون الأمر تهويلياً خالصاً إن اعترفنا بالتفكك، أو التخلع أو الانفراط الذي يهِّدد الخارطة القطرية للواقع الدولاني العربي الراهن. فالنهضة الثانية المحكومة فلسفياً بالتقدم المتوازن بين مختلف عواملها الموضوعية، وخاصة منها السياسة والاقتصاد والثقافة، خسرت واقعياً، وعلى أرض التطور الحدثي العام، معركة التقدم السياسي الذي هو مفتاح الحركية النهضوية الشاملة.
تراكم الهزائم العسكرية أَفْقدَ السياسة العربية شرعيتها الانسانية، وليس الحقوقية فقط. وهكذا تحملت الدولة القطرية ما فوق طاقتها بعد أن تجردت من الغطاء القومي الذي كان يمنحها بعض الثقة من مجتمعها، باعتبارها مرحلية، سائرة على طريق الاستقلال القومي، ولا فكاك من ضرورتها، بشرط قيامها بأعباء هذا الاستحقاق المطلوب والمنتظر منها. ولكن عجز الكيان القطري عن تحقيق هذا الشرط البنيوي جعله مهدداً بالانفراط، والتقهقر إلى أهلويات ما قبل الدولة. لقد كان للنهضة أن تنعم بانضمام أكثر من عشرين كيان دولاني إلى ركب فعالياتها التاريخية، فيما لو لم تتحول الخارطة القطرية إلى مساحة صحراوية من السدود الخرسانية قبالة بعضها. فقد قُضي على كل قطر أن يقوم بمهمات النهضة الكلية لوحده، وبأقل إمكانيات الجزء المفرد من الكل الأعظم. فكانت المحصّلة مذهلة في نتائجها البائسة، بحيث لم يعد ثمة حديث عن 'النهضة' بقدر ما هو حديث الكارثة المطلقة التي تعمُّ الجميع. حتى أغنياء الوطن العربي أصبحوا من أيتام الأزمة العالمية. ليس ثمة كلام عن نهضة الفقراء. فهؤلاء إن لم يحصلوا على الحدود الدنيا لمعيشة الإنسان العادي، لن تعني لهم شيئاً نداءات المعاني المجردة. فالقهر المعيشي هو أبشع إذلال للروح الإنسانية المفتقرة في جسدها الجائع والمريض والمحروم، إلى أبسط حقوقه المادية حتى يتذكر حقّه المسلوب في الكرامة قبل التطلع إلى حقه في الحضارة.
هزائم السياسة أثمان باهظة تدفعها النهضة على أثر انكسارات السيادة الوطنية والشعبية بفعل الحروب الفاشلة مع العدو الإقليمي والداخلي، ثم الأجنبي الاستعماري المباشر؛فبعد تلك المعارك الخائبة بين الجيوش التي تنقلب إلى حروب أهلية وأشباهها المفكِّكة للكيانات القطرية تبدو 'الدولة' أخيراً هي العدو المشترك للأهلويات الغريزية المتخاصمة. فالنهضة العاجزة عن تنمية الاستقلال الوطني إلى التكامل المجتمعي القومي، تقف مهزومة مجدداً إزاء حركة تقهقر المجتمع القطري، إلى عصر مماليك الأقلويات من كل نوع إثني أو جهوي أو مذهبي. فليس هناك مجتمعٌ تجانسي كلياً في أية دولة عصرية. وقد اخترعت المدنية فلسفة المواطَنة التي تستبدل الكيان الغريزي الموروث للجماعات بالكيان الثقافي الحقوقي. لكن بين النموذجين هذين يجري تاريخ هائل من التصفيات الحدية التي يفخر الغرب وحده بإنجازها تحت طائلة عصر التنوير، الذي يصير رائداً لكل عبْر تلاه وذلك عبْر سيرورة الحداثة المستديمة. ومع ذلك فإن هذا الغرب نفسه يضطر للاعتراف بأنه لم ينجز عصر التصفيات الحدية تماماّ بعد، لم يواجه ربما تحديه الأكبر الذي أصبح يهدد مستقبل تجربته المدنية كلياً، بدءاً من اهتزاز نظامه الحياتي، كلياً.
هذه العاصفة الاقتصادية لن يتوقف تماديها عند انفجار الأزمة الاجتماعية الأخطر، بل إنها سائرة نحو إعادة طْرحٍ للصميم من كينونة المدنية الغربية عينها، كما تتداولها وسائل التربية العمومية السائدة حول تنميط نموذج معين عن الشخصية المفهومية التي تعزوها ثقافة الغرب لذاتها، كضمان لتفرده وهيمنته على التاريخ الإنساني المعاصر. فالغرب كعادته لا يفتخر بدلالات تقدمه الإيجابي وحده، بل يحتفل كذلك بكوارثه الكبرى المتواترة معها. ذلك هو الفارق النوعي الذي لا يزال يميز الغرب في فهم الكارثة وطريقة استقبالها، ومن ثَمَّ التعامل معها؛ ويفرّقه في ذلك عن سواه.. عن الأسلوب العربي الحافل ليس بالكوارث وحدها، ولكن بأسوأ فهم لها وتدبّر معاً؛ فالفكر الغربي اعتاد أن ينذر مجتمعاته، من منعطف حضاري إلى آخر، بأشباح الأفول.لكنه في الحالة الراهنة من معاناة حقائق الأفول وليس أشباحها، لا يلجأ إلى آليات التمويه، بانتقاله من إيديولوجيا مستهلكة، إلى أخرى جديدة مبهرة؛ إنه يواجه مسألة (الآخرية) من خلال الاعتراف بواقعيتها المباشرة، كما راحت تتبدى بصعود قارة آسيا إلى ذروة الاقتصاد العالمي. ما يدفع الغرب إلى انتظار الترجمة السياسية المحتومة لقوة إنتاجية ومالية هائلة، أصبحت خارج دورة هذا الاقتصاد العالمي التقليدي، وبالتالي لا سيطرة غربية أحادية على متغيراته، منذ الآن.
لا ننسى أن الغرب هو غَرْبان، أوروبي وأمريكي. قد تجمعهما مصالح تاريخية وحيوية متأصلة، ولكنهما متمايزان عن بعضهما، خاصة في نطاق المفاهيم الكلية والمثل العليا، ما يجعل لكل منهما ثمة استراتيجيا حضارية مستقلة، يحرص الغرب الأوروبي على إثبات فوارقها الفكرية والإنسانية عن توأمتها الأمريكية، تحديداً في منعرجات الأزمات المصيرية، التي تواجههما معاً. ورغم ذلك يبقى لكل منهما تقاليده الخاصة في التحليل والمعالجة. ليس هنا مجال التطرق إلى تفاصيلها. لكننا نستحضر هذه الخلفية التي لا بد منها لتأخذ مكانها من عمق اللوحة الراهنة لأهم أزمة تكوينية ذاتية ربما، تداهم الغرب المعاصر منذ الحرب العالمية الثانية. يبدأ الافتراق (الثقافي) بين ضفتي الأطلسي من هذه الأطروحة البسيطة التالية: الأوروبي لا يرى أن العمل (الربح) هو غاية الحياة، بينما يقضي الأمريكي حياته جرياً وراء عمله. من هنا ينطلق التباين في النظرة إلى الاقتصاد. فالأزمة تطرح بحدة مسألة القيادة بين المجتمع والاقتصاد. والأوروبي العادي يجد في عواقب الأزمة دليلاً مادياً على صحة رأيه في ضرورة انقياد الاقتصاد للمجتمع، وليس العكس. ذلك أن حفنة صغيرة من مدراء البنوك الأمريكية الكبرى وحواشيهم من المضاربين، استطاعت أن تسيّر اقتصاد العالم كله لمصلحة جيوبها. فهي التي أحدثت كل أسباب الأزمة، وهي التي لا تزال تفيد من مضاعفاتها. وقد يعود إليها كذلك الأمر بتوقيفها في الموعد الذي تختاره مصالحها عينها. يقول الفكر الأوروبي في اللحظة الحرجة الحالية من الصراع حول الحلول الجذرية بين ضفتي الأطلسي، أن الرأسمالية كنظام اقتصادي محض هي الآيلة إلى نهايتها. فالأزمة ليست مرحلية. لا يمكن تبرئة الرأسمالية من مرحلتها السابقة الموصوفة بالوحشية. لن تستطيع هذه المرة أن تتجاوزها إلا إذا تجاوزت ذاتها. ما يسمى بالاقتصاد الافتراضي القائم في صلبه على فن الخديعة للذات وللآخر في وقت واحد، لم يكن مجرد انحراف طارئ للاقتصاد الأصلي عن هويته الانتاجية، كان أعلى ذروة للرأسمالية بكل مكوناتها ومراحلها. وسقوطه أخيراً ليس سوى سقوط الرأسمالية عينها. تلك هي الواقعة المرَّة التي يُراد للعالم أن يتهرب من الاعتراف بها، وأن يتوهم انطلاقة جديدة بعدها مما صار يُصطلح عليه بصفة الانكماش، وليس حتى بصفة الركود. وكلها تعابير أيديولوجية عفت عليها عقابيل الأزمة، المستدامة بإنتاج كوارثها المالية والاجتماعية المتناسلة من بعضها؛ وهي المستديمة كذلك بإرادة المنتفعين بكوارثها، كقوى استثمار جديد.
ثمة فكر ٌغربيٌّ، صار يزعم أنه ليس يمينياً ولا يسارياً، يدعو إلى وضع الرأسمالية تحت طائلة الأخلاق. فهو لا يرى الاقتصاد إلا رأسمالياً، لكنه قد يقبل توأمته مع الاجتماع. هذه الدعوى، بصرف النظر عن البراهين معها أو ضدها، تتقدم اليوم تداول الحلول المقترحة ما بين ضفتي الأطلسي. لعلها تنشئ جسراً مفهومياً جديداً للنزعة الإصلاحية التي يثشبت بها الغرب مجتمعاً، كاختيار ثالث ما بين خياريْ الليبرالية المتطرفة، والثورية الاشتراكية. لكن أحداً من دعاة هذه الاصلاحية، لا يعثر على القوى السياسية المؤهلة للنهوض بأعبائها. فقد تخطت الأزمة أطروحات أحزاب اليمين واليسار الأوروبية. بل ربما راحت مجتمعاتها تجنح نحو أحزاب اليمين، وتتخلى عن أحزاب الخط الأوروبي الموصوف بالديمقراطي الاشتراكي كما حدث لانتخابات ألمانيا الأخيرة التي أسقطت صيغة تحالف الحكم بين كل من الحزبين الديمقراطي المسيحي، والديمقراطي الاشتراكي، بخسارة هذا الثاني لأصوات شعبيته السابقة. ويفسِّر البعض هذا الجنوح الشعبي نحو اليمين التقليدي، بالرغم من أزمة نظامه الرأسمالي، بالخوف من استعادة أوروبا لمرحلة الأيديولوجيات الشعبوية المتصاعدة ما بين الحربين العالميتين، على أثر الانهيار الأعظم (1929) لرأسمالية القرن التاسع عشر وامتدادها حتى عشرينيات القرن العشرين، كأنما اليمين الأوروبي المعاصر هو المنوط به وحده إصلاحُ رأسماليته، باستردادها تحت جناح أخلاقيته التقليدية المزعومة. من السهل القول أن دول الغرب الأوروبي لم تنجرف نحو سياسة السوق و الادعاء باستقلالية حركيته التلقائية. فلم يخرج اقتصاد السوق من تحت كنف الدولة الأوروبية أبداً، حتى في عز السيطرة شبه الكاملة لعولمة النيوليبرالية. هذا الوضع التاريخي المتأصل أعطى ثمة حماية تلقائية للمجتمع من مؤثرات الأزمة العالمية التي ضربت اقتصاد أمريكا، ولا تزال فاعلة مدمرة في بنية مجتمعها. قلنا في بداية هذا الحديث أن من تقاليد العقلانية الأوروبية أنها مثلما تحتفل بانتصارات مدنيتها، كذلك لا تُقعدها مآزق هذه المدنية عن اجتراح حلولها، بدءاً من تغيير نظامها المعرفي نفسه، الذي يتيح لها ابتكار منهجيات جديدة، مختلفة في فهم ومعالجة اختلاف المأزق الراهن المداهم. ذلك هو الفارق النوعي بين نموذجيْ الاجتماع التحرري والاستبدادي، الذي تنضح ظواهره أكثر خاصة في أوقات الأزمات، وتحت وطأة اتخاذ القرارات المصيرية. فأوروبا مدعوة من قبل أهم مفكريها إلى إعادة النظر جملة وتفصيلاً في نظام رأسماليتها. ولا سبيل لها في ذلك إلا تعزيز اتحادها الذي كادت تطيح به عواصف النيوليبرالية المتدافعة نحوها من ما وراء الأطلسي. هناك نزوع قوي إلى اعطاء هذا الاتحاد شكله السياسي المؤجّل دائماً خلال الظروف السابقة. فالقارة محتاجة أكثر من أي وقت مضى إلى شكل الدولة الاتحادية الكبرى، ودورها الرئيسي المطلوب في خضم التنافسات العالمية التي أخلَّت بالتوازنات الدولية السابقة، مع بروز صيغة التعددية في المراكز الإنتاجية العظمى التي سلبت الغرب مركزيته الأحادية، وحرمته من كل مزايا تفرّده الصناعي في الكم والكيف معاً.
في حين أن كوارث القارة العربية والاسلامية لا تزيدها إلا تفككاً، وانفراطاً لروابطها الجامعة. فالقطريات العربية لن تصمد طويلاً مع المزيد من انكشاف بناها الهشّة التي تعصف بها الأزمة العالمية، دونما أية مناعة أو حماية توفرها لها أجهزة الدولة القطرية المتهافتة والمتخلفة عن كل شيء، أصلاً، له صلة ما بدفاعات الدولة الحديثة عن كيانها وشعبها.
القطريات صائرة حتماً إلى فقاقيع فئوية. فليس ثمة كيان عربي أو إسلامي واحد إلا وهو مهدد بتخلّع مكوناته عن بعضها. فبعد انسداد مختلف التجارب الاصلاحية للمحافظة على الدولة المركزية، وإمدادها ببعض المشروعيات الشعبية المؤيدة لسيادتها، ينجلي الفشل الإصلاحي عن انحسار المركزية المشروعية للدولة إلى مجرد مركزية الفئة المسيطرة على السلطة. ما يدفع بقية الجسم الاجتماعي إلى الاستنجاد بمركزياته الفرعية، بالقبيلة والعشيرة، بالطائفة والمذهب، بالعِرق والجغرافية.
مجتمع المواطنة الحرة تدفعه الأزمات إلى اجتراح أنظمة الوحدة الأعظم لإنسانيته. مجتمع الفقاعة الاستبدادية المتمركزة، يتحول إلى مستنقع من الفقاقيع الفئوية المنتفخة، بانتظار لحظات انفجار فراغاتها المسمومة ضد بعضها.

' مفكر عربي مقيم في باريس

بــانـــــغ بــانـــــغ بــانــــــغ... وســقــطــــت الــنـــــازيــة!

كوانتن تارانتينو منتقماً من تاريخ ينزلق على قشرة موز

بــانـــــغ بــانـــــغ بــانــــــغ... وســقــطــــت الــنـــــازيــة!

سفلة مجهولون قبالة كاميرا تارانتينو.
ما كان يمكن أن يكون استعادة مجنونة لأفلام حربية عدة من المكتبة السينمائية الشخصية لكوانتن تارانتينو، اصبح في رعاية المخرج السينيفيلي فيلماً انتقامياً آخر على خلفية حرب عالمية ثانية ومحرقة ورجال أشرار و"سلسلة باء" بموازنة عالية. بيد أن بيل يُستبدل بأدولف، والسيارة المحصنة ضد الموت يحلّ مكانها الصليب المعكوف للجزار الالماني الشهير. كان غودار يقول انه لا يحتاج الى أكثر من امرأة وفي يدها مسدس لصنع فيلم. تارانتينو يحتاج الى أقل من هذا. الشرّ المطلق الذي يجسده الفوهرر يكفيه لحبك رواية خيالية من حوله. الأهم من هذا كله في هذا البرنامج الهزلي الذي يطول قرابة ثلاث ساعات هو الانتقام من التاريخ الذي ينزلق على قشرة موز مثيراً القهقهات العبثية في أرجاء الصالة. كتاب التاريخ الكبير يتصفحه أميركي من الطبقة الوسطى على سجيته ويتمنى لو يعيد كتابته. المشروع عبارة عن فانتاسمات لسينمائي زنديق لا يؤمن بشيء. انه ابن جيل كان مراهقاً عندما دخل الفيديو المنازل في آواخر السبعينات من القرن الفائت. كانت الأفكار الكبيرة بدأت تتهاوى واحدة تلو الاخرى في غياب البديل. السينما التي تربّى على قيمها في تلك الحقبة هي، أيضاً وأيضاً، اساس هذا الفيلم، لبّه، جسده ووعيه.
طبعاً تارانتينو، وقبله روبيرتو بينيني (في "الحياة حلوة") مشروطان بألا ينسيا ان الفصول الدموية للمرحلة النازية هي، في خاتمة الأمر، أكثر فظاعة مما نراه، اذ يذكّراننا مع كل انعطافة جديدة بأنه ما دام يستحيل تجسيد بعض الأشياء، فالأفضل أن نتخيل شيئاً قريباً لها. هذه مسألة أخلاقية لا تتحمل المناقشة. في فانتازيا كهذه، لا شي أكثر طبيعية من أن نخدّر عاطفتنا ونمشي في اللعبة حتى الأخير، نضحك منها وعليها، اذ هناك خلف الكاميرا من يمسك بكل مفاصلها واحتمالاتها. ليني رييفنشتال، المخرجة المناصرة لقضية الرايخ الثالث، هل هي أكثر تأثيراً في الزمن من هنري جورج كلوزو، السينمائي المقاوم للنازية الذي قبض المال من الالمان لصنع فيلمه "الغراب" ثم دان فيه احتلال بلاده؟ ها ان ردّ تارانتينو على هذا الهمّ المعلن والحاضر في ذهن الشريط، يصلنا عبر فيلم ينقلب على العنف بالسخرية والازدراء، بخفة دم قريبة الى اسلوب... دعونا نقول الى اسلوب لا أحد. لا شيء يعز على تارانتينو اكثر من تلميع صورة السينما، أكانت عميلة أم حليفة أم عدوة. تارانتينو كعادته مخلص لتقنياته في الهزء. هو دائماً في حاجة الى شخصيات يخيّل اليها أن اللجوء الى العنف أفضل الحلول. لكن هذا اللجوء لا يزيدها إلاّ بلاهة وغباء في عيون الآخرين. وما "سفلة مجهولون" الا تأكيد لتأكيد، خطاب جديد على خطاب قديم، تأثير فوق تأثير، وأحياناً تأثيرات متضاربة.


في البداية هناك رجل وأفراد عائلة يقيمون على تلة في قرية ابان الاحتلال النازي لفرنسا. لا يذكّرنا مشهد الافتتاحية هذا بأفلام الوسترن سباغيتي، اذ لا اشارة مباشرة منها واليها، لكن اذا اصررنا ان نراه من ذلك المنظار، فيمتزج حينذاك الاستيهام السينيفيلي بالواقع، ونبدأ برؤية أشباح وظلال من أفلام أخرى في كل وحدة تصويرية. انها مسألة ارادة ورغبة. الامتحان الاسلوبي يبدأ منذ اللقطة الاولى. لا يحتاج تارانتينو الى أكثر من بضع ثوان ليُمِرّ لنا السر الذي يتأسس عليه الفيلم برمته: نحن في كوكب سينمائي متكامل لا نحتاج فيه الى الواقع. هذا الواقع هو ليُستلهَم لا ليكون ديكتاتوراً على مخيلة فنان. أفلام تارانتينو كانت دائماً نموذجاً في قراءة الدال والمدلول في لغة السينما، لشدة زحمة المراجع والاستنادات والغمزات التي تتيه فيها السيرورة الدرامية. لكن في لقطة الافتتاحية، وهي بالتأكيد الأغرب في مساره، ثمة محاكاة حتى للمحاكاة. انها محاكاة فوق محاكاة ممتلئة بغمزات سينيفيلية مزروعة في كل مكان وفي اللامكان، والبصيرة لا تملك الوقت الكافي لالتقاطها واستيعابها، نتيجة الاشياء الكثيرة التي تحدث هنا وهناك.
في اولى هذه اللقطات اذاً، هناك غريب يأتي ليعكر صفاء عيش إحدى العائلات (في هذا الباب ربما نعثر على الاستعانة بأبجدية الوسترن). انه الكولونيل النازي هانس لاندا (كريستوف والتز، جائزة التمثيل عن جدارة في الدورة الأخيرة من مهرجان كانّ) المعروف لكونه صياداً ذائع الصيت لليهود. هوذا نموذج للكولونيل الشرير والسادي الذي، بعد 20 دقيقة من حوار متكلف وغريب بينه وبين رب عائلة فرنسي يخفي يهوداً في قبو منزله، يكتشف أخيراً اين يختبئ هؤلاء، فيأمر رجاله بقتلهم، فنراهم يرمونهم بالرصاص من خلف أرضية المنزل الخشبية. لا يرفّ له جفن، طبعاً لأنه نازي وخسيس! لكن ما يحصل في تلك اللحظة، وهذا ما يتيح للفيلم أن يكون، هو افلات فتاة من المجزرة الجماعية، لنراها اصبحت، بعد اختزال زمني، صاحبة سينما في احد الاحياء الباريسية.
لن ندخل في تفاصيل الحكاية لئلا نفسد عامل المفاجأة لدى المشاهد المحتمل، لكن القارئ الحذق يستطيع أن يكتشف أن لدى هذه الفتاة الفرنسية اليهودية التي تدعى شوشانا (ميلاني لوران)، صاحبة الصالة التي تعرض فيها مضطرة أفلاماً تغازل النازية (رييفينشتال نموذجاً، ولكن ليست وحدها)، رغبة جامحة في الانتقام من قتلة عائلتها. مذذاك ستتوافر امامها كل الظروف العبثية لتحقيق هذا الانتقام، ولا سيما عندما تدخل على الخطّ زمرة السفلة المجهولين (أميركيون يهود) الذين يأتون الى فرنسا ليقتلعوا فروات رؤوس النازيين، مستخدمين أساليب قتل أعنف بكثير من اساليب أعدائهم (الغمزة السياسية الجميلة لتارانتينو الى الحاضر)، الشيء الذي يتيح تصعيد حدّة العنف الى حدّ تحولها كارتونية في أماكن عدة، ولا سيما في الثلث الأخير من الفيلم.
هؤلاء اللقطاء (هكذا يدعوهم عنوان الفيلم الذي ينطوي على خطأ املائي مقصود، Basterds بدلاً من Bastards) الذين يتأكلهم احساس الضغينة والحقد، يترأسهم الضابط المخبول والغريب الأطوار الدو راين (براد بيت في دور هجين ولكنة ظريفة جداً). هؤلاء يقررون الانضمام الى ممثلة المانية اسمها بريدجيت فون هامرسمارك (ديان كروغير) وخصوصاً عندما يعلمون أن ثمة فيلماً بروباغانديا مستوحى من "بطولات" جندي نازي شجاع قتل وحده المئات، يغازل بدوره شوشانا، وأن هذا الفيلم سيُعرض في حفل تمهيدي في حضور أدولف هتلر (نعم هو!) وجوزف غوبلز وحشد من النازيين، مما يشكل مناسبة لا تفوّت لتصفيتهم. لكن ليس وحدهم السفلة من سيستغل هذه المناسبة التي ستشكل قمة الفيلم، لكونها ستجري داخل ظروف استثنائية تعجب خاطر تارانتينو وتعكس رؤيته لسلاح السينما الهدامة. وطبعاً تشبيه السينما بسلاح هو فكرة فضفاضة قائمة على المبالغة، اذ ان الفنّ لا يستطيع شيئاً أمام النار والرصاص. لكنها فكرة رومنطيقية يطلق من خلالها تارانتينو عنان مخيلته. وحسناً يفعل.
اذاً كل شيء معدّ سينمائياً: عملية تصفية هتلر تحمل اسم "كينو"، أي "سينما". مكان المجزرة هو صالة مظلمة. العميلة المزدوجة التي لها يد في انزال العقاب بالديكتاتور، هي ممثلة. الاداة التي ستستخدم في قتلهم هي بكرات أفلام سريعة الاشتعال. هذا كله يشعل عند تارانتينو، أولاً، رغبة لا تضاهى بالتسلية والتهكم، ويتيح له ثانياً، أن يرتّب لنفسه مكانة خاصة وسط هذه المعمعة التاريخية ومناقشة دوره فيها. غني عن القول أن الإقفال على نخبة من نازيين مبتهجين بمشاهدة فيلم يمجد انتصاراتهم في داخل صالة، وحرقهم، عملية كيدية ستتيح لتارانتينو أن يحلّق بنصه عالياً. العنف هو مفتاح العبقرية عند هذا المخرج، وهو كذلك عند بكينباه.
هذا الفصل من الفيلم الذي يعبره تارانتينو كجندي يعبر حقل ألغام لكن من دون أن يضع رجله على أيٍّ منها، ممسوك بقبضة حديد، إخراجاً وتوتراً مؤسلباً. صوت الرصاص المرافق للفيلم التمجيدي المعروض على الشاشة، لا يسكت: بانغ بانغ بانغ، بانغ بانغ بانغ، بانغ بانغ بانغ! الكونتراست اللعين يحضر من حيث لا نتوقعه، أي على يد الجندي النازي الذي تحولت أفعاله فيلماً. فعندما يترك الفيلم ويصعد الى غرفة الـ"بروجيكسيون" ليعلن ولعه بشوشانا، هي اليهودية، نرى من الجانب الآخر للزجاجة الفاصلة، تجسيده السينمائي مواصلاً قتل اليهود، فيما تتابع اصداء البانغ بانغ بانغ على الشاشة.


تارانتينو، مخرج نسائي الى الآن، يضع المرأة المصرة دائماً على ان تكون الاشياء على قاعدة العين بالعين والسن بالسن، أمام التضحية الكبرى والخيار الأصعب: الموت في سبيل الذاكرة. لكن شوشانا هي يهودية بالمصادفة. وما تقوله عن انتقامها الذي سيسكن ضمير العالم وضمير السينما، ليس سوى مزحة ولا يمكن تحميله معاني كبيرة. السبب بسيط: تارانتينو تعرّف الى الانتقام قبل أن يعرف شوشانا! لكن دعونا لا نغفل عن حقيقة أخرى. تارانتينو، وبأقل قدر من المعاداة للسامية، يقول إن السينما المتهمة دائماً بانحيازها الى اليهود (لأن نخبة صنّاعها هم يهود)، هي وحدها السينما التي تغيّر المعادلة. هل من معارض؟
على مستوى الشكل المعتمد، يبقى تارانتينو مخلصاً لثلاثة محاور على الاقل في هذا الفيلم حيث الكل يحكي لغته ولغة الآخر، وهي: حاجته الدائمة الى تحويل العالم شاشة مستطيلة اذ لا شيء خارجها له القيمة نفسها مما لو كان داخلها؛ الفيتيشية المرضية التي تتجسد بقدم الممثلة الالمانية التي اصيبت بالرصاص خلال المشهد الحواري المديد في المخمرة والذي ينتهي بجولة بانغ بانغ بانغ أخرى؛ اللجوء الدائم الى الحوار الموتور كبلورة درامية. مع ذلك كله، لنكن واقعيين. الخطاب لا أخلاقي ولا تربوي ولا ادانة للنازية او اعادة اعتبار الى ضحايا المحرقة، وان مَن يقف خلف الانتاج هو هارفي واينستين، اليهودي الأصل. المسألة هنا محض سينمائية. القضية الوحيدة في الفيلم هي السينما. صورة هتلر الكاريكاتورية تأتي من "الديكتاتور العظيم" (1940) لشابلن أكثر مما تستند الى أرشيف التلفزيون. وهذا ليس بجديد عند صاحب "جاكي براون". مَن يعتقد ان تارانتينو يأبه كثيراً لليهود ومصابهم، وللنازيين وشرّهم المطلق والبدائي، فليشاهد الفيلم مرة واثنتين وثلاثاً، الى أن يكتشف في الخاتمة ان الرجل ذو عقلية سينيفيلية ضيقة ومتعصبة، لكن خلاقة ومخربة، وان لا همّ عنده يعلو فوق همّ الفن السابع الذي انقذه من براثن الحياة الخانقة وشرورها، مثلما ابعده من الالتزامات الانسانية والاخلاقية التي لا دخل له فيها، طالما لا تراقَب من خلال بؤرة، بؤرة الكاميرا.
تارانتينو فقد الأمل بالانسانية الرعناء، لكنه لا يزال قادراً على جعل شرورها فعلاً كاريكاتورياً مبدعاً الى ابد الأبدين. هذه سينما "ماذا لو"، قائمة على الحوار الذي يعيد موضعة بعض المفاهيم، وقائمة أيضاً على الثرثرة الخلاقة واللقيات، اذ لا عجب أن نسمع في نهاية الفيلم وعلى لسان براد بيت عبارة "اعتقد ان هذه هي تحفتي الفنية"، بعد أن يكون قد حفر صليباً معكوفاً، من دم ولحم، على جبين الكولونيل النازي، قبل استرداده الى أميركا. هنا ثمة تماهٍ بين المخرج وبطله الدموي الضاحك. يختلفان في كل شي بدءاً من فاشية الاسلوب حتى الرعونة في تطبيقه، لكن يتفقان على تحويل الجريمة مادة، وليس أي مادة، بل مادة يُحتفى بها. معروف عن الدمّ انه يفسد معنى الأحلام. بينما في سينما تارانتينو (كما أيضاً لدى سكورسيزي) ما إن ينزف أحدهم حتى يتحرر الفيلم!



Inglorious Basterds ـــ يُعرض في "غراند سينما ـــ أ ب ث، كونكورد، لاس ساليناس".

هوفيك حبشيان
( hauvick.habechian@annahar.com.lb)

السبت، ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

من وقائع التاريخ غير الصحيح للحرب العالميّة الثانية

من وقائع التاريخ غير الصحيح للحرب العالميّة الثانية

المستقبل - الاحد 27 أيلول 2009 - العدد 3435 - نوافذ - صفحة 9


حسن داود

مُشاهد الفقرات الإعلانيّة عن فيلم inglorious bastards يُفاجأ حين يرى إسم كوينتن تارانتينو مبتعدا عن عالمه الراهن، الذي شاهدناه في «بالب فيكشن» و«أقتل بيل». في هذين الفيلمين بدا تارانتينو ملتصقا بعالمه ذاك إلى حدّ أنّنا رحنا نظنّ أنّ موهبته هي هناك، في تلك العلاقات المبالغة في عنفها وغرابتها. وهو كأنّه أراد لنا أن نقتنع أنّ هذا الميل الجارف إلى العنف، الذي منه مشهد قلع عين إحدى نساء فيلم أقتل بيل وانزلاقها على الأرض، ثمّ دوسها بقدم امرأة أخرى، لنراها تنفزر وتنبو عن غلافها الدهني، هو آخر ما توصّل إليه زمننا الراهن من اختراع العنف.
تارانتينو الراهن حمل مخيّلته الصاخبة والمتطرّفة إلى الحرب العالميّة الثانية، وهذا ما جعلنا نتساءل، قبل دخولنا إلى الصالة لمشاهدة الفيلم، إن كان سيفلح في تطبيق عنفه وغرابته على عالم الحرب الثانية، ذاك الذي هيكلتْه ونمّطته أفلام لا عدّ لها. وقد خفّف من وقع ذهاب تارانتينو إلى ذلك الزمن سبقُ مخرج آخر إلى تصوير نسخة أولى من الفيلم في عام 1978، الأمر الذي يجعل اندفاع تارانتينو أقلّ من اقتحام كامل لتلك التجربة.
ولم يصعب علينا التعرّف على مخرجنا في فيلمه الجديد هذا، وذلك منذ أن أرانا فرقة الجنود «الأوغاد» الذين سيحاربون النازيّة بقسوة تبزّ قسوتها. أوّل المشاهد كان سلخ جلدة الرأس لعدد من الجنود الألمان، وقد أتيحت لنا رؤية ذلك بالصور المقرّبة. في المشهد ذاته رأينا من لُقّب بالدبّ اليهودي، وهو أحد ثمانية من محترفي العنف يشكّلون فرقة الأوغاد، يحطّم رأس جندي ألماني بعصا كرة المضرب الغليظة ليهشّمه مثلما تهشّم جوزة. ذلك القرب في تمثيل العنف يضع صانعه في آخر فصول الجدّة والحداثة متخطّيا كلّ عاديّة وروتينيّة. دائما يسعى تارانتينو إلى اختبار مشاهديه ووضعهم أمام امتحان إبعاد النظر عن الشاشة هربا من قسوة يشاهدونها.
وغالبا ما تكون هذه القسوة فائضة عما يستدعيه الإنتقام أو العقاب. إنّه عنف فائض مقصود بذاته، لذلك نجد أنفسنا قاطعين إيّاه عن سياقه، وإذ يعاود حضوره في ذاكرتنا يكون متخلّصا من أسبابه ومّما سبقه أو أعقبه. ثم أنّه لا يخلو من الكاريكاتورّية التي يبدو فيها مخرجه مبتسماً أو ضاحكا، أو حتى منفجرا بالضحك، فيما هو يصوّر مشاهد القسوة الأثيرة لديه.
بل إنّ المزاح لا يتوقّف عن المخايلة حتّى في أكثر المشاهد خطرا وجدّية. أقصد المزاح الضمني، أو السخرية التي يبدو فيها الصانع المحترف يسخر ممّا يصنعه. مشهد حفلة العرض السينمائي النازي، وهو المشهد الذي تتشابك فيه عقد الفيلم جميعها، يقف عند حافّة الإضحاك. أولئك الذين جاؤوا إلى العرض ليفجّروا الصالة بمن فيها، بدوا كما لو أنّهم يؤدّون فصلاً كاريكاتورياً في فيلم لا يتوقّف لحظة عن دفع مشاهديه إلى أقصى لحظات التوتّر. هناك دائما جانب كاريكاتوري يتخلل الأحداث، على رغم فظاعتها، كما أنّه يدخل في رسم الشخصيّات على اختلافها. بطل الفيلم براد بيت، الذي يؤدّي دور زعيم عصابة الأوغاد، يظهر لنا في أحيان كأنّه يسخر من دور البطولة الذي يجسّده، على غرار ما يبدو المخرج تارانتينو ساخرا من صنائعه. في المشهد الطويل قبل عرض الفيلم النازي في تلك الصالة الفرنسيّة نرى براد بيت وقد ذهب إلى حدّ السخرية الأبعد وذلك في المناكفة بينه وبين رئيس الأمن النازي حول لفظ الكلمات باللغة الإيطاليّة (بما يذكّر بأستاذ اللغة المضحك في فيلم أماركورد لفيديريكو فيلليني). هذا وقد جرى هذا التناكف في وقت الخطر الأقصى حيث، في آخر المشهد نفسه، سيُعرف مصير الجميع، من سيموت منهم ومن لن يموت، من ينتصر منهم ومن سيهزم إلخ.. معظم شخصيّات الفيلم جمعت الكاريكاتورية، أو ظلّ الكاريكاتوريّة، إلى أدوارها. نسخة أدولف هتلر في هذا الفيلم هي أكثر نسخه، في الأفلام جميعها، كاريكاتورية. منذ ظهوره الأول، في بداية الفيلم، بدا أكثر توتّرا بكثير من كلّ ظهور سابق له، سواء في الأشرطة الوثائقيّة أو السينمائيّة. جمهور الصالة هنا ضحك من فوره، على رغم علمه، بل ومشاهدّته، لعصبيّة هتلر التي تبلغ حدّ المرض. غوبلز أيضا بدا مختلفا عن صورته في فيلم «الملجأ» الذي صوّر ما اعتقده الأيام الأخيرة من سقوط ألمانيا وانتحار هتلر وحاشيته. وبينما بدا غوبلز مواليا حتى الموت التراجيدي لقائده، ما دفع به إلى قتل زوجته وأولاده وليس فقط إلى قتل نفسه، نجده هنا، في فيلم تارانتينو، عصابيّا مضحكا وكوميديّ الإمتثال لقائده هتلر الجالس بقربه في صالة السينما. «أنا أحببت هذا الفيلم.. إنّه أفضل ما صنعت» قال له هتلر السكران من الضحك والإعجاب معا. وقد رأينا كيف تأثّر غوبلز بذلك المديح: جعل يبكي في مقعده بكاء طفل.
ولا أعرف كيف تأتّى لنقاد الفيلم أن يحكموا على وقائعه غافلين عن ميله إلى الدعابة. في مقال نشرته إحدى الصحف الأميركيّة إعترضت الكاتبة على ما اعتبرته إغفال المخرج تارانتينو مواجهة المشكلات الأخلاقية المعقدّة التي تثيرها القضايا المتناولة في الفيلم. في مقال آخر جرى اتّهام الفيلم ومخرجه بإيكال كلّ أمر للعنف، كأن مقابلة العنف بالعنف قادرة على تفسير نزاعات العالم.
كوينتين تارانتينو كان في مجال آخر لا يُناسب فيه هذا النوع من النقد. بل أنّه، في ما أحسب، لم يصنع فيلمه إلاّ ليراوغ هذا النوع من الأحكام ويحوّله، بدورها، إلى موضوع لسخريته. عند خروجنا من الصالة، مشدودين متوتّرين من تشابك الأحداث وتوتّرها إلى درجة حبس الأنفاس، راح الخارجون معنا يتساءلون إن كان هتلر وقيادته قد قضوا جميعهم هكذا، في حفلة السينما التي جمعهم بها تارانتينو، ليتخلّص منهم، وليوقف الحرب العالميّة الثانية، كما اقترح رئيس الأمن النازي الذي عرض أن يقايض إثنين من عصابة الأوغاد وهزيمة بلده ومقتل قادتها بقبول الولايات المتّحدة أن تعطيه جواز سفرها وتقبل بإقامته على أرضها.
لم يكن ما فعله تارانتينو إلا تحريضاً على العبث بالتاريخ وإتاحة اللعب به لمن يرغب. وهو، معتمدا على روايات متضاربة تألّفت عن موت هتلر، رأيناه يقول: أنظروا هذه رواية أخرى.. روايتي أنا، ولتكن لكلّ منكم روايته أيضا، إن رغب. وسيكون ذلك مشوّقا، ومسليّا أيضا، وأفضل تركيبا من الوقائع التي سبق أن رُويت لكم.

الأربعاء، ٢٣ أيلول ٢٠٠٩

حوار خاصّ وشامل مع د. عزمي بشارة

حوار خاصّ وشامل مع د. عزمي بشارة

أجرى المقابلة: سَماح إدريس ويُسري الأمير

حين التقينا والدكتور عزمي بشارة في ردهة الفندق، كان الرجل يغطّي الكثير من تعبه بلطفه وحسن استقباله. وهذا ما رافقه في حوار الساعتين في غرفته: فالتعب يكدّ الوجه الأسمر، وينافس أخضر العينين، لكنّ ذلك لم يمنعه من الخوض في النقاش، ولم يوقف حدّة الفكر ودقّة الملاحظة، لتكون النتيجة هذا الحوار الطويل ـ القصير: فقد كان طويلاً لأنّ بشارة استفاض في تقديم مفاهيمه حول القضايا القوميّة والعروبة ونضال فلسطينيي الداخل وتجاربه الذاتيّة وافق المستقبل؛ ولكنّه كان قصيرًا لأنّ الوقت لم يسعفْنا للحديث مع عزمي الأديب والروائيّ.
أُنهيَ الحوار ولم ينتهِ؛ فمن الصعب أن ينتهي نقاشٌ مع أمثال هذا الإنسان المجبول بالثقافة والنضال والناس والأمل.

1- عن المثقف والعمل التنظيميّ

يسري: د.عزمي، أرحّبُ بكَ في بيروت، وشعوري هو أنّك أنتَ مَن يرحّبُ بنا في وطنِه الكبير الذي يحمله معَه. وأعتمد على هذه الرحابة لأسألَكَ بدءًا من النهاية: متى ترى العودةَ إلى الوطن؟
- أتوق إلى العودة طبعًا، ولكني لا أرى أفقًا في الوقت الحاليّ لأنّ الظروف التي دعتْ إلى الخروج من الوطن ما زالت قائمةً، بل تفاقمتْ؛ وبات الأمرُ أكثرَ وضوحًا منذ خروجي، من حيث نوعُ التهم المَحُوكة الموجّهة إليّ. إذا تغيّرتْ هذه الظروف، تُمْكِن دراسةُ الموضوع؛ فالأمرُ ليس خيارًا، بل قرارٌ بأنْ أسلّم نفسي لمخططٍ واضح دونما فائدةٍ تُرجى من ذلك. على كلّ حال، سأَبدأُ، مثلَكَ، من النهاية، فأقول إنّ مفهومي للوطن أوسَع، وإنّ عناءَ المنفى ـ في حالتي كعربيّ وكفلسطينيّ وكمثقّف ـ وطنٌ هو أيضًا.

يسري: الأمر مرتبطٌ إذًا بوقف الملاحقة القضائيّة لا غير؟
- ... بوقفها وتغيير طابعها. فقد كنتُ في السابق مُلاحَقًا قضائيّاً، وتعرّضتُ للمَحاكمَ، لكنني بقيتُ. غير أنّ هذا النوع من التُهم ـ التي توجَّه من دون أيّ أساسٍ أو أدواتٍ للتعامل معها لكونها تُهمًا أمنيّةً خارجةً عن قواعد المعركة السياسيّة القضائيّة المُمكِنة في النضال السياسيّ ـ لا يَترك لي مجالاً للبقاء. والحقّ أنني لا أرى أيَّ فائدةٍ في تسليم نفسي كما ذكرتُ؛ بل على العكس: فكلُّ سجينٍٍ أمنيٍّ أعرفه (أكان "بريئًا" في لغتهم أمْ "مذْنبًا") لم يسلّمْ نفسَه أو لا يسلّم نفسَه. وفي اعتقادي أنّ ما يَنتج من تسليم نفسي في هذه الظروف ضررٌ يصيب الحركةَ الوطنيّة، وهو غباء. وأما ما نتج من خروجي من المؤسّسات التي أقمناها، فقد بدا بفضله وكأنّني تنحّيتُ جانبًا؛ وهذا ما يُفترض أن يفعلَه القادةُ في حياتهم وإنْ كانوا مُؤسِّسين! وبخروجي أُعطِيتِ الفرصةُ لٍـ "التجمّع" بأن يستمرَّ، وللمؤسّسات بأن تنمو. إنّ جدليّةَ الأمور وصيرورتَها أثبتتا أنّ الحركة الوطنيّة ليست حركةً مُشخصَنة. لقد كنتُ أتمنّى، وأنا داخل الوطن، أن يحصل ما حصل الآن؛ وسبق أن طلبتُ التنحّي عدّة مرّاتٍ عن الترشّح للبرلمان على الأقلّ، إذ قمتُ فيه بكلِّ ما يمْكن، وباتَ يستنزفني. لكنْ لم يوافقني أحدٌ من الحركة الوطنيّة خشيةَ "الإسقاطات." وها قد جاء "التنحّي،" ولم تحصل "الإسقاطاتُ" التي كنّا نخشاها، بل حدث عكسُ ذلك: استنفارٌ للحفاظ على الحركة. وهذا يدلّ على أنّ حركتنا نضجَتْ ووقفتْ على رجليها.
أنا مسرور لأنّ هذا الأمرَ تمّ في حياتي، وبنجاح، وهو في الواقع ما كنتُ أدعو إليه طوال الوقت: بناءُ المؤسّسات، على الضدّ من نزعة "النجوميّة الفرديّة" (التي يشجّعها الجمهورُ قبل أن يلومَ القادةَ عليها). ومن هنا أعتبر أنّي نجحتُ في امتحان الجيل المؤسِّس: أيَعْمل ليخلّفَ مِن بعدِه جيلاً يحْمل الرايةَ، ومؤسّساتٍ تحافظ على النهج والناس، أمْ لا؟ وفي هذا الوضع أتيحت لي أيضًا فرصةُ الاستمرار في العطاء الفكريّ والأدبيّ.

سماح: وكيف تجسَّدَ نجاحُ "التجمّع الوطني الديمقراطيّ" بعد غيابِك؟ هل زاد عددُ نوّابه مثلاً؟ هل تطوّر المردودُ الثقافيّ والمادّي لبعض مؤسّساته؟
- كان خصومُ "التجمّع،" بل بعضُ أصدقائه كذلك، يتوقّعون أن ينهار. لكنّه لم يحافظْ على وجوده وحسب بعد خروجي، بل زادَ أصواتَه أيضًا، على الرغم من تعرّضه لحملة تحريضٍ وتخويف لم يسبقْ أن تعرّضتْ لها أيّة حركة سياسيّة في الداخل. هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى، وبعد معارضة البعضِ لرأيي في تحصين وضع المرأة في "التجمّع" وتثبيت حضورها في قوائمه الانتخابية النيابيّة والبلديّة، تمّ تبنّي هذا الأمر في غيابي وبناءً على اقتراحي، إذ تمّ انتخابُ امرأةٍ من "التجمّع" للبرلمان؛ كما تمّ تحصينُ ثلث المواقع بالحدّ الأدنى للنساء. أضِفْ إلى ذلك أنّ "اتّحاد الشباب الديمقراطيّ" ضاعف قوّتَه، وتضاعفتْ أعدادُه، على الرغم من تعرّض ناشطيه للملاحقة في فترة غيابي. ثم إنّ المؤسّسات الحزبيّة ناشطة، وقد عُقد مؤتمرٌ حزبيّ واحدٌ على الأقلّ...

سماح: وهل تواصلتََ مع المؤتمر؟
ـ ... مع المؤتمر الأوّل بعد خروجي فقط، وقد كان تنظيميَّ الطابع. ولكنّنا توقّفنا عن التواصل بعد ذلك لأنّنا أردنا أن نتجنّبَ تهمًا من نوع أنّني "ما زلتُ أدير الحزبَ من الخارج" ـ وهذا غيرُ صحيح، وليس في نيَّتي أصلاً: أولاً لأنّه خطأ؛ وثانيًا لأنّني لا أستطيع ذلك من الخارج؛ وثالثًا كي لا يُمنع الحزبُ من العمل! بالطبع، التواصلُ بيننا مازال موجودًا فكريّاً وسياسيّاً وغير ذلك، لأنه مبنيٌّ على روابطَ مبدئيّةٍ لا تتزعزع.
في العمل السياسيّ التنظيميّ يَصْعب في فترة الـ"مؤسّسين" أن يَبرز "الآخرون." وفي المؤسّسات والشركات عادةً لا يتمكّن مديرٌ عامٌّ جديدٌ من إدارتها فعلاً، ما دام مديرُها العامُّ القديمُ موجودًا فيها. هذا الأمر لم يحصل في "التجمّع،" وأنا سعيدٌ بذلك، إذ أرى أنّه لم يكن مُتاحًا بروزُ الشباب بشكلٍ جدّيٍّ إبّان وجودي في الداخل، على الرغم من فسحي المجال أمامهم بشكلٍ واعٍ. لا أقول إنّ خروجي أمرٌ ممتاز، لكنّ علينا أن نرى أيضًا إيجابيّاتِ ما حصل وإيجابيّاتِ المنفى.

سماح: لو أردتَ التنحّي خلال وجودكَ هناك، ما كانوا سيقبلون ذلك أصلاً...
- صحيح، ما كان ذلك مُمكنًا.

يسري: ما السبب الذي جعل هذه التجربة الحزبيّة تنجح كمؤسّسة، في حين فشل العديدُ من التجارب المؤسّساتيّة في العالم العربيّ؟
ـ أتصوّر أنّ الناحيةَ الذاتيّة المتعلّقة بنوع الناس المنضوين في هذا النشاط كانت هي الأساس. إنّ منْ يتّخذ قرارً الانخراط في عملٍ حزبيّ، إبّان صعود انتماءاتٍ عضويّةٍ وشائجيّةٍ وطائفيّةٍ وعائليّة، هو شخصٌ مُنتقًى بالضرورة؛ ففي فترة "أفول الإيديولوجيّات،" وتراجُعِ فكرة التنظيم الحزبيّ الطوعيّ وكلِّ فكرة الأحزاب، وصعودِ فكرة "المنظّمات غير الحكوميّة" في أوساط اليسار، وابتعادِ المثقّفين عن السياسة وكأنّها صارت حكرًا على الحركات الإسلاميّة... في هذه الفترة بالذات لا بدّ أنْ تكونَ نوعيّةُ الناس التي تنخرط معك في هذا النوع من العمل نوعيّةً مميّزةً نسبيّاً.
وفي المقابل، فإنّ الظروف الموضوعيّة للأفراد عندنا لا تختلف عنها في أيّ بلد عربيّ. كما أنّ الثقافةَ السياسيّةَ القائمة، والمتمثّلة في الانصياع إلى القائد والزعيم، والمَيْلِ إلى تحويل الحزب إلى جماعةٍ أهليّةٍ تشْبه الطائفةَ أو العائلة، كلّ ذلك موجودٌ أيضًا عندنا. لكنّ هناك مجموعةً أخرى من التجارب التي نجحتْ نتيجةً لمقدار الجهد المبذول ووعيِ الفرد المسؤول بالاستمراريّة، على عكس قاعدة "ومن بعديَ الطوفان." والمدعوّون إلى القيام بهذه المهمّة يتعرّضون لإغراء إهمالها: فهي تكلِّف جهدًا ووقتًا وأعصابًا وانخراطًا في التفاصيل، وتُبعدُ المرءَ عن أشياءَ يحبّها، ولا تعطي مردودًا معنويّاً مباشرًا، بل هي ما نسمّيه "عملَ النملة" الذي لا يُنتج فكرًا ولا يَظهر للإعلام عادةً. إنّ الساعات التي تُمْضيها في بيتك وبيوتِ النشطاء تناقش وإيّاهم قضايا حزبيّةً تحضيرًا لمؤتمر، أو تصْرفها في اجتماع فرعٍ في قريةٍ أو بلدة، كلّ ذلك لا تراهُ في الإعلام. وإنّ الوقت الذي تستثمره في مثل هذا النشاط التنظيميّ هو خيارُكَ الذاتيّ كمثقف؛ والخيارُ الذاتيّ الحرّ هو الأساس لأنْ لا عملَ سياسيّاً أخلاقيّاً في هذه الظروف بلا تضحية. فكلُّ الناس، كما ذكرتُ، يمْلكون مَيلاُ إلى الزعامة، وإلى تحويل التنظيم إلى رابطةٍ عصبويّةٍ كالعائلة، وكذلك عندهم المَيلُ إلى القمع؛ بل إنّ هذا المَيل قد يوجد عندنا بدرجاتٍ أكبر لأنّ واقعَ عرب الداخل ـ في اعتقادي ـ أقلُّ مدينيّةً (لأسبابٍ موضوعيّة) من باقي المجتمعات العربيّة، إضافةً إلى أنه بقي معزولاً عن تفاعل التيّارات السياسيّة والفكريّة التي عصفتْ بالحداثة العربيّة.

يسري: تتحدّث عن "الميْل إلى الزعامة" وكأنّها نزوعٌ فرديٌّ فقط. ألا ترى أنّ "الشعب" لا يرضَى من مسؤوله إلاّ أن يكون "زعيمًا ونجمًا ومالكََ الحكمة..."؟ وكيف التحصّن من هذه النزعة؟
ـ سأجيب باختصارٍ لأنّ هذا السؤال فلسفيٌّ وفكريٌّ واجتماعيّ. صحيحٌ أنّ الشعبَ يكرِّس هذه النزعةَ بالميْل (الموروثِ عن الثقافة الدينيّة) إلى المخلِّص والخلاص، وبالميل إلى إعادة إنتاج علاقة الرَعِيّة بالراعي أو الحاكم (التي هي من مخلّفات الدولة السلطانيّة). لكنّ ما ضاعف هذا كلَّه هو عبادةُ المشهد الإعلاميّ وتسويقُه السياسيّين وكأنهم نجومٌ أشبهُ بلاعبِي كرة القدم والفنّانين. أمّا بالنسبةِ إلى التحصين الاجتماعيّ ضدّ هذه النزعة، فللنقد والنقد الذاتيّ وللنخبةِ الواعيةِ ضدّ ثقافة القطيعِ دورٌ أساسيٌّ في هذا التحصين. وقد يكون الأمرُ مثلاً بالمطالبة بمواقفَ وبرامجَ وشرحٍ وتحليلٍ، لا بابتساماتٍ وشعاراتٍ وديماغوجيا و"سياساتِ هويّة." طبعًا لا شيء سلبيّاً في الكاريزما القياديّة التي تُسْهم في تعبئةِ الناس إذا كان الموقِفُ الذي تخدُمه صحيحًا. ولكنْ يجب فضحُ الكذبِ والديماغوجيا حتّى عندما يكرِّس الإعلامُ الزعماءََ نجومًا، بل بالذاتِ عندما يفعل الإعلامُ ذلك لأنّ الكذبَ في هذه الحالة بنيويّ.
أمّا القائد فيحصِّنُ ذاتَه بأمرَين: الأوّل، بعدم تعويق بناء المؤسّسات، بل بالإسهام في بنائها واحترامها؛ وثانيًا بالمعرفةِ التي تضعُه في السياقِ التاريخيّ، وتنوِّرُه، فيدركُ حجمَه الحقيقيّ بدلاً من الاستماعِ إلى المُرائِين. وتُمكن هنا إضافةُ عاملٍ ثالثٍ، وهو وجوبُ تمتّعِ القائد بروحِ الدعابة والتهكّم الذاتيّ: فمَن يأخذْ نفسَه بجديّةٍ قاتلةٍ لا يتمتّعْ بروح النقد الذاتيّ؛ والأمور التي تبدو لبعضِ القادة جدّيّةً جدّاً ـ فيعبسون في حضرة المَقام والمناسبة، ويستعرِضون حرسَ الشرف، ويسيرون ويتكلّمون بشكلٍ غريب ـ تبدو لمَن يتمتّعُ بروح الدعابة والسخريةٍ أمرًا مثيرًا للضحك، بل مفزِعًا من شدّة سخفه!

سماح: يحيّرني يا عزمي سؤال: كيف تجد الوقتَ للخوض في كلّ ذلك الجهد الحزبيّ المتواصل؟
- كنتُ في الحزب الشيوعيّ في بدايات الشباب؛ والأحزابُ الشيوعيّة تزوِّدكَ بتجربةٍ كبيرةٍ بالمعنيين السلبيّ والإيجابيّ. فبالمعنى السلبيّ، يصْعب أن تتحرّر من أسلوب العمل اللينينيّ، ولا بدّ أن تتحرّر من تحويل الإيديولوجيا إلى تديّنٍ وحتميّاتٍ قد تُفقِدك الحُكمَ الأخلاقيّ الحرّ على الأشياء ـ وهذه كارثةٌ حقيقيّةٌ على عقليّة الناس وثقافتهم. أمّا بالمعنى الإيجابيّ، فإنّ هذه التجربة تزوّدكَ بالحدّ الأدنى من أصول قواعد الانضباط وعمل المؤسّسات. إذًا، هذا النشاط لم يكنْ غريبًا عنّي لأنّني انخرطتُ فيه منذ الشباب، وبالتالي لم أحتَجْ إلى تعلّمه من البداية؛ والخبرة توفّر وقتًا كما تعْلم.

سماح: ألاحظ أيضًا أنّ مواقفك لا تعبّر عن "ثقافةٍ" وحسب، كما قد نجد عند إدوارد سعيد مثلاً. نقرأ إدوارد فيتّضح لنا عمقُ ثقافته، وتراكمُ القراءات من خلفها؛ ونقرأك فنشعر ـ إضافةً إلى ذينك العمق والتراكم ـ بوجود مُحاوِرٍ أمامكَ: تجيبه وكأنه يسألكَ من دون أن نقرأ سؤاله، وتناقش أفكارَه المتغلغلة في ثنايا ما "تجيبه" به. الكتابة عندك تنطلق من حواراتٍ ونقاشاتٍ حزبيّةٍ وغير حزبيّة جَرَتْ بالتأكيد، لا من كتبٍ قرأتَها وحسب.
- حبّذا لو تجنّبْنا المقارنة! أقرأُ كثيرًا، وبلا توقّف، وبعدّة لغات. ولكنّ التجربة الحياتيّة، لا القراءات وحدَها، تشكّل مصدرًا لمواقفي هي الأخرى. ، عندما كنتُ أكتبُ مقالاً أسبوعيًّا كنت أُنتجُ كتبًا أيضًا، وأعمل في مؤسّساتٍ عديدة (حزبيّةٍ وغير حزبيّة)، وأنشطُ برلمانيّاً. مَنْ عرفني في قطاعٍ واحٍد من هذه القطاعات لم يخطرْ في باله أنّني أعمل في الأمور الأخرى. وهذا الأمرُ أفادني، لكنه أضرّ بي في الوقت ذاته: إذْ كان من الصعب في الأماكن المختلفة هذه أن تُقبَلَ كما أنت، كما أنّ علاقاتي المتعدّدة بعوالمَ متباينةٍ غيرِ متواصلةٍ بالضرورة عقّدتَْ حياتي فعلاً. إنّ إدراك أهميّة العمل السياسيّ ناتجٌ من تجربةٍ سياسيّةٍ طبعًا، كما أنّه ناتجٌ من إدراكٍ فكريّ وأخلاقيّ. ولكنّك لا تستطيع أنْ تقومَ بعملٍ سياسيّ من خلال المقال وحده؛ كما أنّه لا يسعكَ أن تقومَ بذلك من خلال جمعيّاتٍ مموَّلةٍ بموجب أجنداتٍ غربيّةٍ تعْمل على تخريب البديل الديمقراطيّ في مجتمعاتنا وتتركَ العملَ السياسيّ للحركات الدينيّة. أنت بحاجةٍ إلى تيّار سياسيّ منظّم؛ وهذا أمرٌ صعبٌ ومستهلِكٌ للوقت؛ كما أنّ التعامل مع كافّة الأمور الشخصيّة وطموحات البعض وتوقّعاتِهم الفرديّة أمرٌ منهك. ولا تستطيعَ أنْ "تمنّنَ" الناسَ يوميّاً بأنّك تقوم بعملٍ سياسيّ (علمًا أنه طوعيّ)، وأنّك لهذا لا تستطيع أن تذهبَ إلى مكتبة الجامعة يوميّاً مثلاً. عليك أنْ تقبلَ بوضعك، فتقتنعَ بأنّ هذه المهمّةَ (السياسيّة مثلاً) هي عملٌ بدوامٍ كامل، وأنّ المهمّة الأخرى (الثقافيّة) هي أيضًا عملٌ بدوامٍ كامل، فكأنّك عاملٌ يعْمل بوظيفتين أو ثلاثٍ ليُعيلَ أسرتَه.
في السنوات الأولى كان العمل التنظيميّ يستهلكُ الكثيرَ من الوقت. لكنّه صار أخفّ لاحقًا، وبشكلٍ تدريجيّ. وفي آخر سنتين من وجودي في "البلد" بات العملُ الحزبيّ والبرلمانيّ أقلّ، وكان واضحًا أنّني أسلّم الكثيرَ من المسؤوليّات إلى قياديين آخرين. والوقت والتجربة هما اللذان سيُثبتان مََن كان جديرًا بالثقة ومَن لم يكن.
وفي السنواتِ الأولى كان الوقتُ مكرّسًا للشأن العامّ، بما يتضمّنه من نومٍ خارجَ المنزل، وإهمالٍ للحياة العائليّة، والقيامِ بما لا تُحبّ. هذا هو النضالُ ببساطة، وإذا لم ينخرطْ فيه المثقّفون فمَنْ يقومُ به؟ أعتقد أنّ بإمكان المثقّف في باريس أو نيويورك أن يترفّعَ عن العمل السياسيّ التنظيميّ، بما فيه الحزبيّ؛ أما في بلادنا، فالترفّع خطأٌ لأنّ النخبَ قليلةٌ جدّاً، وإذا تعالَتْ عن العمل الحزبيّ فسيتحوّل إلى شؤونِ أُسرٍ وبيوتات سياسيّة. وفي هذا تجدُ عند المثقّفين العرب فكرةً مغلوطةً: ففي رأيي أنّ المثقّف العضويّ لا يكتمل إنْ لم يتورّطْ في العمل السياسيّ. وإذا كان المثقّفُ غيرَ متورّطٍ في العمل السياسيّ، فماذا يفعل؟ النخبُ العربيّة ليست واسعةً وكبيرةً حتّى يحْصرَ المثقّفُ اهتمامَه بأمورٍ أخرى غير العمل السياسيّ!
أما ما تذْكرُه يا سماح بالنسبة إلى الصديق الراحل إدوارد (وكنتُ أعرفُه مثقفًا كبيرًا)، فقد كنتُ ألاحظ فعلاً أنّ ما يقوله مبنيٌّ في الأساس على القراءة. أمّا حين نصل إلى السياسة، فقد كان ما يقوله لا يخلو من سذاجةٍ تتضمّن تكبّرًا وتعاليًا تنويريّاً يشْمل الاعتقادَ بأنّ قولَ الأشياء الصحيحة هو ما يجعلُها تحصل بشكلٍ آليّ. وذلك أشبهُ بالتبشير، بل هو أقلُّ منه: فالواعظُ أو المبشِّرُ أكثرُ تسييسًا لأنّه يخاطبُ جمهورًا ويتفاعلُ معه؛ أمّا في حالة السذاجة السياسيّة فيكادَ مَن يمارسها يعطي أوامرَ و"علاماتٍ" للواقع خطأً أو صوابًا. إنّ هذا الموقف لا يقلّلُ من أهميّة فكر إدوارد سعيد وثقافته، لكنّنا كنّا نشعر [بما ذكرتُه سابقًا] في حديثنا إليه أو عندما يكتب المقالات السياسيّة.
هنا أيضًا أُشير إلى مَيل البعض إلى التعامل مع إدوارد وكأنّه مثقّفٌ عربيّ يعيش في المهْجر (الولايات المتحدة). غير أنّ هذا لا ينطبق عليه في واقع الأمر، ولا ينطبق عليه تعبيرُ "السباحة بين الثقافات" لأنّ ثقافتَه غربيّةٌ في الأساس. فلو كان إدوارد في فلسطين ما كان سيكتفي بالمثقّف الذي عرفناه. ولكنه كان ذا دور عظيم كمثقّفٍ أميركيّ. ومن ناحيةٍ أخرى، فلو كان مثقّفًا عربيّاً في الأساس، لضمّن الاستشراق كمّاً أكبرَ من القراءات العربيّة والثقافة العربيّة، وزاويةَ نظرٍ أخرى، وربّما كان سيكون أكثر تقديرًا لجهد بعض المستشرقين وإنْ حافظَ على المنطلق القِيَميّ والمنهج النقديّ نفسه من الاستشراق. لكنْ، وكما أنّ أحدَ جوانب النقص فيه هو عدم الاطّلاع الكافي على الثقافة العربيّة الإسلاميّة، فإنّ إحدى إيجابيّاته ومصادر قوّته هي أنّه كتب ضمن الخطاب الجامعيّ الغربيّ وفي نقده في آنٍ معًا. أما أنا فمثقّفٌ عربيٌّ فلسطينيّ، ومع ذلك فإنّ الامتحان لكتاباتي الفكريّة يجب أنْ يخضعَ لمقاييسَ فكريّةٍ ونظريّة، لا لأمورٍ أخرى. وهذا ما آملُه. فكتابي، مساهمة في نقد المجتمع المدنيّ، صدرَ قبل دخولي ساحةَ العمل الحزبيّ البرلمانيّ، واستُقبِل بحفاوةٍ بالغةٍ من قِبل المختصّين بتاريخ الفلسفة والأفكار السياسيّة.

يسري: إذًا، عندما اضطررتَ إلى الانخراط في العمل الحزبيّ اضطررتَ إلى تأسيس حزب.
- صحيح. كان علينا أنْ نبدأ كلّ شيءٍ من جديد. وطبعًا شكّل هذا تحدّيًا هائلاً، ولكنّه ليس مخيفًا. وأنا أسرد أفكاري هنا ولديّ فكرةٌ عمّن يقرأ الآداب، وأُحسِنُ الظنَّ بكيفيّة تتقييم جمهورِها لما أقول. لقد اضطررْنا إلى تأسيسِ حزبٍ وأنْ نبدأ من جديد. وكنّا نحتاج الى تأسيس مركزِ أبحاث، فأسّسناه؛ وإلى إنشاء صحيفةٍ، فأنشأناها؛ وإلى بناء جمعيّاتٍ متخصّصة (معروفةٍ حاليّاً) وغيرِ خاضعة للشروط الغربيّة وتكاد لا تتلقّى تمويلاً، فبنيناها. وقد حدث ذلك منذ بداية الانتفاضة الأولى، ومنذ أنْ بدأتُ التدريسَ في جامعة بيرزيت. فكما ترى لم نولدْ أبناءً لقادةٍ حزبيين أو سياسيين، ولم نولدْ وعندنا صحيفةٌ أو مؤسّسات. لم تكن موجودةً، فكان علينا أن نُقِيمها.

سماح: استكمالاً لهذه النقطة فإني أجد ابتعادًا كبيرًا في وطننا العربيّ، بشكلٍ خاصّ، ما بين المثقّفين من جهة، والناشطين سياسيّاً من جهةٍ ثانية. وقد يَبلغ هذا الابتعادُ تخومَ كراهية السياسيين للمثقّفين، وتقديسِهم لـ "الشعب." أنت يا دكتور قد تشكّل نموذجًا للمثقّف العضويّ، أو للمثقف الناشطِ سياسيّاً، وبخاصّةٍ في سنوات وجودك في فلسطين. فكيف يمْكنُ أن نعيدَ إنتاجَ صورة المثقّف العضويّ ونرْدمَ ـ ما استطعنا ـ الهوّةََ القاتلةََ، التي لا يحتملها وضعُنا العربيُّ البائسُ أصلاًً، بين العمل السياسيّ والإنتاج الثقافيّ؟
ـ لا أستطيعُ أن أزايدَ على العالم العربيّ؛ فالعملُ السياسيّ فيه أصعبُ وأسهلُ [من العمل في فلسطين 48] في الوقتِ نفسه. هو أصعب لأنّ ظروفَ القمع أكبر، وإمكانيّاتِ العمل أقلّ، والحريّاتِ أشدُّ تقييدًا (ولاسيّما على صعيد حريّة الرأي والكلمة). وهو أسهلُ لأنّ أفق التطلّع والتطوّر عندنا في الداخل كان أضيقَ: فأنْ تنشِئ حزبًا عربيّاً ديمقراطيّاً في دولةٍ غير عربيّة ومن دون أفقِ الوصول إلى الحكم، وإنْ نظريّاً، ناهيك بالحفاظ على الهويّة العربيّة في ظروفٍ إسرائيليّة تؤسرِلُ الاقتصادَ والحاجات وسُبُلَ سدِّها... كلُّ ذلك شكّلَ صعوبةً غير موجودة في العالم العربيّ، هي صعوبةُ طرحِ مشروع شامل.
والأهمّ من ذلك هو أنه تمّ القضاءُ عندنا على الريف التقليديّ من دون نشوء مركزٍ مُدُنيّ، لأنّ المدنَ صهيونيّةٌ. والحزبُ الحديث يحتاج إلى مركز مدينة، إلى أفراد، ولا يستطيع أنْ يقوم على عشائرَ لأنّه اتّحادٌ طوعيٌّ بين أفراد. نحن انطلقنا من مجتمعٍ ريفيّ غير زراعيّ، يفتقر إلى الزراعة كنشاطٍ اقتصاديّ حقيقيّ، وتحوّل إلى مراكزَ ريفيّةٍ للعمل المأجور. وهذا أشبهُ بأحياء الفقر في المدن، لكنْ من دون مدن! وقد تعاملتُ مع هذا الموضوع بتوسّع في كتابي: الخطاب السياسيّ المبتور. وكما كان هذا التحليل ضروريّاً لفهم طبيعةِ التحرّك، فقد شكّل زاويةً جديدةً في التحليل الاجتماعيّ للمجتمع العربيّ في الداخل.
من المهمّ أنْ يعْلم الزملاءُ المثقّفون العربُ أنْ لا أُفق لتطوّرٍ ثقافيّ حقيقيّ من دون مشروعٍ سياسيّ، وأنّهم "لا يُسْدون معروفًا" للسياسة بعملهم على مثل هذا المشروع لأنّ وجودَه مسألةٌ مصيريّةٌ لتطوّر الثقافة العربيّة نفسها.

2 - عن "الشيوعيّة" و"القوميّة" وما يتجاوزهما

يسري: ما هو البرنامج الذي لم تلاقِه في الحزب الشيوعيّ وأوجدْتَه في "التجمّع"؟
- البرنامج في الحزب الشيوعيّ كان، في حدّ ذاته، مشكلة! فقد تضمّنَ دولةً يهوديّةً ودولةً فلسطينيّةً في الضفّة والقطاع (وهذا الطرح نفسُه جاء متأخرًا)، ولم يعرِّفْ مفهومَ المساواةِ في دولة المواطنين، ولم يعرِّف الحقوقَ القوميّةَ للعرب كسكّانٍ أصليين، واعتبرَ نفسَه في دستوره "حزبَ الوطنيّة الإسرائيليّة والأمميّة البروليتاريّة،" وغير ذلك من الأمور.
لكنّ المشكلة مع الحزب الشيوعيّ لم تكنْ في البرنامج فقط. ففي مرحلةٍ مبكّرة من شبابيٍ، قرّرتُ أنّني لم أعُدْ مستعدّاً للبقاء فيه، ولو لم تسمحِ الدولةُ الإسرائيليّةُ لحزبٍ آخرَ بأن ينظّمَ نفسَه. فلقد وصلتُ إلى قناعةٍ عميقة، وهي أنّ الفَرقَ بين النظام الشيوعيّ والأنظمة الشموليّة الأخرى ضئيل؛ إنّه فَرقٌ في القِيَم الأصليّة التي تآكلتْ، لا في الممارسة. كما أنّ الادّعاء بأنّ القيمَ يمْكن أن تخدمَها الأساليبُ نفسُها ـ وإنْ كانت قيمَ سعادةِ الإنسان ـ يُنشئُ نظامًا شموليّاً مُماثلاً. ومع الستالينيّة، عَمَّرَ هذا الادّعاءُ مدّةً أطولَ، ولعب دورًا أخطر، وأدّى إلى ضحايا يفوقون ضحايا النازيّة التي لم تستطعْ أنْ تنشئَ دينًا جديدًا واختفت كأنّها لم تكن. وكما ذكرتُ، فإنّ الجاذبَ لشابٍّ مثلي إلى الشيوعيّة قد كان القيمَ الأصليّةَ التي على أساسها قامتِ الإيديولوجيا الشيوعيّة، فماذا يتبقّى منها في ما سمّاه لينين "الشيوعيّةَ العلميّة" ثم في الدولة الشموليّة؟!

سماح: لكنّ هذا قد ينطبقُ على القوميّة، فأنتَ...
- لا، هذا ينطبق على التيّارات الفاشيّة! كما أنّ ما قلتُه آنفًا لا ينطبق على الماركسيّة، بل على الأحزاب الشيوعيّة. هناك نقاشٌ فكريّ مع بعضِ تيّارات الماركسيّة، لكنّ الماركسيّة لا تشكّل مشكلةً من هذا النوع، وتبقى بالنسبة إليّ أحدَ المصادر الفكريّة الرئيسة، ولا سيّما في النظريّة الاجتماعيّة وفي نظريّة التاريخ. غير أنّ الشيوعيّة كادت أنْ تكوِّن دينًا جديدًا؛ وهذا ما لم تنجحِ النازيّةُ فيه: فقد بقيتْ محاولاتُها لإقامةِ دينٍ جديدٍ موضوعًا للسخرية، وهنالك دراساتٌ تبيّن أنّ التوتاليتاريّة لم تدخلْ في عمق الحياة اليوميّة في ألمانيا، وقد هُزِمَتْ في النهاية ولمْ تتركْ أثرًا. وأما النظام الشيوعيّ، فلأنّ قِيمَه (كالمساواة والحريّة) أرقى وذاتُ صبغةٍ كونيّة، فقد دام فترةً أطول، وانضمّ إليه الكثيرون للأسباب الصحيحة، ومنهم مَن قضى في سيبيريا وغيرها، ومنهم مَن عاش في الغرب والعالم الثالث، لا في ظلّ الأنظمة الشموليّة ذاتها، فكان لديه هامشٌ لخداع الذات حول ما يجري لأنّه لم يعش في ظلّ هذه الأنظمة.
كان ذلك استنتاجي المبكّر كشابّ، إذًا. وقد اعتمدتُ في سبيله على قراءاتي لماركسيين مثل روزا لوكسمبورغ ولوناتشارسكي، وعلى محاكمات بوخارين، ثم كتابات آيزيك دويتشر عن الستالينيّة، وكتاباتِ آخرين في نقاشهم مع لينين، ثم قراءاتي لـ "مدرسة فرانكفورت" ولا سيّما هوركهايمر وماركوزه، وعلى نقاشاتِ روجيه غارودي مع المكتب السياسيّ للحزبَ الشيوعيّ الفرنسيّ قبل أن يتركه. ثمّ جاءت تجربتي في ألمانيا الشرقيّة، فوجدتُ النظامَ، بلا مبالغة، أسوأَ ممّا استنتجتُه من القراءة. وقد استغربتُ كيف لعاقلٍ أن يرى هذا، ثمّ يعودَ ليدافعَ عنه، وهو يعرف أنّه يكذب! لقد كانت الفلسفةُ التي اكتشفتُها بلا أخلاق (ethics)، ولا أعرف ما هي الفلسفة المجرّدة من الأخلاق! والقولَ "إنّ الأخلاق نسبيّةٌ طبقيّةٌ حسب المصلحة" يعني كارثةً حضاريّةً وتشويهًا فظيعًا. إلاّ أنّ الأهمّ من هذا الإشكال الفلسفيّ كان الاعتقادَ الشيوعيَّ السائد بأنّ الديمقراطيّة "تقليعة برجوازيّة،" بينما رأيي كان أنّ الاشتراكيّة غيرُ ممكنةٍ بلا ديمقراطيّة، وإلاّ تحوّلتْ إلى رأسماليّةِ دولةٍ فاسدةٍ وبيروقراطيّةٍ وغيرِ مُنتِجة. وكنتُ في تلك الفترة قد باشرتُ قراءةَ أمثال الفرد روزنبرغ (تاريخ الديمقراطية)، الذي نظر إلى ماركس من زاوية كونِه ديمقراطيّاً متأثّرًا بالحركة الديمقراطيّة الفرنسيّة.
من ناحيةٍ أخرى، كان مهمّاً لي، كَشابٍّ، الصدامُ السياسيّ مع المسألة القوميّة داخل الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ، وكان ذلك مبكّرًا، أيْ قبل البريسترويكا والانهيار بسنوات. فقد خلّفَ موقفُ الحزب من المسألة القوميّة جروحًا في فترة "طفولتي السياسيّة": فحقُّ العودة لم يذكرْه الحزبُ قطّ، بل كان أوّلَ من ذكّرَ مرارًا بحقّ العودة في الكنيست الإسرائيليّ (منذ العام 1948 وحتّى العام 1996) هو ممثّلُ "التجمّع الوطنيّ الديمقراطيّ،" وكان هو أيضًا أوّلَ مَن لفظَ كلمةَ "نكبة" في بروتوكولات البرلمان. ولا نقول ذلك لتسجيل إنجازٍ شخصيّ بل ليدرك القارئُ عمقَ الفارق السياسيّ بيننا في حينه.
ومن نقاط الخلاف مع الشيوعيين الإسرائيليين رهانُهم في البداية على المشروع الإسرائيليّ كمشروعٍ "اشتراكيّ" وكنظامٍ "تقدّميّ،" في مقابل الرجعيّات العربيّة. لم يكن نقاشنا معهم للتسلية، ولا كان يجري تكبّرًا أو ترفّعًا، بل كان عاطفيّاً وجدانيّاً إلى حدٍّ كبير، لأنّه وقع مع جيلٍ من الآباء، ومنهم والدي. فوالدي كان ناشطًا شيوعيّاً قديمًا، وكان مثقّفًا وقارئًا؛ وخلافًا لما نُشر، فإنه لم يكنْ قائدًا حزبيّاً، بل مناضلٌ نقابيّ. وبوصفه عضوًا في اللجنة القوميّة فقد دافعَ عن قريته بالسلاح حين احتلّتها عصاباتُ الهاجاناه؛ لكنْ ألقيَ القبضُ عليه وهو يوزِّعُ مناشيرَ "عصبة التحرّر الوطنيّ" التي ضمّتِ الشيوعيين العربَ وكانت تدعو إلى قبول قرار التقسيم وتنفيذه، وتدعو الجيوشَ العربيّة إلى الانسحاب. والمهمّ أنّ المنشور ذاته دعا الفلسطينيّين إلى البقاء في بيوتهم، خلافًا لموقف الأنظمة المتساهل مع خروجهم ريثما يتحقّق النصر ضدّ الصهاينة. كلّ هذا تمّ بعد خطاب غروميكو في الأمم المتحدة الذي أيّدَ التقسيمَ، وقد كان الشيوعيون ضدّ قرار التقسيم قبل الخطاب بليلةٍ واحدة! وطبعًا أطلق جيش الإنقاذ سراحه مع إخوانه في ما بعد. ولم يكن والدي في الحزب الشيوعيّ الفلسطينيّ بل في عصبة التحرّر الوطنيّ، وقد انتمى إلى جيل اعتبر موقفَه إلى جانب السوفييت أهمَّ نضالٍ ممكن، وكان ورفاقه مستعدّين للتضحية بحياتهم لأنّهم رأوْا أنفسَهم جزءًا من مشروعٍ كونيٍّ اشتراكيٍّ صاعد. وفي نهاية الأمر، كان عليه أنْ يناقشَ قناعاتِه هذه مع ابنه، لذلك كان نقاشًا عاطفيّاً. وتستطيع أنْ تتخيّلَ موقفي من ذلك، مع محبّتي لأعضاء ذلك الجيل، ومن دون تخوينهم طبعًا: فأخطاؤُهم نسبيّة، وهم لم يحْكموا بلدًا. طبعًا هم مازالوا يؤكّدون الآن "أنّ الأيّام أثبتتْ صحّة" موقفهم بقبول التقسيم في حينه، ولكنّ ذلك كان موقفًا خاطئًا في رأيي. وكان يجب أن يكونَ مطلبُهم هو أنْ يحاربَ العربُ الصهيونيّةَ، لا أن ينسحبوا من مواجهتها؛ وأنْ يرفضوا قرارَ التقسيم، لا أن يقبلوه (وليس صحيحًا أنهم لو قبلوه لنفّذتْه إسرائيلُ أصلاً). وكملاحظةٍ شخصيّةٍ، فإني أعتقد أنّ والدي توفّي وهو على رأيي.

سماح: بعد استطرادك البليغ عن الشيوعيين أعود إلى ملاحظتي، وهي أنك تحدّثتَ، في غير مناسبة، عن مشكلتك الجذريّة مع القوميّة...
ـ ليس مع القوميّة بل مع الإيديولوجيا القوميّة التي انتشرتْ عربيّاً أيضًا، وسأشرحُ لك ذلك بعد الانتهاء من الإجابة عن سؤال يسري السابق! اذًا، الصِّدامُ الأوّلُ [مع الشيوعيّة] كان مع فكرها الفلسفيّ، ولا سيّما الأخلاقيّ الفلسفيّ؛ فلم أتمكّنْ من تقبّل أنّ الأخلاقَ هي مصلحةُ "الطبقة،" التي تحوّلتْ إلى مصلحة الجماعة العصبويّة (وكأنّنا في حركةٍ باطنيّة!). ولم أر الأخلاقَ انصياعًا إلى حتميّات الطبيعة والتاريخ، كما ورد في "الشيوعيّة العلميّة،" بل هي عكسُ ذلك: إنّها ما يحرّر النفسَ الإنسانيّةَ بفصل الحريّة عن الضرورة. وهذا الأمرُ بالنسبة إليّ هو كالحدّ الفاصل بين الخير والشرّ، ولا نقاشَ فيه. فالحسمُ الأخلاقيّ حسمٌ حرٌّ، وإلاّ فلن تقوم مجتمعاتٌ بشريّةٌ تستحقّ الذكر، ونكونَ همَجًا. وهذا ما أَعدُّه الجانب التنويريّ في الفكر السياسيّ.
أمّا الصِدام الثاني مع الشيوعيّين فكان، كما ذكرتُ، يدور حول القضيّة القوميّة، وعدمِ فهمهم لأهميّةِ البُعد الحضاريّ الإسلاميّ أيضًا. وهذا الخلاف لم يكن نظريّاً؛ فقد صدرتْ تصريحاتٌ وأبحاثٌ لهم تحْمل هذا الموقف. والأهمُّ من ذلك كان قيامهم بممارساتٍ واضحة تنفي وجودَ أمّةٍ عربيّة.
وكان ثمة خلافٌ مع الشيوعيين حول القضيّة الوطنيّة أيضًا. فقد كانوا يروْن أنّ التقسيمَ هو الحلُّ الواقعيُّ الوحيدَ لانسحاب الاستعمار البريطانيّ، ثمّ حوّلوا "الحلَّ الواقعيَّ الوحيد" إلى أمرٍ فكريٍّ مبدئيّ هو: "حقُّ تقرير المصير للشعبين،" و"مبدأُ دولتين لشعبين" الذي يهتفون به حاليّاً في اجتماعاتهم. ولم يكن دافع الشيوعيّين العرب، على الأقلّ عند موافقتهم على قرار التقسيم، مبدأَ "دولتين لشعبين،" بل الواقعيّة السياسيّة وأولويّة خروج الإنجليز؛ لكنْ تمّ تبنّي العنصر الصهيونيّ في الفكر الشيوعيّ، الأمرُ الذي جعلهم يؤيّدون قانون العودة الصهيونيّ في البرلمان، ويعتبرون الاستيطانَ الكولونياليّ مسألةَ "حق تقرير المصير للشعب اليهوديّ"!
ثمّ كان موقفُهم من عبد الناصر حين لم يكنْ على وِفاق مع السوفييت؛ فموقفُهم في قرارات ومؤتمرات الحزب من المقاومة الفلسطينيّة التي اعتبروها ـ حين نشوئها ـ حركاتٍ برجوازيّةً صغيرةً وفاشيّةَ الطابع. وفي هذا السياق لا أُغفل بعضَ الأمور الرمزيّة أيضًا، كوقوفهم عند عزف "نشيد هاتيكفا" [النشيد الوطنيّ الإسرائيليّ] في افتتاح المؤتمرات، أو قول دستورهم إنّ الحزب الشيوعيّ الإسرائيليّ هو حزبُ الوطنيّة الإسرائيليّة والأمميّة البروليتاريّة!
هذه هواجسُ شابٍّ في السابعة عشرة من عمره، جاء إلى الحزب الشيوعيّ بشكلٍٍ يكاد يكون طبيعيّاً من البيت، ولأنّه لم يكن ثمة خيارٌ حزبيٌّ آخرُ أمام اندفاعه الوطنيّ، إذ مُنِعَتْ في حينه التنظيماتُ العربيّةُ، فاكتشفَ أنّه ملزمٌ برفع العلم الإسرائيليّ في الأوّل من أيّار! أنا الفلسطينيّ، المسلوبةُ أرضُه، ملزَمٌ برفع العلم الإسرائيليّ، أو السيرِ خلفه في مظاهرة؟! ثمّ يقولون إنّهم [الشيوعيين] حافظوا على اللغة العربيّة هناك، علمًا أنّ العربيّة لم تكن في خطر الانقراض يومًا: فتعليمُ الإنسان العربيّ كان، منذ اليوم الأوّل في إسرائيل، باللغة العربيّة، لأنّ إسرائيل لم ترغبْ أصلاً في دمجِ العرب! وإذا كان الحزبُ قد أعطى مِنبرًا لبعض الأدباء العرب (وهذا صحيح)، إلاّ أنّه اضطلعَ بمهمةٍ تاريخيّة خطيرة، هي تكييفُ العرب في إسرائيل مع وجودِ هذه الدولة ومع وضعهم الجديد. ومن هنا امتلأتُ بالرفض حتى الانفجار، وتبلوَرتْ مواقفي أكثرَ فأكثرَ في الحركة الطلابيّة في الجامعات والنقاشات والتجربة، ثمّ في نقاش الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة وأخطاء التيّار القوميّ العربيّ... إلى أنْ وصلتُ إلى طرحي هذا.
أما بالنسبة إلى سؤالك يا سماح حول القوميّة، وبالعودة إلى كتاباتي مثل: مساهمة في نقد المجتمع المدنيّ والمسألة العربيّة، ومؤخّرًا كتاب أن تكون عربيّاً في أيّامنا، فإنه يمْكن تلمّسُ فكرٍ جديد. ففي اعتقادي أنّه يتمّ التعاملُ مع القوميّة كانتماءٍ حديثٍ يسيّسُ الثقافةَ، وأساسُها اللغة. وإنني أودّ أن أرسمَ خطّاً أحمرَ عند تحويلِ القوميّة إلى إيديولوجيا اجتماعيّة، مثل أنْ يكونَ الموقفُ من المرأة موقفًاً قوميّاً، فماذا يعني هذا؟ إنّ هذه الممارسة تحوّلُ القوميّةَ إلى إيديولوجيا شموليّةٍ، أو إلى تقاليدَ أهليّةٍ فولكلوريّةٍ من النوع الذي يَستنتِج من "روح الشعب" موقفًا متعلّقًا بالعامل وبالمرأة وبالرجل وبالذكوريّة... إلخ. هنا أرسم الخطَّ الأحمرَ: المشكلةُ ليست في القوميّة، بل في تحويلها إلى منظومةٍ إيديولوجيّةٍ لديها أجوبةٌ عن كافة القضايا. إنّ تحويلَ الثقافة إلى قوميّة، ومنها إلى أمّة، هي خطوةٌ كبيرةٌ في التاريخ تكون اللغةُ فيها هي الأساس. هنا وَجَبَ التحديدُ: هل أنتَ قوميٌّ ديمقراطيٌّ، أمْ قوميٌّ فاشيٌّ، أمْ قوميٌّ اشتراكيٌّ، أمْ غير ذلك؟ أرى أنّه حالَ التحوّل من قوميّةٍ إلى أمّةٍ ذاتِ سيادة، وَجَبَ أنْ تصبح هذه الأمةُ أمّةَ المواطنين بغضِّ النظر عن قوميّاتهم. من هنا أبحث في الديمقراطيّة والعلمانيّة والاشتراكيّة وغيرها، لا بوصفي قوميّاً بل كباحثٍ بأدواتٍ علميّة، وكديمقراطيّ يؤمنُ بالعدالة الاجتماعيّة. إنّ رفضَ تحويل الفكر القوميّ إلى إيديولوجيا شموليّةٍ هو ما يميّزنا كقوميين ديمقراطيين ذوي نزعةٍ مساواتيّةٍ نأخذها من تراث اليسار وتقاليده وفكره ونطوّرها (كما طُوّرَتِ الليبراليّةُ من ليبراليّةٍ اقتصاديّةٍ إلى حقوقٍ سياسيّة وفُصِلتْ عن النيوليبراليّة). ولا أرى مانعًا (بل أرى واجبًا) في تبنّي فكرة العدالة الاجتماعيّة، أو الفكرةِ الديمقراطيّة الليبراليّة، وتطويرهما. ففي الفكرة القوميّة في حدّ ذاتها، لا جوابَ عن سؤال المساواةِ والعدالةِ الاجتماعيّة وغيرهما؛ وإذا حاولنا مثلاً إيجادَ جوابٍ "قوميّ خالص" لقضيّةِ المرأة، من دون فكرٍ ديمقراطيّ أو تقدّميّ، فلن يكونَ أكثرَ من فكرةٍ ذكوريّةٍ تتحدّث عن "دور المرأة القوميّ في الحمْل أو في دعم الرجل في الدفاع عن الوطن"! ولا تنسَ أنّ الفكرَ القوميّ لا يعتمد على نصٍّ يؤسِّس لأصوليّة، أو يُتيح ـ عبرَ إعادةِ قراءته ـ استنباطَ أحكامٍ ومعاييرَ جديدةٍ، كما قد يحصل مع الفكر الدينيّ.
إذًا، ما إنْ تحسم المسألةَ القوميّةَ كنهجٍ حديثٍ في تنظيم المجتمع، فيجب ألاّ يستحوِذَ عليكَ الموضوعُ في كلّ مسألة. عليكَ أنْ تفكّر بالديمقراطيّة كديمقراطيّ، وبالعدالة الاجتماعية كمَن يؤمِنُ بها، وعليكَ تطبيقُهما في هذا الإطار السياسيّ القوميّ وفي إطار الحضارة الإسلاميّة ـ هذا الإطار الذي ما لم تحقّقْه الشعوبُ العربيّةُ، في الوعي على الأقلّ، فسوف تبقى فريسةَ التخلّف من جهة، والتدخّل الاستعماريّ من جهة أخرى.

يسري: بتعريفك، القوميّة هي انتماءٌ ثقافيٌّ ينتمي إليه الناس طوعًا...
- لا، ليس طوعًا... ولكنّنا لا نولدُ فيه كهويّةٍ، بل كمعطًى لغويٍّ ثقافيٍّ بيئيٍّ... الخ. غير أننا نحوّله إلى قوميّةٍ تسعى إلى التحوّل إلى أمّة؛ فالأمّة تُبنى، والهويّاتُ تُبنى.

يسري: بتعريفك أيضًا تقول إنّ القوميّة العربيّة الحديثة تشمل تسييسًا للانتماء الثقافيّ وتشكّل جماعةً مُتخَيَّلةً مثلَ كلّ القوميّات. هل تشرح مفهومَ "الجماعة المتخيَّلة"؟
ـ ذكّرتني بأحدِهم، وكان ينتقدُني لأنّني أقولُ عن العرب إنّهم جماعة متخيَّلة (يضحك). هذا تعبيرٌ تمْكنُ تسميتُه "استعارةً علميّة." وقد وَرَدَ في كتابٍ صغيرٍ لبينيدكت أندرسون، غير أنّ فيه أكثرَ من "لمعة،" علمًا بأنّ الرجل مختصٌّ بقوميّات شرق آسيا، لكنّه يكنّ شعورًا طيّبًا للعرب. وقد سنحتْ لي فرصةُ كتابةِ مقدّمةِ الترجمة العبريّة، وقد ذَكَر (في مقدّمة الطبعة الثامنة على ما أعتقد) أنّه مسرورٌ بذلك لأّنّني فلسطينيّ، ومؤخّرًا كتبتُ مقدّمةَ الترجمة العربيّة. مفارقاتٌ غريبةٌ، أليسَ كذلك؟
وبالعودة إلى موضوعنا، فبينيدكت أندرسون لا يقول إنّ القوميّة متخيَّلة، بل يعتبرها حقيقةً واقعيّةً. ويذْكر أنّ فعلَ الانتماء هو فعلُ تخيُّلِ القوميّة كجماعة (community) لا كمجتمع (society). أندرسون يميّزُ بين جماعتين بشريّتين لغرض كتابه: بين الناس الذين تعْرفُهم مباشرةً (face to face community)، وهم الأهلُ والعائلةُ الممتدّةُ وسكّانُ المنطقة إلخ، أيْ كلّ مَن تعتبرُه مألوفًا وحميمًا؛ وبين المجتمعِ المركّبِ من أفرادٍ لا تعرفُهم، وليس ما يربطهم علاقةً شخصيّةً بل أمورٌ أخرى. ولكي تنتميَ إلى مجتمعٍ لا تعْرف أفرادَه، عليك أن تتخيّلَه جماعةً (community)؛ ومن هنا سمّاه أندرسون "جماعة متخيَّلة" (imagined community). إنها "لمعةٌ" عبقريّةٌ لتفسير الانتماء، ولكنْ أُسيءَ فهمُها، ولا سيّما عندما انتشرَ الكتابُ في أوساطٍ غير مختصّةٍ تَفْهمُ "التخيّلَ" على أنّه عكسُ الحقيقة، في حين أنه عمليّةُ تشكيلِ هويّةٍ لا من لاشيءٍ بل من مكوّناتٍ قائمةٍ بالفعل. ولا أعتبرُ أنّ هناك تصويرًا أو تعبيرًا لهذا الرابط بين الناس، الذي يجعلهم يدْمعون ويقفون للعَلَم ويُستشهدون، أفضلَ من صورة تخيّلِ المجتمع والوطن كأنّه جماعةٌ أهليّةٌ. وإذا كان العالمُ العربيّ يتألّف من أكثر من مئتيْ مليون إنسان، فهذه طبعًا ليست جماعةً أهليّةً، ولا أستطيع أنْ أعْرفَهم ولا أنْ أعرفَ جزءًا كبيرًا منهم لأنتميَ إليهم. ولكنْ في ما عدا التعريفات النظريّة للمشترَكِ بينهم، كاللغة والتاريخ والتطلّعات، فإنّ الانتماءَ إليهم يتضمّنُ استخدامَ هذه المركّباتِ المشتركةِ كي "أتخيّلهم" جماعةً ذاتَ رابطٍ حسّيّ اجتماعيّ. لقد فُهمَتْ لفظةُ "متخيَّل" (imagined) وكأنّها "موهوم" (illusionary)، وهذا أساسُ الالتباس؛ في حين أنّ العكسَ هو الصحيح، وهو أنّ المتخيَّلَ تأكيدٌ على واقعيّةِ الانتماءِ القوميّ.

سماح: كان الأجدى استعمال لفظة "متصوَّر"...
- صحيح. لكنّ هذا المفهومَ ليس جديدًا أصلاً. فنظريّاتُ "العقْد الاجتماعيّ" كلّها مثلاً ترتبط برابطٍ متخيَّلٍ بين أفراد المجتمع، فهل اجتمع الناسُ جميعًا وارتضوْا هذا العقد؟! الحقّ أنّك لكي تنظِّم مجتمعًا مكوّنًا من أفرادٍ أحرار، فأنتَ ملزمٌ بأن تتخيّل أنّهم ألَّفوا عقدًا في ما بينهم.

يسري: لكنّ العقد الاجتماعيّ، في حدّ ذاته، جاء نتيجةً أو لاحقًا للعلاقات التي كانت قائمةً قبلَ التنظيرِ له...
ـ كذلك فإنّ القوميّةَ سابقةٌ على التنظير حولها، والرأسماليّةَ سبقتْ كتابَ رأس المال. "العقدُ الاجتماعيّ" و"الجماعةُ المتخيّلة" ليسا حدثين تاريخيّين، بل نموذجان نظريّان (theoretical models) في فهم واقعٍ تاريخيٍّ متحوّل. فالعقد الاجتماعيّ ليس سردًا لتاريخٍ، كما ذكرتُ، لمجرّد أنّه نظريّةٌ لاحقةٌ زمنيّاً لعلاقاتٍ قَبَليّةٍ ولسيادةِ رابطة الدم والتبعيّةِ الشخصيّةِ للأرض ومالِكِ الأرض وما يشْبه ذلك. هنالك، إذن، أحداثٌ تاريخيّةٌ، وتاريخٌ من تفكّك هذه العلاقات، أدّت إلى نشوء المجتمعات الحديثة.
فعلى سبيل المثال، نشأتِ الرأسماليّةُ من وقائعَ تاريخيّةٍ مثل الاكتشافات الجغرافيّة وتطوّر الآلة البخاريّة والنقل البحريّ. وتقاطَعَ تطوّرُ قوى الإنتاج مع أحداثٍ تاريخيّةِ (كوارث بيئيّة، مجاعات في الريف، انتشار الطاعون، تشريعات في إنجلترا بشكلٍ خاصّ أدّتْ إلى خراب العلاقات الزراعيّة،...) وقذفَتْ إلى المدينة ببروليتاريا حرّةٍ، وصفَها ماركس بـ "صاحبة الحريّة المزدوجة": الحرّيّةِ من الأرض، والحريّةِ في بيع عملها. فأنشأتْ مجتمعًا جديدًا يتميّز بتعاقد السوق. من هنا فإنّ نظريّةَ "العقد" هي تفسيرٌ لنوع المجتمع الناشئ من العلاقة المدنيّة بين مواطنين، بين أفراد، وليست حدثًا تاريخيّاً في حدّ ذاتها. وحتّى نفهم ماهيّةَ هذا المجتمع، فإننا نتخيّلُ نماذجََ تُظهر المجتمعاتِ وقد قامت نتيجةً لتعاقدِ أفرادٍ أحرارٍ على ما يلي: بعد هذا التعاقد تنشأ، من الجسم الذي يتّحدُ، أمّةٌ نسمّيها "صاحبَ السيادة." وهذا نراه عند هوبس ولوك وروسّو وآخرين. هذه الفكرةُ هي نموذجٌ نظريٌّ يشرح أنّ المجتمعَ لم يعد مؤلّفًا من جماعة أو جماعات، بل من أفراد مواطنين. وهذا شرطُ الحداثة.
ولا يختلفُ الأمرُ بالنسبة إلى القوميّة. فكيف نفسّرُ الانتماءَ إلى جماعةٍ غير عضويّة، ليست عائلةً ولا عشيرةً ولا أهلاً، وهو مع ذلك انتماءٌ بما يتضمّنه من حبّ؟ إنه لينْدرُ أن نجد أدبًا أو شعرًا تختلط فيه مشاعرُ الحبّ والحميميّة مثلما نجدُ في حالة الانتماء إلى هذه المجموعةِ الغريبةِ التي لا يَعْرف الناسُ فيها بعضُهم بعضًا، والمسمّاةِ "الجماعة القوميّة." وقد انعكستْ هذه المشاعر على اللغة مثلاً، فصارت هناك "لغةٌ قوميّةٌ" توحِّد اللهجات. والأمر ذاتُه بالنسبة إلى الرواية، التي هي سردُ جماعاتٍ لا قبائلَ، وسردُ أممٍ متخَيَّّلةٍ كجماعات. وهنالك تحليلاتٌ طويلةٌ عن عمليّة الزمن السرديّ، وكيف تتخيّل التزامنَ بينك وبين أُناسٍ لا تعرفهم في حوادثَ مختلفةٍ تقع في الزمن نفسه؛ فالرواية وَحّدَتِ الزمنَ القوميَّ لدى قرّاء اللغة نفسها. وقد حدث ذلك قبل حصول الثورة الروائيّة التالية التي جعلتْ موضوعَها الإنسانَ الفردَ وعالمَه الداخليّ، ولكنّ موضوعَها الأصليَّ بقي كونَها أدبَ المجتمعات الحديثةِ المتخيَّلةِ كجماعات. والمركَّبُ الآخرُ للأمّة هو المواطن، وهو الفردُ في الرواية، خلافًا لشِعرِ الجماعات الأهليّة والشعوب القديمة الملحميّ وغير الملحميّ.
هذا الناتجُ الذي سمّيناه "جماعةً متخيّلةً" لا يمْكن أنْ يكونَ بالولادة. فمع الولادة تمتلك أدواتِ تخيّل؛ ولكنّ هنالك أدواتِ تخيّلٍ ناجمةً عن التطوّر التاريخيّ، مثل تطوّر وسائل الاتّصال والصحيفة ودار النشر وغيرها، ولا يولد الإنسانُ منتميًا مباشرةً إليها. أيكون هذا أساسًا أعمقَ وأكثرَ حداثةً لتشكيل الدول؟ لا شكّ في أنّه أساسٌ أكثرُ حداثةً من الطائفة والعشيرة وغيرها.

يسري: هل تجدُ أنّ التقسيماتِ الطائفيّةَ والقبليّةَ تنتمي إلى التاريخ؟ أنت لم تذكر التاريخ، بل تعرّضتََ للّغة والجغرافيّة.
ـ التاريخ هو الأساس. فأدواتُ التخيّل نفسُها ناشئةٌ ومتطوّرةٌ ومصنوعةٌ تاريخيّاً، كما قلتُ في نهاية الإجابة السابقة. أما بالنسبة إلى التاريخ المشترَك، فعليكَ أيضًا أن تتخيّلَه، وهو تواريخُ قائمةٌ، ويعمل الأدبُ والفنُّ (وعلاقاتُهما بالأسطورة أولاً وبالسياسة والنظريّة ثانيًا) على توحيدها وتأميمِها. فالتاريخ السابق على القوميّة لم يكنْ تاريخًا قوميّاً، وزمنُ شعوبِه لم يكنْ موحّدًا، أخذًا في الاعتبار ضعْف وسائل الاتّصال في الماضي. التاريخ ليس قوميّاً، لأنّ القوميّةَ مفهومٌ حديثٌ. وعندما يؤْمن مثقفون وحركاتٌ بوجود أمّةٍ عربيّة، مثلاً، تستحقّ الحياة وتمتلك نهضتَها، تبدأ كتابةُ التاريخ تاريخًا عربيّاً.
لكنْ، هل هناك تاريخٌ عربيٌّ؟ هل هناك ما يجمع، تاريخيّاً، العراقَ بالمغرب مثلاً؟ نعم، كان هنالك ما يَجْمع من دون تزامن، إلاّ أنه ليس قوميّةً، ولن أدخل في هذا المبحث الآن. لكنْ يُكتب التاريخُ القوميُّ وكأنّه يقود إلى الواقع القائم أو المرغوب. أمّا المحاولاتُ العبثيّةُ الأخرى الجاريةُ حاليّاً والتي تصنع شيئًا من عدم، فهي المصيبة: فكيف تكتبُ تاريخَ مناطقَ لم تكن قائمةً كوحداتٍ بهذه الصورة؟ كيف تكتبُ تاريخَها وكأنّ لها تاريخًا منفصلاً عمّا حولها، أيْ كأنّها كانت دائمًا قائمةً كدولٍ؟ خذْ مثلاً اختراعَ تواريخَ منفصلةٍ للدول العربيّة: إنّ هذا ليس متخيَّلاً، بل ضربٌ من ضروب الخيال! إذ كيف تكتبُ، حقيقةً، تاريخَ تونس مثلاً، منفصلاً عمّا حولها؟ أو تاريخَ فلسطين أو الأردن؟ أو تاريخَ للبنانَ بمحافظاته الحاليّة التي لا تملكُ تاريخًا مشترَكًا ولا منفصِلاً عن سورية؟ أو تاريخَ سورية الحاليّة كأنّها منطقةٌ قائمةٌ وحدَها دون الباقي؟ وماذا عن محاولات الدول الخليجيّةِ الصغيرةِ في كتابة تاريخٍ خاصٍّ بها منفَصلٍ عن الجزيرة؟ إنّه أمرٌ لا يُصدَّق! فإمّا أنْ يُكتبَ تاريخٌ للوحدات الصغيرة التي كانت قائمة فعلاً، مثل دمشق أو حلب أو الإسكندريّة، أو يُكتَبَ تاريخُ الكيانات كما كانت قائمةً. مصرَ، الثابتة تاريخيّاً نسبيّاً، لم تكنْ هي نفسُها قائمةً كما هي اليوم؛ لذا تجب كتابةُ تاريخِ مناطقها، أو تاريخ وادي النيل بشكلٍ عامّ، أو تاريخها كجزءٍ من تاريخ الدولة الإسلاميّة والمحيط العربيّ الإسلاميّ، وهكذا. أما اختراعَُ تاريخٍ قديمٍ للكيانات السياسيّة القائمة فهو قرارٌ سياسيّ، لا أكثر!
في كتابة التاريخ قد يختلفُ المؤرّخون. لكنّ الأخطرَ هو تحويلُ التاريخ إلى منهجِ تدريسِ أحاديٍّ يهدف إلى حظْرِ الاختلافات فيه، فيتحوّل القادةُ إلى أبطال، وتصبح الأحداثُ مسلَّماتٍ، ، ويجري الحديثُ عن "الآباء المؤسّسين" للدولة. لكنّ محاولاتِ أسطَرةِ التاريخ عند العرب تبقى أقلَّ بكثيرٍ من الأسطرةِ التاريخيّةِ في إنجلترا مثلاً؛ فتلك قائمةٌ بشكلٍ أساسٍ على الخرافات والأكاذيب التي تشكّل مادّةً للمسلسلات والأفلام؛ كما ترفدها في الولايات المتحدة وسائلُ فنيّةٌ مثل هوليوُد التي تبني تاريخًا كاذبًا عن "آباء" الأمّة الأميركيّة. كلُّ هذا يؤسّس لأسطرةٍ تاريخيّةٍ لم نحظَ إلاّ بجزءٍ قليلٍ منها، على الرغم من نشاط قوًى كثيرةٍ عربيّاً ضدّ التاريخ القوميّ، أهمُّها المثقّفون المرتبطون بالتنظير للدولة القُطْريّة القائمة. إنّ تدريسَ مناهج التاريخ القُطْريّة ليس إلاّ جزءًا صغيرًا من عمليّة نقل الانتماء القوميّ عند الجيل الشابّ إلى اللاانتماء، إذ ثبُتَت سهولةُ انحلال الهويّة المحليّة القطْريّة إلى هويّاتٍ طائفيّةٍ وعشائريّةٍ وغيرها.

3 - أن تكون قوميّا عربيّاً تحت الاحتلال

يسري: الفلسطينيّ يسمّي وطنَه: "الْبْلادْ." ما الوطنُ عندَك؟
ـ مثلَ أيِّ مجتمعٍ ريفيٍّ غير مكتملِ التكوين قوميّاً قبلَ نشوءِ وسائل الاتّصال الحديثة، كان "البلدُ" في نظر الفلسطينيّ هو القريةَ أو الضيعة. ولكيْ يتكلّمَ عن الوطن بأكمله فقد استخدَمَ صيغة الجمع، "البلاد." أمّا المستوطِنُ الصهيونيّ فلَمْ يعرفْ هذا التنوّعَ المحليّ، واستوطَنَ منذ البداية بهدف بناء أمّةٍ موحَّدةٍ، يُوحِّد من خلالها الأرضَ والتاريخَ واللغة. وبهذا، حوَّل تنوُّعَه القائمَ في الخارج (فقد جاء من "بلادٍ" مختلفة) إلى "البلد" في صيغة المفرد.
في محاولتي بناءَ ثقافةٍ وفكرٍ نقيضيْن، رددتُ على الصهيونيّ في سيرتي الفرديّة نفسها. ومن هنا سكنْتُ في القدس الشرقيّة، وعملتُ في بيرزيت ورام الله؛ وسكنتُ أيضًا في حيفا، متجاوِزًا ما سُمّيَ "الخطَّ الأخضر." كما أنني تواصلتُ مع الوطن العربيّ. وأنا، شخصيّاً، أستخدمُ تعبير "البلد" لفلسطين كلِّها، وأستخدمُ الجمعَ "البلاد" للوطن العربيّ؛ فالوطنُ العربيُّ هو مفهومٌ يوحِّد بلداننا العربيّة أجمع.

يسري: وماذا يعني أن تكون عربيّاً قوميّاً يعيش تحت الاحتلال الإسرائيليّ؟
ـ هذا السؤال شاملٌ، والإجابة عنه تشير إلى كلّ ما قمتُ به حتّى الآن. فجزءٌ أساسٌ من نشاطي ونتاجي كان ردَّ فعلٍ على هذا الواقع. وقد ذكرتُ تعريفي لمعنى "قوميّ"؛ ولو كان ثمة تمييزٌ عربيٌّ بين national وnationalist لاستخدمتُه. وهناك أبعادٌ أُخرى في تشكيل ردِّ الفعل الفكريِّ والسياسيّ على الواقع، مثل الموقف الديمقراطيّ واليساريّ (بالمعنى الذي حدّدتُه لنفسي أيضًا، وهو الموقفُ المؤيّدُ للعدالة الاجتماعيّة). ولكنْ، في حالة العيش في الداخل، نعم هنالك تناقضٌ بين الهويّة العربيّة الفلسطينيّة في حدّ ذاتِها وبين الواقع المَعيش.

يسري: لكنْ، ما هي المهمّاتُ التي حدّدتَها لنفسك انطلاقًا من هذا الواقع الفريد؟
- في الهامش المُتاح أمامَ صياغة مشروعٍ وطنيٍّ في ظروف الداخل، تمَّتْ صياغةُ العناصر التالية:
أوّلاً، الموقفُ الذي يعتبر عربَ الداخل امتدادًا تاريخيّاً للشعب الفلسطينيّ على الأرض نفسها. وهذا هو المنطقُ الذي قادَ أنْ نحْيي ذكرى النكبة بعد قيام "التجمّع،" وقاد إلى التعامل مع قضيّة فلسطين كقضيّتِنا لا كقضيّةٍ لها "أصحابُها" [الآخرون] فنقْبلُ بما يقْبلون. وهذا يعني ولوجَنا النقاشَ في صلب الحركة الوطنيّة، لا كمتفرّجين.
ثانيًا، إنّ الهويّة العربيّة ضروريّةٌ لتماسُكِ المجتمع أمام الأَسْرَلة، وضروريّةٌ على المستوى الداخليّ لأنّ البديلَ منها ليس هويّةً قوميّةً أخرى، بل هويّاتٌ طائفيّةٌ أو عشائريّة. وأعتقد أنّ هذا ينطبقُ على كلّ بلاد الشام، كما رأينا في تجاربَ عديدة، ومنها العراقُ الآن. وقد برز عندنا تركيزٌ واضحٌ وواعٍ على الهويّة العربيّة الفلسطينيّة الجامعة، فأكدّنا أهميّةَ التواصل مع شعبنا الفلسطينيّ ومع العالم العربيّ، وقمنا به عمليّاً. وهذا ما أثارَ حفيظةَ إسرائيل وغضبَها في المرحلة الأولى. فقد كان مقدَّرًا للأحزاب العربيّة ـ بالمنظور الإسرائيليّ ـ أنْ تكون جسرَ "سلامٍ وتواصلٍ" بين الإسرائيليين والعرب، أيْ أنْ يتوجّه عربُ فلسطين إلى العرب الآخرين كإسرائيليين لا كعرب؛ وهو ما جسّدَهُ فعلاً عددٌ من النوّاب العرب في مواقفهم ونشاطهم. وخلافًا لِما يُعتقد، فإني لم أكن في الوفود الأولى التي زارت سورية من الداخل؛ فتلك الوفود زارتها بإذنٍ ورضًى إسرائيليَّيْن، وقرأتْ علَنًا رسائلَ السلام أمامَ القيادة السوريّة ووسائلِ الإعلامِ السوريّة. ما ميّز أسلوبَنا كان قرارَنا التواصلَ مع العالم العربيّ كعربٍ لا كإسرائيليين، ومن دون إذن إسرائيل، وهذا يكسرُ كلّ ما بنَوْه في خمسين عامًا، وكانَ أحدَ أسباب شدّة الغضب الإسرائيليّ علينا. أما لماذا رفضنا الإذنَ الإسرائيليّ، فلأنّه حين يتعلّق بما يُسمَّى "دولَ العدوّ" فإنّه يحوِّل التواصلَ تطبيعًا. وقد احترم السوريون ذلك، مع أنّهم سبق أن استقبلوا وفودًا عربيّة ضمّت مثلاً أعضاءَ عربًا من حزب العمل. وبعد شرحِنا لموقفِنا الرافضِ الاستئذانَ مِن إسرائيل في التواصل، أعتقدُ أنّ السوريين اكتشفوا وجوَد خللٍ في التواصل السابق: فالانفتاحُ على العرب في الداخل تضمّنَ إمكانيّةَ أن يفسَّر كنوعٍ من الوساطَة، لا كتواصلٍ عربيٍّ ـ عربيٍّ. وفي التواصل مع العالم العربيّ كان جهدُنا ملحوظًا في التواصل الثقافيّ، عبر إعادةِ نشرِ كتب، والمشاركةِ في لقاءاتٍ ومؤتمراتٍ، والإسهامِ الحقيقيّ في الناتج الفكريّ العربيّ،
ثالثًا، صياغةُ هموم الناس، المرتبطةِ بالواقع الإسرائيليّ مباشرةً، صياغةً تتوافق مع الانتماء العروبيّ والفلسطينيّ. فالحال أنّ هموم الإنسان الفلسطينيّ في "الداخل" لا ترتبطُ بالعروبة: لا شيءَ عربيّاً في رُخَص البناء، أو في إيجاد وظيفةٍ، أو غيرِ ذلك، وهي كلّها أمورٌ مرتبطةٌ بالمواطَنةِ الإسرائيليّة. فكيف تستطيعُ التعاملَ معها والمطالبةَ بالتساوي مع المواطن اليهوديّ، والحفاظَ على موقفِكَ وهويّتكَ العربيّةِ الفلسطينيّة في الوقت نفسه؟ ففي التعامل مع الإدارات الرسميّة عليكَ أن تشدِّدَ على كونِك مواطِنًا إسرائيليّاً لتنالَ ما هو حقٌّ لك. وهذه معضلةٌ كبيرةٌ شغلَتْنا وقتًا طويلاً، وقد طرَحْنا فيها ـ إلى جانبِ الانتماء العربيّ ـ أمرين: 1) التشديد على أنّنا أفرادٌ مواطنون، لنا حقوقٌ فرديّة، ولكننا جماعةٌ قوميّة في الوقت نفسه لها حقوقٌ جماعيّة، وطالبْنا بالاعتراف بِنا كجماعةٍ أوّلاً. فالابتعاد عن حقوق الناس اليوميّة كان سيعني ابتعادًا عن الجماهير، والتأكيدُ عليها وحدَها يعني الأَسْرلة. 2) أمّا الأمرُ الثاني فهو أنّ المساواةَ التي طالبْنا بها لا تعني فُتاتَ المائدة، أي أنْ يتفضّلَ الإسرائيليُّ علينا بمساواةٍ نقابلُها بولاء، كما كان الطرحُ السائدُ لفكرةِ "المساواة." المساواةُ تعني أنّ الدولةَ للمواطنين، وأيُّ دولةٍ لا يمكنُها أنْ تكونَ دولةَ المواطنين لا يمكنُها منْحَ المساواة. هذا المفهوم الذي طرحْناه أحدثَ دويّاً هائلاً في الحياة السياسيّة والثقافيّة الإسرائيليّة. كما أدّى إلى تغيُّرٍ في سلوك عرب الداخل، بحيثُ صارَ أقلَّ توسُّلاً وأكثرَ تأكيدًا على الذات عندَ المطالبةِ بالحقوق، وأَوصَلَ رسالةً مستمرّةً بأنّ بقاءَ الدولة يهوديّةً وصهيونيّةً سيُبقي المساواةَ غيرَ ممكنة؛ فقد "نتقدّمُ" في النضال الحقوقيّ، لكننا لن نصلَ إلى المساواة. أمّا عالميّاً، فقد فتحَ هذا التحليلُ أُفقًا جديدًا لنقدِ إسرائيل بين القوى الديمقراطيّة.

4 - عن الحلول المطروحة للمسألة الفلسطينيّة

سماح: كيف تفهمون الحكمَ الذاتيّ؟
ـ إنه في رأيِنا للمواطنين في دولة، لا بديلٌ من الدولة. البلديّة نفسُها نوعٌ من الحكم الذاتيّ في قضايا معيّنةٍ تحدِّدُها الدولة، لكنّ الدولةَ لا تُعطي حُكمًا ذاتيّاً للناس في كلّ قضاياهم. لقد نشأ مفهومُ "الحكم الذاتيّ" في البلقان، وفي بقايا الإمبراطوريّة النمساويّة - الهنغاريّة، وكان مطلبًا للأقليّات القوميّة هناك كي لا تتحوّلَ إلى حركاتٍ انفصاليّة. لكنّه لم يكنْ بديلاً من المواطَنة أو الدولة، بل كان تفضيلاً إضافيّاً للمواطنين لأنّهم يشكِّلون جماعةً قوميّةً. هذا الموضوعُ يحتاجُ إلى وقت إضافيّ لشرحه لأنّني أعتقدُ أنّ تشويهًا للمفاهيم قد حصلَ منذ أن دخلَ العربُ في مفاوضاتٍ مع إسرائيل؛ فقد طُرحَ في كامب ديفيد المصريّةِ الحكمُ الذاتيُّ للشعب تحت الاحتلال كبديلٍ من المواطَنة ومن حقِّ تقرير المصير في آن. كما تشوّهتِ المفاهيمُ حولنا، نحن في الداخل: فما دُمنا سنعترف بإسرائيل كدولةٍ، فذلك يعني أنّ العربَ فيها صاروا "عربَ إسرائيل،" وعليهم من ثم "تدبيرُ أمورِهم" وحدهم مع دولتهم؛ ومن هنا لا مانع لدى بعض القيادات العربيّة والفلسطينيّة في أنْ يكونَ العربيُّ الإسرائيليُّ مع حزب العمل أو الليكود، المهمّ أنْ يكونَ مع السلام! وطبعًا بهذا المعنى هنالك فعلاً "عربُ إسرائيل" موقِفًا، لا بحُكمِ موقِعهم الجغرافيّ.

سماح: ما موقفك اليوم إزاء الحلول المطروحة: دولة فلسطينيّة على الضفّة والقطاع، دولة ثنائيّة القوميّة، دولة واحدة ديمقراطيّة علمانيّة،...؟
لقد تطوّرَ توجُّهُ الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى قيام دولة فلسطينيّة في الضفّة. ولكن لو افترضْنا قيامَ مثل هذه الدولة، فماذا نفعل نحن؟ أنا لا أتحدّث [هنا] عن حلٍّ شاملٍ للقضيّة الفلسطينيّة، لكنّ دولةً في الضفّة لا تعني لنا شيئًا. وأستشعرُ منذ سنوات أنّ الهدف هو أنْ تكونَ الدولةُ المذكورة مقابلَ كلِّ شيء، وأن تكون "دولةَ الفلسطينيين" لا "دولةً فلسطينيّة"... أيْ أنْ "تُحلَّ" برزمةٍ واحدةٍ مشاكلُ كلِّ الفلسطينيين، بدلاً من حقِّ العودة، ونيلِ الحقوق في الدول التي يقيمون فيها (بحيث يتحوّلون من لاجئين إلى مهاجرين، أيْ إلى رعايا سفارةٍ فلسطينيّةٍ في تلك الدول).
من هنا نطرحُ التحدّيين التاليين: 1) إننا نريدُ أنْ تكون الدولةُ لجميع المواطنين، وهذا مطروحٌ للإسرائيليين لا للفلسطينيين. وهو يعني، بالتحديد، تفكيكَ الصهيونيّة. وذلك ما لن يَحدثَ في الإطار القائم، لكنّه برنامجٌ نضاليٌّ يواصل تحدّي الصهيونيّة وتوجيهَ النضال من أجل الحقوق في إطار المواطَنةِ نحوَ الأفضل. 2) إنّنا نرفض الاندماج، ونُصِرّ على هويّتنا القوميّة، وعلى مواصلة علاقاتنا العربيّة. وهذا يرتّبُ امتناعَ الدولة الإسرائيليّة عن تحديد برامجنا الدراسيّة وتخطيط حياتنا في القُرى والمدن العربيّة، وأن يُترك للعرب في الداخل انتخابُ قيادتهم. وليس بعيدًا أنْ نطالبَ لاحقًا بعضويّةِ "مُراقب" في الجامعة العربيّة، كعربٍ (ولمََ لا؟!). لكنّ ذلك كلّه مرتبطٌ بقيام دولةٍ فلسطينيّةٍ في الضفّة بناءً على اختيار حركة التحرّر الفلسطينيّ (وهو ليس حلاً للقضيّة الفلسطينيّة بالمناسبة). وإذا لم تختَرْ حركةُ التحرّر مبدأَ الدولةِ في الضفّة والقطاع، المنفصلةِ عن مُجمَل قضيّةِ فلسطين، فسنكونُ حينها جزءًا من حركةٍ أكبر.

سماح: ولكنك في محاضرتك الأخيرة في الجامعة الأميركيّة في بيروت، قلت إنّك لا تريد تقديمَ حلٍّ للمحتلّ لأنّ الشعب الواقع تحت الاحتلال ليس من وظيفته أنْ يقدِّم حلولاً...
ـ أعتقد أنّ على الشعبَ المناضل تحت الاحتلال، وفي الشتات، أنْ يقدّمَ برنامجًا استراتيجيّاً ديمقراطيّا هو: الدولة الديمقراطيّة العلمانيّة الفلسطينيّة. وهذا ليس حلاً تفاوضيّا، أيْ لن يتمَّ التوصّلُ إليه من خلال التفاوض مع إسرائيل. ذلك لأنّ فرضَ البرنامج الإستراتيجيّ على الطرف الآخر يسْبق التفاوض، وإلاّ كان التفاوضُ طرحًا لحلولٍ في إطار موازين القوى القائمة، ولتسوياتٍ غير عادلةٍ، ويمنح العرب "شرعيّةَ" التهرّب من قضيّة فلسطين بجعلِها قضيّةَ الفلسطينيين لكونهم "أصحابَ القضيّة" و"الممثِّلَ الشرعيّ والوحيد."
الحلّ الوحيد هو أنْ يقتنعَ الطرفُ الآخر بأيّ برنامج إستراتيجيّ عندك، ويمكنُ حينها التفاوضُ على آليّة تطبيقه. أما ما يجري الآن فمحاولاتٌ فلسطينيّةٌ مستمرّةٌ لإرضاءِ الإسرائيليين، لأنّهم يفاوضون طرفًا يَعتبر نفسَه الأقوى والمنتصِر. لذا تحوّلت المفاوضاتُ من مفاوضاتٍ من أجل تحقيقِ الحقوق، إلى مفاوضاتٍ على الحقوق. ومن هنا لم أؤيِّدْ، في كلّ تجربة المفاوضات، طرحَ "الحلول" بهذا المعنى. ولكنّي أؤيدُ طبعًا طرحَ هدفِ الشعب الفلسطينيّ، الذي من أجله يناضل، وذلك على شكلِ برنامجٍ مشتَقٍّ من العدالة. وإذا كان هذا الأمرُ غيرَ واقعيّ، بمعنى أنّه يلزَمُه نضالٌ على المستويين العربيّ والعالميّ، فإنّ أيَّ طرحٍ آخر غيرُ واقعيّ هو أيضًا. فما لم يقتنعُ الآخرَ بطرحك، فلن يكون برنامجُك واقعيّاً بالفعل، وسيكون الأمر أشبه بالتحاور مع الذات. وحتى إذا تنازلتُ في طروحاتي إلى مستوى "دولةٍ في الضفّةِ والقطاعِ وحقّ العودة،" فلن يكونَ ذلك واقعيّاً إذا رفضتْه إسرائيل؛ فهي تنتظرُ تنازلاتٍ أخرى في مسألة السيادة والتسلّح والحدود والقدس، إذ لا توجدُ حدودٌ لمنطقِها الغريب هذا. ومن هنا يجبُ التمسّكُ بالبرنامج الإستراتيجيّ والنضالُ من أجله لكيْ لا يسودَ المنطق الإسرائيليّ.
نحن طبعًا لا نريدُ أنْ نصطدِم مع "فتح" أو "حماس،" ولا نملكُ الأدواتَ لذلك في الأساس. فنحن نعيش في الداخل، ونصفُ شعبنا هناك كان حتّى فترةٍ قريبةٍ يصوّتُ لأحزابٍ صهيونيّة، وكانتْ لدينا همومُ الحفاظِ على الهويّة الفلسطينيّة والعربيّة، وأنْ نصوغَ المطالبَ اليوميّة بحيث لا تأخذُ الناسَ إلى المؤسّسة الإسرائيليّة بمساعدة قوًى عربيّةٍ في الداخل. ما نريدُه هو توجيهُ الناس في الداخل نحوَ الموقف الوطنيّ بحدودنا المُتواضِعة، فنسألُهم ونسألُ أنفسَنا عن مساهمتنا في الصراع العربيّ ـ الصهيونيّ، ونشدّدُ على أنّنا سكّانُ البلاد الأصليون، وأنّ هذه الدولةَ عاجزةٌ عن تطبيق المساواة، وأنه لتطبيقِ المساواة ينبغي على الدولة أن تكونَ ديمقراطيّةً، وأنّ الصهيونيّة حركةٌ عنصريّةٌ وإنْ كان العالم اليوم يتراجعُ عن هذا الاعتبار. كما نطالبُ بالاعتراف بنا كشعب، ونحثُّ الناسَ والقياداتِ على التصرِّف كشعب، لأنَّ هذا أهمُّ من أيِّ اعتراف، بل هو الذي يفرض الاعتراف. كما نصرّ على عدم تراجع الفلسطينيّون العرب عن هويّتهم القوميّة، وعلى ألاّ نسلِّمَ ـ حتى في حالِ قيام دولة فلسطينيّة ـ بيهوديّة الدولة.
إذنْ، قُمنا بطرح نموذجٍ فقط لِما يمكنُ أنْ يُجسِّدَ نهجَ التفكير هذا في حالتنا وظروفنا. فكان طرحُ "الدولة الديمقراطيّة" طرحًا محلّيّاً بصيغة "دولة المواطنين." وقد طرحْناها في البرنامج عام 1995، مع فكرة تنظيم الفلسطينيين العرب قوميّاً كشعب، وكتبْنا حولَها قبل ذلك مقالاتٍ فكريّةً كان لها الصدى الذي تحدّثنا عنه أعلاه. ولقد عارضْنا، كمثقفين، اتفاقيّاتِ أوسلو في حينه (قبل أنْ نُقيم حركةً سياسيّةً)، وكانت تلك مساهمتَنا في مقابل التدهور الذي أصاب الحركةَ الوطنيّةَ الفلسطينيّةَ، ومحاولتَنا لإنقاذِ ما يُمكن إنقاذه. ولا أعتقدُ أنّه كانتْ هناك طريقةٌ أفضلُ من ذلك.
أمّا إذا قامت حركةٌ عامّةٌ فلسطينيّةٌ تسعى إلى أكثر من دولةٍ في الضفّة والقطاع، ولديها طرحٌ ديمقراطيّ، فمن الواضح أنّني سأنسجم معها. وقد كتبتُ عن فكرة "الدولة الواحدة" منذ أكثر من عشرين عامًا. لكنْ هل نُبادر إلى قيامِ مثل هذه الحركة، كما تطلب منّا بسؤالكَ هذا؟ لا أدري! هذا قيد الدرس والتفكير. شخصيّاً، لنْ أصرفَ طاقةً في العمل السياسيّ المباشر في الظرف العربيّ الحاليّ.

سماح: حتّى على صعيد المواطَنة؟
- في دولةٍ ديمقراطيّةٍ علمانيّة، ستكون المواطَنة شاملةً. حاليّاً، "التجمّع" لا يَطرحُ نفسَه حزبًا للفلسطينيّين، ولا يظهر ذلك في برنامجه. ما يظهرُ في برنامجه هو مشروعُه المحلّيّ الخاصّ، الذي يَطرحُ صيغةً لاستمرارِ الصراع مع الصهيونيّة كما ذكرْنا. أمّا على المستوى الفلسطينيّ العامّ، فـ "التجمّع" يلتزم ببرنامج الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة الرسميّ (لا بتنازلاتِها طبعًا). لكنْ، في مقالاتي الشخصيّة، يظهرُ الطرحُ الذي تتفضّل به، كصيغةٍ وكاجتهادٍ يطرحُهما مثقّفٌ عربيٌّ فلسطينيّ. أما طرْحُه كبرنامجٍ سياسيٍّ، أيْ كأكثر من مجرّد فكرة، فيتطلّب إمّا إقامةَ حركةٍ سياسيّةٍ جديدة، وإمّا توسيعَ "التجمّع" إلى حركةٍ فلسطينيّةٍ تشمل كلَّ مناطقِ وجود الشعب الفلسطينيّ بالتعاون مع قوًى أخرى.
إنّ تنظيمنا حاليّاً لا يستطيع أنْ يدّعي دورًا أكبرَ منه. ولقد ناقشنا حركتَيْ "فتح" و"حماس" في اتّفاقيّة أوسلو، والسلطة الوطنيّة، والممارسات في الضفّة والقطاع؛ لكنّ الصِّدام معهما ليس على أجنداتنا. نحن لا نهدف إلى خوض الصراع هذا، ولا الادّعاء أنّنا ممثّلو الشعب الفلسطينيّ؛ فساحةُ عمل "التجمّع" معروفةٌ، ونضالُه وأهدافُه معروفةٌ. وكلُّ تغيير يتطلّب تفكيرًا مجِّددًا وبحثًا مطوّلاً. والمشكلة أنّ ما يعتبرُه بعضُ المثقّفين برنامجًا، أعتبره، بتواضُعٍ، مجرّدَ طرح أفكارٍ ومحاضرات؛ فبرأيي، مثلاً، أنّ فكرةَ "الدولة الواحدة" تصبح برنامجًا إذا تبنّتها حركةٌ سياسيّةٌ وازِنة. لكنْ إذا كان قصدُك بالبرنامج طرحَ أفكار، فإني لم أتوقّفْ عن الكتابة وطرحِ الأفكار المؤثّرة باستمرار. وإذا عدْتَ إلى كتاباتي فسوف تجدُ الكثير من نقاط حوارك الآن. وفي كتابي الأخير أن تكون عربيّاً في أيامنا (صدرَ حديثًا) هناك دراسةٌ طويلةٌ بعنوان: "فلسطين، هل من أفق؟" وأحدّد فيها الوضعَ كالتالي: إسرائيل اختارَت نموذجَ الدولة الصليبيّة. لا توجد تسويةٌ عادلةٌ ومقبولةٌ قريبًا. لا بدَّ من التمسّك بالحلّ العادل، وهو "الدولة الديمقراطيّة" كشعارٍ، وعدمُ طرح حلولٍ وتسوياتٍ ومبادرات. ولقد كتبتُ هذا بناءً على تحليلٍ فكريٍّ نظريٍّ، لكنْ هل أستطيع أنْ أطرحَه كبرنامج لحزبٍ؟ هذا طموحٌ كبيرٌ. وعندما يُقرأ من النُخبِ الفلسطينيّة يُفهمُ ما عندي من أفكار. وعلى المدى البعيد، هل يمكنُ أنْ تكون هذه الأفكارُ موضِعَ قبولٍ فلسطينيٍّ يصلُح أساسًا لإعادة صياغة المشروع الوطنيّ بعد فشل طريق أوسلو؟ هذا هو التحدّي برأيي.

5 ـ مهامّ قادمة؟

يسري: البرنامج الذي تطرحُه كان بصفتك فلسطينيّاً من عرب الداخل. هل يجب أنْ تصلَ إلى حدود اليأس من العودة، وتتحوّلَ إلى فلسطينيّ من الشتات، حتّى تصِل إلى طرح برنامجٍ آخرَ يتوافق مع مصالح الفلسطينيين في الخارج؟
ـ أفهمُ من أسئلتكما، أنت وسماح، أّنكما تآمرتما لتوريطي في مغامرةٍ حركيّةٍ حزبيّةٍ جديدة، وتحاولان إقناعي بأنّ "واقعي الجديد" يسمح بذلك، وتدفعانني في هذا الاتجاه بلا كللٍ، في وقتٍ لا يُسْعدني فيه إلاّ القراءةُ والإنتاجُ الفكريّ والأدبيّ وتمضيةُ وقتٍ أكثر مع أبنائي! والحقيقةُ أنّه منذ خروجي تعرّضتُ لاستنزافٍ مثلّث: الخروج المفاجئ (في هذا العمر)، والملاحقة القضائيّة، والحفاظ على "التجمّع" ما بعد خروجي. وفي الوقت نفسه، أنا متورّطٌ في عدّة مشاريع فكريّة: فهناك كتابُ المسألة العربيّة، وقد أنهيتُه في العامّ الأوّل من وجودي في المنفى؛ وكتابُ نشيد الأنشاد الذي لنا؛ وأصدرتُ مؤخَّرًا أن تكون عربيّاً في أيّامنا، وكتابًا أدبيّاً جديدًا هو فصول. وهناك كتابٌ آخرُ، كنتُ قد بدأتُ فيه ويحتاج إلى سنواتٍ لإتمامه، وهو حوْلَ أنماط التديّن وعلاقتها بالديمقراطيّة. ثم وقعتْ حربُ غزّة.
هذا من ناحية. ولكنْ، من ناحيةٍ ثانيةٍ، أعتقد أنّ كلّ مَن هو مثلي تراودُه فكرةُ تحرُّكٍ عربيٍّ جديدٍ يُعيد إنتاجَ "الفكرة العربيّة" بأدواتٍ ديمقراطيّة، وعلى أساس العدالة الاجتماعيّة، وبعلاقةٍ أكثر وثوقًا وثقةً بالحضارة الإسلاميّة، ولو كان هذا التحرّكُ نخبويّاً في بادئ الأمر. لقد حان الوقتُ لإعادة إنتاج حراكٍ فكريّ سياسيّ، يبدأ من الأساسيّات التي ضاعت في التفاصيل وفي تشوُّه السياسة العربيّة القُطْريّة التي لم تعُدْ لها بنيةٌ، إلى درجةِ أنّ المصطلحاتِ الأساسيّةَ باتت غامضة. لكنّني أسأل: أين يمْكن الإنسانَ أن ينظِّم طاقتَه بنجاعةٍ أكبرَ في الظروف المعطاة؟ في ظلّ وجود مشروعٍ عربيٍّ في نهاية الخمسينيّات ونهاية الستينيّات، وبغضِّ النظرِ عن تقييمنا الحاليّ له ولنتائجه، لم يكن الفصلُ بين البُعدين الفلسطينيّ والعربيّ طبيعيّاً أو مقبولاً. الآن اختلفت الأمورُ أيضًا من ناحية هموم المثقّفين وتجاربهم المريرة السابقة والقُطْرِيّة المخيفة السائدة. الارتباكُ في جوابي ناجمٌ عن كونِي أفكّر بصوتٍ مرتفع. غير أنّ "السطرَ الأخير" هو: نعم! لقد آنَ الأوانُ لشيءٍ أو نشاطٍ أو حركةٍ ما، وتنفيذُه في الخارج ضرورةٌ، والمؤهَّلون كُثر. والساحة العربيّة مفتوحة لإعادة طرحِ مفهوم القوميّة العربيّة ديمقراطيّاً بأدواتٍ جديدة، ولا سيّما مع إفلاس منظومة الدول القُطريّة.
وهناك مهمّةٌ أخرى، وتتعلّق بالشأن الفلسطينيّ. وهنا أعترف بأنّني في حيرة، علمًا بأنّني لا أعتبرُ أنّ الناس في انتظاري وانتظار ما سأقوم به. الصورةُ هنا أكثرُ تعقيدًا: فهناك حركة حماس وحركة الجهاد اللتان، وبشكلٍ ما، تحملان رايةَ المقاومة. وهناك حركةُ فتح. وفي المساحة اليساريّة ما زالت قوى اليسار تحاول الحفاظَ على موقعها من دون طرح أفكارٍ جديدة، ولذلك تتدهورُ مكانتُها باستمرار. في مثل هذا الوضع، عندما تحاول تشكيلَ تنظيمٍ فلسطينيِّ جديد، ألنْ يصادف خطرَ التحوّل إلى "دكّان" صغيرٍ جديدٍ، ناهيك بالتحريض وردود الفعل؟

في محاضرتك الأخيرة في بيروت ذكرتَ دورَ اللاجئين في مخيّمات الشتات، ودعوْتَهم إلى إعادة الانتظام في حركات وتنظيمات لِلَعب دورٍ وللتأثيرِ في مصيرِهم...
- الدعوةُ كانت واضحةً، نعم.

سماح: ومن الناحية الثانية، فالاستقطابُ الحادّ بين "فتح" و"حماس" واضح. كما أنّ ما يسمّى "اليسار" يعملُ في معظمه على تغطِية "فتح" والسلطة، فيما تخفُتُ عنده الدعوةُ إلى الدولة المدنيّة العَلمانيّة. في هذا الوضع، ومع صعوبة مواصلة كفاحٍ مسلّحٍ فعّال، برزتْ دعواتٌ متفرّقة إلى إعادة إحياء مفهوم الانتفاضة الأولى، وإلى دعم "حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" على المستوى العالميّ... هذا من دون أن ننسى موضوع مقاطعة الشركات الداعمة لإسرائيل، الذي كان لـ الآداب شرفُ الإسهام في إطلاقِها في لبنان. فأين أنت من هذه الدعوات؟
- مواقفي في الشؤون المطروحةِ أعلاه معروفةٌ، بما فيها المقاطعة الأكاديمية العالميّة لإسرائيل؛ فقد شاركتُ في الاجتماع التأسيسيّ للحملة قبل سنواتٍ في رام الله، وكتبتُ عدّة مرّات مؤيِّدًا لهذا الجهد. كما اشتركتُ أثناء وجودي في الخارج بالكثير من هذه الفعّاليات، وفي إعداد الذكرى الستّين للنكبة، وفي محاضراتٍ ولقاءاتٍ في الكثير من المخيّمات، وفي الأسبوع العالميّ ضدّ الأبارتهايد في فلسطين... الخ. حتّى الآن أعملُ على طرح الأفكار، ويمْكنُ اعتبارُ ذلك مرحلةً تحضيريّةً تتمّ عبر اللقاءات والمحاضرات وعبر الوسائل الإعلاميّة المُتاحة أيضًا. لكنّ الصراعَ الفلسطينيّ ـ الفلسطينيّ، وهو تشعّبٌ عن القضيّة ذاتها، يستنزفُنا أيضًا. كما أنّ الأدواتِ التي تحت تصرّفنا متواضِعةٌ؛ فنحن لم نملكْ فصيلاً في الخارج، ولا حركةً، أو ناشطين (هل تعّلم مثلاً أنّني أعمل حاليّاً من دون مكتبٍ ومُساعِدين؟). هنالك جمهورٌ مؤيّدٌ لهذه الأفكار، لكنْ لا وجود لمؤسّسة، بأيٍّ مِن أشكالها، في الخارج، كي أعملَ من خلالها. منذ خروجي انخرطتُ في حركةِ تضامنٍ مع حركات التحرّر، في لبنان وفلسطين، لأنّها كانت تتعرّضُ لعُدوانٍ إسرائيليّ ولتآمرٍ عربيّ. وقد فضّلتُ هذا التضامنَ المباشرَ على أيّ أمرٍ آخر في هذه المرحلة، ولا أعرفُ إنْ كان الوقتُ سيتيحُ لي البدءَ بشيءٍ جديد.
أنا أقدّرُ وأطرَحُ ضرورةَ التطوّر التنظيميّ في المخيّمات، وعندي ثقةٌ بوجود أُناسٍ يتولّوْن هذه المسألةَ من دون أن أكون أنا شخصيّاً موجودًا فيها. هناك فراغٌ في مهمّةٍ موجودة موضوعيّاً، وهي دَورُ الشتاتِ الفلسطينيّ وتنظيمه؛ وإذا كان هناك "وكيلٌ تاريخيّ،" فسيتولّى هذا الموضوع، ولا أعرف مدى ارتباطه بهذا الشخص أو ذاك. وفي كلّ الأحوال، لا أودُّ العودةَ إلى التفرّغ للعمل السياسيّ... هذا أكيد.

يسري: لم أفهم الفصلَ بين العمل على الساحة العربيّة والعمل على الساحة الفلسطينيّة.
ـ طبعًا معك حقّ. انتقَدْتُ أعْلاه الفصلَ بينهما، وهذا هو الجاري حاليّاً عبر التنظيمات القائمة وطريقة عملها. ولكنّني، إضافةً إلى ذلك، كنتُ أتحدّث عن طاقة الإنسان المحدودة على العمل في الساحتين. ولا شكّ عندي في أنّ قضيّةَ فلسطين ليست مرتبطةً بالضرورة بتغيير النظام الرسميّ العربيّ، بل بتغيير الأجواء العربيّة. أحيانًا، ليس من الضروريّ أن تسقُطَ الأنظمة (وهي إن سقطتْ، فلفشلِها في التعامل مع قضايا دولِها، لا بسبب فلسطين)، لكنْ من الضروريّ أنْ تصير القضيّةُ الفلسطينيّة ماثلةً في الوجدان العامّ لتقيّدَ الأنظمةَ على الأقلّ. وقد قطعنا شوطًا كبيرًا في الموضوع العربيّ خلال السنتين الأخيرتين؛ فانظرْ إلى كلّ النشاطاتِ التي تمّت في الذكرى الستّين للنكبة، وإلى التعبئةِ التي حدثتْ في موضوع غزّة. وفي اعتقادي أنّ هناك صدمةً لدى القِوى التي ظنّت أنّه يمْكن تهميشُ القضيّة الفلسطينيّة؛ فهناك بضعةُ عشراتٍ من المثقّفين العرب كانت أصواتُهم عاليةً جدّا في هذه الفترات، وربّما استنفرَهم وجودُ رؤساءَ عربٍ يهنّئون إسرائيل بذكرى النكبة! كما أنّ "الفكرة العربيّة" في وضعٍ أفضلَ اليومَ ممّا كانت فيه منذ عشر سنوات، ولا سيّما إزاءَ التمزُّق في الدولة القطْريّة. طبعًا الوضعُ سيِّءٌ جدّاً، وهنالك تعدٍّ يوميٍّ على أمورٍ كانت تُعتَبرُ مسلّماتٍ، وهنالك محاولةٌ لتحويل قضيّة فلسطين إلى قضيّة الفلسطينيين، ثم إلى قضيّة السلطة الفلسطينيّة فحسب، كما أنّ الترويج للتطبيع جارٍ على أشدِّه. لكنّ الوضع كان في السابق من السوء بحيثِ إنّ ما قُمنا به أظهرَ فرقًا ما بينَ ردّ فعلِ الناس في الحرب على لبنان وبعده في الحرب على غزّة. وأعتقد أنّنا أحرجْنا جماعة التسوية، مع العلم أنّ الغطرسةِ عادت لاحقًا لأنّ النتائج في غزّة لم تكنْ واضحةً كما كانت في لبنان. إلاّ أنّ اضطرارَ جماعة التسوية إلى السير عاجزين عن الخروج أمام الرأي العامّ بمواقفهم الحقيقيّة إبّان العدوان [على غزّة] كانَ تقدّمًا عظيمًا.
أعتقدُ أنّ التنسيق بين الأصوات العربيّة المعارضة للتسوية غير العادلة سيُعطي نتيجةً أكبرَ وأهمَّ، كما نرى في التنسيق الواضح بين المثقفين الذين استوعَبَهم إعلامُ "أنظمة الاعتدال،" بالإمكانيّات السعوديّة على وجْهِ الخصوص، إذ تراهم يتحدّثون على الموجة نفسها. وقد استطاعَ هؤلاء المثقّفون، منذ ما بعد احتلال العراق، خَلْقَ موجةٍ منسَّقة، وإحداثَ تشويهاتٍ فعليّةٍ في وعي الناس. وما زالت الموجةُ المضادةُ أقلّ من المطلوب، وتكتنِفُها المزاوداتُ والغيبيّاتُ التي لا تنتهي،ويشوبُها انعدامُ التنسيق.

يسري: ربّما ينجم ذلك عن وجود قرارٍ مركزيٍّ يُديرُ مثقّفي "الاعتدال"...
ـ أعتقدُ أنّهم يملكون أُطُرَ تنسيقٍ كثيرةً ناجمةً عن قوّة هذا المعسكر وغِنى دُوَلِه، وعبر المنظومة الدوَليّة التي تدعمُه وتفرز المشاريعَ والمؤتمراتِ والمؤسّساتِ الإعلاميّةَ والهيئاتِ وتوزيعَ الجوائز والاحتفالاتِ ومزايا ماليّةً ولجانًا معيّنةً تخلق لهم فرصَ اجتماعٍ لم تكن موجودةً في السابق (إلاّ عند التيّار القوميّ السابق وبدرجةٍ أقلّ). فنراهم اليوم في مجالس أمناء بعضهم البعض، وفي هيئاتٍ لتوزيع جوائزَ عجيبةٍ غريبة، وكلّ ذلك برعايةٍ وتمويلٍ خليجيّ وغربيّ يشكّل مرجعًا لهم جميعًا.
في مقابل ذلك نعتمد نحن على الجهود الذاتيّة، وعلى قدرات الأفراد، كلٍّ في موقعه، وعلى القليل من الدعم. ولا ننكِرُ أنّ بعضَ المواقع الفرديّة مؤثّرٌ طبعًا، لكنْ في فترة غياب المشروع وانحساره تبرز في المعسكر المعارض للتسوية نزعاتٌ سلبيّةٌ وفرديّة، فينشغل البعضُ بالخلافات الشخصيّة على مناصبَ وهميّة، تُضافُ إليها نزعاتُ زعامةٍ قديمةٍ بقيَتْ بلا جمهور، ونرجسيّاتٌ أخرى، ومزاوداتٌ وترّهاتٌ وتهجّماتٌ شخصيّةٌ لا ضابطَ لها، وبقايا من تراثِ خطاب الخمسينيّات تمنعُ الناسَ من تشكيل حالةٍ عامّةٍ جدّيّة. فإلى واجب تجاوز هذه العيوب، يجب الإسراعُ في وضع قواعد التعامل بلا حساسيّات بين التيّارين الدينيّ والعلمانيّ، من دون أنْ يذوبَ هذا في ذاك، ولا أنْ يهيمِنَ هذا على ذاك. وهذا مصدرُ تعقيدٍ حاليّاًً للقوى القوميّة الديمقراطيّة والدينيّة المعارضة في المنطقة. وأعتقد أنّ المثقّفين العربَ الجذريِّي المواقف، الذين استفادوا من أخطاء الماضي، وعقلَنوا مواقفَهم وانسجموا مع الفكر الديمقراطيّ، لو تواضعوا وتواصلوا، فسيكتشفون كثرتهم وقوّتهم. وهذا يحتاج إلى حدّ أدنى من التنظيم، وليس بالضرورة أنْ يكونَ حزبيّا. ربّما يحتاج الموضوع إلى مجموعةٍ من المبادئ العامّة المتّفق عليها، وإلى آليّاتٍ للتواصل.

سماح: ماذا عن المؤتمر القوميّ العربيّ؟ فما تقوله من حيث المبدأ كان من مهامّه!
ـ لا أريد الاستفاضة في الحديث عن "المؤتمر." سأكتفي بالقول إنّه وقَعَ بين خِيارَين: بين أنّه مجموعةُ مثقّفين تُقدِّم ذلك النوعَ من التنسيق والتوجيه الذي أتحدّث عنه، وبين أنّه حركةٌ جماهيريّة. فانتهى بألاّ يكون أيّاً من الأمرين: فلم يكنْ صغيرًا كفايةً ليكونَ حركة مثقّفين نخبويّةً توجيهيّةَ الطابع بالبيان والموقف والاتّصالات بين المؤثّرين في الرأي العامّ؛ ولا كبيرًا بما يكفي لاعتباره حركةً جماهيريّة. وعلى الصعيد الداخليّ تحوّل أحيانًا إلى ميدان صراعٍ يعكس ما يوجد على الساحة العربيّة وكأنّه حركةٌ جماهيريّةٌ واسعةٌ.
لقد لعبَ "المؤتمر" دورًا مهمًّا، وحافَظَ على الصوت والتواصل في فترة الأزمة. لكنّ هذا لم يعدْ كافيًا للمرحلة الجديدة، ويجب تطويرُه، وأتركُ قضيّة تطويره إلى مناقشاته الداخليّة.

بيروت

الأربعاء، ١٦ أيلول ٢٠٠٩

ذلك الأسبوع من أيلول


فواز طرابلسي
لعل الأسبوع الممتد بين الاثنين في 13 والسبت في 18 أيلول 1982 يكاد ينفرد في أنه الأسبوع الأكثر كثافة ودرامية في الحروب اللبنانية. احتشدت فيه أربعة أحداث، أقل ما يُقال فيها أنها تاريخية: اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل؛ احتلال القوات الإسرائيلية لأول عاصمة عربية؛ انطلاقة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال؛ ومجزرة صبرا ـ شاتيلا.
ولا حاجة لتفكّر كبير ليكتشف المرء الحلقات المتصلة التي تربط هذه الأحداث بعضها ببعض. ولا مبالغة في القول أيضاً إنه بقدر ما أدت أحداث ذلك الأسبوع إلى تحوّلات جذرية في مسار الحروب اللبنانية وتوازنات القوى الداخلية والإقليمية والدولية المرتبطة بها، بذاك القدر تشكّل الأحداث الأكثر استعصاءً على الذاكرة وبالتالي الأكثر استدعاءً للقمع والتغييب في الخطاب السياسي والسلطوي السائد.
يوم اغتيال بشير الجميّل كتبتُ النبذة التالية في يومياتي (المنشورة بعنوان «عن أمل لا شفاء منه»): «كان بشير الجميّل يجسّد كل ما لا أتمناه لهذا البلد، لكن الاغتيال آذن بأفدح الكوارث (...) اليوم عيد الصليب. لبنان على الصليب مجدداً».
أستعيد هذه الكلمات الآن للتأكيد على أن كل اغتيال سياسي جريمة نكراء لا يبرّرها شيء وتستحق الإدانة الصريحة غير المشروطة.
يبقى أن «الرئيس المنتخب» كان زعيم ميليشيا وصل إلى الرئاسة الأولى للبلاد في انقلاب اختمر عبر سنوات، تواطأ عليه الرئيس الياس سركيس، وأسهم في الإعداد له جوني عبده، ذراعه الأمني الضارب. وجاء بشير الجميّل إلى السلطة محمولاً على الدبابات الإسرائيلية المحتلة والدعم الأميركي غير المحدود. أما الوجه «الدستوري» لانقلابه فتمّ عن طريق تجميع نصاب وأكثرية برلمانية بالإرهاب والرشوة ومنع النواب من مغادرة بيروت الشرقية واستجلاب النواب المرضى من باريس على المحامل وصولاً إلى محاولة اغتيال أحد النواب لتخفيض النصاب القانوني. ولم يكن غريباً أن يرى الرئيس المنتخب إلى نفسه، في خطاب القسم، على أنه خارج ممّا أسماه «المقاومة» أكثر منه معبّراً عن الإرادة الشعبية، ويزعم أنه تتوحّد في شخصه «الأمة» والدولة.
منذ ذلك الحين، لم يقتصر الماشون «على دعسات» بشير الجميّل على ورثته المباشرين بين الأهل والسلالات الكتائبية. حذا حذوه، في ابتناء «الكانتونات» ومحاولات الانقلاب لفرض حكم اللون الواحد والاستقواء بالأطراف الخارجية على الخصوم المحليين، عدد من الزعماء والأحزاب من أطياف مختلفة.
يمكن أن يُقال الكثير عن احتلال الجيش الإسرائيلي لأول عاصمة عربية (وقد كان العذر فيها اغتيال الجميّل). ولعل ما لم يُقل بوضوح أكبر وبحدة أشد هو أن احتلال بيروت كان بمثابة تصعيد حاسم للتدجين الإسرائيلي للأوضاع العربية لتقبّل جرعات متزايدة من فرض «الأمر الواقع» عليها. فكأن كل شيء صار بعد بيروت 1982 أكثر طواعية، وقد تجلى ذلك في حرب تموز 2006 وحرب غزة الأخيرة.
لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن الجيش الإسرائيلي قد غزا لبنان واحتل عاصمته في ظل قرار من السلطة السياسية مَنَع الجيش اللبناني من ممارسة دوره الأكثر بديهية في صد العدوان والدفاع بالقتال عن الوطن من الناقورة إلى النهر الشمالي الكبير وجسر القمر. وان هذا الحَجْر على مؤسسة الدفاع الوطني هو الذي دفع فئات من المجتمع والشعب، متنوعة الانتماءات المناطقية والمذهبية والعقائدية والسياسية، إلى أن تتولى مهمة المقاومة بنفسها. وهذا الذي يفسّر الآن لماذا يوجد سلاح خارج عن مؤسسة الدفاع الوطني.
مهما يكن، فقد استقبلت بيروت أيلول 1982 الاحتلال بالقتال وأخرجته بالقتال بعد أقل من أسبوعين. شهد روبرت فيسك على ذلك بقوله («التايمز» اللندنية، 27 أيلول 1982): «لعل الإسرائيليين غادروا القطاع المسلم (كذا) من المدينة في الوقت المناسب... كانت عمليات الاغتيال ضد أفراد القوات الإسرائيلية في بيروت الغربية تتوالى بمعدل واحدة كل خمس ساعات. وكان الجنود الإسرائيليون قد بدأوا يتورطون في حرب عصابات ضدهم».
وبيروت هذه لم يكن لها من هوية آنذاك غير دماء أبنائها.
لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا ـ شاتيلا، وإن احتكرت مجازر الحروب اللبنانية بسبب ما أثارته في الرأي العام العالمي، لم تكن المجزرة الوحيدة في الحروب اللبنانية. كانت قبلها مجازر في الدامور والعيشية والكرنتينا وتل الزعتر وسواها من مجازر لم تنل حقها من الإدانة أو نصيبها من الإعلام والإنتاج الأدبي والفني.
ولم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن تحميل الذنب عن المجزرة للطرف الإسرائيلي وحده أو إلقاء وزرها على إيلي حبيقة بمفرده يجب ألا يعفي من المسؤولية القيادات اللبنانية التي اتخذت قرار القتل ولا العشرات، بل المئات من مسلحيها الذين دخلوا المخيمين من حملة الرشاشات والخناجر والفؤوس.
وقد يسأل سائل: وما وظيفة التذكير بكل هذا؟
أولاً، وظيفة التذكير هي أن تملي علينا التساؤل عمّا تعلّمناه؟ ثانياً، نذكّر ونتذكّر من أجل أن ننسى. أن ننسى ولكن بعد تصفية الحساب والمحاسبة السياسية والمعنوية والأخلاقية. إذ ليس ينسى المرء إلا ما يعرفه ويتذكّره. وهو ليس ينسى ما قد غيّبه عن ذاكرته أو استبدله بذاكرة مخترعة بديلة. ثالثاً، نتذكّر حتى لا يتكرّر الخطأ.
أخيراً، لم يجرِ التذكير بما فيه الكفاية بأن مجزرة صبرا ـ شاتيلا كانت التطبيق العملي لشعار «رفض التوطين» عن طريق التهجير القسري للمدنيين الفلسطينيين بواسطة المجازر والإرهاب. هذا ما شهدت عليه صحيفة «سكيرا هوديتشيت»، الناطقة باسم وزارة الحرب الإسرائيلية، عندما عرّفت الغرض من المجزرة على أنه «استثارة هجرة شاملة للسكان الفلسطينيين أولاً من بيروت، ومن ثم من سائر أنحاء لبنان» من أجل «خلق توازن سكاني جديد في لبنان».
أما أن يحذرنا التيار الوطني الحر ـ ومعه حليفه النائب السابق إيلي سكاف ـ من «عودة التوطين» عشية ذكرى مجزرة صبرا ـ شاتيلا فأمر يثير أشد الاستغراب، خصوصاً أن أحد مسؤولي التيار يريد إقناعنا بمعادلة دائرية من منوّعات «حرب الآخرين» تقول: اندلعت الحرب الأهلية بسبب «التوطين»؟ فإذا تكرّرت الحرب الأهلية يقع... «التوطين»! والشاطر يفهم. والساذج يسأل: «التوطين» الذي يُقال لنا إنه ضار باللبنانيين عموماً ـ ولم يفدنا أحد بعد كيف ـ هل كان وراء حربَي «التحرير» و«الإلغاء»، أكبر حربَيْن «أهليتين» مدمّرتين أوصلتا المسيحيين منهكين خاسرين إلى اتفاق الطائف وبئس المصير؟
يصعب تبيّن الصلة بين «عودة التوطين» والأزمة الوزارية، أو عقد الرابط بين تلك «العودة» والعودة إلى تكليف النائب سعد الحريري بتشكيل الوزارة المنتظرة. اللهم إلا إذا نظرنا إلى «التوطين» على أنه «شيفرة» مثلها مثل سائر الشيفرات ـ فلسطين والعروبة، المحكمة الدولية، «عودة» سوريا، إلخ... إلخ. ـ يتداولها زعماء عاجزون ليس فقط عن استخلاص الدروس من الماضي الفاجع، بل حتى عن تشكيل وزارة.

الأحد، ٦ أيلول ٢٠٠٩

انتقـــــام الضحيّـــــة

logo

انتقـــــام الضحيّـــــة

أنسي الحاج
الماغوط بين الدمعة والقهقهة
قال محمد الماغوط عن نفسه في هزله ما خجل ويخجل كل منّا بقوله سواء في هزله أو جدّه. وقال في محيطه وفي الأشياء ما لا نعرف أن نقول بمثل ابتكاره وصدقه. من شعره إلى هزئه تأرجَحَ بين الدمعة والقهقهة، تارةً تأخذ الرغبة واللوعة مداهما بألوان الشروق والغروب وجوع الحياة إلى نفسها، وطوراً يخلع الخوف عن نفسه كمّامته فتمتلئ السطور بصُورِ الثأر والقتل، ثأراً من القمع وقتلاً للكوابيس بتحويلها أقزاماً مضحكة.
«محمد الماغوط وصوبيا الحزب القومي» كتاب جديد جمع نصوصه الأستاذ جان دايه من مقالات وقصائد للماغوط نُشرت في الصحف ابتداءً من منتصف خمسينات القرن الماضي، بالإضافة إلى رواية «غرام في سنّ الفيل». يعود بنا الباحث إلى البواكير الجبرانيّة والعقائديّة للماغوط، ملقياً الضوء على كثير من الغوامض والمجاهل في مسيرته، مبرهناً، إن كان من حاجة إلى برهان، على الحاجة الأكيدة إلى درس حياة الأدباء العرب على ضوء آثارهم وآثارهم على ضوء أدبهم وتتبُّع خطاهم وتطوراتهم تتبّعاً يساعد في فهمهم وتقييمهم دون الاكتفاء بالأحكام السريعة النهائية.
ما إن نضجت كتابة الماغوط حتى أصبحت تعويذة للانعتاق، شعراً وهزلاً، تُحيّي قارئها تحيّة البلسم أو العاصفة. كتابةٌ شقراء بعينين زرقاوين في محيطٍ من العسر وغابةٍ من البوم. يقال إن السخرية هي أسلوب اليأس في إظهار تهذيبه. تعريفٌ ينطبق إلى حدّ بعيد على الماغوط، ولو مازج اليأسَ لديه (وهو هنا يأسٌ راسب في القاع لا يتحرّش بك كيفما تحرّكتَ) ذلك الروح المعنوي الذي يبثّه الإيمان العقائدي في صاحبه. وقد نجدنا أقرب إلى الصواب مع الماغوط إذا تبنّينا تعريفاً آخر للسخرية مفاده أنها الشكل الأوحد المسموح به للجريمة العاطفيّة. وأحياناً، لشدّة ما ينكّل الماغوط بأهدافه، تخرج من قراءته مُفْرَغاً كأنك صرت في حاجة بعد هذا التحرير إلى جرعةٍ من القمع.
تعرف العامة نموذجاً من فكاهة الماغوط عبر ما كتبه للممثّل دريد لحّام، وقَلَّ مَن عرف سخريته الصحافيّة، ولعلّها الأمضى. يصعب الربط بين هزء الماغوط وسخريات غيره، فلا هو من سلالة إسكندر الرياشي ولا من فخذ الشدياق، وقد تجمعه قربى سياسيّة بسعيد تقي الدين، غير أنها لا تبلغ مناطق أقرب. تبسيطاً، المزاج الانفعالي يُنتج سخرية ساخطة والمزاج البارد سخرية لاذعة، غير أن النبع الأكثر غزارة للسخرية هو الشعور كلّما تَرهَّفَ ازدادت السخرية حدّةً. فكيف بها إذا اجتمع لها الشعور المرهف والخيال المتدفّق. إحساس الماغوط، وهو الشاعر الخلاّق كيفما رمى، إحساس يَبري الهواء من فرط غريزته. إحساسٌ يعادي خصمين بالتحديد: السماجة والسلطة. والسماجة قد تتلبَّسُ الغباء أحياناً لا الغلظة وحدها، أمّا السلطة فبديهي أن وجودها لا يقتصر على الدول والحكومات.
رغم كتاباته للمسرح ليس هزء الماغوط في المقال والقصّة من النوع الذي «ينتظر» ضحكة الجمهور، فهو أبعد ما يكون عن النكتة أو الظرف. إنه صادر عن انفلاق. هَزْلُ طفلٍ مقهور ينتقم بتنفيس بالون النفاق وتعليق الشارات المضحكة على ظهور الجبابرة وتمريغ الشعارات المتورّمة بتراب التسخيف. ليس الماغوط من النوع الذي يَضْحك وهو يُضحِك، إنه الشاعر حين يسخر. سخريته هي الوجه الآخر لحزنه، لقمره، والقمر هذا، العارم بالعواصف، ليس انعكاساً لشمس، بل هو الشمس المتسلّلة من وراء الجبال، كفارسٍ ينقضّ على الأشرار في لحظةِ الأملِ الأخيرة.
كتب مرّة: «إنّي أكره الأغنياء». وأضاف إليها فوراً: «والفقراء أيضاً». صراخُ وجعٍ يتمرّد على أنينه ويرفض أيّة قولبة. الماغوط سيّدُ مَن بَقَر بطنَ شعاراتِ جيله الكاذبة والمتسلّطة. مَن يقرأ هذا الكتاب يعرف أيّة ألفاظٍ كانت تحكم «الجماهير»، وتستفزّ شاعراً حرّاً كالماغوط للفتك بها.
سخرية الماغوط أكبر ضحكة من قلب الضحيّة.

اختناقات بنّاءة
على مَن يكتب اختناقاته أن يرجو لها وهو يكتبها مساعدة مَن قد يقرأها، في الانعتاق، كما ساعدت كاتبها. أن يتجنّب تحوّل تحرّره هو إلى تكبيل للآخرين.
ليس فقط أن تسيطر على القوى التي تُفلّتها، بل أن يكون في أساس هذه القوى عناصر من القوّة لمَن يتلقّاها. الهدم في هذه الحالة بناء.

حوار سيوران وميشو
روى أحدهم عن حوارٍ قيل إنه جرى بين سيوران وهنري ميشو. قال الأول:
ـــ الإنسانُ سيزول.
فأجابه الثاني:
ـــ على كلّ حال، كان شخصيّة مهمّة.

الانقطاع
أوّل خصائصِ العبقريّة الكرم، وبعض العباقرة قُدّر لهم أن يعطوا أكبر العطاء في أقصر وقت، فأودى بهم سخاؤهم الفائض إلى نهاياتٍ فاجعة: الانقطاع فجأة كرمبو، الموت كموزار، الموت كبودلير، الموت كعاصي الرحباني. ولعلّ الأشدّ قسوة بينها هو الانقطاع، لأن صاحبه لا يعرف كيف يحمل بعده جثّة الشاب الذي كانه.

خدعةُ القاعدة
«القاعدة هي أكبر خدعةٍ انطلت على العالم اليوم... القاعدة ما هي إلاّ غطاءٌ لحربٍ بالوكالة في منطقتنا، فلا يوجد في الشرق الأوسط سوى لاعب واحد وهو الدولة تليها القبيلة والطائفة. ما عدا ذلك من عصبيات ليس من طبيعة المنطقة ولا من تاريخها».
بهذا يستهلّ الأستاذ مأمون فندي مقالته في «الشرق الأوسط» يوم الاثنين الفائت، متوسّعاً في شرح وجهة نظره، قائلاً، ونشاركه الرأي، إن الإرهاب صنيعة دولٍ وأجهزةِ استخبارات لا صنيعة حركات ومراهقين، «ولو كانت القاعدة مجرد منظمة جهادية تحارب الدول المعادية لمصالح المسلمين لقامت بعملية ضد العدو المعلن لكلّ الحركات الجهاديّة، وهو إسرائيل».
ويضيف: «هناك تفسيرات مختلفة لعدم قيام القاعدة بمهاجمة إسرائيل. فإمّا لأن القاعدة تعرف أن لدى إسرائيل من الأجهزة ما يكشف العنوان الرئيسي للكفيل، أو أن هناك تفسيرات أخرى تتعلّق باستخدام إسرائيل لذلك الغطاء الوهمي المعروف بـ«القاعدة» في عالمٍ تسوده الحروب بالوكالة وتُقيَّدُ فيه القضايا ضد مجهول».
يثير هذا المقال موضوعاً في غايةِ الأهميّة. وقد مضى الكاتب في طريقه دون تردّد وليته مضى إلى النهاية، بل إلى البداية. لا شكّ أن القاعدة واجهة. وكثيرٌ غيرها واجهات. وبأسماء أشدّ بعثاً على الضحك. ولكن واجهة لمَن؟ فقط لإيران وقبلها ليبيا كما أشارت أصابع اتهام اليمن في حرب الحوثيين؟ أهذان هما البعبع العظيم والدهاء الاستراتيجي الأعظم؟
منذ سقوط الاتحاد السوفياتي سقط السلاح التخويفي الأمثل وباتت السياسة الأميركيّة في حاجة داهمة إلى بديل. واختراقُ مبنى التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 أيلول 2001 هو تاريخ إعلان الحرب العالمية الثالثة. وأحياناً ـــــ وعذراً لما سيبدو من علامات البارانويا، وربما يكون كذلك، ولا ضير ـــــ قد يبدأ المحارِب الحرب بإعلانها على نفسه، أو بتسهيل إعلانها، تحت أسماء «أعداء».
وقد نسينا العزيزة إسرائيل، وهي المستفيدة الإقليمية الأولى من نفخ الشبح الإسلاموي وتوسيع رقعة انتشاره. ولا لزومَ لذكر الأسباب.
حين نتّهم السياسة الأميركيّة وإسرائيل لا نبرّئ أنظمة المنطقة، بل نختصر الرؤية والتعبير.

نسيانٌ بإرادةٍ خارجيّة
كلّما أقنعتُ نفسي بأنّي لا أذكر شيئاً من طفولتي تراءى لي مقطع منها، فجأةً، بوضوح. يحصل هذا كلّ بضع سنوات. كم يحتاج المرء لتعود إليه ذكرى طفولته كاملة؟ بعضهم طفولته جاهزة دائماً بين يديه. آخرون مثلي يحتاجون إلى عصور. ليس المقصود النسيان الإرادي. هذا موضوع آخر. المقصود ستارٌ كثيفٌ أصمّ يَعْزل عزلاً تامّاً. ثم ارتفاعه لحظة، كرؤيا، بين سنة وسنة، أو من جيل إلى جيل. هذا العمى نسيانٌ بإرادةٍ خارجة عن إرادةِ المعنيّ. كأنّ قوّة غامضة تتحكّم في الستار، رحمةً أو تحذيراً.



عابـــــرات

مفتاحُ الامتلاكِ هو في يد المملوك أكثر من المالك. الضحيّة تحسّ بوضعها أكثر ممّا يحسّ الجلّاد بوضعه. الموت هو الميت لا الموت. الموت تجريدي، الميّت تجسيده.
بين الرجل والمرأة، في الوصال، أنتِ الأساس. لأنّكِ في نظره مملوكة ولأنه في نظر نفسه الغازي، بينما هو، بقدر ما تشتدّ قبضة ملكه، يزداد استسلاماً لكِ، وبقدر انتصاره تربحين.
■ ■ ■
هناك حقائق أو جمالات مخفيّة في نقيضها. فلسفاتٌ بأسرها حِكْمتُها في عكسها.
■ ■ ■
الجمالُ قَلْبٌ مؤجَّل.
■ ■ ■
قد يكون التمزّق الداخلي علامةَ سقوط، لكنّه أحياناً سقوطٌ من الأعلى إلى الأعمق.


عدد السبت ٥ أيلول ٢٠٠٩

عنوان المصدر:
http://www.al-akhbar.com/ar/node/155202