‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن داوود. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حسن داوود. إظهار كافة الرسائل

السبت، ٣ تشرين الأول ٢٠٠٩

من وقائع التاريخ غير الصحيح للحرب العالميّة الثانية

من وقائع التاريخ غير الصحيح للحرب العالميّة الثانية

المستقبل - الاحد 27 أيلول 2009 - العدد 3435 - نوافذ - صفحة 9


حسن داود

مُشاهد الفقرات الإعلانيّة عن فيلم inglorious bastards يُفاجأ حين يرى إسم كوينتن تارانتينو مبتعدا عن عالمه الراهن، الذي شاهدناه في «بالب فيكشن» و«أقتل بيل». في هذين الفيلمين بدا تارانتينو ملتصقا بعالمه ذاك إلى حدّ أنّنا رحنا نظنّ أنّ موهبته هي هناك، في تلك العلاقات المبالغة في عنفها وغرابتها. وهو كأنّه أراد لنا أن نقتنع أنّ هذا الميل الجارف إلى العنف، الذي منه مشهد قلع عين إحدى نساء فيلم أقتل بيل وانزلاقها على الأرض، ثمّ دوسها بقدم امرأة أخرى، لنراها تنفزر وتنبو عن غلافها الدهني، هو آخر ما توصّل إليه زمننا الراهن من اختراع العنف.
تارانتينو الراهن حمل مخيّلته الصاخبة والمتطرّفة إلى الحرب العالميّة الثانية، وهذا ما جعلنا نتساءل، قبل دخولنا إلى الصالة لمشاهدة الفيلم، إن كان سيفلح في تطبيق عنفه وغرابته على عالم الحرب الثانية، ذاك الذي هيكلتْه ونمّطته أفلام لا عدّ لها. وقد خفّف من وقع ذهاب تارانتينو إلى ذلك الزمن سبقُ مخرج آخر إلى تصوير نسخة أولى من الفيلم في عام 1978، الأمر الذي يجعل اندفاع تارانتينو أقلّ من اقتحام كامل لتلك التجربة.
ولم يصعب علينا التعرّف على مخرجنا في فيلمه الجديد هذا، وذلك منذ أن أرانا فرقة الجنود «الأوغاد» الذين سيحاربون النازيّة بقسوة تبزّ قسوتها. أوّل المشاهد كان سلخ جلدة الرأس لعدد من الجنود الألمان، وقد أتيحت لنا رؤية ذلك بالصور المقرّبة. في المشهد ذاته رأينا من لُقّب بالدبّ اليهودي، وهو أحد ثمانية من محترفي العنف يشكّلون فرقة الأوغاد، يحطّم رأس جندي ألماني بعصا كرة المضرب الغليظة ليهشّمه مثلما تهشّم جوزة. ذلك القرب في تمثيل العنف يضع صانعه في آخر فصول الجدّة والحداثة متخطّيا كلّ عاديّة وروتينيّة. دائما يسعى تارانتينو إلى اختبار مشاهديه ووضعهم أمام امتحان إبعاد النظر عن الشاشة هربا من قسوة يشاهدونها.
وغالبا ما تكون هذه القسوة فائضة عما يستدعيه الإنتقام أو العقاب. إنّه عنف فائض مقصود بذاته، لذلك نجد أنفسنا قاطعين إيّاه عن سياقه، وإذ يعاود حضوره في ذاكرتنا يكون متخلّصا من أسبابه ومّما سبقه أو أعقبه. ثم أنّه لا يخلو من الكاريكاتورّية التي يبدو فيها مخرجه مبتسماً أو ضاحكا، أو حتى منفجرا بالضحك، فيما هو يصوّر مشاهد القسوة الأثيرة لديه.
بل إنّ المزاح لا يتوقّف عن المخايلة حتّى في أكثر المشاهد خطرا وجدّية. أقصد المزاح الضمني، أو السخرية التي يبدو فيها الصانع المحترف يسخر ممّا يصنعه. مشهد حفلة العرض السينمائي النازي، وهو المشهد الذي تتشابك فيه عقد الفيلم جميعها، يقف عند حافّة الإضحاك. أولئك الذين جاؤوا إلى العرض ليفجّروا الصالة بمن فيها، بدوا كما لو أنّهم يؤدّون فصلاً كاريكاتورياً في فيلم لا يتوقّف لحظة عن دفع مشاهديه إلى أقصى لحظات التوتّر. هناك دائما جانب كاريكاتوري يتخلل الأحداث، على رغم فظاعتها، كما أنّه يدخل في رسم الشخصيّات على اختلافها. بطل الفيلم براد بيت، الذي يؤدّي دور زعيم عصابة الأوغاد، يظهر لنا في أحيان كأنّه يسخر من دور البطولة الذي يجسّده، على غرار ما يبدو المخرج تارانتينو ساخرا من صنائعه. في المشهد الطويل قبل عرض الفيلم النازي في تلك الصالة الفرنسيّة نرى براد بيت وقد ذهب إلى حدّ السخرية الأبعد وذلك في المناكفة بينه وبين رئيس الأمن النازي حول لفظ الكلمات باللغة الإيطاليّة (بما يذكّر بأستاذ اللغة المضحك في فيلم أماركورد لفيديريكو فيلليني). هذا وقد جرى هذا التناكف في وقت الخطر الأقصى حيث، في آخر المشهد نفسه، سيُعرف مصير الجميع، من سيموت منهم ومن لن يموت، من ينتصر منهم ومن سيهزم إلخ.. معظم شخصيّات الفيلم جمعت الكاريكاتورية، أو ظلّ الكاريكاتوريّة، إلى أدوارها. نسخة أدولف هتلر في هذا الفيلم هي أكثر نسخه، في الأفلام جميعها، كاريكاتورية. منذ ظهوره الأول، في بداية الفيلم، بدا أكثر توتّرا بكثير من كلّ ظهور سابق له، سواء في الأشرطة الوثائقيّة أو السينمائيّة. جمهور الصالة هنا ضحك من فوره، على رغم علمه، بل ومشاهدّته، لعصبيّة هتلر التي تبلغ حدّ المرض. غوبلز أيضا بدا مختلفا عن صورته في فيلم «الملجأ» الذي صوّر ما اعتقده الأيام الأخيرة من سقوط ألمانيا وانتحار هتلر وحاشيته. وبينما بدا غوبلز مواليا حتى الموت التراجيدي لقائده، ما دفع به إلى قتل زوجته وأولاده وليس فقط إلى قتل نفسه، نجده هنا، في فيلم تارانتينو، عصابيّا مضحكا وكوميديّ الإمتثال لقائده هتلر الجالس بقربه في صالة السينما. «أنا أحببت هذا الفيلم.. إنّه أفضل ما صنعت» قال له هتلر السكران من الضحك والإعجاب معا. وقد رأينا كيف تأثّر غوبلز بذلك المديح: جعل يبكي في مقعده بكاء طفل.
ولا أعرف كيف تأتّى لنقاد الفيلم أن يحكموا على وقائعه غافلين عن ميله إلى الدعابة. في مقال نشرته إحدى الصحف الأميركيّة إعترضت الكاتبة على ما اعتبرته إغفال المخرج تارانتينو مواجهة المشكلات الأخلاقية المعقدّة التي تثيرها القضايا المتناولة في الفيلم. في مقال آخر جرى اتّهام الفيلم ومخرجه بإيكال كلّ أمر للعنف، كأن مقابلة العنف بالعنف قادرة على تفسير نزاعات العالم.
كوينتين تارانتينو كان في مجال آخر لا يُناسب فيه هذا النوع من النقد. بل أنّه، في ما أحسب، لم يصنع فيلمه إلاّ ليراوغ هذا النوع من الأحكام ويحوّله، بدورها، إلى موضوع لسخريته. عند خروجنا من الصالة، مشدودين متوتّرين من تشابك الأحداث وتوتّرها إلى درجة حبس الأنفاس، راح الخارجون معنا يتساءلون إن كان هتلر وقيادته قد قضوا جميعهم هكذا، في حفلة السينما التي جمعهم بها تارانتينو، ليتخلّص منهم، وليوقف الحرب العالميّة الثانية، كما اقترح رئيس الأمن النازي الذي عرض أن يقايض إثنين من عصابة الأوغاد وهزيمة بلده ومقتل قادتها بقبول الولايات المتّحدة أن تعطيه جواز سفرها وتقبل بإقامته على أرضها.
لم يكن ما فعله تارانتينو إلا تحريضاً على العبث بالتاريخ وإتاحة اللعب به لمن يرغب. وهو، معتمدا على روايات متضاربة تألّفت عن موت هتلر، رأيناه يقول: أنظروا هذه رواية أخرى.. روايتي أنا، ولتكن لكلّ منكم روايته أيضا، إن رغب. وسيكون ذلك مشوّقا، ومسليّا أيضا، وأفضل تركيبا من الوقائع التي سبق أن رُويت لكم.

الأحد، ٦ أيلول ٢٠٠٩

لمناسبة السفر الأوّل بالطائرة: أيّام ما كانت المتعة مساوية للخطر

لمناسبة السفر الأوّل بالطائرة: أيّام ما كانت المتعة مساوية للخطر

المستقبل - الاحد 6 أيلول 2009 - العدد 3415 - نوافذ - صفحة 9

حسن داوود
لم أكن أعلم، في أوّل ركوب لي بالطائرة، أنّه لم يكن قد مضى وقت طويل على إتاحة الطيران لمن هم مثلي. وكالة البي.بي.سي، في تغطيتها، بالصور، التي أرسلها لي صديقي حازم على الانترنيت، لمناسبة الإعداد للذكرى التسعين لأوّل رحلة طيران تجاريّة، ذكرت أنّه فقط في مطلع الستينات بات ممكنا ركوب الطائرة لغير الأثرياء، حيث، منذ ذلك التاريخ، صار الكلام عن السفر بالسفن يُقرأ في الكتب فقط، أو يُروى شفاها مشدّدا على ما تكبّده المهاجرون السابقون من مخاطر وأهوال. كانت شركات الطيران آنذاك قد صنّفت مقاعدها مسميّة ما نقدر عليه باسم الدرجة السياحيّة، أو الإقتصاديّة. سنة 1969 صعدت إلى طائرة "طيران الشرق الأوسط- الخطوط الجوّية اللبنانيّة" من الخلف، أي من الذيل أو من أسفل البطن. على الدرجات كنت متهيّبا خائفا لظنّي أنّ الطائرة، بالنظر إلى تحليقها المرتفع وغير المفهوم عن الأرض، سيشغلها الخطر الأكيد عن أن ترتّب داخلها وتزيّنه. أقرب صورة توقّعتها لما ستكون عليه هي الصورة الثانية (التي تعود إلى العام 1920) في سلسلة الصور الثماني التي قدّمت فيها الوكالة التاريخ الموجز للطيران المدني. وهي بالأسود والأبيض، اللون المناسب آنذاك لمخيّلتي الخائفة. كما ظننت ذلك الداخل كالحا وضيّقا فوق ذلك، وتغلب على محتوياته أدوات النجاة مثل المظلاّت وإطارات الإنقاذ والحبال، بل وربما الخوَذ التي كنت أشاهدها في الأفلام على رؤوس طيّاري الحرب العالميّة الثانية.
وكان مفاجئا أن أرى المضيفة هناك، عند المدخل، ترحبّ بالركاب هادئة ومبتسمة. كانت إنكليزيّة، وبلغتها راحت تحيّي الداخلين واحدا بعد واحد، ترافقها في ذلك موسيقى مطَمْئنة كانت تنبعث خفيفة من أمكنة بثّ غير مرئيّة. وإذ توقّفت الموسيقى بعد ذلك، ظلّت المضيفة الإنكليزيّة على ابتسامها. قالت لي فيما هي تقترب مني إلى درجة الإنحناء بأن أربط الحزام، مشيرة إليه بنظرها وإصبعها معا. وبإنكليزيّتي التي ربما كنت قد أدخلتها لأوّل مرّة حيّز الإستعمال (خارج الدرس والمدرسة أقصد) إنّي أريد علبة مارلبورو. "الآن"، قالت، وكانت الطائرة ما زالت رابضة في مكانها لم تُقلع. وكانت تلك فرصة ثانية لأستعمل إنكليزيّتي في ذلك العمر المبكّر (كنت آنذاك في التاسعة عشرة)، قلت: لأنّ أبي ظلّ معي في المطار وأنا لا أدخّن أمامه.
ذلك الإبتسام الفائض والتكلم من ذلك القرب الموحي بوشك الملامسة لم يشمل ثمن علبة التبغ التي دفعتها للمضيفة نقدا. وقد ظلّت المضيفة على ابتسامها الجميل فيما هي تقبض تلك النقود التي كان أحرى بأصحاب الطائرة أن يغفلوا عنها لقلّتها. لكنّني قلت إنهم ربما كانوا يقصدون شيئا من وراء ذلك، وهو إشعار المسافرين بالطمأنينة حيث أنّ الأمور تجري هنا مثلما تجري في الدكاكين، وهذه علامة أخرى على أنّ سقوط الطائرة بعيد الإحتمال.
وأحسب الآن، بعد انقضاء كلّ هذه السنوات، أن كلّ ما تقوم به شركات الطيران في إعلاناتها مصدره التأكيد على طمأنة المسافرين بأنّ الطائرة لن تقع. من ذلك الإعلان الذي يصوّر المضيفة حاملة صينيّة مملوءة بالأطايب المزيّنة، ومنه أيضا تصوير المسافر نائما ومبتسما في غفوته، ومنه تلك الشبكة العريضة، المتسمة بالفخامة والأناقة كلّها، ابتداء من ألبسة المضيفات والطيّارين وصولا إلى المكاتب التي تقصد الشركات أن تجعلها في أكثر البنايات جِدّة وحداثة. (لم يكن الحال كذلك في سنة 1920، يوم أقلعت أولّ طائرة حاملة ركابا بالأجرة، إذ لم يكن هناك إعلانات ولا مكاتب سفر ولا مضيفات، فقط رجل واقف إلى جانب الطائرة يقبض النقود بالطريقة ذاتها التي لمعاون سائق البوسطة قبل سنوات قليلة من أيّامنا هذه... وهذا ما تُظهره الصورة الأولى في سلسلة الصور الثماني المذكور عنها أعلاه، جاعلة المسافرين الأُوَل أولئك مغامرين بحقّ، إذ لا شيء يطَمْئِن بأنّ الطائرة التي سترتفع إلى السماء هكذا، وسط قلّة التدبير هذه، لن تعود سريعا إلى الأرض لتتحطّم وتحطّم من هم فيها).
كانت تلك أوّل رحلة تحمل ركّابا. طبعا ليس هناك من مضيفة, ولا حتى مضيف (إذ سيكون على المسافرين أن ينتظروا حلول الحقبة الثانية، والتي تمثّلها الصورة الثانية في سلسلة الثماني، ليحصلوا على مضيف ذكر، وقصير القامة أيضا، بحسب ما يذكر التعليق المرفق بها)، ولا حتّى موسيقى خفيفة، ولا قناني ويسكي وسواها على ذلك الرفّ الذي تظهره الصور في مؤخّر الطائرة. فقط الطيّار، ذلك الذي، بسبب صغر الطائرة، سيكون قريبا من الركاب، هناك على المقعد الأمامي، مقدّما رأسه إلى الأمام فيما هو يسوق الطائرة، على نحو ما يكون حال من يسوق سيّارة بسرعة جنونيّة.
وفي رحلتي تلك في 1969، بل وفي رحلات لي تلتها، متقطّعة ومتباعدة، لم يحدث أن كان بين الركاب أطفال إذ لا أذكر أنّي رأيت ولدا يلهو في الممرّ الضيّق بين المقاعد أو ولدا يبكي من أمامي أو من خلفي. رجال فقط، قليلون قلما امتلأت بهم، وبالنساء الأكثر قلّة منهم، الطائرة عن آخرها. ذلك أنّ السفر، حتى سنة 1969 كان ما زال حكرا على من يقدرون عليه، ليس عندنا بل في البلاد التي اخترعت الطائرات، تلك التي سنتأخّر عن عاداتها بالطبع. أقصد أن السفر بالطائرة كان حلما لأولئك الكثيرين الذين، في تلك الأعوام، كانوا يحاولون الإقتراب من تحقيقه قدر المستطاع وذلك بالتنزّه في أيّام الآحاد، ذهابا وإيابا، على طريق المطار.
لم يكن هناك أولاد في الطائرة. في بريطانيا، وفي أميركا أيضا، كان على الأولاد أن ينتظروا أوّل سنوات السبعين حتّى يصعدوا، مع لعبهم، إلى الطائرات(بحسب الصورة المثبتة هنا، وهي الخامسة في سياق الصور الثماني) وذلك بعد أن تضخّمت الشركات إلى حدّ أن بدأت باختراع رحلات السياحة المنظّمة، للعائلات وسواها. وبلا ريب، كان من شأن هذه الخطوة أن تقلّل من "متعة السفر بالطائرة" ومن الإحساس بالتميّز الذي لم تتوقّف شركات الطيران، حتّى الآن من تسويقه وإشاعته.
أي أنّ السفر بات خليطا من الصبر على الإحتمال والرفاهيّة، بعدما كان خليطا من الأخيرة والخطر أو المجازفة. أمّا الآن، ومنذ أن ابتدأت جولة هجراتنا الثانية، التي أعقبت هجرتنا الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، فلم يعد أحد يعتدّ أمام أحد بكونه عائدا من سفره أو متهيّئا له. أولئك الذين هم على متن الطائرة باتوا هم ذاتهم لا يختلفون في شيء عن أولئك الذين ينتظرونهم في المطار، مستقبلين أو مودّعين. وهؤلاء الأخيرون، بدورهم، لا يختلفون عن أولئك الذين في زحمة الشارع متسابقين، مشاةً، وسائقي سيّارات، وراكبي درّاجات لم تعرف الدولة ماذا تفعل بهم بعد.
وفي السفرة الأخيرة لي كان اعتيادهم على ركوب الطائرة قد بلغ أشدّه. كانوا جالسين على رؤوس الكراسي لا على قعداتها. وهم، من أماكنهم المتفرّقة صاروا يكلّمون بعضهم بعضا بأصوات عالية، بل ويتراسلون بالطعام، مبادلين ما لا يحبّونه منه بما يحبّونه، من فوق الكراسي. أما ذاك الذي أحضر معه قنّينته، بحجّة أنّ المضيفة لن تلبّي كلّ حاجته للشراب، فسكِر وجعل يشدّ القنّينة شدّا من يد المضيفة المغربيّة. " لحظة هبوطنا سأسلّمه إلى البوليس"، قالت بعد أن انتصر له أصحابه بالهرج والمرج.

الأحد، ٢٦ تموز ٢٠٠٩

ماذا أفعل هنا على الأرض؟ سأل رائد الفضاء نفسه



ماذا أفعل هنا على الأرض؟ سأل رائد الفضاء نفسه

المستقبل - الاحد 26 تموز 2009 - العدد 3374 - نوافذ - صفحة 9


حسن داوود

انظر إلى هذه، قال لي نيل بلتون مشيرا بإصبعه إلى تلك الحجرة المخروطيّة الشكل والتي تحتل تلك الصدارة من المتحف العلمي البريطاني. كان قد سبق لي أن شاهدتها من قبل، لكنني كنت أحسب أنّه لا يمكن لها أن تكون بهذا الصغر. قلت لنيل إنني لن أطيق الجلوس فيها من هنا إلى بيروت. ضحك، ثم قال إنّه لن يطيق الركوب فيها حتى حيّ سوهو، الذي لم يكن يبعد عنا إلاّ كيلومترات قليلة. كانت الحكومة الأميركيّة قد أهدتها إلى بريطانيا، على نحو ما يهدي الأخ الأكبر بعضا من إنجازه لأخيه الأصغر، خصوصا وأن هذا الصغير لا تسعفه قدراته على الخوض في نزاع ذلك الإنجاز الفضائي المحموم آنذاك بين الولايات المتّحدة والاتّحاد السوفياتي. لكن كيف يهدونكم شيئا كهذا، قلت لنيل بلتون، وهذا على الرغم من أنّني لم أجدها متقنة الصناعة. كانت صفائحها ذات الأطراف غير المنعّمة موصولة بالبراغي، وقد بدت بمجملها كما لو أنّها لم تخضع لما يسمّى الـ« فينيشينغ«. وهذا ما جعلها كثيرة الشبه، بل مطابقة، لعربات الصعود إلى الفضاء التي كنا نشاهدها في سينما الخمسينات، بالأبيض والأسود، المقتبسة عن روايات إدغار ألان بو وجول فيرن..
هذه الحجرة، التي انفصلت عما كان يحملها في الفضاء، اتسعت لثلاثة روّاد،على الأقل، أقاموا فيها فترة تراوحت بين أسبوع وعشرة أيّام (بحسب ما ذكر عن المدد التي قضتها كل من مركبات أبولو في الفضاء)، ولم يخرجوا منها إلا ليخطوا على سطح القمر. تلك الخطوة الأولى التي قام بها نيل أرمسترونغ، أوّلا، حقّقت السبق الحاسم على برامج الإتّحاد السوفياتي الفضائيّة ما أدّى، ليس إلى توقّف هذا الأخير عن إستكمال ما كان قد بدأ به، متفوّقاً، بل أدّى أيضاً إلى طيّ صفحة الفضاء بعد رحلات خمس أو ست أميركيّة. أي أنّ »غزو القمر« كان نهاية وليس بداية حيث، بعد ثلاث سنوات على رحلة أبولو 11، أي في العام 1972، » لم يعد أحد إلى الإرتفاع فوق جاذبيّة الأرض«، كما كتب جيوفاني ف. بغنامي الرئيس السابق لوكالة الفضاء الإيطالية (صحيفة هيرالد تريبيون 18- 19 تموز الجاري).
ذاك لأنّ النزاع في هذا المجال قد حطّ رحاله، لكن أيضا كان ينبغي التوقّف خلال هذه العقود لكي لاتكون تلك اللحظة عمليّة في سياق. ذاك لأنّ ما تحقّق فيها ليس إنجازا علميّا تمثّل في دراسة تربة القمر وحرارته وقوانينه البيئيّة، بل، وربما كان هذا هو الأهم، تحقيق نقلة في الظَفَرَ البشري قوامها بلوغ ما يتعدّى نطاق الأرض. ربّما كان اختراع الكهرباء أكثر إفادة للبشريّة من خطوة الصعود إلى القمر، لكن الفارق بين الإثنين هو في العمق التاريخي للحلم المتصل باستكناه القمر واستعصاء إمكان الوصول إليه على التصديق. في لحظة ما كانت تبثّ وقائع ذلك »النزول«، مباشرة، كان هناك من كتب أنّ ذلك لا يعدو كونه اختلاقاً وكذباً (كما أن ّ ثمة الآن، بعد أربعين سنة على الحدث، من يكذّب واقعته بالقول إنّ الرواد نزلوا صحراء نيفادا وليس سطح القمر كما زعموا)، ثم إنّ ذلك الحدث بدا كما لو أنّه حصل مفاجئاً، تاماً كاملاً من أوّله، فيما احتاج ضوء الكهرباء إلى نحو قرنين ليصل إلى ضيعتنا النميرية، قاطعاً تلك الرحلة المنهكة من إضاءته الأولى في تلك الغرفة التي تحقّق فيها اختراعه.
لحظة النزول إلى القمر كان ينبغي لها أن تبقي الزمن خالياً من بعدها لأربعين سنة أو خمسين (احتساباً لقول الأميركيين الآن إلى أنهّم سيعودون لزيارة القمر في العام 2020)، وذلك بما يشبه ترك مساحة ممتدّة من الأرض أمام أثر معماري تاريخي. ولنضف إلى ذلك الحاجة إلى الاستراحة التي ينبغي أن يكون وقتها أكثر طولاً كلما كان الإنجاز الذي سبقها مهمّاً. وأيضاً، من ناحية أخرى، يحتاج ذلك الذي تحقّق إلى ما يزيد عن أربعين سنة إلى هضمه، أقصد إلى دراسته، بل إلى تأمّله حيث لا عدّ للكتب التي صدرت متناولة كلّ ما يتعلّق بتلك الرحلة. ذلك تعدّى بالطبع الكتابات العلميّة والفلكيّة والسياسيّة إلى الأدب والتاريخ والخرافة وصورة القمر، أو صوره التي تحوّل القمر إلى أن يكونها بعد اكتشافه، ثم دراسة ذلك الصنف الجديد من الأشخاص النجوم الذين هم روّاد الفضاء، هؤلاء الذين رأت مجلّة تايم الأميركيّة أن تكتفي بإجراء تحقيق تفصيليّ عنهم في المناسبة الأربعينيّة هذه.
وقد أوكلت لرجال الفضاء هؤلاء مهمّة الوصف والتأمّل إضافة إلى مهمّات العلم والاكتشاف. كان كلام نيل أرمسترونغ في وصف الأرض مرئيّة من القمر، ذلك الذي نقلته الصحف ووسائل الإعلام جميعها آنذاك، أشبه بنوع جديد من الشعر طالع من نوع جديد من الرؤيا، وداحض، لمجرد صدوره عن شخص رأى، جميع ما كان قد جرى تصوّره عن القمر منذ ما قبل القرن الثاني بعد الميلاد حين كتب لوسيان ساموزاتا أوّل رحلة متخيّلة إليه، واصفاً إياها بأنّها »رحلة حقيقية« وسيلتها مركبة قذفتها إلى هناك نافورة هائلة جبّارة القوّة. أما الكائنات الموصوفة في ما كتبه فرجال يمتطون ظهور نسور برؤوس ثلاثة وبراغيث عملاقة. (في صفحتها الثقافية للأسبوع الفائت نشرت الهيرالد تريبيون تحقيقاً أرّخت فيه للرحلات المتخيّلة إلى القمر، منذ بدايتها مع ساموزاتا وصولا إلى وقت غير بعيد عن تقافز نيل أرمستونغ على تربته. كان هؤلاء الخياليون قد »سبقوا قفزته العملاقة في الأدب والرواية والسينما. وهم صعدوا إلى القمر مستقلّين سفنا طائرة وعربات مجنّحة ومقذوفات أطلقتها مدافع ضخمة. وقد التقوا هناك بعمالقة ورجال حشرات ونازيين ونساء عاريات الصدور« هذا بالإضافة إلى ما لاحصر له من المخلوقات التي تصنعها المخيّلات).
طالما أن لا هواء هناك في القمر، سيبقى أثر الحذاء الفضائي الذي كان يرتديه باظ ألدرين مطبوعا في مكانه، تماما مثلما ظهر في الصورة التي التقطت قبل أربعين عاما. تلك »الدعسة« الخالدة، قولاً وفعلاً، ربما تذكّر ألدرين نفسه بأن لا شيء في حياته يدانيها أهمّية. هو الآن، بعد انقضاء تلك السنوات الأربعين، لا يستطيع مغادرة رحلته تلك. الساعات الإحدى والعشرين والدقائق الست والثلاثين التي قضاها هناك، شكّلت كلّ ما تبعها من سنيّ حياته. تكفي تلك الجردة القليلة التي فصلت فيها مجلة تايم حياة الرواد بين لحظات مجدهم وبين ما هم عليه الآن حتى نعرف أن الضوء الذي ما زال مسلّطا عليهم لا يكفي لإبقائهم متوازنين. ومع أنّهم، الآن، يعملون في مهن إستشاريّة وهندسية وتعليميّة، كما في رئاسة هيئات وجمعيّات، إلاّ أنهم لا ينفكّون عن التفكير في أنهم أنجزوا كلّ شيء قبل تلك العقود الأربعة ولم يعد هناك شيء مهمّ يقومون به. أحدهم ذكر كيف أنّه، بعد هبوطه بنحو شهر، راح يسائل نفسه: لكن ماذا أفعل هنا؟ حيث كان بين آخرين دُعوا إلى حفل عشاء.

الثلاثاء، ٧ تموز ٢٠٠٩

أين هم الآن ساكنو منطقة الصنائع وروّاد حديقتها؟

أين هم الآن ساكنو منطقة الصنائع وروّاد حديقتها؟

المستقبل - الاحد 5 تموز 2009 - العدد 3354 -



حسن داوود
أبو يوسف، العجوز المقبل على ثمانيناته، اختصر حياته بحادثتين اثنتين: مقتله لعروسه، أيّام كان شابا، بعدما وجدها في غرفة النوم، بل في سريره الزوجي، مع عشيقها، عاريين. أما الحادثة الثانية فتلك التي كلّفته قضاء سبع سنوات في سجن إسرائيلي، من دون أن نعرف، نحن سامعوه، ما هي هذه الحادثة وكيف حدثت، ومتى؟
أما مهاراته التي اكتسبها في حياته فلا تتعدّى الإثنتين أيضا: إدخال الخيوط الملوّنة بعضها ببعض وتشكيلها ليصنع منها سلالا تكاد تحتويها، لصغرها، قبضة اليد، وها هو يعتاش من صنعها وبيعها في حديقة الصنائع، بعد أن منعته الشرطة من التردّد على كورنيش البحر ليبيعها هناك أيضا. صنعُ السلال مهارة أتقنها أثناء فترة سجنه في إسرائيل، كما قال، وليس في السجن اللبناني الذي قضى فيه مدّة نافت قليلا عن السنوات السبع. أمّا المهارة الثانية فإجادته التكلّم بالعبريّة إلى حدّ أنّه، إن تطوّع الآن للقيام بعمليّة انتحاريّة في إسرائيل، كما قال، سيصل إلى هناك، حاملا حقيبة المتفجّرات، من دون أن يشتبهوا به: أكلّمهم بلغتهم، بالعبري، قال فيما هو ينظر، مبتسما ومتفاخرا، للصوت الذي يسائله بجانب الكاميرا.
وهو شكا من عدم إقبال مرتادي الحديقة على بضاعته: "نهار الأحد الماضي كانت الجنينة ملآنة، حتى إنّ الناس جلسوا على داير مدار حافة البركة.. وما بعت سلّة واحدة". ذاك لأنهم يستكثرون الألفي ليرة. إحداهنّ قالت له إنّها تشتري ثلاث سلل بالألفين.." حلّي يا عمّي" قال لها فيما هو يعود للتحديق بالخيطان البلاستيكيّة الملوّنة التي بين يديه.
أبو يوسف إستحقّ لوحده فيلماً كاملاً من الأفلام المستقلّ أحدها عن الآخر لكن التي تنقل جميعها الحياة الجارية في حديقة الصنائع ومحيطها. ليس فقط لأنّ لديه ما يرويه (وهو حادث حياته الأوّل الذي يختلط فيه الأسى والندم بالزهو وبادّعاء القبضنة)، بل أيضا لما في كلامه ونظراته من عبث وملاعبة. بين مرتادي حديقة الصنائع في يوم ما التقته الكاميرا، كان هو الوحيد بين من مرّوا من أمامها الذي حظي برواية تستحقّ أن تسمع، رغم عدم التصديق الذي يلازم إصغاء سامعها. وعلى الرغم من أنّه أكبر سنّا من جميع الآخرين هناك، إذ هو مقبل على الثمانين فيما هم في خمسيناتهم أو ستّيناتهم، إلاّ أنه ما زال باقيا في ما كان عليه مزاجه في أيّام شبابه. كأنّه لم يكبر إلا بالعمر وحده. أما مشاهدو الفيلم ممّن كانوا روّاد الحديقة في طفولتهم ويفاعتهم من بعد، ومنهم كاتب هذه السطور، فقد أعادهم أبو يوسف إلى كلام ذلك الزمن. هكذا كان الناس يتكلّمون آنذاك، قبل أن يمرّ الكلام في مجاري الأزمات والحروب وتبدّل الزمن.
أبو يوسف أبقى نفسه على حالها لم يغيّر فيها شيئا، شأنه في ذلك شأن الحديقة التي، باستثناء تلك الألعاب البلاستيكيّة التي وضعوها في طرفها الغربي ليتزحلق عليها الأولاد، لا يبدو أن شيئا تغيّر عن أيام الخمسينات. ربّما باتت العناية بسقاية الزهور أقلّ ممّا كانت، لكنّ الأحواض المستديرة ما زالت مستديرة. البركة أيضا ما زالت تعيّن وسط الحديقة، وإن كانت اليوم فارغة من الماء الذي كان يملأها حتّى حافّتها ويتزيّن مرتفعا من النافورة من السادسة صباحا حتى حلول المساء. أمّا زوّارها فباتوا قليلين، باستثناء يوم الأحد ذاك، الذي وصف أبو يوسف زحمته، وهم كلّهم، كما رأينا في شريطه، كبار لازموا الحديقة، ربما، منذ ماضي أيّامهم. وقد بدوا لنا روّادا يوميين إذ جعلوا يكلّمون بعضهم بعضا عارفين في أيّ الآذان يقع كلامهم وكيف سيُستقبل وقعه. بائعة القهوة الجوّالة تعرفهم، وهي تقدّم القهوة بالمجان لأبي يوسف لأنّها تعطف على الفقراء، الذين هي منهم. في ركن من أركان الحديقة نصبت بائعة القهوة موقدتها لغلي القهوة، كما اقتطعت منها مساحة صغيرة لتحفظ بها باقي العدّة التي لن تحملها معها في طوافها بين الأحواض وأمكنة جلوس الزائرين.
لقد تغيّر وجه الحديقة على رغم تجديد بوّابتها منذ عشر سنوات أو أكثر ربّما، فأقيم مبنى حجريّ صغير بجانبها لزوم إدارتها وتنظيم حراستها. لكن أولئك القائمين عليها من الحرّاس لن يتعرّضوا لمشاكسة الأولاد ولا هم سيقومون باختبار سلطتهم عليهم. لقد تغيّر الزمن الذي كان يُرى حارس الحديقة فيه قريبا من سلك العسكريّة وإن لم تكن له وهرتهم كلّها. كان نصف عسكري نصف حارس، وهذا ما كان يوقعه في سخطه، يوقعه هو، فيروح يحنق وينرفز لأن ّالأولاد يكايدونه ؤيستفزّونه.
في أوقات من السنة، بل في شهور منها، كانت الحديقة تشذّ عن دوامها فتعاود سهرا ليليّا يبدأ المدعوّون إليه بالقدوم في حوالى التاسعة. تلك سهرات كانت تقيمها الدولة، وزارة الخارجيّة مثلا، أو تقيمها إحدى السفارات. من الطوابق العليا للبنايات التي تحيط بها، كان يمكن للساكنين أن يشاهدوا الزينة الكثيرة التي تطلّبها اتساع المكان. في بعض السهرات كانت الموسيقى التي تُعزف حيّة تنتشر حتى إلى ما بعد بناية الأونيون من ناحية وحتى إلى بداية حيّ الملاّ من الناحية الأخرى. وفي أكثر طوابق البنايات لم يكن الساكنون يقفون طويلا على الشرفات، إذ سبق لهم أن دُعوا إلى حفلات مماثلة، إن لم يكن في حديقة الصنائع ففي مكان آخر سواها. في البنايتين اللتين كانتا تطلان عليها من الجهة الجنوبيّة كان فرنسيّون وروس وأرمن ومسيحيون ومسلمون يتوزّعون البيوت، وكذا كان الحال في البنايات التي تحدّ الحديقة من ناحيتي الشرق والغرب.. أمّا من جهة الشمال فلم يتغيّر شيء كثير منذ أن بُنيت الإذاعة اللبنانيّة بالقرب من كلّية الحقوق. آنذاك، في تلك السنوات القديمة، كان الجيران، في حال اتّصالهم بعضهم ببعض، وهو اتّصال قليل ومتقطّع، يبدون كأنّهم يؤسّسون لعيش لم يكن معتادا من قبل، لكأنّهم كانوا يغامرون بتجريب شيء لا يعرفه أولئك الساكنون في بيوت حيّ الملاّ المزدحم الكثير الدكاكين.
ذلك الذي كانوا يؤسّسونه، أو يحاولونه، لم يتأسّس إلاّ قليلا. في الأشرطة التي صوّرتها باسكال فغالي بدت الحديقة ومحيطها مذكّرتين بما سبق لنا أن عرفناه من انقلاب الأمكنة على أحوالها. باستثناء الشريط عن أبي يوسف الذي يجري في داخل الحديقة، وإلى حدّ ما على الأرصفة الملاصقة لها، وهو أوّل الأشرطة لجهة التتابع في المشاهد، بدت منطقة الصنائع وقد تغيّرت تغيّرا تامّا عمّا كانته. من السهل أن نسرع إلى القول، كما بات يقال على سبيل التعميم، إنّ حيّ الملاّ قد غزا منطقة الصنائع المحاذية له، لكن ذلك ليس صحيحا على التمام لأنّ منطقة الملاّ، حتى في تلك الأيّام، كانت تنظر بمزيج من الإعجاب والإستغراب إلى عيش جيرانهم القريبين.
كما أنّنا نكون نتسرّع أيضا إن قلنا إنّ عائلة واحدة من بين العائلات المقيمة في البنايات، عائلة تنتسب إلى واحدة من طوائف هؤلاء الساكنين، قد تكاثرت في الحيّ الذي هجره جميع الآخرين، ذاك لأنّ هؤلاء الساكنين كانوا قد تغيّروا جميعهم عن الحال الذي ينقله فيلم باسكال فغالي عن سكان الحيّ اليوم ( وإن امتدّ هذا اليوم، بحسب تواريخ تصوير الأشرطة، من 2002 حتى الآن، 2009).
يُذكر أنّ أشرطة الفيلم التي تناولت منطقة ما حول الحديقة صوّرت، على طريقة الفقرات المعنونة بعبارة No comment، نساء متجمّعات في قاعة مسجد يحيين ليلة القدر، وفي شريط ثان شاهدنا دورة الطبّال على البيوت لتجميع إكراميّته في أول أيّام عيد الفطر، ثمّ الشريط الرابع الذي يصوّر، بالتفصيل، نحر الخراف وتقطيع لحومها قطعا توزّع على فقراء الحيّ...
[ وقّعت باسكال فغالي مساء الإثنين 29 حزيران، بمكتبة البرج، كتابها الصادر باللغة الفرنسيّة، " حي الصنائع في بيروت_ رحلة إكتشاف بصريّة مصوّرة". مرفق بالكتاب عمل سينمائي، وكلاهما من إصدارات المعهد الفرنسي للشرق الأوسط.

الثلاثاء، ٣٠ حزيران ٢٠٠٩

العين الناظرة إلى أبعد ما وراء الذي تراه

العين الناظرة إلى أبعد ما وراء الذي تراه

المستقبل - الاحد 28 حزيران 2009 - العدد 3347 - نوافذ - صفحة 9


حسن داوود

في التعليق على الصورة الملتقطة في العشرين من حزيران الجاري ذكرت وكالة رويترز أنّها، ووكالات الإعلام الأجنبية الأخرى، تخضع لقرار مُلْزِم بعدم الخروج من المكاتب لإجراء التقارير وتسجيل الأفلام والتقاط الصور. الصورة الظاهرة مع هذه السطور مهرّبة إذن، ربما عبر التويتر الذي شاع ذكره في الأيّام الأخيرة منفذا لتسريب ما يجري في شوارع طهران وأزقّتها وسطوح أبنيتها. وقد واكبت نشاط التويتر، المفاجئ في جدتّه وسرعته، بل واكتشافه، مقالات في صحف العالم وصفت الدور الذي يؤدّيه. لمن هم في العمر الذي مكّنهم من معايشة أيّام ثورة آيات الله في إيران، ذكّرهم التويتر بالكاسيت، تلك التي قيل عنها آنذاك إنّها وسيلة التعبئة والإتصال بين الخميني، المنتقل آنذاك لإقامته الموقّتة في باريس، وجماهيره في مدن إيران وأريافها.
ورجل الصورة لم يكن بين أولئك الذين شهدوا تلك الثورة، أو أنّه ، كما قد تدلّ صورته، كان أصغر من أن يفهم ماذا يعني ذلك الاستنفار والضجيج الهائلان اللذان كانا متفجّرين من حوله. ولا ريب أنه، في صورته هذه، يحيّر الناظر إليه في محاولته تقدير عمره. ولا يرجع ذلك فقط إلى اختفاء أكثر وجهه تحت الضمادة، والكمامة التي ارتداها لغرض التخفّي على الأغلب، بل إلى تلك النظرة المحدّقة بالعين الواحدة، الساهمة والواعدة بالانتقام في الوقت ذاته. ربّما كان أكبر قليلا من عمر الشباب النموذجي، أو ربما هو في العمر الوسط بين هؤلاء، الشباب، وأولئك الذين سبقوا الشباب إلى إنجاز ثورتهم في العام 1979. أمّا السبب الداعي إلى تقدير عمره فمردّه إلى اتّجاه لدى المحلّلين في الصحافة يقوم على اعتبار انتفاضة حزيران هذه صراعا بين جيلين، وإن لم يفتهم ربمّا أن أجيالا أخرى فصلت بينهما ما دام أنّ ثلاثين عاما توالت بين هؤلاء وأولئك. الأصحّ أن نقول إنّ رجلنا هذا ينتسب إلى واحد من تلك الأجيال التي بدأ اعتراضها، لا بدّ، منذ الأيّام الأولى للثورة. ذاك لأنّه لم يمرّ يوم في إيران كان الناس فيه متجمّعين تحت قيادة حاكميهم. الإنتخابات التي حقّق فيها محمّد خاتمي فوزه الأوّل، ثمّ فوزه الثاني، كان من أعطوا نسبة السبعين في المئة أكثر من جيل واحد. وإنّ واحدنا ليخطئ إذ يظنّ أنّ الحياة التي يقترحها رجال الدين، أو يفرضونها، ستشدّ الإيرانيين كلّهم بجاذبيّتها. كلّ من زاروا إيران رأوا بأمّ العين تعبيرات الإحتجاج المختلفة، سواء في تفلّت النساء التدريجي من الحجاب، أو في إجراء الحياة في الخفاء بعيدا من الأعين المتلصّصة لمن أعطوا تفويض حماية الأخلاق، أو في الرقابة السياسية والأمنيّة على الجامعات، طلابا وأساتذة، أو في ترك الحياة الثقافيّة للإيرانيين تجري في المنافي ويمنع وصولها إلى من ما زالوا في بلدهم لم يغادروه.
وهي حياة موازية تلك التي تجري في الخفاء ابتداء من تهريب الكتب والأفلام وصولا إلى ما يفيض عن ذلك الخفاء خارجا إلى الحدائق العامّة التي، في الليل خصوصا، تنتشر فيها روائح الممنوعات بقوّة ما تُشمّ في الغرف المقفلة. وهي تفيض عن الخفاء أحيانا في عدم التزام سائق التاكسي جانب الحذر حين يسأل راكبي سيّارته على ماذا يريدون أن يحصلوا، ذاكرا بضاعته الممنوعة كلّها بأسمائها.
الأصح أن نقول إنها أجيال وليست جيلا واحدا، أجيال تتجدّد في مجابهة ما يبقى، بالقسر أو بقوة الإعتصام بالعقيدة، على حاله . يصعب على من كانوا أصحاب ثورة ذات يوم أن يقبلوا أن الأشياء لا تبقى على حالها، أو أن مبدأ الحياة هو التغيّر. بعض من كانوا ثوريّي إيران، وانتزعوا السلطة من الشاه، لم يصدّقوا ميل أبنائهم إلى الحياة الجارية في بلد الشيطان الأكبر، كما في بلاد الشياطين الصغار أو الأقلّ شأنا، كمثل بريطانيا وفرنسا وسواهما. قالوا لنا، نحن محاوريهم هناك في طهران، إنهم لا يعرفون كيف تصل أشرطة الفيديو، آنذاك، إلى أيدي أبنائهم وكيف يتسنّى لهم متابعة الموَض الجارية هناك. في ما يعتقده أحمدي نجاد ومن معه ممن يسمّون المحافظين، أو المتشدّدين، أن ما ينشدّ إليه الجيل الجديد لا يعدو أن يكون تعلقّا بالتفاهة. وهو، إذ يخطر له أن يسمّي الطرفين المتنازعين اليوم في طهران، وهذا ما أشارت إليه مقالات صحافية كثيرة، يروح يقارن بين جيل خاض حروبا وأرسى عقيدة وواجه دولا مستكبرة، وجيل لا همّ عنده إلا أن يعيش كما يحبّ ويهوى.
ذلك النظام الرافض للتغيّر لن يستطيع البقاء ما دام ّ كلّ ما يسعى إليه هو إبقاء إيران تحت سلطته. لم يعد مالكا القدرة على احتواء الإيرانيّين بتصعيد الإستعداد للحروب والمواجهات والزهو باقتراب الوصول إلى القنبلة الذريّة. «هذه، القنبلة، لا نريدها... لا نريد أن نواجه أحدا أو أن نتحدّى أحدا» قالت سميرة مخملباف، المخرجة السينمائية الشابّة، معبّرة، لا عن ما يراه أبناء جيلها فقط، بل عما يريده مثقفو إيران ومبدعوها على اختلاف أجيالهم.
طبعا يصعب على المأخوذ بالمشاهد المهرّبة، القصيرة والمجتزأة، والتي «لا يمكن الوثوق بصدقيّة بعضها»، كما ذكرت، متحسّبة، وكالات الإعلام التي توزّعها، يصعب على مشاهدها إذن أن يتنبأ بما ستؤول إليه تلك الإنتفاضة. ربّما ستتمكنّ القوّة من إسكاتها، ربما سيتمكّن مُسكتوها من طيّ صفحتها الآن والقول إن من قاموا بها مجموعة عملاء وجواسيس بدليل أن كثيرين ممن جرى اعتقالهم مشكوك بولائهم لوطنهم لأنّهم يحملون جوازات سفر أميركيّة وبريطانيّة. لكنّهم لن يجدوا إلآّ تشديد القوّة وإبقاءها متحسّبة متيقّظة، القوّة التي ستعتق هي أيضا.
ذاك لأنّ تلك الأصالة الحازمة لم تعد قادرة على أن تصنع رمزا أو أن تجدّد رموزها. مقتل ست عناصر من الباسيج، بحسب ما أورد الإعلام الإيراني، إن صحّ، فسيُنسى من لحظة ما يُستخدم في النزاع الإعلامي، أما ندا سلطاني فأيقونة باقية. ما لن يتمكن المسلحون العسكريّون، أو المسلحون المدنيون المسلحّون بالعصيّ والسواطير، بحسب ما نقل على «التويتر»، من تبديله، هو أن يكون ما جرى، وسيستمرّ جاريا ربما، هو بداية لزمن جديد. هذا ما تؤكّده تلك النظرة، المحدّقة ثابتة في ما هو أبعد من مرماها القريب.

الأحد، ٢٤ أيار ٢٠٠٩

عن أوديت سالم فقيدة ذوي المخطوفين

عن أوديت سالم فقيدة ذوي المخطوفين

المستقبل - الاحد 24 أيار 2009 - العدد 3313 -



حسن داوود

في الصور التي تعلّقت على ذلك الشريط الطويل بمحاذاة "الخيمة"، بدت أوديت سالم كما لو أنّها سمحت لنفسها بأن تتصرّف بوحي من الكاميرا التي أمامها. في واحدة من الصور جاوزت الإبتسام إلى حدّ الضحك. في واحدة أخرى قرّبت وجهها من العدسة التي كانت مرتفعة عنها لكي يُؤخذ وجهها من الأعلى، هكذا بضرب من اللهو الذي لم تتحرّج هي، ولا الآخرون من المعتصمين في الخيمة، عن الذَّهاب فيه. حتّى إنّني، في زيارتي إلى هناك، متأخرّا يوما عن الموعد الذي حُدّد لتشييعها ، فكّرت أنها ربما كانت قد عاشت أوقاتا سعيدة بين أولئك الجالسين والجالسات، الذين جعلوا من المساحة الضيّقة التي تحلّقوا فيها، ما يشبه غرفة جلوس في منزل من منازلهم. أو في منزل من منازلهنّ، هنّ النساء اللواتي غلب عددهنّ عدد الرجال، واللواتي رحن يقمن بالضيافة مبتسمات فيما هنّ يقرّبن فناجين القهوة البلاستيكيّة، أو أكواب السفن أب، للوافدين القليلين الذين لم يسبق لبعضهم أن زاروا خيمتهنّ من قبل.
كنّ يجلسن مستعدّات لاستقبال المعزّين مشتملات بثياب سوداء لم أعرف إن كنّ قد ارتدينها لمناسبة فقدهنّ أوديت أم أنّ هذا شأنهنّ دوما، بعد اختفاء أولادهنّ أو أزواجهنّ. وللزائر مثلي ليس هذا هو التساؤل الوحيد الذي يعبر في الرأس، فحتّى عبارة " العوض بسلامتكم " تثير الشك إن كان ينبغي قولها هنا، إذ ربما تذهب (هذه العبارة) إلى أبعد من مناسبتها لتصل إلى أولادهّن، هنّ اللواتي قضين كلّ هذه السنوات في انتظارهم. أوديت سالم، مثلا، كانت منتظرة عودة ابنها وابنتها بحسب ما شاهدنا في فيلم بهيج حجيج الذي أعاد هنغار أمم عرضه منذ نحو أسبوعين أو ثلاثة. رأينا أوديت، في أحد المشاهد، واقفة أمام تلك الخزانة المفتوحة الدرف لتدلنّا على ثياب ولديها الغائبين منذ خمسة عشر عاما (حتى حينه، قبل عشر سنوات من الآن). قالت للفيلم إن الثياب ما زالت مرتّبة على حالها منذ يوم غيابهما وذلك من أجل أن يباشرا ارتداءها من لحظة ما يعودان. المُشاهد، أو السامع، الباحث عن شيء يهوّن به أمر أوديت عن نفسه، ربما يخطر له أن يفكّر أنّ اللذين كانا في عمر الشباب قد تغيّر جسماهما الآن ولن تلائمهما ثيابهما القديمة، وإن نظيفة ومكويّة ومرتّبة في الخزانة.
لكن ينبغي أن يطرد المرء من ذهنه، على الفور، أفكارا من نوع أنّ أوديت كانت تعتدّ بما كان عليه حال ولديها حين ذكرت شيئا عن ثياب التزلّج الباقية، هي أيضا، على حالها. ذاك أنّ واحدنا لا ينبغي له أن يخلص إلى الدلالات نفسها دوما، وأن لا يترك لعقله أن يكرّر رياضته الروتينيّة التي اعتادها. وقد نبّهني غازي عاد الملازم الخيمة قاعدا على كرسيّه النقّال إلى ذلك حين قال إنّ على بيت أوديت أن يظلّ على حاله، كما تركته هي، وكما تركه أولادها من قبلها، ليكون متحفا دائما. ذلك ما نبّهني، أيضا، إلى أنّ أوديت، في تلك المنطقة اليقظة من رأسها، تلك التي كانت تذكّرها أنّ حرصها على إبقاء الأشياء في مكانها، وفي زمانها، ليس إلا طقسا أو ممارسة رمزيّة للحزن المازج التسليم بالغضب، كانت تعلم، فيما هي تقول أنّها تبقي البيت مستعدّا لاستقبالهما، أنها، في الوقت نفسه، تبدأ بتأسيسه متحفا.
هناك في الخيمة بدا طيف أوديت حاضرا بشريط الصور المعلّقة على ذلك السلك الطويل، وبتلك الصورة الكبيرة التي ألصقت على أحد أطرافها صورةٌ صغيرة تجمع الشابين، ابنها وابنتها، وهما في مطلع عشريناتهما. كذلك كان طيفها حاضرا في النساء الجالسات المعلّقات على ثيابهنّ السوداء، هناك عند الصدر، صور مفقوديهنّ. كنت قد ظننت أنّهنّ تخلّين عن هذه العادة منذ أن غابت عن الجرائد صور أم تيسير التي اختطف زوجها وأبناؤها الثلاثة، وصور أم محمد، ذات الصور الأربع أيضا: "لم نعد نرى أم تيسير، هل ؟... " وقد خلّصني غازي عاد من التردّد في لفظ الكلمة الأخيرة بأن أجابني، مسرعا، أنّ أم تيسير ما زالت حيّة تُرزق لكنّها لم تعد تأتي إلى الخيمة. ربما بسبب الكبر، أو بسبب المرض، أو ربّما لأنّ الكلام الذي يقال هناك، بحضور صحافيين ومتكلّمين في القوانين وداعمين من جماعات حقوق الإنسان، يوقفها جانبا، على حدة، بانتظار ذَهاب المتكلّمين.
كما حضر طيف أوديت بمكان سقوطها وموتها، ذاك الذي التفتت إحدى النساء الجالسات بوجهها إليه، لتدلّني، بالتفاتتها تلك، أنّه هناك، على بعد خطوات من هنا، مشيرة، بإصبعها هذه المرّة، إلى القرب الذي دُهست فيه أوديت. ولم تعلّق المراة بشيء بعد ذلك.هنا، بين من ينتظرون عودة أبنائهم، لن تسمع جملة من نوع أنّ أوديت " ارتاحت ". هذه تقولها المرأة الموظّفة في الوزارة، أو تلك المرأة الأخرى التي قالت، مستهولة ما حصل لأوديت في حياتها، أنّها لا تستطيع أن تتخيّل نفسها في مكانها. أما المعتصمات بالخيمة، المنتظرات أخبارا ستصل، إن وصلت، إلى هناك أوّلا، فلن يقلن جملة مثل هذه، ولا جملة أخرى يُرحن بها أوديت من نوع أنّها، هناك حيث صارت بعد دهسها، ستلتقي ولديها أخيرا.
ذاك لأنهنّ لا يطقن أن يصرن قليلات. كما أنّهنّ، في منطقة من وعيهنّ، يخفن من رحيل المعتصمات قبل عودة المخطوفين. ذلك سيعني لهنّ كما لو أنّ الزمن فات فوتا مضاعفا بطيّه جيل الأهل وتركه أبناءهنّ ضائعين منسيين في ماضيه. كانوا، نساء ورجالا، قليلين في الخيمة. البوستر الضخم الذي اتّسع لنحو 1500 صورة، والذي وُضعت نسخة منه قبالتهم، لا يعكس الإحتشاد الذي فيه احتشادا مماثلا حول ما أعطي إسم الخيمة. وأنا، في زيارتي الأولى، لن أستطيع أن أسأل أحدا من المداومين هناك: هل مات الكثيرون؟ قاصدا رفاقهم الذين كنّا نراهم كثيرين في التظاهرات التي كانوا يقومون بها.
في كلّ نزول لي بسيّارتي عابرا نفق سليم سلام، في الذهاب والإياب، لا أجدني مخفّفا سرعتي لألقي نظرة على "حديقة الإسكوا ". أعرف، أو أحفظ، أنّهم نصبوا خيمتهم هناك وأنّهم يجتمعون حول الصور المالئة المكان لكنّني، مثلي مثل غيري، تركتُ لهم أمرهم يدبّرونه بأنفسهم. ينبغي للواحد منّا أن يكون من عدادهم، أن يكون "ذا" مخطوف لينضم إليهم، هم " ذوو المخطوفين ". ذاك لأنّه من اللحظة التي يحلّ فيها أمر بجماعة تصير هذه الجماعة منفصلة عن غيرها من الجماعات وغريبة عنها. وها إنّ الجماعات لا عدّ لها. أولئك الذين يحتشدون في مطاعم الداون تاون، على مسافة أمتار من حيث نُصبت الخيمة، جماعةٌ. أولئك الذين يفضلون السكن في الأشرفيّة على السكن في الحمرا جماعةٌ. الذين ينتظرون الفانات ليركبوا فيها في ساحة الكولا جماعةٌ. الذين ينتظرون أن تعطى لهم حِصّتهم من التعويضات المقرّرة للمهجّرين جماعةٌ، وجماعة أخرى أولئك الذين أسعفهم الحظّ وقبضوا حصّتهم. أولئك الذين على لوائح الشطب في محافظة بيروت جماعة وجماعة أخرى أولئك الذين لم ينقلوا قيدهم إلى بيروت مثل أقربائهم... ما زال يفاجئني ما قاله الكاتب الإسرائيلي دايفيد غروسمان يوم سأل سامعيه من الجمهور البريطاني: كم عدد سكان بريطانيا ؟ وإذ راحت إجاباتهم تأتي متفاوتة بين أربعين مليونا أو ثلاثة وأربعين أو خمسة وأربعين، قال متعجّبا، بل ومستفزّا: غريب كيف أنّكم لاتعرفون كم أنتم... نحن في إسرائيل نعدّ بعضنا بعضا كلّ يوم.
وأنا، لحظة ما سمعت ذلك تراءى لي أنّنا، هنا في بيروت مثلا، كثيرون، ومزدحمون في كلّ من الأمكنة والأحوال التي ذكرتها أعلاه، كما في أمكنة وأحوال أخرى كثيرة ممّا يجعل أمر تعدادنا مرهقا.
لكنّني، مع ذلك، قد قمت بواجبي تجاه من تلقّوا العزاء برحيل أوديت سالم، فقيدة ذوي المخطوفين.

الأحد، ١٧ أيار ٢٠٠٩

استحالة أن تخترع الفكرة الواحدة مرتين

استحالة أن تخترع الفكرة الواحدة مرتين

المستقبل - الاحد 17 أيار 2009 - العدد 3306 - نوافذ - صفحة 9


حسن داوود

في شباط 2001 سطا أحدهم في باريس على حقيبة لي كانت في سيّارة أصدقاء، آخذا إلى أشياء أخرى احتوتها الحقيبة، مخطوط رواية أملت أن أكتب خاتمتها هناك. كانت تلك النسخةَ الوحيدةَ من الرواية، لذلك وجدت نفسي في صبيحة النهار التالي، طائفا مع صديقي جورج على من أُبلغنا أنّهم عصابات باريس أو سُرّاقها. أصدقاء آخرون، من لبنانيين وعرب طالت إقامتهم هناك، قالوا لي، كلّ بمفرده، إن من سرق الحقيبة سيأخذ منها ما يُثمّن ويباع قبل أن يرمي الباقي، ومنه روايتي، في نهر السين. وها أنني ما زلت إلى الآن، بعد انقضاء ما يزيد عن الثماني سنوات، أتخيّل تلك اليد ممتدّة إلى النهر، لتنفلش منها الأوراق مفلوشة في الهواء، قبل أن تهبط لتطفو على صفحة الماء.
ربما كان هذا ما فعله السارق، أو ربما كان هذا المصير للرواية هو أكثر السيناريوات رفقا بما أضعتُ. ذاك لأنّ السارق لن يمنح روايتي تلك النهاية الجليلة فهو، على الأرجح، سيرمي أوراقها في سلة المهملات القريبة من حيث وقف ليستريح من ركضه، بادئا بتقليب ما في داخل الحقيبة. لكن، ما يهمنّي في الحالين، هو انّ الرواية اختفت ولن تعود، رغم سعيي، الذي راح يتراجع مع الوقت على أيّ حال، في الإتصال بصديقي وسؤاله: هل وجدتها يا جورج ؟ هل اتصلت بمكتب المفقودات؟.. متى كانت آخر مرّة.. متى كان آخر اتّصال؟
هلا، في مكتب الوزارة الذي نعمل فيه معا، ذكّرتني، بعد أن عدت من باريس، أنها كانت قد أبدت عن استعدادها مرّات لتصوير الصفحات. كان إهمالي لاستعدادها ذاك، بل لطلبها الملحّ في أحيان، عائدا إلى ظنّ عندي، أجده الآن وهما خالصا، أنّ المخطوطة يجب أن تكون كما هي، وأنّ صورتها المنسوخة عنها يجب أن تكون مطابقة لها على التمام. وهذا لن يكون متوفّرا ما دام أنّني أكتب كلّ يوم، مضيفا سطورا جديدة إلى الصفحات الأخيرة، وأنّني، في أيّ حال، لن أذهب إلى هلا في آخر كلّ صباح وأقول لها أن تصوّر ما قد كتبت.
كان قد ذهب بي الظنّ الواهم إلى أنّني، إن أغفلت التصوير، أو النسخ، يوما واحدا، لن تعود تفيدني النسخة التي ستحتفظ بها هلا. ذاك لأنني لا أستطيع أن أستأنف الكتابة من مكان سبق أن تعدّيته وصرت في ما بعده، حتى لو كانت المسافة الزائدة أقلّ من 500 كلمة. فأنا أقف حيث انتهيت ولا يمكنني الشروع بالكتابة إلا من هناك، هكذا تبعا لقانون الزمن العادي، زمن العيش العادي، الذي تستحيل العودة إلى قبل ما كان قد انقضى منه. إنّه وهم كما ذكرت أعلاه، بل واحد من الأوهام المرافقة لكتابتي.
لكنّ ذلك الوهم الذي صوّر لي أنّني لا أستطيع الرجوع إلى ما قبل فقرتين أو ثلاث أجْلته حقيقة لكنها أقرب إلى أن تكون مستحيلة التطبيق، هذه المرّة أيضا: «عد إلى كتابتها.. أكتبها من جديد..» صار يقول لي أصدقاء بعد انقضاء تلك الموجة البوليسيّة التي شملت الكثير من الأصدقاء الذين جعلوا يقولون لي :« في يوم ما ستجد الرواية مطبوعة بقلم كاتب مجهول».
وقد عدت إلى الرواية الضائعة في أكثر من محاولة واحدة. في المحاولة الأولى أنجزت سطرين كانا، عند انتهائي منهما، كافيين لأن يصدّاني عن المتابعة. ذاك أني انتبهت إلى أني لا أكتب بل أتذكّر، حيث أنّني، من دون وعي منّي، بدوت كأنّني أستعيد المطلع السابق ذاته، بنصّه وحرفه كما رحت أجدّ في تذكّره.
المحاولة الثانية، وكانت بعد نحو سنة أو أكثر قليلا، حفّزتْها مِزقة من ورقة جاءني بها إبني فراس. قال إنّه وجدها بين صفحات أحد الكتب وأنها كانت بارزة عنه، هكذا، كأنني كنت أضعها علامة لأعرف إلى أيّ الصفحات وصلت في قراءتي لذلك الكتاب. كانت السطور الثلاثة مكتوبة بخطّي الصغير الذي فوجئت ذات يوم، أنا نفسي، بصغره، وذلك يوم أن صدر كتابي أيام زائدة في 140 صفحة كانت أصلا، بخطّ يدي، 16 صفحة فقط. كان عدد الكلمات 113 كلمة في السطور الثلاثة التي تصف عبور السيّد مرتضى بين النساء المتجمّعات عند مدخل أحد البيوت. وهو، بصيغة المتكلّم، جعل يقول كيف أنّه أتيح له وحده، هو رجل الدين، أن يحفظهنّ، بنظرة واحدة، لكنها كافية ليحفظ في رأسه كلّ تفصيل أعجبه فيهنّ، ومن دون أن يغيّر شيئا في قوله أمامهنّ: ألسلام عليكم.
وقد أسقطت نفسي، مرّة أخرى، في ذلك التنازع السابق بين الكتابة والتذكّر. ما كنت قد كتبته في الرواية الضائعة من مشاهد، وحوادث(قليلة بالطبع وغير دراماتيكيّة، بحسب ما يصفني أو يصف كتابتي قرّاء كثيرون)، وأفعال، وحركات تميّز الشخصيّات، تحوّل إلى وجود مكتمل وراسخ ، ,لا يحتمل سياقا آخر غير الذي وضعتْه الكتابةُ فيه. كأنّ ما ألّفته تأليفا وما صنعت أشخاصه وحوادثه صار في قوّة ما عرفته في عيشي الحقيقي. بل إنه كان أكثر قوّة منه حيث أنّ ما حفظتْه ذاكرتي من عيشي منفتح على المخيّلة تغيّره وتتصرّف فيه، أمّا الحياة المصنوعة من مزيج التخيّل والتذكّر، الحياة التي أُنجزت كتابتها، فلا تقبل تغييرا أوتصرّفا.
ذلك «اللعب» بما نتذكره آملين أن نستخلص منه أدبا، لن يسمح بأن نعاوده لأنّه لايطرح ثمراته إلاّ مرّة واحدة. فهو، بعد أن يُكتب ويصير في نصّ، ينغلق على نفسه مثلما تفعل تلك الزهرات الكبيرة إذ تضمّ ورقاتها إليها. لكن ربّما تكون إعادة اللعب متاحة لغيري بعد أن استنفدت نصيبي منه في تلك المرّة الواحدة. كأن يأتي أحد سواي ليعيد تخيّل ما سبق لي أن ألّفته، هكذا ذاهبا في ما أراده نورثروب فراي، في رؤيته لدور النقد، إلى آخر مطافه:»أن يكون النقد تعليقا على النص»، أي أن يُقرأ االنصّ، أو يُكتب، كما لو أنّه يُبدع من جديد.
وهنا أجدني رادّا الكرة إلى من ما زالوا، إلى الآن، يحرّضونني على أن أعيد كتابة الرواية الضائعة: لكن لماذا لا تعيد كتابتها أنت؟ أقول لمن يكرّر لي ما سبق أن قاله أو كرّره. وأنا سأكون مستعدّا ان أروي له، مشافهة، ما أتذكّره من الرواية، وعلى الأخصّ، المطارح الأجمل فيها، تلك التي من نوع ما تحتويه السطور الثلاثة التي عثر عليها إبني.
وها أنّني الآن، على رغم معرفتي بهذا كلّه، أجدني جالسا، وأمامي الكومبيوتر هذه المرّة، محاولا أن أعيد كتابتها من جديد، ذلك الإصرار أراه أشبه بعارض يعاودني كلّما فرغت من كتابة رواية ووجدت نفسي، من بعدها، لا أعرف عمّا ينبغي لي أن أكتب. وأنا، لكي أقنع نفسي باستطاعتي ذلك، أقول إنّني سابدأ هذه المرّة من غير المشهد الأوّل الذي يصوّر السيّد مرتضى جالسا على (كنبايته) وناظرا إلى تلك الصورة المعلّقة على الحائط أمامه، جامعة أباه وجدّه وعمّه، الواقفين، مرتدين هم الثلاثة، زيّ العلماء.
أبدأ إذن من مشهد آخر بعد أن أقتنع به مختزنا ما يكفي من الطاقة التي تدفع إلى الإقبال على الكتابة. من دخول السيّد مرتضى إلى بيت أبيه الذي بات مقيما بمفرده فيه بعد موت امرأته وإبنه. أكتب مقطعا في ذلك. لا أكثر من ذلك المقطع الذي عاد بعده كلّ ما أتذكّره من الرواية، متفرّقا، إلى الإحتشاد والتجمّع، هكذا كأنّ المشاهد المتقطّعة تتزاحم حول الثقب الضيّق متسابقة على الدخول فيه.
ما لا أستطيعه، أيضا، هو أن أنسى ما أتذكّره. أن أعمل بحسب فتوى ذلك الشاعر العربي الذي أجاب مَن سأله ماذا عليه أن يفعل ليقرض الشعر: إحفظ خمسة عشر ألف بيت منه، ثم إجهد في نسيانها.
في هذه الفترة الفاصلة بين الإنتهاء من رواية والإهتداء إلى أخرى، ما زلت أقلّب الإحتمالات ملتقطا واحدة من تلك المهوّمات التي تزدحم حول الثقب الضيّق ذاك، ممسكا إيّاها من طرفها، مضخّما حجمها، وقائلا لنفسي: أبدأ من هنا. لكن ذلك الحمل المُعاوَد لم يلد، شأن سابقه، إلا فقرة واحدة. ذاك أنّ الحمل الحقيقي، الحمل الأوّل، قد أُجهض. وهنا أستعير تشبيها قالته لي إحداهنّ في وصفها لحال من أضاع شيئا بعد أن أتمّ إنجازه (وكان ذلك في معرض كلامها عن ضياع روايتي)، قالت إنّ ذلك أشبه بفقدان الحامل لجنينها. ذلك التشبيه أعجبني. صحيح أنّه غير متطابق تماما، وأنّ الدقّة تعوزه، لكنّه أقرب التشابيه إلى ما قد يخطر في الرأس.

[ مقطع من نص طويل كتب ليقدم كمادة تعليمية ضمن البرنامج العالمي للكتابة الابداعية في جامعة ايوا بالولايات المتحدة.
*

الجمعة، ١٥ أيار ٢٠٠٩

وحدها عزيزة لم تجد رفيقة تؤانس إدمانها



وحدها عزيزة لم تجد رفيقة تؤانس إدمانها

المستقبل - الاحد 10 أيار 2009 - العدد 3299 -



حسن داوود

"راحت عزيزة، فيما كان أبناؤها يتحلقون حولها، تبحث في كيس من قماش عن ملعقة بدت وسخة حين أخرجتها، ثم أخرجت بعد ذلك المسحوق الذي ستتناوله وقشة لرشفه. إبنها ميروايس، الذي في سن السادسة، كان واقفاً الى يسارها، فيما أخته سونيا التي في العاشرة تقف الى جهة اليمين. بعينين زائغتين، بدأت عزيزة بمسح عود الكبريت على علبته، لكن لم تحدث الشرارة. ثم جربت مرة ثانية، ولم تُفلِح. عندها أخذت سونيا بيديها علبة الكبريت وأشعلت عوداً أعطته لأمّها المستعجلة، غير القادرة على الانتظار.
أحنت عزيزة جسمها بعد ذلك، وبدأت بتنشق الدُخان الأزرق".
لكن مع ذلك الوصف الذي كتبه ديكستر فيلكنز في صحيفة نيويورك تايمز، يوم 6 أيار الجاري، تظل الصورة المرفقة بمقالته أبلغ وأكثر دلالة بكثير. كان الوالدان، فيما هي تستنشق الهيرويين، ينظران إليها، محدقين، كأنهما، على صغرهما، يعلمان ماذا تفعل أمهما، تلك التي رقّت بشرتها وتجعّدت بما يجاوز كثيراً عمر امرأة أنجبت ابنها الأصغر الذي لم يتجاوز عمره سنة ونصف السنة. "لا أقدر أن أمنع نفسي من تناوله"، قالت لفيلكنز: "حين تأتيني الحاجة إليها، يكون ذلك أشبه بهجوم مفاجئ.. لا أستطيع مقاتلة الأفيون، إنه أقوى مني".
لكن ما غرقت فيه عزيزة لن يكون خطراً على الآخرين في الخارج. ذاك لأنها لا تغادر بيتها، شأن النساء جاراتها اللواتي لا يخرجن إلا لجلب الضروريات. خطرها، أو خطر عدواها، يقع على أولادها فقط، هؤلاء الذين، مثلها، لا يغادرون البيت. هذا مع أنها مدركة لذلك الخطر. منذ نحو ستة أشهر ذهبت الى عيادة استشارية تختص بمعالجة المدمنين. لم تمكث في مركز التأهيل الذي أحالتها إليه العيادة إلا أربعاً وعشرين ساعة فقط. لا يُسمح لها بالبقاء هناك أكثر من ذلك، حيث إن المدمنين كثيرون وما هو متاح لهذه المراكز قليل. يوم واحد لن يكون كافياً على الإطلاق وإن كانت عزيزة قد توهّمت غير ذلك. في بلدان العالم الأخرى يبقى المدمنون في المستشفيات أو مراكز التأهيل مدداً قد تصل الى ثلاث سنوات، ولا يُفلحون جميعهم في التخلص من مرضهم.
الجديد في مقالة فيلكنز هو انتقال عدوى الإدمان الى النساء في أفغانستان. كان عزلهن في البيوت وإلقاء مسؤولية الأولاد عليهن يدفعهن دفعاً الى أن يتحلين بالحكمة، الضرورية، ما دام أن الرجال، والأولاد أيضاً في أعمار تبدأ من العاشرة، قد أخذهم الأفيون.
"الأفيون صديق لي"، قالت عزيزة التي كأنها بدأت تعاطيه مختارة. فقط جرعة واحدة أعطتها إياها امرأة كانت كافية لإدمانها. وكما أن حظر خروج النساء منع عزيزة من العمل بعد مقتل زوجها بحادث اصطدام منذ سنتين، أبقاها هذا الخطر من دون "رفقة إدمان" التي تضمّ الرجال عادة. إنها مدمنة في عزلتها، وعليها أن تتدبر الجرعتين في اليوم وهي باقية في منزلها. لن تستطيع أن تنضم الى تجمعات الرجال، أولئك الذين صورتهم الكاميرات أو وثّقت مآسيهم في أفلام ما زالت تتزايد أعدادها بتزايد انتشار الأفيون بين الأفغان. ولن تجد النساء المدمنات مثل ذلك المأوى الذي يجمع ألفي رجل مدمن في اليوم، إضافة الى الآخرين الستمئة المقيمين هناك في ذلك البناء المتصدّع، المثقّب بالرصاص، الذي كان ذات يوم "المركز الثقافي السوفياتي". كان الرجال منقسمين الى حلقات في ذلك المكان الشاسع والغارق في أوساخه، كما يقول فيلكنز، لكن من دون أن تصدر من كثرتهم إلا أصوات خافتة قليلة. لا يكلم أحدهم الآخر، واجتماعهم في حلقات لا يجعلهم صحبة إذ قلما ينتبه أحدهم الى وجود الآخرين حوله. في وصفه لأحوالهم قال فيلكنز إنه لا يعلم إن كان بين أولئك موتى، أو إن كان بينهم من وصل الى الموت أم أنه ما زال منتظراً على حافته.
"إدمان الأفيون في أفغانستان يزداد انتشاراً مع زيادة إنتاجه"، يقول فيلكنز الذي يذكر أن أفغانستان تنتج تسعين في المئة من حصيلته العالمية. هكذا، وبحسب المعادلة التي وضعها فيلكنز، بات عدد المدمنين هناك متخطياً مئتي ألف، بحسب الدراسة التي أجرتها الأمم المتحدة منذ أربع سنوات. ذاك أن التسعين في المئة لا تصدّر كلها الى البلدان المستهلكة لتبقى كميات كثيرة منها هنا، في مكانها"، لذلك يمكن لفقراء كابول وسواها من مدن أفغانستان وقراها أن يحتملوا الإدمان، أو أن يقطعوا شوطاً في تلبيته على الأقل.
يمكن للفقر والحروب أن يوصلا البشر الى ما كان يصعب تخيّلهم فيه. من ذلك مثلاً أن يتحوّل ما هو شذوذ عن التآلف العائلي الى عنصر من مكوناته: إنها الأم هذه المرة، في حالة عزيزة، وليس الإبن الضال أو الزوج المتخلّي. ثم إن ما تريه الصورة هو إظهار ما كان ينبغي له، في حال حصوله، أن يجري في الخفاء. كما أنه هنا، بين عزيزة وأولادها، يجعلنا نفكر في الطعام الذي هو بديل الأفيون في بيت عزيزة، أو أنه، فيما هو يأكل عزيزة أو يمتصّها، يأكل الطعام الذي ينبغي له أن يُعطى لأولادها.
ثلاثون سنة من الحرب أوصلت الى الصورتين، إحداهما الصورة المرفقة وثانيتهما صورة مكان الموت أو سردابه الضخم كما يصفه فيلكنز. الحرب الموصلة الى الأفيون يموّلها الأفيون نفسه. كما أنه يشارك في قتالها، ما يحسب الطالبان الذين يرون أنهم يصدرون محاصيلهم من الأفيون الى بلدان الغرب الكافرة. ولا يهم طبعاً، بحسبهم، أن يُطعم الأفغانيون من ذلك السمّ، فهؤلاء، مدمنو المركز السوفياتي المهدم، ومعهم عزيزة، لن يفيدوا مجتمع الطالبان في شيء.



الأحد، ٣ أيار ٢٠٠٩

في تذكّر المخطوفين.. وفي تذكّر أهلهم أيضاً

في تذكّر المخطوفين.. وفي تذكّر أهلهم أيضاً

المستقبل - الاحد 3 أيار 2009 - العدد 3293 -



حسن داوود

في فيلم "مخطوفون" لبهيج حجيج وحده إيلي شعيب تكلّم باللغة الفرنسيّة. بدا محايدا في أول الفيلم الذي جمعت فقراته كثيرين ممّن اختُطف أقرباء لهم في فترات يرجع أقربها إلى عشر سنوات على الأقلّ (من زمن تصوير الفيلم الذي يعود إلى العام 1998). تلك الأناقة لرجل في السبعين، حيث القبّة المنشّاة وربطة العنق المحكمة العقد، وذلك الوجه الذي يحرص على إخفاء ما ينفعل به صاحبه، والإجابات التي من نوع ما ينطق به وكيلٌ عن صاحب الحقّ، كلّ ذلك جعل إيلي شعيب شخصيّة غير قابلة لإبداء التعاطف. كان علينا أن ننتظر عودة فقرات الفيلم الأخرى إليه، مرّة بعد مرّة، لنرى في آخرها كيف أنّ ظنّنا بمعرفة الناس من هيئاتها لا يعدو كونه وهما، وكيف أنّ الوجوه ليست إلآّ أقنعة لأصحابها.
بدأ ذلك حين انتقل شعيب إلى الحديث عما كابده في أثناء بحثه عن إبنه المخطوف (أندريه). قال إنّه بذل كلّ شيء، كلّ ما كان يملكه، مضيفا إليه ما استدانه بعدما استنفد ما كان قد جمّعه. كانت هذه أوّل اهتزازة في شخصيّة الرجل حيث أوحى كلامه بما يناقض قيافته، كما أوحى أيضا بأنّ أثاث المنزل الذي نشاهده في الخلفيّة فاقد لجدّته وهو باق من زمن سبق، ناجيا من أزمة الإنفاق والإستدانة. في اهتزازة ثانية لصورة الرجل نراه وقد دمعت عيناه، هكذا بما لا يتلاءم مع طلّته الأولى في الفيلم، حين لم يخطر لنا أنّ هذا الوجه هو من أنواع الوجوه القابلة للبكاء. تلك الهيئة المحايدة، بل المعتدّة بحيادها المتعالي، راحت تتحوّل إلى نقيضها كما لم نشاهد في أيّ من الحكايات التراجيديّة التي غالبا ما تبدأ، لإظهار قسوة المصائر، بوضع ضحاياها في البدايات في نعيم التفاؤل والسعادة.
إيلي شعيب، الأب المفجوع بفقدان إبنه، لم يبدأ من هناك، حيث تبدأ التراجيديّات المعتادة. في مشاهد ظهوره الأولى بدا غير مكترث بمن سيشاهدونه وغير مُنتظر أيّ نوع من أنواع التعاطف. في اهتزازةٍ ثالثة وحاسمة لصورته رأينا الكاميرا تنتقل إلى تلك المرأة التي بدت لنا جَدّة في النظرة الأولى. كانت زوجته. وكان الفارق مهولا بين الإثنين بالمقارنات والأقيسة جميعها. كأنّها جارة عجوز أتت لتسأل عن شيء لا تعرف ما هو ولا ممّن ستطلبه. " أنظروا إليها" قال زوجها إيلي شعيب بما يشبه أن يكون تعريضا لها لما هي ذاهلة عنه، كما لتعريض نفسه للإحراج في وقت واحد معا.
تلك الطريق الموصلة إلى كشف الأقنعة سلكها، أو سُلِّكها جميع الذي اختارهم الفيلم، وهم سبع شخصيّات أو ثماني، من بين ذوي السبعة عشر ألف مخطوف في لبنان، بحسب تقدير ذكره إيلي شعيب نفسه. جميعهم رجالا ونساء، كشفوا عن ألمهم الذي لم تخفف السنوات العشر، أو الخمسة عشر التي انقضت على اختطاف آبائهم أو أولادهم، من وطأته. أحد هؤلاء، وكان يتحدثّ عن معاناته من اختطاف أبيه، أبعد الكاميرا بحركة من يديه، كأنما لكي يضع حدّا لانكشاف حزنه أمام مشاهديه. تلك المرأة التي لا تزال تنتظر عودة إبنها، سلّمت، في لحظة ما بدا لنا، طيلة ظهورها في الفيلم، أنّ قوّتها غير المذعنة لاحتمال ألاّ تعود لرؤية إبنها أبدا، فجعلت تبكي ساترة عينيها بكفّيها ليكون انكشافها أقلّ، شأنها شأن الشاب، بل شأن جميع من بلغوا ذلك الفصل الأخير من التراجيديا. بدت تلك المرأة أكثر الجميع تيقّنا من أن إبنها سوف يعود. أو أنّها بالغت في الإفصاح عن ذلك أو في الإعتقاد به، لإقناع نفسها ربمّا بأنّ العيش في الوسط بين الإنتظار وعدم الإنتظار، بين التصديق وعدم التصديق، مرهق إلى حدّ لن تستطيع احتماله. "رح يرجع.. طبعا رح يرجع.. أكيد" أخذت تردّد مقوّية نبرة صوتها بما لا يناسب أبدا حال امرأة تسأل العطف من سامعيها. كانت تحاول طمأنة نفسها بما يشبه أن يُطمئن أحدٌ أحدا سواه. أو أنّها كانت تسعى إلى أن تدفع نفسها، عامدة قاصدة، إلى أحد الإتجاهين اللذين أبقيانها في الوسط منهما.
أو ربما كانت نبرتها تلك مستعارة من كلام التنديد الذي نسمعه في التلفزيون حين يُعرض لنا مواطن يطالب دولته الغافلة عن إيفائه حقّه. فهي ربما ظنّت أن المطالبة باستعادة إبنها لا تختلف عن مطالبة الآخرين للدولة بأن تعبّد الطريق الموصلة إلى بيوتهم أو ردم الحفر التي تتسبّب بخراب سيّاراتهم. كأنّ الصوت العالي مفيد حتّى هنا، والآن بعد أن انقضت سنوات كثيرة على صدمة الفقدان الأولى. ذوو المخطوفين (وهي العبارة التي تسمّيهم والتي تعجز عن حمل المرارة والعذاب اللذين ملآ جوانب عيشهم كلّه) مقيمون جميعهم في تلك الحيرة التي تقسم كلّ منهم إلى إثنين. في الخزائن ما زالت الثياب كما كانت وقت رحيلهم. لم يتغيّر شيء في الترتيب الباقي على حاله، فالقمصان مطويّة وموضوعة في مكانها على الرفّ السفليّ، والثياب التحتانيّة ما زالت كما هي في الجوارير، وكذلك البدلات التي بينها واحدة لا تزال جديدة تحمل علامة جِدّتها، وكذلك ثياب التزلج ...
ذلك القرار الصعب بأن تُخلى الخزائن من البسة أصحابها مجهولي المصير لم يستطع أحد، في سنة 1998 أن يتّخذه. فلنفرض أنّهم رجعوا، تقول إحدى الأمهّات. أما الآن، وبعد انقضاء إحدى عشرة سنة أخرى، هذه التي توالت على ما قاله أولئك الناس في اللقاءات معهم، نجد أنفسنا وقد حوّلناهم هم، وليس أبناءهم ،إلى موضوع الإهتمام الأوّل. أي أننا نسأل أين هم، وما صار إليه مصيرهم، تماما كما جعلونا نسأل عن مصير ذويهم في الفيلم. وقد أُبلغنا فقط عن ذلك الرجل، والد المخطوف جدع، والذي ذكر الفيلم في نهايته أنّه مات قبل أن يعرف مصير إبنه: أحيّ هو أم ميت؟
نعرف أنّ كثيرين منهم ماتوا. ذاك أن نساء مثل أم تيسير، ألتي كنا نراها في المظاهرات معلّقة على صدرها صور مخطوفيها الأربعة، توقفنا، منذ سنوات كثيرة عن أن نسمع عنها شيئا. ربما لم تعد موجودة حتّى قبل 1998. فيلم بهيج حجيج دعانا إلى تذكّرها، نحن الذين نسيناها، أو تركناها هناك في الزمن الذي أمسى ماضياً مبقياً أهله فيه لا يتّصلون بنا ولا نتّصل نحن بهم. ذاك أننا، أنّني أنا شخصيّاً، توقّفت منذ زمن بعيد عن أن أسأل وداد حلواني: كيف هي أم تيسير؟ هل ما زالت مريضة؟ هل أعطب شيئا فيها سقوطها مغشيّا عليها في تلك المظاهرة؟
حتّى أنني لم أتمكن من أن أعثر على تلك المقابلة التي أجريتها معها في بيتها، المليء بالأولاد آنذاك، هؤلاء الذين كان عليها أن تعيلهم من شغلها في البيوت بعد اختطاف أهلهم، أولادها، في حملة إجرام واحدة.
في الفيلم رأينا ذلك الأرشيف الذي جمعته وداد حلواني وقد عتق واصفرّت جنبات أوراقه كما قالت. وكان هذا منذ أحد عشر عاما. ألآن في 2009 نجد أننا بتنا فاقدي الحماسة، إذ أقصى ما نستطيع القيام به هو التذكّر، التذكّر المتفرّق المتوزّع متفاوتة تفاصيله بين واحدنا والآخر.
فيلم بهيج حجيج " مخطوفون" عرض مساء الثلثاء، سويّا مع مقتطفات من فيلم ليلى كيلاني " أماكننا الممنوعة" في الهنغار- أمم، وذلك ضمن سلسلة "وجها لوجه ما كان" عن لبنان "وذاكرته حمّالة الحروب".

الأحد، ٢٦ نيسان ٢٠٠٩

المدارس لم تعد هي من يقترح مواضيع الإنشاء

< المدارس لم تعد هي من يقترح مواضيع الإنشاء

المستقبل - الاحد 26 نيسان 2009 - العدد 3287 -


> حسن داوود
لمناسبة تسمية بيروت عاصمة عالميّة للكتاب، كما لمناسبات أخرى بينها ما بدأ في العام الماضي احتفالا بجبران خليل جبران لانقضاء 125 عاما على رحيله، أقبل تلامذة لبنان على ما دعتهما إليه وزارتا التربية والثقافة لكتابة نصوص أدبيّة وقصصيّة. القارئ لهذه النصوص المشاركة، المرسلة من كافّة مدارس لبنان، يستوقفه ذلك الاختلاف بين مجموعة منها وأخرى. وهو، إذ يسعى إلى أن يجد تفسيرا للاختلاف لجهة مستوى الكتابة، يميل إلى الاعتقاد أنّ ذلك راجع إلى المدارس ومستويات التعليم فيها. لكن هناك اختلافات أخرى، وهذه تصل في أحيان إلى درجة من الحدّة تبدو معها النصوص كما لو أنّها واردة من بلدان متباعدة وليس من بلد واحد صغير تتّصل مناطقه ويتداخل بعضها ببعض. أقصد هنا الاختلاف في الأولويّات والاهتمامات، كما في العناصر التي يُصنع منها التخيّل، والنظرة إلى المستقبل، تلك التي تتعدّى السؤال الذي يُسأله الأولاد عادة: ماذا تحبّ أن تكون عندما تكبر؟ وهنا، في هذه الأخيرة، يجعلنا كاتبو النصوص الصغار نغضّ الطرف عن الإجابات التي نسمعها عادة في برامج تلفزيونية التي هي أن واحدهم يريد أن يكون إطفائيّا وآخر يريد أن يصير طبيبا أو معلّما أو مخترعا...وغير ذلك.
تلامذة لبنان، عموما، وقبل الحديث عن الاختلاف بينهم، يذهبون في أفكارهم إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. ذاك أنّهم موغلون في ابتعادهم عن الظرفي والمرحلي ليضعوا أنفسهم إزاء المصيري والقدري. فهناك دوما مأساة وموت في كلّ من القصص المقدّمة للاشتراك في المسابقات. أما الأحداث التي تتتابع في السطور فتقوم على مسائل الفقدان والموت والِشهادة والاستعداد للانتقام والتصرّف بالزمن مقسّما على وحدات كبرى، كأن يكتب من هو في سن الثالثة عشرة.." بعد أن مرّت عشرون سنة.." ليقول في وصف من كانت شابة إنّها كبرت و" بان الشيب كثيفا في رأسها".وفي نصوص كثيرة نجد كيف أنّ الموت هيّن الحدوث وحدوثه هذا مسرع وحتميّ، هكذا بما لا يماثل أبدا ذلك الميل المفترض عند الصغار والذي اعتدنا أن نراه مؤثرا السلامة والنهايات السعيدة. في بعض المسابقات اقتبس التلامذة قصصا وروايات شائعة مثل ليلى والذئب وقصّة البجعات السبع (وهي إحدى قصص ألف ليلة وليلة ) محدّثا إيّاها، أي ليجعلها أكثر عنفا وقسوة.
وذلك الميل إلى ما هو تشاؤمي لا نجد له مراجع كتابيّة، أو قرائيّة على الأصح. ذاك بأن التلامذة قلما يستشهدون في نصوصهم بجمل مأخوذة من كتب. وحين نراهم وقد فعلوا ذلك، على قلّته، لا يبتعدون عن الكتب التي طلبت المدرسة منهم قراءتها في أعمار لهم سبقت (أتكلّم هنا خصوصا عن المسابقات المخصّصة لمن تفوق أعمارهم الأربع عشرة سنة، أما عن الكتب التي تقترح المدارس قراءتها فمعروفة لمن سبق لهم أن عملوا في مهنة التدريس)؛ وهناك ضرب آخر من الاستشهادات المأخوذة من الكلام الديني الذي يُكتسب مشافهة، بالنظر إلى تداول هذا الكلام وشيوعه في السنوات الأخيرة.
ليس جديدا أن نقول إنّ التلامذة في لبنان قليلو الإكتراث بالقراءة. حسبهم أنّهم صغار هذه البيئة التي يُخجل تناولُها بالإحصاءات العالميّة، خاصة حين تقارن ببيئات ثقافيّة أخرى، كأن يُقال مثلا إنّ ما ينقله العرب إلى لغتهم من آداب العالم لا يتجاوز خمسة في المئة ممّا تنقله اليونان، بمفردها، إلى لغتها (بحسب تقرير نشرته مجلة "فورين أفيرز" عدد آذارـ نيسان 2009، وقد نقلنا في " نوافذ " بعضا من خلاصاته في العدد ما قبل الأخير).
ما يقابل النصّ الديني في نصوص الصغار هو النصّ الجبراني، أو الإنشاء الجبراني الذي حصّله هؤلاء من كتب مثل الأجنحة المتكسّرة خصوصا. ما زال هذا الإنشاء فاعلا، بل ومهيمنا، على الرغم من السنوات الفاصلة عنه وما حفلت به هذه السنوات من حروب وهجرات وإجلاء الجماعات عن مناطقها، كما على رغم ما أصاب صورة لبنان كما هي في النصّ الجبراني. ذلك القسم من التلامذة، الجبراني، هو ذلك المازج بين فرديّته المنكسرة وهجاء المجتمع الحالي وقوانينه، الباقية على أركانها السابقة ذاتها، أيّام جبران. في بعض الأوراق نجد أنّ "النَفَس" الجبراني يتحوّل إلى مرجع نقدي فيقوم، بإنشائه الجامع بين الثورة والنبوّة، بتناول الواقع الراهن وهجوه، هكذا بما يحوّل كاتبي تلك النصوص إلى مبشرين بعقيدة. أمّا قارئ النصوص فيمكنه أن يحدس من أيّ المناطق، أو من وحي أيّ الجماعات، أتت هذه المسابقات، ذاك بأنّ هناك من ما زال ينازع تكريس جبران أديبا حاملا لمعنى لبنان، وهذا، على أيّ حال لا يحتاج تبيّنه إلى بحث مستفيض، فهو، شأن مسائل كثيرة مماثلة، يُدرَك بالحدس والملاحظة التي غالبا يُستغنى بها عن الدليل.
أقلّ من نصف المسابقات بقليل تناولت المقاومة والقتال والشهادة، وقد نُسجت قصص فرديّة، كتبت بصيغة المتكلم أحيانا، عن أبرياء سقطوا جرّاء القصف الإسرائيلي، فقام أبناؤهم بالانتقام لهم. الشاب الذي تُروى قصّته، أو سيرته، يعيش حياة عاديّة غالبا، كأن يهتم بتحصيل علمه، حتى الوصول إلى الجامعة، لكنّ فكرة القتال، الذي سينتهي بالاستشهاد، تظل قائمة، وإن مؤجّلة ومتروكة إلى أن يحين أوانها. ولا يُصوَّر مصرع الشهيد كحدث فاجع. في قصص كثيرة تقدّمت للاشتراك في المسابقة بدا أنّ ذلك المصير أشبه بنهاية نمطيّة يُلجأ إليها ليحسن الختام.
أماّ الثأر والانتقام فيمكن لسببهما أن يذهب بعيدا في الزمن، وأن لا يكون متّصلا بالتجربة الشخصيّة لبطل القصّة، سواء كان كاتبها نفسه أو شخصيّته المخترعة. في بعض القصص أُرجع السبب إلى حادثات تاريخيّة قديمة بينها تاريخ القرية التي ينتمي إليها الكاتب (على غرار إحدى القصص التي تناولت مجزرة حولا في الجنوب) أو أخرى عامّة لا تتّصل بالتاريخ المحلّي، اللبناني، لمراحل النزاع والحرب مثل مجازر دير ياسين وكفر قاسم وغيرها..
ما يجعل هذا الموضوع الكتابي منتسبا إلى جماعة من جماعات لبنان وليس واحدا من اتجاهات كتابيّة قائمة هو لغة القصص وروحها ووجهتها وتمثيلها للثقافة الدينيّة لجماعتها.
التنوّع في ما يكتبه تلامذة لبنان يبدو أقرب إلى أن يكون انعكاسا لعيش أهلهم وليس اختيارا فرديا بين أنواع كتابيّة. أحد الذين اطّلعوا على المسابقات قال إنّه يستطيع معرفة أسماء كلّ من كتابها من نصّه، الاسم الذي يدلّ، بدوره، إلى ما ينتسب إليه صاحبه.